[ ٣ / ٢٩١ ]
الذي يذكر في هذا الباب، هو قسمان: قسم لم يصححه وهو ضعيف، وقسم لم يصححه وهو حسن، ولم نفضل في الذكر أحد القسمين من الآخر، لتداخل القول في الرجال، ولكنه يتبين ذلك في حديث حديث من سائر الباب
(١٠٣٧) فمن ذلك أنه ذكر من طريق البزار، من حديث شريك بن عبد الله، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن خباب، أن النبي ﷺ قال: «إن بني إسرائيل لما ضلوا قصوا».
قال البزار في هذا الإسناد: إسناد حسن.
قال أبو محمد: وليس مما يحتج به
[ ٣ / ٢٩٣ ]
كذا قال، ولم يبين موضع علته، ورأيته لما ذكره في كتابه الكبير، قال بعده: ابن أبي الهذيل اسمه عبد الله، وأبو سنان اسمه ضرار بن مرة.
فهذا منه تصريح بأن الذي لأجله لا يحتج به عنده، هو شريك، فإنه قد كان يظن أنه لم يعرف ابن أبي الهذيل، وأبا سنان، ولذلك تبرأ من عهدته بذكرهما، فإذ قد عرفهما فقد عرف أحكامهما، فإنها عند المحدثين بينة - أعني أنهما ثقتان.
قال النسائي والكوفي في عبد الله بن أبي الهذيل، أبي المغيرة العنزي: إنه ثقة كوفي، وقال الكوفي: إنه كان عثمانيا.
وهذا لم يثبت، ولا نعدمه وما أشبهه في كثير ممن يحتج بهم.
وأبو سنان هو الأكبر ضرار بن مرة «كوفي» أيضا، ثقة.
قال فيه ابن معين وابن حنبل: ثبت.
وقال يحيى القطان: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به.
وقال فيه الكوفي: ثقة، ثبت، مبرز، صالح، صاحب سنة، وهو
[ ٣ / ٢٩٤ ]
في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث.
وكان الثوري يقول: بالكوفة خمسة يزدادون في كل سنة خيرا، فعده فيهم.
ويقال: إنه كان له جمل يستقي عليه الماء لنفسه، فيسقي قوما لا يجدون الماء إلا غبا، احتسابا منه، فكان قومه يقولون له: فضحتنا رأيت فينا سقاء؟ فيقول: ليس تدرون ما هذا.
فإذن لم يبق من يتعين النظر في أمره عنده إلا شريك بن عبد الله القاضي، وأمره أشهر، وأخباره أكثر من أن نعرض لها.
وجملة أمره أنه صدوق، ولي القضاء فتغير محفوظه فمن سمع منه قبل ذلك فحديثه صحيح.
وهذا الحديث يرويه عنه أبو أحمد الزبيري، ولا أدري متى سمع منه
فهذه هي العلة المانعة من تصحيح هذا الخبر
(١٠٣٨) وقد ذكر أبو محمد في الأشربة حديث: «اشربوا في
[ ٣ / ٢٩٥ ]
الظروف، ولا تسكروا».
[ ٣ / ٢٩٦ ]
من رواية شريك.
ثم قال: وشريك لا يحتج به، ويدلس أيضا
(١٠٣٩) وذكر حديث: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا» من عند أبي داود.
ثم قال: في إسناده مهاجر الشامي، ليس بمشهور، وقبله في الإسناد شريك، عن عثمان بن أبي زرعة.
وهذا منه أيضا مس لشريك، فإن عثمان بن أبي زرعة، هو عثمان بن المغيرة، أبو المغيرة، أحد ثقات الكوفيين.
وهذا الذي عمل به في هذه الأحاديث: من كونه لم يصحح ما هو من رواية شريك - لا أقول: ضعفها، إنما أقول: لم يصححها - هو الصواب، فهي حسنة
[ ٣ / ٢٩٧ ]
فأما تصحيحه ما هو من رواية شريك فليس بصواب، وذلك في أحاديث كثيرة سكت عنها، وهي من روايته ولم يبين أنها من روايته، وهو قد أخبر عن نفسه أن سكوته عن الحديث تصحيح له، إلا أن يكون في فضل عمل
(١٠٤٠) فمن ذلك حديث عائشة: «من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه».
يرويه عن شريك علي بن حجر، ذكره الترمذي عنه
(١٠٤١) وحديث أنس: «أتيته بماء في ركوة فاستنجى ومسح يده بالأرض»
[ ٣ / ٢٩٨ ]
رواه عن شريك وكيع
(١٠٤٢) وحديث عائشة في: «ترك الوضوء بعد الغسل».
رواه ابن مهدي، وإسماعيل بن موسى عن شريك
(١٠٤٣) وحديث: «وضع الركبتين قبل اليدين»
[ ٣ / ٢٩٩ ]
(١٠٤٤) وحديث «كنت أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاث»
[ ٣ / ٣٠٠ ]
(١٠٤٥) وحديث ابن مسعود: «أن الربا وإن كثر فإنه يصير إلى قل».
وهو أيضا من رواية أبي أحمد عن شريك
(١٠٤٦) وحديث: «اشترى من عير بيعا وليس عنده ثمنه،
[ ٣ / ٣٠١ ]
فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب».
وهو من رواية شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس
(١٠٤٧) وحديث يعلى بن أمية، وحديث صفوان بن أمية «في العارية».
وقال بعدهما: حديث يعلى أصح.
وذلك أنه من رواية شريك، فهو أيضا قد صححه ورجح عليه
(١٠٤٨) وحديث: مات رجل من خزاعة فأتي النبي ﷺ بميراثه فقال:
[ ٣ / ٣٠٢ ]
«التمسوا له وارثا أو ذا رحم»
(١٠٤٩) وحديث: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا»
(١٠٥٠) وحديث: «الأمر بقتل الحيات، فمن خاف ثأرهن فليس مني»
[ ٣ / ٣٠٣ ]
(١٠٥١) وقوله ﵇ لأنس: «يا ذا الأذنين».
كل هذه سكت عنها، ولم يبين في شيء منها أنه من رواية شريك
(١٠٥٢) ولم يصح «أد الأمانة إلى من ائتمنك».
وذلك - والله أعلم - لأنه من رواية شريك وقيس بن الربيع معا، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
(١٠٥٣) وذكر حديث: «بعث عليا قاضيا إلى اليمن».
وضعفه بحنش.
ولم يعرض لكونه من رواية شريك
[ ٣ / ٣٠٤ ]
(١٠٥٤) وذكر حديث: «صيد البزاة».
وقال: إسناده ضعيف.
وذلك - والله أعلم - لأنه من رواية شريك، عن حجاج بن أرطأة.
وقد تبين بما ذكرناه اضطرابه في شريك، وأصوب رأييه ترك الاحتجاج به، فاعلم ذلك
(١٠٥٥) وذكر من طريق أبي نعيم، حدثنا علي بن حميد الواسطي، حدثنا أسلم بن سهل الواسطي، حدثنا محمد بن عبد الله بن حبيب، حدثنا هانئ بن يحيى، حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ومن النجوم ما تهتدون به في الظلمات»
(١٠٥٦) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان عن مسعر، عن
[ ٣ / ٣٠٥ ]
إبراهيم السكسكي، عن عبيد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ: «خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر، والأظلة لذكر الله».
ثم قال: وليس إسنادهما مما يحتج به. انتهى قوله.
وهو كما ذكر، ولكن لا أدري ما جهل منهما وما علم.
أما الإسناد الأول، فمبارك بن فضالة يوثقه قوم ويضعفه آخرون وأقوالهم فيه مبسوطة في مواضعها.
وهانئ بن يحيى أبو مسعود السلمي ثقة.
ومحمد بن عبد الله بن حبيب الواسطي، أبو بكر بن الخباز، ثقة [قاله أحمد بن سنان الواسطي.
فأما أسلم بن سهل وعلي بن حميد فلا أعرفهما.
والإسناد الثاني لا يسأل منه عمن فوق عبد الجبار، وإن كان قوم قد] ضعفوا إبراهيم السكسكي، فلم يأتوا بحجة، وهو ثقة، وقد أخرج له البخاري.
وعبد الجبار بن العلاء أبو بكر العطار، مكي صالح، قاله أبو حاتم الرازي، ومن دونهما لا أعرفهما
[ ٣ / ٣٠٦ ]
(١٠٥٧) وذكر من المراسل عن عيسى بن أزداد، عن أبيه، عن النبي ﷺ: «إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاثا».
قال: ولا يصح حديثه هذا.
وهو كما قال، ولكنه لم يبين منه سوى الإرسال، وعلته أن عيسى وأباه لا يعرفان، ولا يعلم لهما غير هذا
(١٠٥٨) وذكر من طريق الدارقطني، عن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ، «أنه نهى أن يستطيب أحدكم بعظم، أو روثة، أو جلد».
ثم قال: لا يصح ذكر الجلد.
لم يزد على هذا، وإنما تبع في ذلك الدارقطني، فإنه قال: إسناده غير ثابت، ولم يبين موضع علته أيضا.
وعلته هي الجهل بحال موسى بن أبي إسحاق، وكذا وقع في كتاب الدارقطني: موسى بن أبي إسحاق.
فأما ابن أبي حاتم فذكره موسى بن إسحاق، في جملة من يسمى أبوه
[ ٣ / ٣٠٧ ]
إسحاق، ممن اسمه موسى، وذكر له هذا الحديث، ولم يعرف من أمره بشيء، فهو عنده مجهول.
وعبد الله بن عبد الرحمن أيضا مجهول كذلك.
وقد تقدم ذكره في باب الأحاديث التي أعلها بقوم وترك من تعتل بهم أيضا لم يذكرهم
(١٠٥٩) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي سعيد حديث: «أنتوضأ من بئر بضاعة» الحديث. وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن.
ولم يبين ما المانع من صحته، وقال: روي من غير وجه عن أبي سعيد.
وأمره إذا بين، يبين منه ضعف الحديث لا حسنه.
وذلك أن مداره على أبي أسامة عن محمد بن كعب، ثم اختلف على أبي أسامة في الواسطة التي بين محمد بن كعب وأبي سعيد.
فقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وقوم يقولون: عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج.
وله طريق آخر من رواية ابن إسحاق عن سليط بن أيوب، واختلف على ابن إسحاق في الواسطة التي بين سليط وأبي سعيد:
فقوم يقولون: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
وقوم يقولون: عن عبد الرحمن بن رافع
فتحصل في هذا الرجل الراوي له عن أبي سعيد، خمسة أقوال.
عبد الله بن عبيد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله ابن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن ابن رافع، وكيفما كان فهو من لا تعرف له حال ولا عين.
والأسانيد بما ذكرناه في كتب الأحاديث معروفة، وقد ذكر البخاري في تاريخه الخلاف المذكور مفسرا.
ولحديث بئر بضاعة طريق حسن من غير رواية أبي سعيد من رواية سهل بن سعد، سنذكره (إن شاء الله) في باب الأحاديث التي ساقها صحاحا أو حسانا، وهي ضعيفة من تلك الطرق، صحيحة أو حسنة من غيرها
[ ٣ / ٣٠٩ ]
(١٠٦٠) وذكر من طريق أبي داود، عن معاوية بن صالح، عن العلاء ابن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد قال: «سألت رسول الله ﷺ عن الماء يكون بعد الماء».
ثم قال: لا يصح غسل الأنثيين، ولا يحتج بهذا الإسناد
كذا قال، وهو كذلك، ولكنه بقي عليه أن يبين منه موضع العلة، وهو الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي - وهو حرام بالراء بعد الحاء المفتوحة - وقد يتصحف - على من لا يعرف - بحزام بن حكيم - بالزاي بعد الحاء المكسورة - وكلاهما في طبقة واحدة، وهو - أعني هذا الثاني - حزام بن حكيم بن حزام.
وإذا جعلت حراما هذا موضع علة الخبر على ما أراه؛ فإن كان ذلك أيضا معني أبي محمد، فقد ناقض فيه، وذلك أنه لا يزال يقبل أحاديث المساتير الذين يروي عن أحدهم أكثر من واحد.
وحرام هذا، يروي عنه العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن
[ ٣ / ٣١٠ ]
العلاء، ويروي هو عن أبي هريرة، وعمه عبد الله بن سعد، قاله أبو حاتم الرازي، وترجم باسمه ابنه أبو محمد بن أبي حاتم بعد ترجمة أخرى ذكر فيها حرام بن معاوية. روى عن النبي ﷺ مرسلا، وروى عن عمر، وروى معمر عن زيد بن رفيع عنه، وروى عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن رفيع، فقال: عن حرام بن حكيم بن حرام قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك.
فجعلهما كما ترى رجلين في ترجمتين: إحداهما ذكر فيها حرام بن حكيم، والأخرى ذكر فيها حرام بن معاوية، وتبع في ذلك البخاري.
وزعم الخطيب بن ثابت أن البخاري وهم في ذلك، وبين أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، وساق جميع ما تولى بيانه من ذلك بأسانيد، مما يقف عليه من أراده في كتابه المسمى بالجمع والتفريق في أوهام البخاري.
وممن عمل فيه عمل البخاري، وابن أبي حاتم، أبو الحسن الدارقطني في كتابه، في المؤتلف والمختلف وقد تبين المقصود، وهو علة الخبر
[ ٣ / ٣١١ ]
(١٠٦١) ولما ذكر أبو محمد في باب الحيض حديث حرام هذا، عن عمه: «فيما يحل للرجل من امرأته وهي حائض».
قال بعده: حرام ضعيف.
ولا أدري من أين جاءه تضعيفه، وإنما هو مجهول الحال، فاعلم ذلك
(١٠٦٢) وذكر من طريق الترمذي، عن سعيد بن زيد، قال: سمعت
[ ٣ / ٣١٢ ]
رسول الله ﷺ يقول: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
ثم قال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا حديثا له إسناد جيد.
وقال محمد - يعني البخاري -: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح ابن عبد الرحمن. انتهى كلام الترمذي.
وحديث رباح بن عبد الرحمن هو هذا الذي ذكر الترمذي. انتهى كلام أبي محمد ﵀.
فإن كان اعتمد قول أحمد: «لا أعلم في هذا حديثا له إسناد جيد» فقد بقي عليه أن يبين علته، وذلك هو الذي قصدت بيانه في هذا الباب لتكمل الفائدة.
وإن كان اعتمد قول البخاري: «إنه أحسن شيء في هذا الباب» فقد يوهم فيه أنه حسن، وليس كذلك، وما هو إلا ضعيف جدا، وإنما معنى كلام البخاري: «إنه أحسن ما في الباب على علته».
وبيان هذا هو بأن تعلم أنه حديث رواه الترمذي هكذا: حدثنا نصر بن
[ ٣ / ٣١٣ ]
وعلي الجهضمي، وبشر بن معاذ العقدي، البصري، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره.
قال أبو عيسى: أبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ثفال المري، اسمه ثمامة بن حصين، ورباح بن عبد الرحمن، هو أبو بكر بن حويطب
انتهى كلامه.
ففي إسناد هذا الكلام ثلاثة مجاهيل الأحوال:
أولهم: جدة رباح، فإنها لا تعرف بغير هذا، ولا يعرف لها اسم ولا حال وغاية ما تعرفنا بهذا أنها ابنة لسعيد بن زيد ﵁.
والثاني: رباح المذكور، فإنه مجهول الحال كذلك، ولم يعرف ابن أبي حاتم من حاله بأكثر مما أخذ من هذا الإسناد: من روايته عن جدته، ورواية أبي ثفال عنه.
والثالث: أبو ثفال المذكور، فإنه أيضا مجهول الحال كذلك وهو أشهرهم لرواية جماعة عنه؛ منهم: عبد الرحمن بن حرملة، وسليمان بن بلال، وصدقة مولى الزبير والدراوردي، والحسين بن أبي جعفر، وعبد الله
[ ٣ / ٣١٤ ]
ابن عبد العزيز. قاله أبو حاتم، فاعلم ذلك
(١٠٦٣) وذكر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة من مسنده، عن حفص ابن غياث، عن ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح رأسه هكذا» وأمر حفص بيده على رأسه حتى مسح قفاه.
ثم قال بإثره: سأذكر هذا الإسناد وضعفه إن شاء الله
(١٠٦٤) ثم ذكر في الباب من طريق أبي داود، عن طلحة، عن أبيه، عن جده: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال، وهو أول القفا»
(١٠٦٥) وعن طلحة، عن أبيه، عن جده: «دخلت على النبي ﷺ وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق».
قال: وطلحة هذا، يقال: هو رجل من الأنصار، ويقال: هو طلحة بن
[ ٣ / ٣١٥ ]
مصرف، ولا تعرف لجده صحبة
(١٠٦٦) ثم ذكر في الباب نفسه من كتاب الحروف لابن السكن، من حديث مصرف بن عمرو بن السري بن مصرف بن عمرو بن كعب، عن أبيه، عن جده، يبلغ به عمرو بن كعب، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح لحيته وقفاه.
فقال: وهذا الإسناد لا أعرفه، وكتبته حتى أسأل عنه، إن شاء الله تعالى.
هذا ما ذكر به الأحاديث، وهي كلها لا تصح.
وقد كان وعد أن يذكر ضعف هذا الإسناد فلم يفعل.
والمقصود الآن بيان ما أجمل من ضعفه، فاعلم أولا أن طلحة المذكور فيها، هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب.
وعمرو بن كعب جده هو عمرو بن كعب بن جحدر بن معاوية بن سعد بن الحارث بن ذهل، من بني يام.
وقد تبين أن طلحة المذكور هو طلحة بن مصرف في نفس الإسناد عند أبي داود، فاختصره أبو محمد.
[ ٣ / ٣١٦ ]
قال أبو داود، حدثنا محمد بن عيسى ومسدد، قالا: حدثنا عبد الوارث، عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت النبي ﷺ يمسح برأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال» - وهو أول القفا -.
فقول أبي محمد: طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ويقال: هو طلحة بن مصرف، ولا تعرف لجده صحبة، وهو علة هذه الأخبار عنده من غير مزيد.
وهو كلام فيه نظر، وذلك أنه قد تبين - كما قلنا في هذا الحديث - أنه عند أبي داود: عن طلحة بن مصرف.
وكذا يجب أن يكون في الحديث الذي أورد من طريق ابن أبي شيبة؛ لأنه عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن طلحة.
وليث بن أبي سليم، معروف الرواية عن طلحة بن مصرف، وخاصة حديث مسح الرأس.
قال ليث: أمرني مجاهد أن ألزم أربعة: أحدهم طلحة بن مصرف.
وروي أيضا عن ابن إدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: أعجب أهل الكوفة إلي أربعة: منهم طلحة بن مصرف.
وإنما جعل أبا محمد يقول ذلك، أن ابن أبي حاتم لما فرغ من ذكر طلحة بن مصرف ترجم ترجمة أخرى نصها:
طلحة روى عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ «أنه مسح برأسه من مقدم رأسه حتى أتى آخر رأسه إلى تحت لحيته»
[ ٣ / ٣١٧ ]
روى عنه ليث بن أبي سليم، سألت أبي عنه فقال: يقال إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه.
وسئل أبو زرعة عن طلحة الذي يروي عن أبيه عن جده، قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ».
فقال: لا أعرف أحدا سمى والد طلحة، إلا أن بعضهم يقول: طلحة بن مصرف، انتهى ما ذكر ابن أبي حاتم.
وهو عذر أبي محمد، ولكنا نقول: روى هذا الرجل، عن أبيه عن جده ما ذكر، وروى طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده ما ذكر، حسب ما وقع مفسرا في نفس الإسناد، ولا يجب خلطهما.
وقول أبي حاتم: لو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه، ينعكس عليه، فلو كان غيره لم يختلف فيه، أو لم يقل الراوي عنه: إنه ابن مصرف؟
فعلة هذه الأخبار كلها الجهل بحال مصرف بن عمرو، والد طلحة بن مصرف وفي بعضها ليث بن أبي سليم.
فأما إسناد ابن السكن، فمجهول مثبج
[ ٣ / ٣١٨ ]
ومصرف بن عمرو بن السري، وأبو عمرو، وجده السري لا يعرفون.
وليس فيه رواية لمصرف بن عمرو بن كعب، وإنما ظهر فيه من السري إلى عمرو بن كعب الذي هو جد طلحة بن مصرف.
وسماعه منه لا يعرف، بل ولا تعاصرهما، فالجميع لا يصح، فاعلم ذلك
(١٠٦٧) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فغسل كفيه ثلاثا - ووصف الوضوء - ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قبل أن يتكلم، غفر له ما بين الوضوءين».
قال: وفي إسناده البيلماني.
لم يزد في تعليله على هذا، وهو منه اعتماد على ما قدم، ولكنه لم يقدم بيانا، فإن البيلماني أب، وابن، والحديث من روايتهما، وكلاهما ضعيف، وهما محمد بن عبد الرحمن، فمحمد بن عبد الرحمن وأبوه لا يحتج بهما، وقد قدمنا ذكرهما، فاعلمه
[ ٣ / ٣١٩ ]
(١٠٦٨) وذكر حديث: «الأمر بتجديد الماء للأذنين» من حديث نمران بن جارية، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
قال: وهو إسناد ضعيف.
لم يزد على هذا، وهو كما ذكر، وعلته الجهل بحال نمران هذا، وضعف راويه عنه، وهو دهثم بن قران.
وإلى هذا فإن هذا الحديث لم يعزه إلى موضع، وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي ذكرها ولا وجود لها أو عزاها إلى مواضع ليست هي فيها
(١٠٦٩) وذكر أنه روى عن أبي أمامة، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى، كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: «الأذنان من الرأس».
قال: ولا يصح منها كلها شيء، ذكر هذه الأحاديث أبو داود، والترمذي، والدارقطني.
وفي حديث أبي داود - وذكره عن شهر بن حوشب - عن أبي أمامة قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين، وقال: الأذنان من الرأس»
[ ٣ / ٣٢٠ ]
[فنقول]: أما الأحاديث من غير رواية أبي أمامة فلم يذكر أسانيدها، فتركنا تعليلها لأنه لم يذكرها.
أما حديث أبي أمامة، فإنه لم يذكر له علة، غير أنه أبرز من رواته شهرا، ولم يتقدم ذكره قبل هذا الموضع، فهو إذن لم يعتمد فيه مقدما قدمه.
وشهر قد وثقه قوم، وضعفه آخرون.
فممن وثقه ابن حنبل وابن معين وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير.
وغير هؤلاء يضعفه، ولم أسمع لمضعفيه حجة، وما ذكروه - من تزييه بزي الأجناد، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ خريطة مما استحفظ من المغنم -؛ كله إما لا يصح، وإما خارج على مخرج لا يضره.
أما أخذه للخريطة فكذب عليه، وتقول الشاعر - أراد عيبه - فقال: … (لقد باع شهر دينه بخريطة … فمن يأمن القراء بعدك يا شهر) ..
[ ٣ / ٣٢١ ]
والقصة قد ذكرها الطبري.
ومختصر ما ذكر، هو أنه كان في غزاة قد أمن على الفيء أو الغنائم، ففقدت مما اؤتمن عليه خريطة، قيل: إنها سرقت له، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به.
ويروي هذا الحديث عنه أبو ربيعة: سنان بن ربيعة، قال فيه أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث.
وقال ابن معين: ليس بالقوي وقد أخرجه البخاري.
وفي الحديث مع هذا انقطاع، وقد بيناه في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
فهذا الذي فسرناه من علة هذا الخبر، هو الذي لا يصح من أجله عنده، والله أعلم.
وأما ما ذكر من الأحاديث التي رواها غير أبي أمامة فجميعها عند الدارقطني مبين العلل، في بعضها نظر، قد ذكرناه في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة.
وقوله: ذكرها أبو داود، والترمذي والدارقطني، موهم أنها كلها ذكرها هؤلاء، وليس كذلك
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وما ذكر أبو داود والترمذي منها، غير حديث أبي أمامة، فاعلم ذلك
(١٠٧٠) وذكر من طريق أبي داود عن أيوب بن قطن عن أبي بن عمارة في «المسح بغير توقيت».
قال: وفي طريق آخر: حتى بلغ سبعا.
ثم قال: روى اللفظ الأول يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب.
واللفظ الثاني رواه يحيى بن أيوب أيضا، عن عبد الرحمن، عن محمد عن عبادة بن نسي، عن أيوب، قال أبو داود: اختلف في إسناده، وليس بالقوي.
هذا ما أعله به، ولم يزد عليه، وعلته هي أن هؤلاء الثلاثة مجهولون، قال ذلك الدارقطني.
وأيضا الاختلاف فيه على يحيى بن أيوب، وهو الذي أشار إليه أبو داود
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وقال الموصلي أيضا: أيوب بن قطن مجهول، وذكر حديثه هذا، والاختلاف فيه وقال: كل لا يصح.
ومحمد بن يزيد، هو ابن أبي زياد، صاحب حديث الصور.
قال فيه أبو حاتم: مجهول.
وعبد الرحمن بن رزين أيضا لا تعرف له حال، فهو مجهول.
ويحيى بن أيوب مختلف فيه، وهو ممن عيب على مسلم إخراج حديثه.
وأبو محمد ينص في مواضع على أنه لا يحتج به، ويتناقض فيه في بعض المواضع.
وسنبين بعد هذا رأيه فيه، وما اعتراه في أمره بأبسط من هذا - إن شاء الله تعالى -.
وأما الاختلاف عليه، الذي أشار أبو داود، والدارقطني إليه، فتنحصل فيه عنه أربعة أقوال، نذكرها مجملة فلشرحها غير هذا الموضع.
وذلك أنه يروي عنه، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن عن أيوب بن عمارة، هذا قول
[ ٣ / ٣٢٤ ]
[ويروى عنه، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن عبادة ابن نسي، عن أبي بن عمارة، هذا قول ثان.
ويروى عنه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، هذا قول ثالث.
ويروى عنه هكذا إلى عبادة بن نسي، ثم لا يذكر أبي بن عمارة] لكن يرسله عن النبي ﷺ، هذا قول رابع.
وفيه قول خامس، لكنه لما لم يتصل لي سنده، لم أجعله مما تحصل فيه، وهو ما أشار إليه ابن السكن، ولم يوصل به إسنادا، إنما قال: ويقال أيضا: عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن، عن محمد، عن وهب بن قطن، عن النبي ﷺ.
فهذا ما أشار إليه من الخلاف، والله الموفق
(١٠٧١) وذكر من طريق الدارقطني، عن علي قال: «انكسر أحد زندي فأمرني رسول الله ﷺ أن أمسح على الجبائر».
ثم قال: هذا يرويه عمرو بن خالد الواسطي، ولا يصح
[ ٣ / ٣٢٥ ]
لم يزد في تعليله على هذا، وإنه لكاف عند من يعلم حال عمرو بن خالد.
وإنما ذكرته الآن باعتبار حال من لا يعلمه، فاعلم أنه أحد الكذابين.
قال إسحاق بن راهويه: كان يضع الحديث.
وقال ابن معين: هو كذاب غير ثقة ولا مأمون
(١٠٧٢) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها، أو كاهنا» الحديث.
ثم قال: ضعف البخاري هذا الحديث.
كذا قال، ولم يبين علته، وهو حديث لا يعرف إلا بحكيم الأثرم، يرويه عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.
وحكيم هذا لا يعرف له غير هذا الحديث إلا اليسير، قاله أبو أحمد بن عدي.
وقال البخاري: وهو لا يتابع عليه. قال: ولا يعرف لأبي تميمة سماع
[ ٣ / ٣٢٦ ]
لأبي هريرة.
وقال محمد بن يحيى النيسابوري - هو الذهلي - قلت: لعلي بن المديني: حكيم الأثرم من هو؟ قال: أعيانا هذا
(١٠٧٣) وذكر من طريق الترمذي، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر حديث: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» الحديث.
وقال عن الترمذي: إنه حديث حسن.
فهو عنده غير صحيح، ولم يبين لم لا يصح؟ وذلك لأنه لا يعرف لعمرو ابن بجدان هذا حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه:
فيقول خالد الحذاء: عنه: عن عمرو بن بجدان، ولا يختلف في
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ذلك على خالد.
وأما أيوب فإنه رواه عن أبي قلابة، فاختلف عليه:
فمنهم من يقول: عنه عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر.
ومنهم من يقول: عن رجل فقط.
ومنهم من يقول: عن رجاء بن عامر.
ومنهم من يقول: عن عمرو بن بجدان، كقول خالد.
ومنهم من يقول: عن أبي المهلب.
ومنهم من لا يجعل بينهما أحدا، فيجعله عن أبي قلابة، عن أبي ذر.
ومنهم من يقول: عن أبي قلابة أن رجلا من بني قشير، قال: يا نبي الله.
هذا كله اختلاف على أيوب في روايته إياه عن أبي قلابة، وجميعه في علل الدارقطني وسننه، وهو حديث ضعيف لا شك فيه.
ولهذا المعنى إسناد صحيح سنذكره إن شاء الله في باب الأحاديث التي لم يصححها، ولها أسانيد صحاح
(١٠٧٤) وذكر من طريق أبي داود، عن مسة الأزدية عن أم سلمة
[ ٣ / ٣٢٨ ]
حديث: «مكث النفساء أربعين يوما».
ثم ذكر ما في الباب، قال: وهي أحاديث معتلة بأسانيد متروكة، وأحسنها حديث أبي داود.
هذا ما ذكر، وعلة الخبر المذكور، مسة المذكورة، وهي تكنى أم بسة، ولا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث، قاله الترمذي في علله.
فخبرها هذا ضعيف الإسناد ومنكر المتن، فإن أزواج النبي ﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وزوجيتها كانت قبل الهجرة.
فإذن لا معنى لقولها: «قد كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في
[ ٣ / ٣٢٩ ]
النفاس أربعين يوما».
إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه، من بنات وقريبات وسريته مارية
(١٠٧٥) وذكر من طريق مسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «كان يغتسل بفضل ميمونة».
وذكر قول عمرو بن دينار في إسناده: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن عبد الله بن عباس أخبره، فذكره.
ثم قال: وقد رواه الطهراني عن عمرو بلا شك، ولا يحتج بحديث الطهراني، والصحيح الأول. انتهى ما ذكر.
وهو محتاج إلى بيان يؤمن من لا يعرف من الغلط، وذلك في قوله: رواه الطهراني، عن عمرو، وأين الطهراني من عمرو؟ إنما يرويه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو.
وقوله: «ولا يحتج بحديث الطهراني» يفهم أنه ضعيف، وذلك شيء لم يقله أحد، بل هو ثقة حافظ، وهو أبو عبد الله: محمد بن حماد الطهراني، وهو أحد المختصين بعبد الرزاق وممن روى عنه أبو حاتم الرازي، وقال فيه:
[ ٣ / ٣٣٠ ]
ثقة صدوق.
وروى عنه أيضا ابنه أبو محمد بن أبي حاتم، وكان حافظا للحديث، ثقة، وأكثر ما حدث به فمن حفظه.
وهذا الكلام الذي قال أبو محمد، إنما تبع في معناه أبا محمد بن حزم، على خلله من وجه آخر.
وذلك أن أبا محمد بن حزم، أورد حديث الطهراني عن عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج. قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «كان يغتسل بفضل ميمونة» مختصر.
ثم قال ابن حزم: هكذا في نفس الحديث: «مختصرا» وأخطأ فيه الطهراني بيقين، لأن محمد بن بكر البرساني، قال فيه: عن ابن جريج، عن عمرو، أكبر علمي، والذي يخطر على بالي.
قال: وهؤلاء أوثق من الطهراني وأحفظ بلا شك. انتهى كلام ابن حزم.
وهو بين الخطأ، فإن الذي أورد فيه، إنما هو اختلاف أصحاب ابن جريج، وهما: عبد الرزاق، ومحمد بن بكر.
أحدهما يقول عن ابن جريج: أكبر علمي - وهو محمد بن بكر - والآخر لا يقوله - وهو عبد الرزاق - والنظر إنما يجب أن يكون فيما بينهما، فأما الطهراني فلا.
وقوله: «وهؤلاء أوثق من الطهراني» مجازقة، فإنه ليس هناك أكثر من
[ ٣ / ٣٣١ ]
واحد، وهو محمد بن بكر الذي ذكر الشك، ومن دونه مبلغ عنه، وقوله: «من الطهراني»، إنما كان يحتاج أن يقول: «من عبد الرزاق».
فإذ قد تقرر هذا، فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان علة الخبر المذكور فنقول: يجب على رأي المحدثين رد رواية الطهراني، من جهة أخرى، وذلك أن غيره من أصحاب عبد الرزاق قد ذكر فيه عن عبد الرزاق، الشك من عمرو بن دينار، فإذن لم تسلم رواية عبد الرزاق من الشك، ومن حفظ أولى ممن لم يحفظ.
قال الدارقطني: أخبرنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، قال: علمي والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، فذكره.
وهكذا هو أيضا في كتاب عبد الرزاق من رواية الدبري عنه.
فعبد الرزاق إذن على هذا، يرويه كما يرويه محمد بن بكر البرساني.
فالاختصار إذن الذي قال الطهراني: إنه في حديثه، هو - والله أعلم - فيما ترك من شك عمرو بن دينار.
وقد يحتمل أن يكون عبد الرزاق اختصره حين حدث به الطهراني، وحدث به على الكمال لغيره.
فعلى هذا الاحتمال، يكون النظر بين عبد الرزاق والبرساني
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وعلى الأول، يكون النظر بين الطهراني وبين الدبري وابن زنجويه.
وقد حصل المقصود من إبراز علة الحديث على رأيهم. والله الموفق للصواب
(١٠٧٦) وذكر حديث جابر، قال رسول الله ﷺ: «لا يؤم المتيمم المتوضئين».
ثم قال: إسناده ضعيف جدا.
ولم يبين علته، وهو أنه عند الدارقطني الذي ذكره من عنده، من رواية عثمان بن معبد، حدثنا سعيد بن سليمان بن ماتع الحميري، حدثنا أبو إسماعيل الكوفي: أسد بن سعيد حدثنا صالح بن بيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.
وكل من دون محمد بن المنكدر لا يعرف
(١٠٧٧) وذكر حديث: «عشر من الفطرة» من رواية عائشة
[ ٣ / ٣٣٣ ]
(١٠٧٨) ثم قال: وخرجه أبو داود من حديث عمار بن ياسر: ذكر فيه «المضمضة» وزاد: «الختان» ولم يذكر «إعفاء اللحية».
قال: وليس إسناده مما يقطع به حكم.
كذا قال، ولم يفسر علته، وهو حديث يرويه علي بن زيد عن سلمة بن محمد بن عمار، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا.
هذه رواية التبوذكي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد.
ورواه داود بن شبيب، عن حماد، فقال فيه: عن علي بن زيد، عن سلمة المذكور، عن عمار، فهذه منقطعة.
قال البخاري: لا يعرف أنه سمع من عمار أم لا.
وإلى ذلك فإن حال سلمه هذا لا تعرف.
وعلي بن زيد تركه قوم وضعفه آخرون، ووثقه جماعة ومدحوه.
وجملة أمره أنه كان يرفع الكثير مما يقفه غيره، واختلط أخيرا، ولا يتهم بكذب، وكان من الأشراف العلية
[ ٣ / ٣٣٤ ]
(١٠٧٩) وذكر من رواية إبراهيم بن سالم النيسابوري، حديث أنس: «وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه إذا طلع» الحديث.
ثم قال: الصحيح في التوقيت حديث مسلم.
هكذا ذكر هذا الحديث غير معزو إلى الموضع الذي نقله منه، وغير مشروح العلة.
وهو حديث ذكره أبو أحمد بن عدي، قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن سفيان الفارسي، البخاري، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبو خالد: إبراهيم بن سالم، حدثنا عبد الله بن عمران، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، قال: «وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة، وأن يتعاهد البراجم إذا توضأ، فإن الوسخ إليها سريع، واعلم أن لنفسك عليك حقا، وأن لرأسك عليك حقا، وأن لجسدك عليك حقا [وأن لزوجك عليك حقا]، وأما النساء، فليس ينبغي أن لا يتعاهدن أنفسهن لأنفسهن ولأزواجهن، وأن الله ﷿ جميل يحب الجمال، وأن لكم حفظة يحبون الريح الطيبة، كما تحبونها، ويكرهون الريح المنتنة كما تكرهونها»
[ ٣ / ٣٣٥ ]
قال أبو أحمد: إبراهيم بن سالم، أبو خالد النيسابوري، يروي عن عبد الله ابن عمران أحاديث مسندة مناكير.
وعبد الله بن عمران بصري ولا أعرف له عند البصريين إلا حديثا واحدا يحدثه عنه نوح بن قيس.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن عبد الله بن عمران هذا، فقال: شيخ
(١٠٨٠) وذكر من طريق النسائي، حديث قيس بن عاصم: «حين أمر بالغسل عند إسلامه».
وأتبعه تحسين الترمذي له.
وقد تبين في باب الأحاديث التي أوردها على أنها صحيحة متصلة - وهي منقطعة أو مرسلة - أنه غير صحيح ولا متصل إلا أنه يتصل من غير الطرق الذي أورده منه بمن لا يعرف حاله
(١٠٨١) وذكر من طريق أبي داود، من رواية حماد بن سلمة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، عن عائشة، أن النبي ﷺ: «نهى عن
[ ٣ / ٣٣٦ ]
دخول الحمامات، ثم رخص للرجال» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: قال الترمذي: ليس إسناده بالقائم.
لم يزد على هذا.
وعلة هذا الحديث، الجهل بحال عبد الله بن شداد هذا، وهو شيخ من تجار واسط، لم يرو عنه غير حماد بن سلمة.
بين أمره كما قلناه، ابن معين في رواية عباس والبخاري أيضا، وغيرهما.
ويلتبس على من لم يحصل بعبد الله بن شداد بن الهادي، الثقة المأمون.
ولا آمن أن يكون أبو محمد قد ظنه إياه، فلذلك عدل عن تبين علة الحديث إلى مجمل كلام الترمذي.
وأما أبو عذرة راويه عن عائشة، فإنه صحابي، قاله مسلم بن الحجاج وغيره.
ووقع لأبي محمد في كتابه الكبير تخليط، أكد ما ظننته به: من اختلاط أمر عبد الله بن شداد عليه، وذلك أنه قال - إثر هذا الحديث، ومن خطه نقلت - أبو عذرة ذكره الحاكم في الكنى، قال: أدرك النبي ﷺ، روى عن عائشة قال: ويقال: إنه كان شيخا من تجار واسط.
هذا نص ما ذكر، وهو تخليط لا خفاء به، فإن الذي قالوا فيه: إنه أدرك النبي ﷺ هو أبو عذرة الراوي عن عائشة
[ ٣ / ٣٣٧ ]
والذي قالوا فيه: إنه من تجار واسط، هو عبد الله بن شداد، الذي روى عنه حماد بن سلمة، وهو قائل ذلك بنفسه فاعلمه، والله الموفق
(١٠٨٢) وذكر من طريق الترمذي عن ابن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﷺ مر به، وهو كاشف فخذه، فقال: «غط فخذك؛ فإنها من العورة»
(١٠٨٣) ثم أورد بعده حديث أنس.
ثم قال: قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم.
لم يزد على هذا، فهو منه إن كان تصحيحا لحديث جرهد، فقد يجب أن أكتبه في باب الأحاديث التي صححها وهي ضعيفة.
وإن كان ذلك منه تضعيفا له، فقد بقي عليه أن يشرح علته، وهو الذي نتولى الآن، فنقول:
[ ٣ / ٣٣٨ ]
هذا الحديث له علتان: إحداهما: الاضطراب المورث لسقوط الثقة به، وذلك أنهم يختلفون فيه.
فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمن.
ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله.
ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم.
ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ.
ومنهم من يقول: عن أبيه، عن جرهد، عن النبي ﷺ.
ومنهم من يقول: زرعة، عن آل جرهد، عن جرهد، عن النبي ﷺ.
وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع.
وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا، أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقة، أو غير معروف، فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه، وهذه حال هذا الخبر، وهي العلة الثانية، وذلك أن زرعة، وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري الرواية، فاعلم ذلك
(١٠٨٤) وذكر من طريق أبي داود عن امرأة معاذ بن عبد الله بن
[ ٣ / ٣٣٩ ]
خبيب قالت: «كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ، أنه سئل عن ذلك - يعني متى يؤمر الصبي بالصلاة - فقال: إذا عرف يمينه من شماله».
ولم يبين له علة، وعلته أن هذه المرأة لا تعرف حالها، ولا حال هذا الرجل الذي روت عنه، ولا صحت له صحبة.
فإما معاذ وأبوه، وجده، فثقات، ولكن لا مدخل لهم ولا لأحدهم في إسناده
(١٠٨٥) وذكر من طريق الدارقطني، حديث أنس في «إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ وفي الجهر والإسرار»
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ثم قال: المرسل أصح.
المرسل تقدم ذكره قبله.
ولم يبين لحديث أنس علة، وهو حديث يرويه محمد بن سعيد بن جدار، عن جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس.
ومحمد بن سعيد، هذا مجهول، ويرويه عنه أبو حمزة إدريس بن يونس ابن يناق الفراء، ولا تعرف أيضا حاله
(١٠٨٦) وذكر حديث رافع: «في الأمر بتأخير العصر».
وقال: لا يصح.
ولم يبين بماذا؟
وعلته عبد الواحد بن نافع أبو الرماح، فإنه مجهول الحال مختلف في حديثه
(١٠٨٧) وذكر إثره أن حديث علي في ذلك أيضا لا يصح.
ولم يبين بماذا؟
وعلته الجهل بحال زياد بن عبد الله النخعي، وبذلك أعله
[ ٣ / ٣٤١ ]
الداقطني مخرجه
(١٠٨٨) وذكر من طريق الدارقطني، حديثي جابر، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».
وقال: هو حديث ضعيف.
وهذا كما قال: وبيان علتهما، هو أنهما بإسنادين مختلفين:
أما حديث جابر، فمن رواية محمد بن سكين الشقري المؤذن، قال: حدثنا عبد الله بن بكير الغنوي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: فقد النبي ﷺ قوما في الصلاة فقال: «ما خلفكم عن الصلاة؟» قالوا: لحاء كان بيننا، فقال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».
وعبد الله بن بكير الغنوي، قال الساجي: إنه من أهل الصدق، وليس بقوي في الحديث.
وذكر له أبو أحمد بن عدي أحاديث عن محمد بن سوقة مما ينفرد به.
ثم قال: لم أر للمتقدمين فيه كلاما.
وأهمله أبو محمد بن أبي حاتم من الجرح والتعديل، كأنه لم يعرف من
[ ٣ / ٣٤٢ ]
حاله شيئا.
ومحمد بن سكين مؤذن مسجد بني شقرة ذكره العقيلي في الضعفاء بما ذكره به البخاري في تاريخه.
وذلك أنه ذكر له عن عبد الله بن بكير أيضا عن محمد بن سوقة بإسناده: «لا صلاة لمن يسمع النداء ثم لم يأت إلا من علة».
ثم قال: في إسناده نظر.
ولما ذكره أبو أحمد في الضعفاء قال فيه: ليس بالمعروف، ولم يحضرني له شيء فأنكره.
وإلى هذا فإن الإسناد من الدارقطني إلى محمد بن سكين في الحديث المذكور فيه من لا تعرف حاله، وهما: أبو سكين: زكرياء بن يحيى الطائي، وجنيد بن حكيم.
وأما حديث أبي هريرة فمن رواية سليمان بن داود اليمامي، المعروف بأبي الجمل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وسليمان ضعيف، وعامة ما يرويه بهذا الإسناد لا يتابع عليه
(١٠٨٩) وذكر من طريق أبي داود، حديث يزيد بن عامر: «إذا جئت الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة،
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وهذه مكتوبة».
وأتبعه أن قال: الصحيح حديث الترمذي.
وذكر أنه من رواية سعيد بن السائب، عن نوح بن صعصعة، عن يزيد ابن عامر.
ولم يبين علته، وهي الجهل بحال نوح هذا، ولا يعرف روى عنه غير سعيد بن السائب
(١٠٩٠) وذكر من طريقه أيضا، حديث حكيم بن حزام في «النهي عن أن يستقاء في المسجد، أو تنشد فيه الأشعار، أو تقام فيه الحدود».
قال فيه: ضعيف، يرويه محمد بن عبد الله الشعيثي عن زفر بن وثيمة عن حكيم.
ولم يبين من أمره شيئا، وعلته الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن
[ ٣ / ٣٤٤ ]
أوس بن الحدثان؛ فإنه لا يعرف بأكثر من رواية الشعيثي عنه، وروايته هو عن حكيم.
وقد روى هذا الحديث وكيع عن الشعيثي المذكور، عن العباس بن عبد الرحمن، عن حكيم، ذكره الدارقطني، ولا يصح أيضا.
فإن العباس هذا لا يعرف كذلك، فأما الشعيثي فمختلف فيه، وثقه دحيم.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به
(١٠٩١) وذكر من طريقه أيضا حديث أبي محذورة [في الأذان.
من رواية الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة] عن أبيه، عن جده أبي محذورة.
ثم قال: لا يحتج بهذا الإسناد
[ ٣ / ٣٤٥ ]
ولم يبين علته، وهي الجهل بحال محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، ولا يعلم روى عنه إلا أبو قدامة الحارث بن عبيد وهو أيضا ضعيف. قاله ابن معين، وقال فيه أيضا: مضطرب الحديث، وكذا قال ابن حنبل.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدي يحدث عنه، وقال: كان من شيوخنا، وما رأيت إلا خيرا.
فأما عبد الملك بن أبي محذورة، فقد روى عنه جماعة.
منهم ابنه محمد، والنعمان بن راشد، وأبناء ابنيه: إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك.
وساق الترمذي حديثا في الأذان من روايته ورواية ابنه عبد العزيز جميعا، فصححه. فاعلم ذلك
(١٠٩٢) وذكر من طريق أبي أحمد حديث سعد القرظ في «الاستدارة في الأذان»
[ ٣ / ٣٤٦ ]
من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن آبائه.
ثم قال: حديث الترمذي وأبي داود أصح من هذا
فإذا كان هذا الكلام منه تضعيفا - وهو الظن به - فاعلم أن علته هي أن عبد الرحمن المذكور، وأباه وجده، كلهم لا تعرف له حال.
وفي باب عبد الرحمن ذكره أبو أحمد، وحاله عنده مجهولة كما قلناه
(١٠٩٣) وذكر حديث: «إن كان أذانك سهلا سمحا، وإلا فلا تؤذن» من عند الدارقطني.
ثم قال: في إسناده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، عن ابن جريج.
لم يزد على هذا، ولم يتقدم له فيه قول يحيل عليه.
وإسحاق المذكور، يروي نحو عشرة أحاديث مناكير، قاله أبو أحمد بن عدي.
وقال أبو حاتم البستي: ينفرد عن الثقات، وهو الذي روى عن ابن جريج، فذكر هذا الحديث
[ ٣ / ٣٤٧ ]
(١٠٩٤) وذكر من طريق أبي داود، حديث: «إقامة عبد الله بن زيد» من رواية محمد بن عبد الله [عن عمه عبد الله بن زيد.
هكذا اقتطع الإسناد من هاهنا، ثم قال: إقامة عبد الله] بن زيد ليست تجيء من وجه قوي فيما أعلم. انتهى قوله.
وعلة هذا الخبر، إنما هي فيما ترك من الإسناد.
وذلك أنه يرويه محمد بن عمرو الواقفي عن محمد بن عبد الله هذا.
ومحمد بن عمرو ضعيف لا يساوي شيئا.
ومحمد بن عبد الله هذا الذي اقتصر على ذكره، لا تعرف أيضا حاله، واضطرب فيه أيضا.
فحماد بن خالد، يقول عن محمد بن عمرو ما ذكرناه.
وعبد الرحمن بن مهدي يقول فيه: عن محمد بن عمرو، عن عبد الله ابن محمد، قال: كان جدي.
وكلاهما لا تعرف حاله، لا محمد بن عبد الله، ولا عبد الله بن محمد.
ولهذا الحديث أيضا مدخل في باب الأحاديث التي أعلها بقوم وترك
[ ٣ / ٣٤٨ ]
مثلهم أو أضعف منهم
(١٠٩٥) وذكر من طريق الترمذي حديث أنس: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد».
وأتبعه تحسين الترمذي.
ولم يبين لم لم يصح، وذلك أنه من رواية زيد بن الحواري، العمي، عن أنس، وهو عندهم ضعيف.
قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث.
وكان شعبة لا يحمد حفظه.
وقال فيه ابن معين: لا شيء.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال فيه ابن حنبل: صالح
[ ٣ / ٣٤٩ ]
فللخلاف في هذا الرجل، قيل في الحديث: حسن، فاعلم ذلك
(١٠٩٦) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي الفضل، أو أبي الفضيل - رجل من الأنصار - عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، حديث: «ناداه: الصلاة أو حركه برجله».
ولم يبين موضع العلة منه.
وعلته أبو الفضل هذا، أو أبو الفضيل فإنه رجل مجهول
(١٠٩٧) وذكر حديث: «توسطوا الإمام وسدوا الخلل».
وقال: ليس هذا الإسناد بقوي ولا مشهور.
كذا قال، ولم يبين علته، وهي الجهل بحال يحيى بن بشير بن خلاد، وبحال أمه.
هذا على تقدير الصواب في ذكره، فأما [على] ما ذكره هو، فالجهل ببشير بن خلاد وأمه.
وقد بينا خطأه في هذا في باب الزيادة في الأسانيد، وهو أول حديث بدأنا بذكره في هذا الكتاب
[ ٣ / ٣٥٠ ]
(١٠٩٨) وذكر من طريق الترمذي حديث معاذ وعلي، قالا: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم الصلاة، والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام».
ثم قال: إسناد حديث علي ضعيف، وإسناد حديث معاذ منقطع.
ولم يبين موضع العلة منهما:
فأما حديث علي فمن رواية حجاج، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم عن علي.
وحجاج هو ابن أرطاة، وهو ضعيف مدلس عن الضعفاء.
وأما حديث معاذ، فمن رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، ولم يسمع منه
(١٠٩٩) وذكر من طريق أبي داود حديث المقداد بن الأسود: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود، ولا عمود، ولا شجرة» الحديث.
ثم قال: ليس إسناده بقوي.
ولم يبين موضع العلة منه، وهي الجهل بحال ثلاثة من رواته:
الوليد بن كامل، عن المهلب بن حجر البهراني، عن ضباعة بنت
[ ٣ / ٣٥١ ]
المقداد، عن أبيها.
فضباعة مجهولة الحال، ولا أعلم أحدا ذكرها، وكذلك المهلب بن حجر مجهول الحال أيضا.
والوليد بن كامل من الشيوخ الذين لم تثبت عدالتهم، ولا لهم من الرواية كبير شيء يستدل به على حالهم.
ولهذا الحديث شأن آخر، وهو أن أبا علي بن السكن، ذكره في سننه هكذا: حدثنا سعيد بن عبد العزيز الحلبي، حدثنا أبو تقي: هشام بن عبد الملك، حدثنا بقية، عن الوليد بن كامل، أنبأني المهلب بن حجر البهراني، عن ضبيعة بنت المقدام بن معدي، عن أبيها، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم إلى عمود، أو سرية، أو شيء، فلا يجعله نصب عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر».
قال ابن السكن: ذكر هذا الحديث أبو داود، وأبو عبد الرحمن - يعني النسائي -.
كذا قال أبو علي، وهو عين الخطأ، فإن الذي ذكر أبو داود، من رواية علي بن عياش، عن الوليد بن كامل، غير هذا إسنادا ومتنا، فإنه عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها. وهذا الذي روى بقية هو عن ضبيعة بنت المقدام بن معدي كرب، عن أبيها، وذاك فعل، وهذا قول
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وحديث النسائي كحديث أبي داود، ومع أنه كما ترى حديث آخر - أعني رواية بقية - هو عائد على رواية علي بن عياش بالوهن، من حيث هو اختلاف على الوليد بن كامل، ومورث للشك فيما كان عنده من ذلك، على ضعفه في نفسه، والجهل بحال من فوقه.
ولما ذكر ابن أبي حاتم المهلب بن حجر، ذكره براوية الوليد بن كامل عنه، وبأنه يروي عن ضباعة بنت المقدام بن معدي كرب.
ولم يزد على ذلك فكان هذا منه غير ما في الإسنادين: فإن الذي في الإسنادين: إما ضباعة بنت المقداد، وإما ضبيعة بنت المقدام، فجاء هو بأمر ثالث وذلك كله دليل على ما قلناه، من الجهل بأحوال رواة هذا الخبر
(١١٠٠) وذكر من طريق النسائي، عن الفضل بن عباس، قال:
[ ٣ / ٣٥٣ ]
«زار النبي ﷺ عباسا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة» الحديث.
ثم قال: إسناده ضعيف.
وهو كما ذكر ضعيف، فإنه من رواية ابن جريج، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس.
وعباس هذا لا تعرف حاله، ولا ذكر بأكثر من رواية محمد بن عمر هذا عنه، وروايته هو عن الفضل.
وقال البخاري: إن بعضهم قال فيه: عباس بن عبد الله [بن عباس] مكبرا، قال: والأول أصح.
ومحمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو حفص، مجهول الحال، وقد يظنه من لا يعلم، محمد بن عمر بن علي المقدمي، وليس به
(١١٠١) وذكر من طريق أبي داود عن ابن عباس، قال: - أحسبه عن رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته: الكلب، والحمار، والخنزير، والمجوسي، واليهودي، والمرأة، ويجزيء عنه إذا مروا بين
[ ٣ / ٣٥٤ ]
يديه، على قذفة بحجر».
ثم أتبعه أن قال: إنما يصح من هذا ذكر المرأة والكلب والحمار.
لم يزد على هذا.
وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنه مرفوع، وراويه قد قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ، وإلا فليس في إسناده متكلم فيه إلا عكرمة، وهو عندي من لا يوضع فيه نظر، وصاحب الكتاب يقبله ويحتج به، غير ملتفت على شيء مما قيل فيه، وأصاب في ذلك، لعلم عكرمة [ودينه.
ولم يعن أبو محمد بتضعيف الخبر كونه من رواية عكرمة] وليس في سائر الإسناد من يسأل عنه.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل البصري، مولى بن هاشم، حدثنا معاذ، حدثنا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
والعجب أن أبا داود قد قال: [إنه] لم يسمعه إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأنه ذاكر به فلم يعرف، وأن في نفسه منه شيئا، وأن المنكر منه ذكر المجوسي واليهودي والخنزير، والمقدار في المسافة، وأنه يظن أن ابن أبي سمينة [وهم فيه، فإنه كان يحدثهم من حفظه.
وهذا كله لا يحتاج إليه، فإنه رأي لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وابن أبي سمينة] أحد الثقات، وقد جاء هذا الخبر بذكر أربعة فقط، عن ابن عباس موقوفا بسند جيد كذلك.
قال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: «الكلب الأسود، والمرأة الحائض» قال: قلت: قد كان يذكر الثالث، قال ما هو؟ قلت: «الحمار» قال: رويدك، الحمار؟ قلت: قد كان يذكر الرابع، قال: ما هو؟ قال: «العلج الكافر»، قال: «إن استطعت أن لا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل»
(١١٠٢) وذكر من طريقه حديث سعيد بن غزوان، عن أبيه، في مروره بين يدي النبي ﷺ، وقوله: «قطع صلاتنا قطع الله أثره».
ثم أتبعه أن قال: إسناده ضعيف.
ولم يبين علته، وهو كما ذكر ضعيف، وعلته الجهل بحال سعيد، فإنها لا تعرف، فأما أبو غزوان، فإنه لا يعرف مذكورا، فإن ابنه وإن كانت حاله لا تعرف، فقد ذكر وترجم باسمه في مظان ذكره وذكر أمثاله، وذكر ما يذكر به المجهولون.
واعترى أبا محمد في هذا الحديث - من جعل غزوان هذا صحابيا وليس كذلك - ما قد ذكرناه في باب النقص من الأسانيد
[ ٣ / ٣٥٦ ]
(١١٠٣) وذكر من طريق أبي أحمد، حديث ابن عباس «كان رسول الله ﷺ يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة».
قال: رواه من حديث سلام بن سليمان، عن محمد بن الفضل بن [عطية].
ثم قال: إسناده أضعف من الذي قبله.
لم يزد على هذا، وقد أبلغ، ولكن من لاعلم له بمحمد بن الفضل، تخفى عليه علة [هذا] الخبر.
فاعلم أن محمد بن الفضل هذا كذاب، وسلام بن سليمان ضعيف، ويرويه عنه سلام بن توبة، وهو مجهول.
قال أبو أحمد: أظن أن البلاء في هذه الرواية من محمد بن الفضل
(١١٠٤) وذكر من طريق الترمذي حديث عامر بن ربيعة: «في
[ ٣ / ٣٥٧ ]
صلاتهم في الليلة المظلمة، حين خفيت عليهم القبلة على حيالهم».
ثم أتبعه أن قال: قال أبو عيسى: ليس إسناده بذاك.
رواه من حديث أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه.
لم يزد على هذا في تعليله.
وموضع العلة منه عاصم بن عبيد الله، فإنه مضطرب الحديث، تنكر عليه أحاديث.
وأشعث السمان، سيئ الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات، وقال فيه عمرو بن علي: متروك
(١١٠٥) وذكر بعده من حديث جابر بن عبد الله، قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فذكر مثله بمعناه، وزاد: «فلم يأمرنا بالإعادة»
وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم».
ثم قال: وفي إسناده اختلاف، وضعفه الدارقطني.» انتهى ما ذكر.
فاعلم أن هذا الخبر غير مبين العلة، وهو أيضا ملفق من متنين، على ما بيناه فيما تقدم في باب الأحاديث المغيرة بالعطف أو الإرداف.
ونزيد ذلك الآن بيانا - لاحتياجنا هنا إلى شرح العلة - فنقول: إن الحديث
[ ٣ / ٣٥٨ ]
الذي فيه: «فلم يأمرنا بالإعادة» وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم»، غير الحديث الذي فيه: «بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها»، ولم يذكر ذلك في سرية، بل في غزاة من غزوات رسول الله ﷺ.
وعلة أحدهما غير علة الآخر، ويتبين هذا بإيرادهما بنصيهما.
قال الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن علي، أبو محمد، قال: حدثنا الحسن بن علي بن شبيب قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي، حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب، وخطوا خطا، فلما أصبحوا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا، سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فسكت، وأنزل الله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) أي حيث كنتم.
هذا حديث قائم بنفسه، علته الانقطاع فيما بين أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، وأبيه، والجهل بحال أحمد المذكور، وما مس به أيضا عبيد الله بن الحسن العنبري من المذهب، على ما ذكر ابن أبي خيثمة وغيره.
ثم قال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، وأنا
[ ٣ / ٣٥٩ ]
أسمع، حدثكم داود بن عمرو قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير أو سير، فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه، لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم».
قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم، وغيره قال: عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان
انتهى كلام الدارقطني.
فهذا كما ترى حديث آخر في غزوة من غزوات رسول الله ﷺ حضرها جابر، وقد يمكن الجمع بين الروايتين لو صحتا، بأن يقال: إن السرية كانت جريدة جردها رسول الله ﷺ من العسكر، فمر فيها جابر، واعتراهم ما ذكر، ولما قفلوا منها إلى عسكر رسول الله ﷺ، سألوه.
أو تكون الجريدة لم تجتمع مع النبي ﷺ إلا في المدينة، حتى يكون قوله: «كنا مع رسول الله ﷺ»، وقوله: «بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها» صادقين.
ولكنهما لم يصحا.
أما الأولى: فقد ذكرنا علتها، وأما هذه فعلتها ضعف راوييها عن عطاء، وهما: محمد بن سالم، ومحمد بن عبيد الله العرزمي.
وأبو محمد ﵀ لفق المتنين، وضعف ما لفق من ذلك، كأنه بعلة
[ ٣ / ٣٦٠ ]
واحدة، والأمر فيه على ما أخبرتك فاعلمه
(١١٠٦) وذكر من طريق أبي داود، عن زر بن حبيش، أنه سمع عليا، «وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ» الحديث.
ثم قال: هذا يرويه ربيعة بن عبيد الله الكناني، عن المنهال بن عمرو.
كذا أورده، ولم يزد على هذا.
وليس القائل أن يقول: هو عنده صحيح، فإنه سكت عنه، لأنه قلما يذكر من الحديث إسناده أو قطعة من إسناده، إلا ليعين موضع النظر فيه، إلا أنه لم يبين في هذا موضع النظر
[ ٣ / ٣٦١ ]
فاعلم أنه حديث ذكره أبو داود هكذا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ربيعة الكناني، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، فذكره.
وربيعة بن عبيد، وثقه ابن معين وأخرج له البخاري.
وليس في الإسناد من يسأل عنه غير المنهال بن عمرو، فمن أجله - والله أعلم - جعل الحديث مما ينبغي أن ينظر فيه، فإن شيخه ومعتمده في التصحيح والتضعيف أبا محمد بن حزم، يضعف المنهال بن عمرو هذا، ويقول: إنه كان لا يقبل في باقة بقل.
ورد من روايته حديث البراء بن عازب في أن روح الميت يعاد إلى جسده عند المساءلة في القبر
(١١٠٧) وذكر أبو محمد في الجنائز حديث البراء: «جلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله» الحديث.
وسكت عنه، ولم يبين أنه من رواية المنهال، فكان هذا منه قبولا له.
والرجل قد وثقه ابن معين والكوفي
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وليس عليه درك فيما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، من قوله: ترك شعبة المنهال على عمد.
قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوب قراءة بالتطريب.
فإن هذا ليس بجرحه، إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يذكر ذلك في الحكاية، ولا أيضا فيما بشع من هذه الحكاية، وذلك ما ذكر العقيلي عن وهب قال: سمعت شعبة يقول: أتيت منهال بن عمرو، فسمعت عنده صوت طنبور فرجعت ولم أسأله قيل: فهلا سألته، فعسى كان لا يعلم؟.
فهذا - كما ترى - التعسف فيه ظاهر، ولا أعلم لهذا الحديث علة غير ما ذكرت، فاعلمه
(١١٠٨) وذكر من طريق الدارقطني، عن ابن عمر، أن رسول الله: «كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك» الحديث
[ ٣ / ٣٦٣ ]
قال: والصحيح أنه فعل ابن عمر، غير مرفوع إلى النبي ﷺ.
هذا نص ما ذكر، ولم يبين علته.
وقد يظن أن تعليله إياه، هو ما ذكر من وقفه ورفعه، وليس ذلك بصحيح، فإنه إنما كان يصح أن يكون هذا علة، لو كان رافعه ضعيفا، وواقفه ثقة، ففي مثل هذا الحال كان يصدق قوله: «الصحيح موقوف من فعل ابن عمر».
أما إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا لا يضره، ولا هو علة فيه.
وهذا حال هذا الحديث، فإن رافعه عن الأوزاعي، هو عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين كاتبه، وواقفه عنه، هو أبو المغيرة، وكلاهما ثقة، فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأ.
وبعد هذا، فعلة الخبر هي غير ذلك، وهي ضعف عبد الواحد بن قيس، راويه عن نافع عن ابن عمر، وعنه رواه الأوزاعي في الوجهين.
قال ابن معين: عبد الواحد بن قيس الذي رواه عنه الأوزاعي، شبه لا شيء.
وإذ الموقوف الذي صحح لا بد فيه من عبد الواحد المذكور، فليس إذن بصحيح.
والدارقطني لم يقل في الموقوف: صحيح، ولا أصح، وإنما قال: إن رواية أبي المغيرة بوقفه هي الصواب، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٣٦٤ ]
(١١٠٩) وذكر من طريق الترمذي من حديث علقمة، عن عبد الله: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ»؟ قال: «فصلى فلم يرفع يده إلا مرة [واحدة]».
وأتبعه أن قال: إنه لا يصح، وقد ذكر علته وبينها أبو عبد الله المروزي في كتاب رفع الأيدي.
هذا ما أتبع هذا الحديث، وهو منه تضعيف.
وممن ضعفه كذلك أبو داود، وزعم أنه مختصر من حديث طويل، قال: وليس بصحيح على هذا اللفظ.
وذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: لا يصح.
وقال الآخرون: إنه صحيح.
وممن قال ذلك الدارقطني، قال: إنه حديث صحيح، وإنما المنكر فيه على وكيع، زيادة: «ثم لا يعود» قالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه.
وتارة لم يقلها، وتارة أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود.
وأبو عبد الله المروزي، الذي توهم أبو محمد: عبد الحق أنه ضعف الحديث
[ ٣ / ٣٦٥ ]
المذكور، إنما اعتنى بتضعيف هذه اللفظة، وكذلك أحمد بن حنبل وغيره.
فأما الحديث دونها فصحيح كما قال الدارقطني.
والذي توهمه أبو داود: من أنه مختصر، قد بين متوهمه من ذلك في كتابه، بإتباعه إياه حديث ابن إدريس، وروايته له عن عاصم بن كليب.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ قال: فصلى فلم يرفع يده إلا مرة.
قال أبو داود: هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال عبد الله:
علمنا رسول الله ﷺ الصلاة: فكبر ورفع يديه، فلما ركع، طبق يديه بين ركبتيه، قال: فبلغ ذلك سعدا فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا - يعني الإمساك على الركبتين -.
فمن هذا زعم أبو داود أنه اختصر حديث وكيع، فتثبج معناه.
وكما فعل أبو داود فعل أحمد بن حنبل في هذا الحديث، من معارضة رواية وكيع عن الثوري، برواية ابن إدريس
[ ٣ / ٣٦٦ ]
ثم قال: وكيع رجل يثبج الحديث: لأنه يحمل على نفسه في حفظ الحديث.
والذي فعله أبو محمد - من إبهام علة هذا الحديث، والإحالة بها على محمد بن نصر - يوهم أن عنده فيه مزيدا، وليس كذلك.
والحديث عندي - لعدالة رواته - أقرب إلى الصحة، وما به علة سوى ما ذكرت
(١١١٠) وذكر من طريق البزار، عن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطيئتي» الحديث.
ثم رده بأن قال: الصحيح في هذا فعل النبي ﷺ لا أمره، كما أخرج مسلم عن أبي هريرة.
هذا ما ذكر، ولم يبين علة حديث سمرة، وهي الجهل بحال خبيب وأبيه.
وقد كتبنا ذلك في باب الأحاديث التي أتبعها منه كلاما يوهم صحتها، وليست بصحيحة
(١١١١) وذكر من طريق أبي داود، من حديث حميد الأعرج، عن
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وذكرت حديث الإفك، وفيه: «التعوذ».
ثم قال: قال أبو داود: هذا حديث منكر، قد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد.
هذا ما أتبعه، وليس فيه بيان علته فإن حميد بن قيس، أحد الثقات، ولا يضره الانفراد، وإنما علته أنه من رواية قطن بن نسير، عن جعفر بن سليمان، عن حميد.
كذا رواه أبو داود عن قطن.
وقطن وإن كان مسلم يروي عنه فقد كان أبو زرعة يحمل عليه، ويقول: إنه روى عن جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس، أحاديث مما أنكر عليه، وجعفر أيضا مختلف فيه.
فليس ينبغي أن يحمل على حميد، وهو ثقة بلا خلاف، في شيء جاء به عنه من يختلف فيه
(١١١٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن عمر بن حفص المكي، عن
[ ٣ / ٣٦٨ ]
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ، «لم يزل يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين حتى قبض».
وفيه عن أنس بمعناه.
وعن علي بن أبي طالب كذلك، ولم يقل: «حتى قبض».
والصحيح حديث نعيم المجمر.
هذا نص ما ذكر، وليس في بيان علته، لا من رواية ابن عباس، ولا من رواية أنس، ولا من رواية علي، فلنبين ذلك فنقول:
أما حديث ابن عباس، فعلته الجهل بحال عمر بن حفص المكي، بل لا أعرفه مذكورا في مظان ذكره وذكر أمثاله، وكذلك راويه عنه، وهو جعفر بن عنبسة بن عمرو الكوفي
(١١١٣) وأما حديث أنس، وعلي، فإنما لم نذكر علتهما؛ لأنه لم يذكرهما، وإنما أشار إليهما وهما عند الدارقطني، ونحن أيضا لا نعرض لهما؛ لأنهما كسائر ما ترك من الأحاديث
[ ٣ / ٣٦٩ ]
(١١١٤) وذكر من طريق النسائي حديث أبي الدرداء، فيه: فالتفت رسول الله ﷺ إلي، وكنت أقرب القوم منه، فقال: «ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم».
ثم قال: اختلف في إسناد هذا الحديث، ولا يثبت.
كذا قال: وهو هكذا يوهم في الحديث علة لا يقبله معها أحد، وليس كذلك، بل هو موضع نظر، فإنه حديث رواه النسائي من طريق زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء.
وكذا ذكره الدارقطني، وأتبعه أن قال: الصواب أنه من قول أبي الدرداء.
فرأى أبو محمد هذا فاعتمده ولم يجاوزه، ورأيته في كتابه الكبير، لم يزد فيما علله به على أن قال: خولف زيد في هذا، والصواب أنه من قول
[ ٣ / ٣٧٠ ]
أبي الدرداء، ذكر ذلك الدارقطني في سننه.
لم يزد على هذا.
وكرر الدارقطني ذكره في موضع آخر من الكتاب المذكور، فجاء به من رواية ابن وهب، عن معاوية بن صالح، فجعله من كلام أبي الدرداء.
ثم قال: رواه زيد بن الحباب موفوعا، ووهم فيه، والصواب [فيه] قول ابن وهب. انتهى قوله.
فإذن ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه، وزيد بن الحباب رفعه، وهو أحد الثقات، ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته، ما ينبغي أن يحكم عليه في رفعه إياه بالخطأ، فكيف ولم يخالفه إلا واحد.
وسترى تناقض أبي محمد في هذا الأصل، في باب الأحاديث التي أعلها بشيء لم يعل بها غيرها، ومذهبه أيضا في معاوية بن صالح، إن شاء الله تعالى.
وأوقع ما يعتل به عليه مرفوعا، الشك الذي في قوله: «ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم».
فإن هذا يستبعد أن يكون من كلام النبي ﷺ ولو كان من مجتهداته، والأظهر أنه من كلام أبي الدرداء، والله أعلم
[ ٣ / ٣٧١ ]
(١١١٥) وذكر من طريق الدارقطني عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «إذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فأنصتوا».
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن عثمان بن ثابت الصيدلاني، وأبو سهل ابن زياد، قالا: حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يحدث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره
(١١١٦) ثم قال: الصحيح المعروف، «إذ قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين».
لم يزد على هذا، والحديث في غاية الضعف بمحمد بن يونس الكديمي، فإنه ممن يتهم بالوضع، ولم يبين ذلك أبو محمد،
وأما ما اعتمده في رده من قوله: «الصحيح المعروف [إذا قال الإمام: (غير المغضوب)] فقولوا: آمين»، فغير معتمد، ولا يجب أن يجعل هذا معارضا للحديث المذكور، فإنه لم يرد به أن لو صح الإنصات عن غير القراءة، وإنما المراد به: أنصتوا حين يقرأ الإمام، وهذا هو الذي رواه أبو صالح، عن
[ ٣ / ٣٧٢ ]
أبي هريرة، من رواية زيد بن أسلم عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
(١١١٧) «وإذا قرأ فأنصتوا».
فغيره هذا الضعيف الراوي له عن عمرو بن عاصم، الذي هو محمد بن يونس، وفهم من قوله: «قرأ» فرغ من القراءة.
وهكذا فهم الدارقطني من الحديث المذكور، فإنه ساقه في أحاديث سكوت المأموم خلف الإمام. فاعلمه
(١١١٨) وذكر من طريق الترمذي، عن وائل بن حجر، قال: «سمعت النبي ﷺ قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، ومد بها صوته».
ثم قال فيه: حديث حسن، قال: ورواه شعبة، فقال: «خفض بها صوته»
[ ٣ / ٣٧٣ ]
قال البخاري: حديث سفيان أصح، وأخطأ شعبة في قوله: «خفض بها صوته». انتهى كلامه.
وليس فيه بيان المانع من إطلاق أنه صحيح، فإن الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف، وهذا الحديث فيه أربعة أمور:
أحدها: اختلاف شعبة وسفيان في «خفض ورفع»، فسفيان يقول: «مد بها صوته» وشعبة يقول: «خفض بها صوته».
والثاني: اختلافهما في حجر، فشعبة يقول فيه: حجر أبو العنبس، والثوري يقول: حجر بن عنبس، وصوب البخاري، وأبو زرعة، قول الثوري، ولا أدري لم لا يصوب قولهما جميعا حتى يكون حجر بن عنبس أبا العنبس، اللهم إلا أن يكونا - أعني البخاري وأبا زرعة - قد علما له كنية أخرى.
وإلى ذلك فإنه لا تعرف حاله.
وهذا هو الثالث، فإن المستور الذي روى عنه أكثر من واحد، مختلف في قبول حديثه ورده، للاختلاف الذي في أصل ابتغاء مزيد العدالة بعد الإسلام.
والرابع: أنهما - أعني الثوري وشعبة - اختلفا أيضا في شيء آخر، وهو أن جعله الثوري من رواية حجر عن وائل، وجعله شعبة من رواية حجر عن
[ ٣ / ٣٧٤ ]
علقمة بن وائل.
ولما ذكر الدارقطني رواية الثوري صححها، كأنه عرف من حال حجر الثقة، ولم يره منقطعا بزيادة شعبة علقمة بن وائل في الوسط، وفي ذلك نظر.
وهذا الذي ذكرنا هو موجب حكم الترمذي عليه بأنه حسن، وقد كان من جملته اضطرابهما في متنه ب «خفض» و«رفع».
والاضطراب في المتن علة مضعفة. فالحديث لأن يقال فيه: ضعيف أقرب منه إلى أن يقال: حسن، فاعلم ذلك
(١١١٩) وذكر من طريق أبي داود، من حديث سعيد الجريري، عن السعدي، عن أبيه، أو عمه، قال: «رمقت النبي ﷺ في صلاته، فكان يتمكن في ركوعه وسجوده» الحديث.
ولم يقل بإثره شيئا، ولم أذكره في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها، تحسينا للظن يه له أن لا يكون صححه، أو أن يكون اكتفاؤه
[ ٣ / ٣٧٥ ]
في تعليله بما أبرزه من إسناده، وذكر من هو موضع علته، وإن كنت قد ذكرت في ذلك الباب أحاديث، هي هكذا مذكورة بقطع من أسانيدها، مسكوتا عنها، فإنما فعلت ذلك لغالب الظن به أنه صححها، وليست عندي بصحيحة، فأما هذا فيستبعد عليه أن يكون صححه.
وهذا السعدي، وأبوه، وعمه، ما منهم من يعرف، ولا من ذكر بغير هذا.
وقد ذكره ابن السكن في كتاب الصحابة في الباب الذي ذكر فيه رجالا لا يعرفون، فاعلم ذلك
(١١٢٠) وذكر من طريق البزار، من حديث إبراهيم بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ: «صلى في مسجد بني عبد الأشهل في كساء متلببا به» الحديث.
ثم قال بإثره: لا يصح، قاله البخاري.
لم يزد على هذا.
وهذا الحديث علته بينة فيما أبرز من إسناده، بالجهل بحال عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، فأما أبوه عبد الرحمن بن ثابت بن
[ ٣ / ٣٧٦ ]
الصامت، فإنه مدني معروف.
ومنهم من يقول فيه: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، إلا أن البخاري أدخله في كتاب الضعفاء، وقال: لم يصح حديثه.
وقال أبو حاتم: حديثه ليس به بأس، وليس عندي بمنكر الحديث.
وقد يكون معنى قول البخاري: «لم يصح حديثه»، أي لضعف الطريق إليه، إذ هو من روايته ابنه، وهو مجهول الحال.
وأيضا من رواية إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو وإن كان قوم يوثقونه، فإن البخاري قد قال فيه: منكر الحديث، وهو القائل: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه.
وكذا قال فيه أيضا أبو حاتم.
وليس لك أن تقول: لعل إبراهيم بن أبي حبيبة الذي عنه ذكر أبو محمد الحديث، غير إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، الذي فسرته أنت به.
وإنما لم يكن لك ذلك لوجهين:
أحدهما: أن البزار بينه في نفس الإسناد، وأبو محمد غيره، ولم يكن له ذلك، وإنما الذي له، أن يجده منسوبا إلى الجد، فيذكر أباه ثم جده، فأما أن يجده في الإسناد منسوبا إلى أبيه، ثم جده، فينسبه هو في ذكره إياه إلى
[ ٣ / ٣٧٧ ]
جده فقط، فخطأ من العمل، يوهم ما اعترضت به.
والوجه الثاني: أنك إذا فعلت ذلك - أعني أن تقول: لعله غير من فسرت به - وقعت في أشد مما فررت منه، فإنك أبيت أن يكون هذا المختلف فيه، وزعمت أنه من لا يعرف البتة، فاعلم ذلك
(١١٢١) وذكر من طريق العقيلي، من حديث الربيع بن بدر، عن عنطوانة عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أنس إذا صليت فضع بصرك حيث تسجد» الحديث.
ثم قال: إسناده ضعيف.
لم يزد على هذا.
وهو كما قال، وعلته الجهل [بحال] عنطوانة.
ولما ذكره العقيلي، قال فيه: بصري مجهول.
والربيع بن بدر أيضا ضعيف، وهو الذي يقال له: عليلة
[ ٣ / ٣٧٨ ]
(١١٢٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لملتفت».
وذكر أنه لا يثبت.
ولم يبين علته وهو من الأحاديث التي بينت - في باب الأحاديث التي ذكرها على أنها متصلة وهي منقطعة أو مرسلة - أنه غير موصول الإسناد.
والذي لأجله كتبته الآن هنا، هو تبيين ما أجمل من علته، وذلك أن رجاله مجهولون، ومع ذلك اضطربوا فيه.
قال الدارقطني لما ذكره: يرويه أبو شمر الضبعي، واختلف عنه؛ فرواه الصلت بن طريف المعولي، عن أبي شمر قال: أخبرني رجل عن ابن أبي مليكة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبي الدرداء.
وقال أبو قتيبة: سلم بن قتيبة: عن الصلت بن طريف [عن رجل، عن ابن أبي مليكة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، وخلط في الإسناد.
وقال شعبة: عن أبي شمر، عن رجل]، عن رجل، عن رجل، عن رجل، فيهم امرأة من هؤلاء الأربعة. والحديث مضطرب لا يثبت، انتهى
[ ٣ / ٣٧٩ ]
كلام الدارقطني.
وما مثل هذا ألتفت إليه، ولا ينبغي لمن يذكره أن يطوي إسناده، فإن ذلك يوهم أنه شيء ينظر فيه، وإنما هو عدم الإخفاء بأمر من لم يسم من رجاله، ولا بمن سمي منهم، كأبي شمر، ونصر بن طريف؛ فإنهما لا يعرفان.
وأتبعه أبو محمد أن قال: ورواه الصلت بن مهران، عن ابن أبي مليكة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله سواء، ذكره البزار في الإملاء، في غير المسند، انتهى ما ذكر.
وهذا أيضا لم يبين علته، وهي قد تبينت بما تقدم، فإنه كان من قبيل: عن الصلت بن طريف المعولي، عن أبي شمر، عن رجل، عن ابن أبي مليكة.
وهو الآن: عن الصلت بن مهران، عن ابن أبي مليكة.
وكان قبيل عن أبي الدرداء، وهو الآن عن عبد الله بن سلام.
والصلت بن مهران أيضا مجهول.
وقد ترجم ابن أبي حاتم ترجمتين متواليتين، قال في إحداهما: صلت بن مهران، روى عن الحسن، وشهر بن حوشب، ورى عنه محمد بن بكر البرساني، وسهل بن حماد، سمعت أبي يقوله.
ثم قال في الأخرى: صلت بن طريف المعولي، روى عن الحسن، وأبي شمر، روى عنه أبو قتيبة، وموسى بن إسماعيل، سمعت أبي يقوله.
ثم زاد هو أنه روى عنه عبد الملك بن إبراهيم الجدي، وسهل بن بكار.
وقال سهل: حدثني صلت بن طريف، وكان جار المهدي بن ميمون،
[ ٣ / ٣٨٠ ]
انتهى ما ذكرهما به.
ولم يعرف بشيء من أحوالهما، فهما مجهولا الأحوال، والله أعلم
(١١٢٣) وذكر أيضا من مراسل أبي داود، عن سعيد بن العاصي، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من المدينة قصر بالعقيق، فإذا خرج من مكة قصر بذي طوى».
ثم أتبعه قول أبي داود: روي مسندا ولا يصح.
هذا ما ذكره به، وهو كما ذكر، إلا أنه لم يبين موضع انقطاعه.
وسعيد بن العاصي صحابي، وهو ابن العاصي [بن سعيد بن العاصي] ابن أمية بن عبد شمس.
ومع أنه صحابي فإنه يروي عن عمر.
والانقطاع فيه هو ما بين أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاصي، وجده سعيد بن العاصي المذكور.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن العاصي.
فقول أبي داود: «روي مسندا»، إنما يعني به أنه روي متصلا، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٣٨١ ]
(١١٢٤) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث صغدي بن سنان، قال: حدثنا محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب، أوموا بها إيماء».
ثم قال: هذا الإسناد من أضعف إسناد، وفي بعض ألفاظه من الزيادة [«أو ماء أو ثلج».
هكذا قال، وهو صحيح من القول، ولكن بقي عليه: أين هو ضعفه؟
فاعلم] أن فضاء الأزدي الجهضمي، والد محمد بن فضاء مجهول الحال، ولا يعرف روى عنه إلا ابنه محمد بن فضاء.
وابنه محمد بن فضاء المعبر، ضعيف، كان سليمان بن حرب سيئ الرأي فيه، وكان يقول عنه: إنه كان يبيع الشراب.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وصغدي بن سنان ضعيف أيضا، وقال فيه ابن معين: ليس بشيء
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ويرويه عن صغدي بن سنان، زيد بن الحريش، وهو أيضا مجهول الحال
(١١٢٥) وذكر من طريق النسائي، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ: «كان يقرأ في الوتر بسبح، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، ويقنت قبل الركوع» الحديث.
ثم قال بعده: وقال الترمذي في حديث عائشة: «وفي الثالثة بقل هو الله أحد، والمعوذتين».
وحديث النسائي أصح إسنادا.
كذا قال، وهو كما ذكر، ولكنه لم يبين علة حديث عائشة، فاعلم أن الترمذي ذكره هكذا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد البصري، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن خصيف، عن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة، بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ؟ قالت:
(١١٢٦) «كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، والمعوذتين»
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وقال فيه: حسن غريب، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ. انتهى كلام الترمذي.
فأقول: إنما لا يقال: هذا الحديث صحيح، لمكان خصيف بن عبد الرحمن ابن أبي عون الجزري، فإن حفظه رديء سيئ.
وفيه مع ذلك قول عبد العزيز بن جريج: سألنا عائشة، فقد زعم قوم أنه لم يسمع منها.
وممن قال ذلك أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي ذكره عنه المنتجالي في كتابه صحيحا عنه، ولو جاء قوله: سألنا عائشة عن غير خصيف ممن يوثق به، صح سماعه منها.
وإلى ذلك فإنه - أعني عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك - لا يتابع على حديثه. قاله البخاري.
وأما ما ذكر الترمذي من رواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فإنه لم يوصل إليه إسنادا، ولا أعرفه من غير رواية يحيى بن أيوب.
قال الدارقطني: [حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، قال: حدثنا أحمد بن منصور] قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: أخبرني يحيى
[ ٣ / ٣٨٤ ]
ابن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﷺ: «كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما، بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، ويقرأ في الوتر، قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس».
[حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، فذكره].
حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، فذكره
(١١٢٧) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الرحمن - يعني ابن إسحاق - عن ابن زيد - وهو محمد - عن ابن سيلان - واسمه عبد ربه - عن
[ ٣ / ٣٨٥ ]
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل».
ثم قال: ليس إسناده بقوي.
كذا قال، ولم يبين موضع علته، وسمى ابن سيلان عبد ربه.
فأقول - وبالله التوفيق -: جابر بن سيلان، يروي عن ابن مسعود، روى عنه محمد بن زيد بن المهاجر [كذا ذكره ابن أبي حاتم.
وذكره الدارقطني فقال: يروي عن أبي هريرة، روى عنه محمد بن زيد ابن مهاجر].
وقال ابن الفرضي: روى عن ابن مسعود وأبي هريرة.
فعلى هذا، يشبه أن يكون هذا الذي لم يسم في الإسناد جابرا هذا، وهو غالب الظن.
وهناك أيضا عبد ربه بن سيلان، مدني، سمع أبا هريرة، روى عنه أيضا محمد بن زيد بن مهاجر، ذكره بهذا ابن أبي حاتم وابن الفرضي وغيرهما.
ولما ذكر ابن الفرضي عبد ربه هذا قال: أظنه أخا عيسى بن سيلان.
وأيهما كان، من عبد ربه أو جابر، فحاله مجهولة لا تعرف
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وإلى ذلك فإن عبد الرحمن بن إسحاق، هو الذي يقال له عباد المقرئ.
قال يحيى القطان: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه.
وقال أحمد: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.
وغيرهما يوثقه.
وهو عندهم نحو محمد بن إسحاق في حاله، وليس منه بنسب.
وزعم ابن عيينة أنه كان قدريا، نفاه أهل المدينة، فنزل ماء هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه.
وأخرج له مسلم
(١١٢٨) وقد ذكر أبو محمد في الاعتكاف، حديث عائشة الذي فيه: «السنة في المعتكف أن لا يعود مريضا» الحديث
[ ٣ / ٣٨٧ ]
ثم رده بأن قال: عبد الرحمن بن إسحاق لا يحتج بحديثه
(١١٢٩) وذكر من طريق أبي داود أيضا، عن قيس بن عمرو - ويقال: قيس بن قهد - حديث الذي صلى بعد الصبح ركعتين، فلم يقل له النبي ﷺ.
ثم قال بإثره: ليس هذا الحديث بمتصل، ذكر ذلك الترمذي.
كذا قال، وهو كما ذكر، إلا أنه لم يبين موضع انقطاعه.
وبيان ذلك هو أن إسناده هو هذا: قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن سعد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو، فذكره.
قال الترمذي: محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، ويقال: قيس بن قهد.
وفصل ابن السكن بينهما، فجعلهما رجلين - أعني قيس بن عمرو، وقيس ابن قهد - وفي سعد بن اختلاف، ولم يعرض له، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٣٨٨ ]
(١١٣٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عمر، حديث: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». وأتبعه قوله فيه: غريب.
ثم قال أبو محمد: إنه روي من طرق فيها ضعفاء - سماهم - وأحسنها حديث الترمذي.
وقد كتبناه في باب الأحاديث التي أتبعها رواية رواة، أوهم أنها عنهم، وليست عن أحد منهم.
ونريد منه الآن تبيين علة الخبر المذكور، فنقول: قال الترمذي: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر - عن ابن عمر، فذكره.
وكل من في هذا الإسناد معروف مشهور، إلا محمد بن الحصين، فإنه مختلف فيه، ومجهول الحال مع ذلك.
كان عمر بن علي المقدمي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي يقولان:
[ ٣ / ٣٨٩ ]
عن قدامة بن موسى، عن محمد بن حصين، وكان وهيب، وحميد بن الأسود يقولان: عن قدامة بن موسى، عن أيوب بن حصين.
وقال عثمان بن عمر: حدثنا قدامة بن موسى، قال: حدثنا رجل من بني حنظلة.
ذكر هذا الخلاف فيه البخاري، ولم يعرف هو ولا ابن أبي حاتم من حاله بشيء، فهي عندهما مجهولة.
وذكر أبو داود رواية وهيب، عن قدامة، عن أيوب بن حصين، كما أشار إليها البخاري، ولفظه: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين»
(١١٣١) وذكر من طريق البزار وأبي داود، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث.
ذكره في صلاة الضحى، ثم قال عن البزار: إسناده حسن
[ ٣ / ٣٩٠ ]
ولم يبين لم لا يصح.
وإسناده هو هذا: قال البزار: حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه [أبو الحيان] حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، عن أبي إدريس السكوني، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء.
وقال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبو اليمان، فذكره.
وقد يظن من لا يحقق أن أبا إدريس السكوني المذكور فيه، هو الخولاني، قاضي عبد الملك بن مروان، لكثرة روايته عن أبي الدرداء.
ويكون ذلك ممن ظنه خطأ، فإن هذا السكوني إنما يروي عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، ولا يعرف روى عنه غير صفوان بن عمرو فحاله مجهولة.
وإنما هو عنده حسن، باعتبار الاختلاف في قبول أخبار المساتير، للخلاف في أصل قبله، وهو من علم إسلامه، هل تقبل روايته وشهادته ما لم يظهر من حاله ما يمنع من ذلك، أو يبتغى وراء الإسلام مزيد، هو المعبر عنه بالعدالة؟
وإلى هذا، فإنه قد أبعد فيه الانتجاع، وقد ذكره مسلم من أحسن من هذا الطريق، وقد ذكرنا ذلك في بابه، فاعلمه
[ ٣ / ٣٩١ ]
(١١٣٢) وذكر من طريق الترمذي عن كعب بن عجرة: «صلى رسول الله ﷺ في مسجد بني عبد الأشهل المغرب، فرأى ناسا يتنفلون، فقال: عليكم بهذه الصلاة في البيوت».
وأتبعه قول الترمذي فيه: غريب.
والصحيح ما روى ابن عمر أنه ﵇ «كان يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته».
هذا نص ما أورد، وهو كما قال، إلا أنه لم يبين موضع العلة، وهي الجهل بحال إسحاق بن كعب بن عجرة، راويه عن أبيه، ولا يعرف روى عنه غير ابنه سعد بن إسحاق، وهو ثقة.
وقد صرح بهذه العلة في كتابه الكبير إثر هذا الحديث، فاعلم ذلك
(١١٣٣) وذكر من طريق البزار، عن مندل، عن محمد بن عبيد الله،
[ ٣ / ٣٩٢ ]
عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ «اغتسل للعيدين» الحديث.
ثم قال: إسناده ضعيف.
كذا قال: ولم يفسر علته، وهي ضعف محمد بن عبيد الله بن أبي رافع.
قال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا، ذاهب.
وقال البخاري: منكر الحديث.
ومندل بن علي، أحسن حالا منه، وإن كان أيضا ضعيفا، فاعلم ذلك
(١١٣٤) وذكر من طريق أبي داود عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: «لم يسجد في شيء من المفصل، منذ تحول إلى المدينة».
ثم قال: إسناده ليس بقوي، ويروى مرسلا.
والصحيح ما تقدم، يعني حديث أبي هريرة في سجود النبي ﷺ في (إذا السماء انشقت) و(اقرأ) وإسلامه متأخر.
هذا ما ذكر: وإنه لعلة بينة، ولكن مع ذلك نبين ما عدم إسناده من القوة، لست أعني من جهة ما يروى مرسلا، فإن هذا عندي لا يضره، ولكن من
[ ٣ / ٣٩٣ ]
جهة أنه من رواية أبي قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ومطر الوراق كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقد عيب على مسلم إخراج حديثه.
وأبو قدامة الحارث بن عبيد قال فيه بن حنبل: مضطرب الحديث.
وهذا عندهم إنما يكون أيضا من سوء الحفظ.
وضعفه ابن معين وقال فيه الساجي: صدوق، عنده مناكير.
وقال أبو حاتم البستي: كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه، فاعلم ذلك
(١١٣٥) وذكر من طريق أبي داود أيضا، عن رجل، عن ابن عمر، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس.
وقال في إسناده: ضعيف، بك متروك؛ في إسناده أبو بحر: عبد الرحمن ابن عثمان البكراوي. انتهى قوله
[ ٣ / ٣٩٤ ]
ولم يبين منه علة الخبر التي به سوى الانقطاع بهذا الرجل، فإن البكراوي لم يتقدم له فيه قول.
ولكنه لما ذكر في الأشربة حديث عائشة:
(١١٣٦) «كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء، فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ».
قال بإثره: في إسناده أبو بحر البكراوي، وهو ضعيف عندهم. انتهى قوله.
وهو كما ذكر ضعيف، وقد صرح البستي بعلة ضعفه، فقال: منكر الحديث.
وأما هذا الرجل الذي يرويه عن ابن عمر فلا يعرف.
وهو اختصر الحديث - أعني أبا محمد -.
ونصه عند أبي داود هكذا: حدثنا عبد الله بن الصباح العطار، قال: حدثنا أبو بحر، قال: حدثنا ثابت بن عمارة، قال: حدثنا أبو تميمة الهجيمي قال: لما بعثنا الركب - قال أبو داود: يعني إلى المدينة - قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح، فأسجد، فنهاني ابن عمر، فلم أنته، ثلاث مرات، ثم عاد فقال: «إني صليت خلف رسول الله ﷺ، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس»
[ ٣ / ٣٩٥ ]
(١١٣٧) وذكر من طريق البزار عن أبي هريره، أن رسول الله ﷺ: «كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة».
ثم قال: هذا يرويه إبراهيم بن قدامة الجمحي، عن الأغر، عن أبي هريرة، ولم يتابع إبراهيم عليه.
كذا ذكره، ولم يذكر بهذا الكلام علته في الحقيقة، وإنما هي أن إبراهيم هذا لا يعرف، ولا أعرف أحدا ممن صنف في الرجال ذكره.
ولما ذكر البزار هذا الحديث من رواية عتيق بن يعقوب الزبيري عنه - بعد حديث
(١١٣٨) كان إذا أصابهم المطر، وسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام».
أتبعهما أن قال: لم يتابع إبراهيم بن قدامة عليهما، وإذا تفرد بحديث لم يكن حجة؛ لأنه ليس بالمشهور، وإن كان من أهل المدينة. انتهى كلام البزار.
والرجل لا يعرف البتة، ولا أدري لم اختصر أبو محمد كلام البزار، وكتب منه التفرد، وعدم المتابعة، وهو عند المحققين لا يضر الثقة. فاعلم ذلك
[ ٣ / ٣٩٦ ]
(١١٣٩) وذكر من طريق النسائي حديث سمرة: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت».
ثم قال: الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة.
ورواه البزار من حديث أبي سعيد مثله سواء، وفي إسناده أسيد بن زيد.
هذا نص ما أتبعه من غير مزيد، وليس فيه بيان علته؛ إذ لم يتقدم له في أسيد بن زيد قول.
وقد ترك بهذا الذي ذكر التنبيه على كونه من رواية شريك، وعنه يرويه أسيد بن زيد، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
وقال البزار: لا نعلم رواه عن عوف إلا شريك، ولا عن شريك إلا أسيد ابن زيد، وأسيد بن زيد كوفي، قد احتمل حديثه، مع شيعية شديدة كانت فيه. انتهى كلام البزار.
أسيد بن زيد هو الجمال.
قال الدوري عن ابن معين: «إنه كذاب»
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وقال أبو حاتم: «قدم الكوفة فأتاه أصحاب الحديث، ولم آته، كانوا يتكلمون فيه».
وقال الساجي: «له مناكير».
وقال أبو حاتم البستي: «يروي المنكرات عن الثقات».
ومع هذا فقد أخرج له البخاري، وهو ممن عيب عليه الإخراج عنه
(١١٤٠) وذكر من طريق الدارقطني فيمن لا تجب عليهم الجمعة: «المسافر» من حديث جابر.
ثم قال: إسناده ضعيف.
ولم يبين موضع علته، وإنه ضعيف كما ذكر.
قال الدارقطني: حدثنا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله قال: حدثنا يحيى بن نافع بن خالد بمصر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال:
[ ٣ / ٣٩٨ ]
حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا مريض، أو مسافر، أو امرأة، أو صبي، أو مملوك، فمن استغنى بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد».
أبو الزبير مدلس، وابن لهيعة متروك، ومعاذ بن محمد منكر الحديث غير معروف، قاله أبو أحمد.
وهو ذكره بهذا الحديث، وقال: ابن لهيعة يحدث عن أبي الزبير، عن جابر نسخة
(١١٤١) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «الجمعة على كل من سمع النداء».
ثم قال: روي موقوفا وهو الصحيح.
لم يزد على هذا، وعلته أنه يرويه أبو داود هكذا: حدثنا محمد بن يحيى ابن فارس، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن محمد بن سعيد الطائفي،
[ ٣ / ٣٩٩ ]
عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن بعد الله بن عمرو.
وأبو سلمة بن نبيه مجهول لا يعرف بغير هذا، ولم أجد له ذكرا في شيء من مظان وجوده ووجود أمثاله.
ومحمد بن سعيد الطائفي هو عند ابن أبي حاتم مجهول الحال، لم يزد في ذكره إياه على أن الثوري يروي عنه، وهو يروي عن طاوس، وعبد الله بن هارون.
وذكر قبله ترجمة أخرى، فيها محمد بن سعيد المؤذن، يروي عن عبد الله بن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ:
(١١٤٢) «من حافظ على أربع قبل الظهر».
وتبع في هذا العمل البخاري، ورد الخطيب ذلك من فعله، وتبين أنه
[ ٣ / ٤٠٠ ]
محمد بن سعيد الطائفي.
وسيأتي لمحمد بن سعيد الطائفي ذكر بتوثيق الدارقطني إياه، في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة، أو مختلف فيها إثر حديث:
(١١٤٣) «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها».
واتفق لأبي محمد أن غلط فيه، فظنه محمد بن سعيد المصلوب، والدارقطني بين أنه الطائفي، ووثقه.
وعبد الله بن هارون هذا، الذي يروي عنه محمد بن سعيد الطائفي - بلا واسطة بينه وبينه، على ما ذكر البخاري، وابن أبي حاتم، أو بتوسط أبي سلمة ابن نبيه بينهما، على ما في إسناد الحديث المذكور - هو أيضا مجهول الحال، لم يذكر بغير هذا.
وقبيصة، رجل صالح، إلا أنه كثير الخطأ على الثوري.
وقال النسائي: كثير الخطأ، لم يقل على الثوري، وغيره يقول: ثقة إلا في الثوري
[ ٣ / ٤٠١ ]
قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان، مقصورا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة، انتهى قوله.
وقد اتضح بما ذكرناه ما أبهم من علته، فاعلمه
(١١٤٤) وذكر من طريق الترمذي، حديث: «الجمعة على من أواه الليل إلى أهله».
ثم قال: إسناده ضعيف، وإنما يروى [من] حديث معارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ولم يبين من هذه القطعة موضع العلة لمن لا يعلمها، وهي ضعف عبد الله ابن سعيد المقبري.
قال عمرو بن علي: [هو] منكر الحديث متروك.
وقال البخاري عن يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس.
وقال ابن حنبل: متروك الحديث مدني.
[ومعارك بن عباد قال ابن حنبل: لا أعرفه
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وقال أبو زرعة: واهي الحديث].
وقال أبو حاتم: أحاديثه منكرة
(١١٤٥) وذكر من طريق مسلم حديث جابر: «اركع ركعتين وتجوز فيهما».
وسكت عنه، وهو من رواية أبي سفيان عن جابر.
وتكرر سكوته عن أحاديث من روايته، منها حديث:
(١١٤٦) «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم. . .»
(١١٤٧) وحديث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن».
اختار فيه رواية أبي سفيان، وترك رواية أبي الزبير، والمعنى واحد، واللفظ مختلف
[ ٣ / ٤٠٣ ]
(١١٤٨) وحديث: «نعم الإدام الخل»
(١١٤٩) وحديث: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب».
كل هذه الأحاديث من مسلم، وساق من عند البزار حديث:
(١١٥٠) «أميران وليسا بأميرين، في الحج وفي الجنائز».
وأتبعه أن قال: أبو سفيان لا يحتج به عندهم.
وقد أوعبنا في ذكر الحديث في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها
(١١٥١) وذكر حديث: «الوضوء من الضحك» عند أبي أحمد.
وقال بإثره: أبو سفيان ضعيف، وقبله من هو أضعف منه
(١١٥٢) وذكر من طريق الترمذي، عن جعفر بن خالد بن سارة،
[ ٣ / ٤٠٤ ]
عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، حديث: «اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم».
وأتبعه أن قال: جعفر ثقة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
كذا قال، ولم يبين لم لا يصح، وذلك أن خالد بن سارة لا تعرف حاله، وروى عنه ابنه، وعطاء بن أبي رباح، قاله البخاري.
وأهمله ابن أبي حاتم كسائر من يجهل أحوالهم.
ولا أعلم له إلا حديثين، هذا أحدهما
(١١٥٣) والآخر أن النبي ﷺ: «حمل غلامين من بني عبد المطلب على دابة».
رواه [أيضا] جعفر، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر كذلك
[ ٣ / ٤٠٥ ]
(١١٥٤) وذكر من طريق الترمذي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ: «إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية».
ثم قال: ويروى موقوفا على عبد الله، والموقوف أصح.
لم يزد على هذا، وهو كما نقوله عنه دائبين أنه لا يذكر من التعليل إلا ما يجد لغيره، كيف ما كان، وربما تغير في نقله.
وبيان أمر هذا الحديث، هو أنه يرويه ميمون، أبو حمزة القصاب، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ثم اختلف الرواة عنه:
فمنهم من يقول: عن النبي ﷺ: هكذا يقول عنبسة بن سعيد بن الضريس، أبو بكر الأسدي قاضي الري - وهو أحد الثقات - عن ميمون أبي حمزة.
ومنهم من يقفه على ابن مسعود، ولا يذكر النبي ﷺ.
هكذا يقول سفيان الثوري عن ميمون المذكور، فذكر أبو عيسى الروايتين، وقال في رواية الثوري: إنها أصح، على مذهب له معروف، في
[ ٣ / ٤٠٦ ]
حديث يروى تارة مرفوعا وتارة موقوفا، أو تارة مسندا، وتارة مرسلا.
ثم أتبعه أبو عيسى أن قال: وأبو حمزة، هو ميمون الأعور، وليس بالقوي عند أهل الحديث.
وقد تقدم لأبي محمد تضعيفه في حديث:
(١١٥٥) «يا أفلح، ترب وجهك».
فكان هذا من الترمذي بيان ضعف هذا الحديث مرفوعا أو موقوفا.
فمعنى قوله إذن في الموقوف: «إنه أصح»، ليس أنه صحيح وصحيح، وأحدهما أرجح، بل معناه كما يقال: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) و«العسل أحلى من الخل».
فترك أبو محمد التنبيه على كونه من رواية أبي حمزة، فتسرد من قوله: «الموقوف أصح» أنهما جميعا بإسناد صحيح، ولكن أحدهما أرجح.
وترك أيضا منه أمرا آخر، وهو أن يذكر الإسناد الصحيح لهذا الخبر عند الترمذي نفسه من رواية حذيفة.
وسنذكره (إن شاء الله تعالى) في باب الأحاديث التي أوردها على أنها صحيحة، وهي ضعيفة، ولها طرق صحيحة
(١١٥٦) وذكر من طريق مسلم حديث «المحرم الذي وقصته راحلته»
[ ٣ / ٤٠٧ ]
ثم قال: وقال الدارقطني في هذا الحديث: «خمروهم ولا تشبهوا باليهود».
رواه من حديث علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، والصحيح ما تقدم. انتهى ما أورد.
وقد أبرز موضع علته، وهو علي بن عاصم، ولكنه لم يبين ضعفه لمن لا يعلمه، وهو عندهم ضعيف، كان يكثر غلطه، وكان في لجاج، ولم يكن متهما، قاله ابن حنبل.
وقال ابن معين: «ليس بثقة».
قال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى بن معين: إن أحمد بن حنبل، يقول فيه: ثقة، قال: لا، والله ما كان عنده قط ثقة، ولا حدث عنه بحرف قط، فكيف صار عنده اليوم ثقة.
قال ابن أبي خيثمة: [قال أبي]: ما عتبت عليه إلا أنه كان يغلط، فيلج، ويستصغر أصحابه.
قال: ولم يحدث عنه أبي بشيء
[ ٣ / ٤٠٨ ]
(١١٥٧) ولما ذكر الترمذي حديث: «من عزى مصابا فله مثل أجره».
قال: يقال أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم هذا الحديث، نقموا عليه.
وقال يزيد بن زريع: أفادني علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، وعن هشام بن حسان أحاديث، فأنكراها ومعا عرفاها.
وقال أبو زرعة: «إنه تكلم بكلام سوء»، ولم يفسره، وذكر ذلك عنه أبو محمد بن أبي حاتم في باب محمد بن مصعب.
واعترى أبا محمد في هذا الحديث - مع ما ذكرناه من إجمال علته - أنه أوهم بإيراده إياه - إثر حديث «الذي وقصته راحلته» - أنه فيه.
وليس كذلك، تلك قصة مخصوصة، وهذا عام في المحرم يموت
(١١٥٨) قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن علي السرخسي، حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في المحرم يموت فقال: «خمروهم ولا تشبهوا باليهود»
[ ٣ / ٤٠٩ ]
وقد جاء هذا الحديث بأعم من هذا اللفظ، وأصح من هذا الطريق.
وهو ما ذكر الدارقطني، قال: حدثنا أبو القاسم بن منيع حدثنا عبد الرحمن ابن صالح الأزدي، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهوا باليهود».
عبد الرحمن بن صالح الأزدي، البغدادي - جار علي بن الجعد - صدوق، قاله أبو حاتم الرازي وسائر الإسناد لا يسأل عنه
(١١٥٩) وذكر حديث طلحة بن البراء: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تقيم بين ظهراني أهله».
وقال: ليس إسناده بقوي.
وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة
(١١٦٠) وذكر أيضا من طريق أبي داود، عن ابن عباس: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد، أن ينزع عنهم الحديد والجلود».
ثم قال: رواه علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن ابن جبير، عن
[ ٣ / ٤١٠ ]
ابن عباس، فذكره.
ولم يزد على هذا اعتمادا على ضعف علي عند أهل العلم به
(١١٦١) وذكر حديث مسلم عن جابر: «في الرجل الذي قبر ليلا»، وقول النبي ﷺ: «إذا كفن أحدهم أخاه فليحسن كفنه».
ثم أتبعه من عند أبي داود حديث جابر
(١١٦٢) «إذا توفي أحدكم فوجد شيئا، فليكفن في ثوب حبرة».
ثم قال: إسناد مسلم أصح من هذا.
وكذلك هو أيضا أصح من حديث أبي داود، عن عبادة بن الصامت، وحديث الترمذي عن أبي أمامة، كلاهما عن النبي ﷺ قال:
(١١٦٣) «خير الكفن الحلة، وخير الضحية الكبش الأقرن».
لأن في إسناد حديث أبي داود، هشام بن سعد وغيره.
وفي إسناده حديث الترمذي، عفير بن معدان، وهم ضعفاء، انتهى كلامه
[ ٣ / ٤١١ ]
والمقصود بيانه، هو مجمل قوله: «حديث مسلم أصح»، وذلك يحتمل أن يكونا صحيحين، وأحدهما أرجح، وأن يكون أحدهما صحيحا والآخر ضعيفا.
ونبين أيضا ما أجمل في قوله: فيه هشام بن سعد وغيره، وعفير بن معدان، وهم ضعفاء، فإنه ذكر اثنين، وأبهم ثالثا، أو أكثر من واحد.
فأقول: أما حديث أبي داود فإسناده هو هذا: حدثنا الحسن بن الصباح البزاز، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا إبراهيم - يعني ابن عقيل - عن أبيه، عن وهب - يعني ابن منبه - عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا توفي أحدكم فوجد شيئا، فليكفن في ثوب حبرة».
إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه لا بأس به، وأبوه عقيل بن معقل ثقة، وأبوه معقل بن منبه، هو أخو وهب بن منبه، وهمام بن منبه، ولا مدخل له في الإسناد.
فأما إسماعيل بن عبد الكريم، راويه عن إبراهيم بن عقيل، فإنه لا يعرف ولم يذكره ابن أبي حاتم ذكرا يخصه في باب إسماعيل
[ ٣ / ٤١٢ ]
لكنه جرى ذكره في باب إبراهيم بن عقيل، فقال، روى عنه إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني.
وذكره مسلمة بن قاسم فقال: إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه صنعاني، جائز الحديث.
فعلى هذا الذي ذكر، يكون ابن عم إبراهيم بن عقيل المذكور، ولم تثبت عدالته.
وقد زعم ابن معين لما ذكر إبراهيم بن عقيل وأنه لا بأس به، أن حديثهم ينبغي أن يكون صحيفة وقعت إليهم، فالحديث لا يصح من أجل إسماعيل المذكور.
فأما حديث مسلم المفضل عليه، فإنه من رواية ابن جريج، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابرا، فذكره.
وأما حديث عبادة بن الصامت الذي قال [إن] فيه هشام بن سعد وغيره فهو من رواية ابن وهب، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نصر، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن عبادة.
فنسي، والد عبادة بن نسي لا تعرف حاله، وحاتم بن أبي النصر القنسريني لا يعرف روى عنه غير هشام بن سعد، ولا تعرف أيضا حاله، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٤١٣ ]
(١١٦٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أسامة بن زيد، عن الزهري عن أنس، أن النبي ﷺ: «مر بحمزة وقد مثل به» الحديث، وفيه: «لم يصل على أحد من الشهداء غيره»
(١١٦٥) ثم أتبعه أن قال: الصحيح ما تقدم في حديث البخاري: «أنه لم يصل على الشهداء، ولم يغسلوا».
ولم يبين علته، وهي ضعف أسامة بن زيد الليثي.
وقد أتبعه في كتابه الكبير، القول في أسامة بن زيد، وذكر أقوالهم فيه، واختلاف أصحاب الزهري.
فقال أسامة بن زيد، وثقه ابن معين، وضعفه يحيى بن سعيد، وتكلم أحمد في روايته عن نافع، وقد روى عنه الثوري، وابن المبارك، وغيرهما.
قال الترمذي - وذكر حديثه هذا -: خولف في هذا الحديث، فروى
[ ٣ / ٤١٤ ]
الليث بن سعد: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر.
وروى معمر: عنه، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر، ولا نعلم أحدا ذكره عن الزهري، عن أنس، إلا أسامة بن زيد، وسألت محمدا عنه فقال: حديث الليث أصح. انتهى ما أورد.
وهو خلاف قوله هو، وذلك أن البخاري لم يقل: الصحيح حديث جابر كما قال، وإنما قال: «حديث جابر أصح».
فحديث أنس أيضا لعله صحيح، دونه في الصحة، وأيضا فإن البخاري إنما عنى بحديث جابر ما تقدم له هو من عند البخاري، وهو قوله في الشهداء: «لم يغسلهم ولم يصل عليهم».
فإذا روى أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس: «صلى على حمزة وحده» من أين يجب أن يجعل هذا اختلافا على الزهري؟
ولا تعارض بين ما وري من ذلك عن ابن شهاب، وما روى الناس عنه، فخرج من هذا أنه نقض أصله في تصحيحه أحاديث أسامة بن زيد، بتضعيفه هذا هو، ولم يخالفه من روى عن ابن شهاب: «لم يصل على الشهداء».
ومن الأحاديث التي صححها، وهي من رواية أسامة بن زيد، حديث:
[ ٣ / ٤١٥ ]
(١١٦٦) «يأخذ من طول لحيته وعرضها»
(١١٦٧) وحديث أبي مسعود في الأوقات
(١١٦٨) وحديث: «كان كلامه فصلا»
(١١٦٩) وحديث: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف».
وأحاديث سواها سنستوعب ذكرها إن شاء الله تعالى
(١١٧٠) وذكر في الجنائز من طريق البزار، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أميران وليسا بأميرين» الحديث.
ثم رده بأن قال: أبو سفيان لا يحتج به عندهم، وقبله في الإسناد من هو أضعف منه.
وقد رواه عمرو بن عبد الجبار من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولم يتابع عليه، خرجه العقيلي، انتهى ما ذكر.
وقد نبهت على أحاديث سكت عنها ولم يعرض لها وهي من رواية
[ ٣ / ٤١٦ ]
أبي سفيان، عن جابر - إذا كانت من عند مسلم أو غيره ممن صحح روايته، وها هو ذا يقول: لا يحتج به عندهم.
والمقصود بيانه الآن، هو قوله: «وقبله في الإسناد من هو أضعف منه»، وذلك أن في الإسناد قبله، عمرو بن عبد الغفار [الفقيمي.
قال البزار: حدثنا أحمد بن يزداد الكوفي، حدثنا عمرو بن عبد الغفار] حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أميران وليسا بأميرين: المرأة تحج مع القوم فتحيض قبل أن تطوف بالبيت طواف الزيارة، فليس لأصحابها أن ينفروا حتى يستأمروها، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها، ليس له أن يرجع حتى يستأمر أهل الجنازة».
قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن النبي ﷺ من وجه أحسن من هذا الوجه، على أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، وقد روى عنه نحو مائة حديث، وإنما يكتب من حديثه ما لا نحفظه عن غيره لهذه العلة، فأما أن يكون في نفسه ثقة، فهو في نفسه ثقة، ولا نعلم روى هذا الحديث عن الأعمش، إلا عمرو بن عبد الغفار.
وقال في موضع آخر: يقال: إن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، إنما هي صحيفة عرضت، انتهى كلام البزار.
وعمرو بن عبد الغفار ليس بشيء، وقد اتهمه الناس بوضع الحديث، قال أبو أحمد: كان السلف يتهمونه بأنه يضع في فضائل أهل البيت، وفي مثالب
[ ٣ / ٤١٧ ]
غيرهم.
وقال فيه العقيلي: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
وقال ابن المديني: رافضي، تركته لأجل الرفض.
فما مثل هذا طوي ذكره.
وأما الحديث الذي أشار إليه من رواية أبي هريرة، من طريق عمرو بن عبد الجبار، فذكره العقيلي هكذا:
حدثنا داود بن إبراهيم أبو شيبة، قال: حدثنا عبيد بن صدقة التغلبي، قال: حدثنا عمرو بن عبد الجبار العنبري ابن أخي عبيدة بن حسان، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أميران وليسا بأميرين: الرجل يتبع الجنازة، فلا ينصرف حتى يستأذن، والمرأة تكون مع القوم فتحيض، فلا ينفروا حتى تطهر».
قال العقيلي: وقد يروى مرسلا، وقال: عمرو بن عبد الجبار السنجاري، عن ابن شهاب: حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه. انتهى كلامه
[ ٣ / ٤١٨ ]
عبيد بن صدقة وداود، لا أعلم أحوالهما، وقد كرر أبو محمد في الحج ذكر هذين الحديثين، وأورد كلام البزار في الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحو ما أوردناه.
وذكر الدارقطني حديث أبي هريرة والخلاف فيه في كتاب العلل، فقال ما هذا نصه:
وسئل عن حديث أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أميران وليسا بأميرين» الحديث بنصه.
فقال: يرويه طلحة بن مصرف، والحكم بن عتيبة، واختلف عنهما.
فرواه عن طلحة ليث بن أبي سليم عن أبي حازم، عن أبي هريرة موقوفا.
وخالفه أبو خالد الدالاني؛ فرواه عن طلحة، عن عبد الله بن مسعود مرسلا.
ورواه أبو جناب الكلبي، عن طلحة قوله، لم يتجاوزه به.
وأما الحكم فرواه الحسن بن عمارة عنه، أو عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعا.
وخالفه منصور بن المعتمر؛ فرواه عن الحكم، عمن حدثه عن
[ ٣ / ٤١٩ ]
أبي هريرة موقوفا.
وقال شعبة: عن الحكم، عن هلال بن يساف، أو بعض أصحابه، عن أبي هريرة موقوفا، ولا يثبت مرفوعا في جميعها. انتهى كلامه.
وقد حصل المقصود، وهو بيان ما أجمل من علة الحديث المذكور، فاعلم ذلك
(١١٧١) وذكر من طريق الترمذي حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ «كبر على الجنازة فرفع يديه في أول تكبيرة مرة، ووضع اليمنى على اليسرى».
ثم قال: حديث غريب.
لم يزد على هذا فقد ينبغي أن نذكر لم لا يصح، فنقول: قال الترمذي: [حدثنا القاسم بن دينار الكوفي] حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق، عن يحيى بن يعلى، عن أبي فروة: يزيد بن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره.
قال: وهو غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
فقنع أبو محمد بكلام الترمذي، وهو حديث لا يصح، لضعف أبي فروة الرهاوي: يزيد بن سنان
[ ٣ / ٤٢٠ ]
قال ابن معين: «ليس بشيء».
وقال العقيلي: «لا يتابع على حديثه».
وضعفه ابن حنبل.
وقال فيه النسائي: متروك الحديث.
فأما يحيى بن يعلى هذا، الراوي عنه، فإنه يحتمل بأول نظر أن يكون يحيى بن يعلى الأسلمي، أبا زكرياء القطواني، وأن يكون يحيى بن يعلى ابن حرملة أبا المحياه، وكلاهما كوفي، في طبقة واحدة، وقد اشترك قوم في الرواية عنهما: منهم أبو بكر بن أبي شيبة، فإنه يروي عنهما جميعا، ولكن تبين عند الدارقطني في إسناد الحديث نفسه، أنه الأسلمي القطواني، من رواية الحسن بن حماد سجادة عنه، فإذ ذلك كذلك، فهو أيضا علة أخرى للخبر، فإنه ضعيف، فأما أبو المحياه فثقة، ولكنه ليس به، فاعلم ذلك
(١١٧٢) وذكر حديث مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، برا كان أو فاجرا» الحديث.
ثم رده بأن قال: مكحول لم يسمع من أبي هريرة
[ ٣ / ٤٢١ ]
وليست هذه في الحقيقة علته، بل علته مع الانقطاع، ضعف إسناده.
وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي لم يعبها بغير الإرسال.
وأشار بعده إلى جماعة من الصحابة سماهم، ذكره الدارقطني عنهم، ثم قال: لا يثبت منها شيء.
وهو تعليل مجمل، ولم نعرض لشرحه؛ لأنه لما لم يذكر ألفاظها، كان كمن لم يخرجها، فتركتها كسائر ما لم يخرج من الأحاديث.
وكذلك أشار في زكاة الذهب إلى جماعة من الصحابة سماهم، ذكر أحاديثهم في ذلك الدارقطني أيضا، وعلل جميعها عنده، ولم أتعرض لها أيضا كذلك
(١١٧٣) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ «دخل
[ ٣ / ٤٢٢ ]
قبرا ليلا فأسرج له سراج» الحديث.
قال فيه: حسن.
ولم يبين المانع من تصحيحه، وهو حديث في إسناده ثلاثة، كل واحد منهم مختلف فيه، بحيث يقال على الاصطلاح: الحديث من روايته حسن، أي له حال بين حالي الصحيح والسقيم، بل أحدهم ربما تنزلت روايته عن هذه الدرجة إلى درجة الضعف، وهو حجاج بن أرطاة، لا سيما وهو لم يذكر سماعا.
قال الترمذي: حدثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو السواق، قالا: حدثنا يحيى بن اليمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
حجاج ضعيف مدلس.
وإن كان من الناس من يوثقه فهو إلى الضعف أقرب، وكذلك هو عند أبي محمد.
ومنهال بن خليفة ضعفه ابن معين.
وقال البخاري: فيه نظر.
ويحيى بن يمان مضطرب الحديث، وابن معين يوثقه
[ ٣ / ٤٢٣ ]
(١١٧٤) وذكر في الجنائز ما هذا نصه: وذكر أبو سعيد الماليني في كتابه المؤتلف والمختلف، من حديث المقدام بن داود، عن عبد الله بن محمد ابن المغيرة، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن ابن الحنفية، عن علي قال: «أمرنا النبي ﷺ أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين» الحديث.
ثم قال: هذا الحديث لم أره في كتاب أبي سعيد ولا رأيت الكتاب، ولكن حدثني بالحديث وبأنه في الكتاب، الفقيه أبو حميد السماني بإسناده، والكتاب معروف، انتهى كلامه.
وقد بينا في باب الأسماء التي تغيرت في نقله، ما في قوله «أبو سعيد الماليني» من التغير.
ونبين الآن - إن شاء الله - من شأن هذا الحديث ضعفه، إذ قد تبرأ هو من عهدته بذكر قطعة من إسناده، جعلها محلا للنظر.
وذلك أن عبد الله بن محمد بن المغيرة، هو في الأصل كوفي، إلا أنه سكن مصر.
قال أبو أحمد: سائر أحاديثه، عامتها لا يتابع عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكنيته أبو الحسن
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وعبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه.
ومقدام بن داود كذلك.
قال فيه الدارقطني: ضعيف.
وسمع منه ابن أبي حاتم بمصر، وقال: إنهم تكلموا فيه.
وإلى هذا فإن الحديث لا أدري منه من دون مقدام بن داود إلى أبي سعيد مخرجه.
وليس الأمر فيه كسائر الأحاديث التي يخرجها أبو محمد مقتطعة الأسانيد، فإنا نحمل الأمر فيما ترك من أسانيدها على أنه قد عرفه، وقد تصحفنا جميعه أو أكثره، ونبهنا على ما وجدنا فيه شيئا في الباب المعقود لذلك، المتقدم ذكره، وهو الباب الذي يعرض من إسناد الحديث لرجل ويترك دونه أو فوقه من هو أولى أن يعلل به الحديث، أو مثل من ذكر.
فأما هذا الحديث فليس الأمر فيه كذلك، فإنه قد قال: إنه لم يره في الكتاب المذكور.
فإذن الذي بقي من إسناده يحتاج إلى نظره، فلعل فيه علة مانعة من التعريج عليه.
ولعل من لا خبرة له بالرجال، يتوهم أن ما ذكر منه هو جميع إسناده،
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وأن أبا سعد الماليني، هو يرويه عن مقدام بن داود، فهذا ممن يتوهمه خطأ بين، وذلك أن أبا سعد الماليني توفي سنة ثنتي عشرة وأربع مائة، ومقدام بن داود توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فبين وفاتيهما نحو مائة عام وتسعة وعشرين عاما.
هذا على أن يكون أبو سعد الماليني ولد في الشهر الذي مات فيه مقدام، فإذا زدنا على ذلك سن من يصح تحمله فهو أكثر من ذلك.
والماليني لم يبلغ هذه السن، ولا مقدام له شيخ، والأمر فيه عند المحدثين بين.
وسنذكر أبا سعد في الباب الذي نعقده لذكر الرجال الذين أخرج عنهم أبو محمد علم كتابه من حديث، أو تعليل، أو تجريح، أو تعديل.
(١١٧٥) وذكر في الزكاة من طريق الدارقطني، عن علي، عن النبي ﷺ قال: «ليس في العوامل صدقة، ولا في الخيل صدقة».
ثم قال: ولا يصح من قبل إسناده، فيه الصقر بن حبيب.
كذا قال من غير مزيد، وهو إجمال لموضع العلة، فإن الصقر بن حبيب، لم يتقدم له فيه ذكر ولا تعريف بشيء من حاله، ولا هو أيضا من مشاهير الضعفاء، حتى يكون قوله هذا بمنزلة ما لو قال: في إسناده ابن لهيعة، أو الواقدي، أو محمد بن سعيد المصلوب، فلذلك اعتمدنا بيان أمر هذا الحديث هاهنا
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فاعلم أن الصقر هذا جد مجهول، ولا وجدت له ذكرا في شيء من مظان ذكره وذكر أمثاله ولا أعرفه إلا في هذا الإسناد.
وإلى ذلك، فإنه يرويه عنه أحمد بن الحارث البصري، وهو أيضا كذلك، وقد ظننته مصريا - بالميم - وأمكن على ذلك كونه أحد رجلين مصريين، يتسميان بهذا الاسم، وهما: أحمد بن الحارث بن قتادة، ذكره ابن يونس في تاريخ المصريين، والآخر أحمد بن الحارث بن مسكين أبو بكر المصري، ذكره مسلمة في كتاب الحروف، حتى تحققته بالباء منسوبا إلى البصرة، من نسخ صحيحة، من كتاب الدارقطني، فبقي على ذلك مجهولا.
وإلى هذا فإن للحديث إسنادا أجود من هذا بل هو صحيح، إلا أنه ليس فيه ذكر «الجبهة» سنذكره إن شاء الله تعالى في باب الأحاديث التي أوردها ضعيفة، ولها طريق أحسن منها أو صحيحة
(١١٧٦) وذكر من طريق أبي داود، عن الزمعي، عن قريبة بنت عبد الله بن وهب، عن أمها كريمة بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، قالت: «ذهب المقداد لحاجته» الحديث.
ثم قال: إسناده لا يحتج به.
وصدق في ذلك، ولكن أبهم على من لا يعلم موضع العلة، فاعلم أن
[ ٣ / ٤٢٧ ]
هؤلاء النسوة الثلاث اللائي دون ضباعة، لا تعرف أحوالهن.
فأما ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، أم حكيم، فصحابية، عادها رسول الله ﷺ فذكرت له أنها تريد الحج فقال لها:
(١١٧٧) «حجي، واشترطي أن محلي حيث حبستني».
وهي زوج المقداد بن الأسود، ولدت له عبد الله وكريمة، وقتل عبد الله يوم الجمل في أصحاب عائشة ﵂
(١١٧٨) وذكر من طريق الترمذي عن معاذ: «أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات، وهي البقول» الحديث.
ثم أتبعه قول الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء.
كذا قال، ولم يفسر علته، وهذا الحديث أورده [الترمذي] هكذا: حدثنا علي بن خشرم، حدثنا عيسى بن يونس، عن الحسن بن عمارة، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد، عن عيسى بن طلحة، عن معاذ، أنه كتب إلى النبي ﷺ، فذكره.
ثم قال: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، والحسن بن عمارة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه شعبة
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وغيره، وتركه ابن المبارك. انتهى كلام الترمذي
(١١٧٩) وذكر من طريق الدارقطني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق».
ثم قال: إسناده ضعيف.
هكذا قال من غير مزيد.
وإسناده هو هذا: حدثنا عبد الباقي بن قانع، وعبد الصمد بن علي، قالا: حدثنا الفضل بن العباس الصواف، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا عبد الله بن بزيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، فذكره.
عبد الله بن بزيع الأنصاري، قاضي تستر أحاديثه أو عامتها ليست بمحفوظة، وليس ممن يحتج به، قاله أبو أحمد بن عدي.
وأبو الزبير مدلس عن جابر.
وأما يحيى بن غيلان، فهو يحيى بن غيلان البغدادي، التستري الأصل، ذكره ابن أبي حاتم: يحيى بن عبد الله بن غيلان، ثم قال: المعروف بيحيى بن غيلان، وهو عنده مجهول الحال.
وأما يحيى بن غيلان بن عبد الله بن أسماء بن حارثة، الذي يروي عن مالك، فهو غير هذا، وهو ثقة، قاله الخطيب في تاريخه
[ ٣ / ٤٢٩ ]
(١١٨٠) وذكر حديث فاطمة بنت قيس: «إن في المال حقا سوى الزكاة».
من عند الترمذي ثم قال: روي مرسلا عن الشعبي، قال: وهو أصح.
هذا فيه خطأ وإجمال تعليل: أما خطؤه فقوله: روي مرسلا عن الشعبي.
وليس كذلك قول الترمذي فيه، وقد بينا صوابه في باب الأشياء المغيرة عما هي عليه.
والمقصود الآن بيان ما أجمل من علته، وذلك أنه عند الترمذي من رواية شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس
وأبو حمزة ميمون الأعور، قد تقدم في الكتاب تضعيفه، وشريك أيضا فيه ما تقدم ذكره
(١١٨١) وذكر من طريقه أيضا، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «: إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع عن ميتة السوء»
[ ٣ / ٤٣٠ ]
قال: هذا الحديث غريب.
لم يبين المانع من صحته، وعلته ضعف راويه أبي خلف.
قال الترمذي: حدثنا عقبة بن مكرم، العمي، البصري، حدثنا عبد الله ابن عيسى أبو خلف الخزاز البصري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، فذكره.
أبو خلف: عبد الله بن عيسى الخزاز، منكر الحديث عندهم، ولا أعلم له موثقا، فهو به ضعيف.
ومن أجل انفراده به عن يونس، هو غريب، وهو يروي عنه جملة أحاديث تنكر عليه.
قال أبو زرعة - وسئل عن عبد الله بن عيسى - فقال: منكر الحديث.
وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه.
وقال الساجي: عنده مناكير.
وقال أبو أحمد: يروي عن يونس بن عبيد وداود بن أبي هند، ما لا يوافقه عليه الثقات، وليس هو ممن يحتج بحديثه.
فالحديث على هذا ضعيف لا حسن، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٤٣١ ]
(١١٨٢) وذكر من طريق الترمذي، عن رافع بن أبي عمرو، «كنت أرمي نخل الأنصار»، الحديث.
وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لم يقل: صحيح، أو يسكت عنه، وذلك أنه حديث إنما يرويه الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع
فذكره.
وأبو جبير مجهول فأما ابنه صالح، فذكره ابن أبي حاتم بروايته عن أبيه، وقال: روى عنه يحيى بن واضح، والفضل بن موسى السيناني، وقال: إنه مولى الحكم بن عمرو الغفاري، ذكر ذلك عن أبيه، ولم يعرف من حاله بشيء، فهو عنده مجهول الحال.
ولا ينبغي أن يقال في هذا الحديث: حسن، بل هو ضعيف، للجهل بحال أبي جبير وابنه، بل أبو جبير لا تعرف عينه.
فالحديث به ليس من أحاديث المساتير المختلف فيهم.
وقوله: «عن رافع بن أبي عمرو» قد بينت ما فيه في باب الأسماء التي تغيرت في نقله.
وصوابه: رافع بن عمرو، وهو أخو الحكم بن عمرو الغفاري، بين ذلك
[ ٣ / ٤٣٢ ]
ابن السكن، وذكر له حديثا آخر غير هذا فاعلمه
(١١٨٣) وذكر حديث الهلال: «إذا غاب قبل الشفق أو بعده».
ولم يبين علته، وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة
(١١٨٤) وذكر من طريق النسائي، عن ابن عباس: «صوما يوما مكانه» لعائشة وحفصة.
ثم أتبعه أن قال: في إسناده خطاب بن القاسم، عن خصيف.
وقال فيه النسائي: حديث منكر.
هذا ما ذكره به، وهو إجمال لتعليله، وإيهام أن لخطاب في ضعفه مدخلا.
وليس كذلك؛ فإن خطاب بن القاسم، أبا عمرو الحراني، قاضيها، ثقة، قاله ابن معين وأبو زرعة، ولا أحفظ لغيرهما فيه ما يناقض ذلك، وإنما علة الخبر خصيف فإنه سيئ الحفظ، على أنه قد وثقه قوم،
[ ٣ / ٤٣٣ ]
منهم أبو زرعة، وقال فيه ابن معين: صالح وقال أبو أحمد: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بحديثه
(١١٨٥) وذكر من طريقه أيضا، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن هارون بن أم هانئ، عن أم هانئ، حديث: «وإن كان من غير قضاء رمضان، فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي».
ثم قال: هذا أحسن أسانيد أم هانئ، وإن كان لا يحتج به.
كذا قال: وهو كما ذكر، إلا أن العلة لم يبينها، وهي الجهل بحال هارون ابن أم هانئ، أو ابن ابنة أم هانئ، فكل ذلك قيل فيه، وهو لا يعرف أصلا
(١١٨٦) وذكر من طريق مسلم أحاديث: «الكفارة في وطء الزوجة في رمضان»
(١١٨٧) ثم أورد من عند أبي داود: «صم يوما واستغفر الله».
ثم قال: طرق مسلم أصح وأشهر، وليس فيها: «صم يوما، ولا مكيلة التمر، ولا الاستغفار»
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وإنما يصح حديث القضاء مرسلا.
كذا أجمل تعليل حديث أبي داود، وهو حديث يرويه أبو داود هكذا: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثنا هشام ابن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، أفطر في رمضان بهذا الحديث.
قال: فأتي بعرق فيه تمر، قدر خمسة عشر صاعا، وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك، وصم يوما، واستغفر الله».
فعلة هذا الحديث ضعف هشام بن سعد، وقد تقدم له التنبيه عليه في مواضع.
وبحسب ذلك كان يجب أن ينبه على أنه من روايته، لا أن يكرر بيان أمره.
وسيأتي من ذكر هشام بن سعد - في باب الأحاديث التي سكت عنها - ما هو أوعب مما تقدم فيه، لاجتماع جميع ما روي له هنالك إن شاء الله تعالى
(١١٨٨) وقال أيضا في هذا الموضوع: وفي رواية أخرى: «بعرق فيه عشرون صاعا».
ولم يبين كذلك علته، وهو حديث ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله، عن عائشة
[ ٣ / ٤٣٥ ]
بهذه القصة قال: «فأتي بعرق فيه عشرون صاعا».
فعلة هذا إذن، ضعف ابن أبي الزناد عبد الرحمن.
وعليه في هذين الموضعين درك آخر، بيناه في باب الأحاديث التي يوردها عن راو، ثم يردفها ما يوهم أنه عن ذلك الراوي ليس عنه
(١١٨٩) وذكر من طريق أبي داود حديث حمزة بن عمرو الأسلمي قال: «إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: إسناد مسلم أصح وأجل.
كذا قال، فهو إن كان تضعيفا فقد ينبغي أن نبين هاهنا ما أجمل منه، وإن كان تصحيحا، فموضعه باب الأحاديث التي أتبعها كلاما يقضي ظاهره بصحتها، وليست بصحيحة.
فلنفرغ منه هاهنا على تقدير عمل الصواب منه في تضعيفه، فنقول:
[ ٣ / ٤٣٦ ]
هو حديث لا يصح.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا محمد بن عبد المجيد المدني، قال: سمعت حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمي، يذكر أن أباه أخبره عن جده، قلت: يا رسول الله. الحديث.
محمد بن حمزة بن عمرو قد روى عنه أسامة بن زيد الليثي، وكثير بن زيد الليثي ولا يعرف مع ذلك له حال
(١١٩٠) وروى أبو الزناد، عن ابن حمزة الأسلمي، سمع أباه، سمع النبي ﷺ يقول: «لا يعذب بالنار إلا رب النار».
ذكره أيضا أبو داود، فيشبه أن يكون هو محمدا المذكور.
وابنه حمزة بن محمد مجهول الحال أيضا، ولم يذكر في مظان ذكره وذكر أمثاله بترجمة تخصه، لم يذكره بذلك لا البخاري، ولا ابن أبي حاتم ولا غيرهما فيما أعلم.
وإنما جرى ذكره في باب محمد بن عبد المجيد هذا، الراوي عنه بأن قيل: روى عن حمزة بن محمد
[ ٣ / ٤٣٧ ]
ومحمد بن عبد المجيد هذا، هو ابن عبد المجيد بن سهل بن عبد الرحمن ابن عوف، وهو لا يعرف روى عنه إلا النفيلي، ولا تعرف له هو رواية عن غير حمزة بن محمد هذا.
وبذلك ذكر، أخذا من هذا الإسناد، فهو أيضا مجهول، فالحديث لأجله لا يصح، فاعلم ذلك
(١١٩١) وذكر حديث: «إن شاء فرق وإن شاء تابع».
وأتبعه قول الدارقطني: لم يسنده غير سفيان بن بشر.
ولم يبين له علة، وعلته الجهل بحال سفيان هذا، وهو أيضا من رواية عبد الباقي بن قانع، ولم يبين ذلك
(١١٩٢) وقد تقدم له تضعيفه في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ: «كان يصبح ولم يجمع الصوم، ثم يبدو له فيصوم»
(١١٩٣) وذكر حديث أنس: «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير عذر فليصم شهرا». ولم يبين علته.
وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي أعلها برجال وترك أمثالهم أو
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أضعف منهم
(١١٩٤) وذكر من طريق الترمذي حديث عائشة، أن رسول الله ﷺ: «كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين» الحديث.
ثم قال فيه عن الترمذي: إنه حسن.
ولم يبين العلة المانعة من صحته، والترمذي قد بينها فقال: حديث حسن، رواه ابن مهدي، عن سفيان ولم يرفعه، وقد كان ساقه من رواية أبي أحمد، ومعاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عن عائشة مرفوعا.
وهذا عند الترمذي علة، أن يروى مرفوعا وموقوفا، وليس بذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه.
وينبغي إلى هذا، أن يبحث عن سماع خيثمة من عائشة، فإني لا أعرفه. والله أعلم
(١١٩٥) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الرحمن بن مسلمة، عن عمه، أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا»، الحديث في عاشوراء
[ ٣ / ٤٣٩ ]
ثم قال: ولا يصح هذا الحديث في القضاء.
كذا قال، ولم يبين علته، وهي الجهل بحال عبد الرحمن بن مسلمة هذا.
قال ابن السكن: ويقال: عبد الرحمن بن سلمة، وهو الصواب.
ثم قال: نبأني أبو علي: الحسن بن علي بن يحيى بن حسان البجلي، الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن الوليد بن سلمة الطبراني، قال: حدثنا روح ابن عبادة، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي، عن عمه، قال: غدونا على رسول الله ﷺ صبيحة عاشوراء، وقد تغدينا، فقال: «أصمتم هذا اليوم؟ قلنا: قد تغدينا، قال: فأتموا بقية يومكم».
ثم قال: هكذا رواه سعيد، ورواه شعبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن المنهال بن سلمة، عن عمه.
ورواه أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال.
ويقال: إن شعبة أخطأ في اسمه وأن الصواب حديث سعيد بن أبي عروبة، والله أعلم. انتهى كلام ابن السكن.
وكذا ذكره عن روح، عن سعيد ليس فيه ذكر القضاء.
وذكر القضاء هو عند أبي داود، من رواية يزيد بن زريع، عن سعيد.
ورواه محمد بن بكر البرساني، عن سعيد أيضا بإسناده، فلم يذكر لفظة
[ ٣ / ٤٤٠ ]
القضاء، ذكره النسائي.
وحديث شعبة الذي أشار إليه ابن السكن يرويه عنه غندر، ذكره ابن حزم عن الخشني وذكر رواية: «فاقضوا» التي رواها يزيد بن زريع، عن سعيد، من طريق عبد الباقي بن قانع، عن أحمد بن علي بن مسلم، عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، فاعلم ذلك
(١١٩٦) وذكر من طريق الترمذي، عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم».
وقال فيه: حديث حسن.
ولم يبين المانع من صحته، وهو حديث يرويه الثوري، عن عاصم بن عبيد الله.
وعاصم مختلف فيه، فبحق قيل فيه: حسن
(١١٩٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن سعيد بن بشير، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم. . . الحديث
[ ٣ / ٤٤١ ]
وقال فيه: إسناد حسن، تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر.
كذا أورده، ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه من رواية سعيد بن بشير، وهو مختلف فيه
(١١٩٨) وذكر من طريقه أيضا، عن طاوس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه».
ثم قال: هذا يروى غير مرفوع.
لم يزد على هذا، والدارقطني أورده هكذا: حدثنا محمد بن إسحاق السوسي من أصل كتابه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن نصر الرملي، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل بن مالك، عم مالك بن أنس، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
ثم قال: رفعه هذا الشيخ، وغيره لا يرفعه.
هذا ما ذكر وعبد الله بن محمد بن نصر الرملي هذا لا أعرفه.
وقد ذكر ابن أبي حاتم عبد الله بن محمد بن نصر الرملي يروي عن الوليد بن محمد الموقري، روى عنه موسى بن سهل الرملي
[ ٣ / ٤٤٢ ]
لم يزد على هذا، وروى أبو داود عن أبي أحمد: عبد الله بن محمد الرملي الخشاب، قال: حدثنا الوليد، عن عبد الله بن العلاء، فلا أدري أهم ثلاثة أم اثنان أم واحد، والحال في الجميع مجهولة، فاعلم ذلك
(١١٩٩) وذكر من طريق النسائي، عن النضر بن شيبان قال: قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن: حدثني عن شيء سمعته عن أبيك. الحديث في فضل رمضان. وفيه: «سننت لكم قيامه».
ثم قال بعده: أبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئا، وضعفوا حديث النضر بن شيبان هذا. انتهى قوله
(١٢٠٠) وقد تقدم له أيضا حديث: «صائم رمضان في السفر كمفطره في الحضر».
فقال فيه: إنه أيضا لم يسمع من أبيه.
ولكن ذلك معنعن كسائر ما يروي عن أبيه، فأما هذا ففيه: حدثني أبي، وهو عندهم مدفوع بالإنكار على النضر بن شيبان.
وهو الذي قصدت الآن بيان ما أجمل أبو محمد من حاله، فإنه لو كان ثقة، ثبت سماع أبي سلمة من أبيه لجملة أحاديث، يرويها عنه معنعنة، لكنه - أعني النضر بن شيبان الحداني - ليس بثقة
[ ٣ / ٤٤٣ ]
قال ابن أبي خثيمة: سئل عنه ابن معين فقال: «ليس حديثه بشيء»
(١٢٠١) وذكر البخاري روايته عن أبي سلمة عن أبيه: «فيمن صام رمضان وقامه».
ولم يتشاغل منها بما فيها: من ذكر سماعه من أبيه أو عدمه، وإنما تشاغل منها بأمر آخر، وهو أن الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، رووه عن أبي سلمة فقالوا فيه: عن أبي هريرة، لا عن أبيه.
قال البخاري: وهو أصح.
وهذا عندي من ذلك الباب، الذي جرت عادتهم بالتسامح فيه: من جمع الطرق، وضرب بعضها ببعض، من غير تعيين لفظ لطريق منها.
وفي الحقيقة ليس كذلك، فإن الذي روى هؤلاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ليس فيه: «وسننت لكم قيامه».
وإنما روي اللفظ المذكور عنه، عن أبيه.
وهكذا أيضا فعل الدارقطني في كتاب العلل، ذكر أن الزهري قال فيه: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا أنه تحرز فقال: ولم يذكر فيه: «وسننت لكم قيامه».
فكان هذا من الدارقطني أصوب، ويقال له - ومع ذلك -: فلم تجعل هذا اختلافا على أبي سلمة؟ وهما حديثان
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وحكم الدارقطني بأن حديث الزهري أشبه بالصواب، ولم يبين لماذا، وإنما ذلك لما قلناه: من ضعف النضر بن شيبان، وهو المنفرد به، وإن كان قد رواه عنه غير واحد.
قال البزار: حدثنا عمر بن موسى السامي، قال: حدثنا القاسم بن الفضل، قال: حدثنا النضر بن شيبان، قال: قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حديثا سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله ﷺ، قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﵎ فرض عليكم صيام شهر رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا بهذا الإسناد، من حديث النضر بن شيبان.
ورواه عن النضر غير واحد، انتهى كلامه فاعلمه
(١٢٠٢) وذكر من طريق أبي داود، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ وإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد» الحديث
[ ٣ / ٤٤٥ ]
ثم [قال]: قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي.
ولم يفسر علته، وهي حال مسلم بن خالد، الملقب بالزنجي، الفقيه، شيخ الشافعي، كان أبيض، مليحا، وإنما قيل له: الزنجي بالضد.
وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وفسر بعض من ضعفه ما ضعفه به، وهو أنه منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم.
وقال الساجي: إنه كثير الغلط، وكان يرى القدر، وكان صدوقا، صاحب الرأي، وفقه
(١٢٠٣) ولما ذكر أبو محمد حديث سرق في «بيع من عليه دين».
أتبعه أن قال: مسلم بن خالد، والبيلماني، لا يحتج بهما
(١٢٠٤) وذكر حديثا من طريق العقيلي في «ضعوا وتعجلوا».
فضعفه بغير مسلم بن خالد، وأعرض عن مسلم، والحديث من روايته، وبه يعرف
[ ٣ / ٤٤٦ ]
(١٢٠٥) وذكر من طريق الترمذي، عن علي: قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج» الحديث.
ثم أتبعه قول الترمذي: حديث غريب، وفي إسناده مقال.
ولم يزد على هذا، فأجمل تعليله.
والترمذي لم يقتصر على ذلك، بل زاد بيان العلة، وهي ضعف الحارث الأعور، والجهل بحال هلال بن عبد الله، مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، راويه عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي
[ ٣ / ٤٤٧ ]
(١٢٠٦) وذكر حديث ما يوجب الحج قال: «الزاد والراحلة».
وضعفه، ثم قال: إن الدارقطني ذكره من رواية رجال من الصحابة سماهم، وكلها لا يحتج به.
وإنما لم نعرض الآن لتبيين عللها؛ لأنها كسائر ما لم يذكر، وإنما أشار إليها
(١٢٠٧) وذكر من طريق البزار، عن ابن عمر [قال] قال رسول الله ﷺ: «سفر المرأة مع عبدها».
ثم قال: في إسناده إسماعيل بن عياش، عن بزيع بن عبد الرحمن.
لم يزد على هذا، ولم يتقدم له في بزيع شيء، وهو أبو عبد الله: بزيع بن عبد الرحمن، كناه البزار في نفس الإسناد.
قال فيه أبو حاتم: ضعيف.
ولو لم يقل ذلك فيه، قلنا: مجهول، فإنه لا يعرف روى عنه إلا إسماعيل بن عياش، وهو أيضا ضعيف فيما يروي عن غير أهل بلده.
وذكر ابن أبي حاتم رجلا آخر، يقال له: بزيع، أبو عبد الله، بصري، روى عنه عفان بن مسلم، وليس بهذا، وهو أيضا مجهول
[ ٣ / ٤٤٨ ]
(١٢٠٨) وذكر أيضا من طريق الترمذي، عن زيد بن ثابت، أنه رأى النبي ﷺ «تجرد لإحرامه واغتسل».
قال: حديث حسن غريب.
كذا قال، ولم يبين لم لا يصح، وذلك أن الترمذي [ساقه هكذا: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا عبد الله بن يعقوب المدني] عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، فذكره.
فالذي لأجله حسنه، هو الاختلاف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، ولعله عرف عبد الله بن يعقوب المدني، وما أدري كيف ذلك، ولا أراني تلزمني حجته، [فإني] أجهدت نفسي في تعرفه فلم أجد أحدا ذكره.
وقد مر في باب الأحاديث التي ردها بالانقطاع، كأنها لا عيب لها سواه، حديث:
(١٢٠٩) «النهي عن الصلاة خلف النائم أو المتحدث».
وفيه عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، وهو أيضا مجهول، ولا أدري أهو هذا أم غيره؟ وهو أيضا لا أعرفه مذكورا كهذا.
وسيأتي لابن أبي الزناد ذكر باضطراب أبي محمد في أمره، في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها إن شاء الله تعالى
[ ٣ / ٤٤٩ ]
(١٢١٠) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، [عن أبيه]، عن سعيد بن المسيب، أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد أنه سمع رسول الله ﷺ، في مرضه الذي قبض فيه، «ينهى عن العمرة قبل الحج».
ثم قال: هذا مرسل عمن لم يسم، وإسناده ضعيف جدا.
كذا قال، والعهد به أنه لا يرد أحاديث من لم يسم: ممن يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ، أو سمعه، وإن لم يشهد له التابعي، الراوي عنه بالصحبة.
وقد كتبنا له من ذلك جملة كبيرة في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
فأما مثل هذا الذي شهد له سعيد بن المسيب بأنه من أصحاب النبي ﷺ، فحري على مذهبه بقبول ما يرويه.
وقد أعاد ذكر هذا الحديث قريب آخر كتاب الحج، بذكر هو أصوب من هذا؛ وذلك أنه قال: هذا منقطع وضعيف الإسناد.
فهذا أصوب فإنه منقطع فيما بين سعيد وعمر بن الخطاب، ورأيت نسخا لم يثبت فيها الحديث في المكان الأول، وهو باب القران والإفراد
[ ٣ / ٤٥٠ ]
فعلى هذا تسقط المواخذة التي واخذناه بها في قوله: «مرسل عمن لم يسم».
ولكن لم يسلم من مثل ذلك العمل في أحاديث [أخر] ناقض بهذا، حسب ما قد بيناه في الباب المذكور، الذي هو باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة أو مرسلة.
وإلى هذا، فإن الذي لأجله كتبناه الآن هنا، هو ما أجمل من ضعفه في قوله: «إنه ضعيف الإسناد، مع ما به من الانقطاع»، ونبين ذلك - إن شاء الله - فنقول: أبو عيسى الخراساني مجهول.
وقد تقدم له في صلاة العيدين من المراسل، عن أبي عيسى الخراساني هذا، عن الضحاك بن مزاحم:
(١٢١١) «نهى رسول الله ﷺ أن يخرج يوم العيد بالسلاح».
ولم يعبه بسوى الإرسال.
وروى ذلك الخبر عن أبي عيسى المذكور، سعيد بن أبي أيوب، وروى هذا الآخر عنه، حيوة بن شريح، ومع ذلك فلا تعرف حاله.
وعبد الله بن القاسم وأبوه أيضا لا تعرف أحوالهما كذلك، فاعلمه
(١٢١٢) وذكر حديث: «طاف طوافين، وسعى سعيين لحجه وعمرته»
[ ٣ / ٤٥١ ]
وضعف طرقه، فكان منها أن قال: وفيه إسناد آخر عن علي، وهو متروك، فيه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي.
كذا قال، وهو كلام مثبج، وإنما كان صوابه أن يقول: وفيه إسناد آخر عن علي، وفيه متروك، وهو عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي.
وكذلك فعل الدارقطني لما ذكره من رواية عباد بن يعقوب، عن عيسى المذكور، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵇، أتبعه أن قال: عيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث.
وعلى كلام أبي محمد، يبقى الحديث غير مبين العلة، فإنه أعطى أنه إسناد متروك، ولم يبين بماذا؟ ولم يستقل بذلك قوله: فيه عيسى؛ إذ لم يبين حاله فيما قبل.
والرجل متروك كما قال الدارقطني، بل قال أبو حاتم البستي: إنه يروي عن أبيه، عن آبائه أشياء موضوعة.
وذكر له أبو أحمد جملة أحاديث، كلها منكرة، فاعلم ذلك
(١٢١٣) وذكر من طريق الدارقطني - متصلا به - عن عبد الله بن
[ ٣ / ٤٥٢ ]
مسعود، قال: «طاف رسول الله ﷺ لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود».
ثم أتبعه أن قال: إسناده ضعيف، فيه عبد العزيز بن أبان وغيره
هذا أيضا إجمال لتعليله، فإنه لم يحكم على عبد العزيز بن أبان، ولا على غيره ممن في الإسناد.
ونص ما أورد الدارقطني في هذا: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا جعفر بن محمد بن مروان حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا أبو بردة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فذكره.
ثم أتبعه أن أبا بردة، هو عمرو بن يزيد، ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء.
هذا كلام الدارقطني، عين للتضعيف من إسناده أبا بردة، وهو ضعيف كما ذكر.
قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال أبو حاتم: إنه منكر الحديث، وكان مرجئا.
فأما عبد العزيز بن أبان، الذي عين أبو محمد بالذكر، فهو أبو خالد
[ ٣ / ٤٥٣ ]
القريشي متروك، متهم بوضع الأحديث، وكان ابن معين، يقسم أنه كذاب وقال: إنه وضع أحاديث عن سفيان الثوري.
وقال ابن نمير: ما مات عبد العزيز حتى قرأ ما ليس من حديثه.
فأما جعفر بن محمد وأبو محمد بن مروان، فلا أعرف حالهما، ولكن الدارقطني قد عمم القول فيمن دون أبي بردة بأنهم ضعفاء، فقد شملهما قوله.
فأما شيخ الدارقطني، أحمد بن محمد بن سعيد، فالخطب فيه أكبر، فإنه أبو العباس بن عقدة، الحافظ، أحد المكثرين، المتسعين في الرواية والجمع، حتى إنه ليقل في المحدثين أمثاله، وأنباؤه كثيرة جدا، ولكنه مع ذلك فقد أنكرت من أموره أشياء، والدارقطني خاصة ممن يضعفه.
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب: حدثنا أبو طاهر: حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، قال: سئل أبو الحسن الدارقطني - وأنا أسمع - عن أبي العباس ابن عقدة، فقال: «كان رجل سوء».
حدثنا أبو بكر البرقاني، قال: سألت أبا الحسن الدارقطني، عن أبي العباس بن عقدة، فقلت: إيش أكبر ما في نفسك عليه؟ فوقف ثم قال: «الإكثار بالمناكير»
[ ٣ / ٤٥٤ ]
أخبرني علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف، يقول: سمعت أبا عمر بن حيويه يقول: «كان ابن عقدة في جامع براثي يملي مثالب أصحاب رسول الله ﷺ، أو قال: الشيخين - يعني أبا بكر وعمر - فتركت حديثه، لا أحدث عنه بشيء، وما سمعت منه بعد ذلك شيئا».
أخبرني أبو عبد الله: أحمد بن محمد القصري، قال: سمعت أبا الحسن: محمد بن محمد بن سفيان الحافظ: يقول: «وجه إلى أبي العباس بن عقدة من خراسان بمال، وأمر أن يعطيه بعض الضعفاء، وكان على باب داره صخرة عظيمة، فقال لابنه: ارفع هذه الصخرة، فلم يستطع رفعها، لعظمها وثقلها، فقال له: أراك ضعيفا، فخذ هذا المال، ودفعه إليه».
فهذا تفسير ما أجمل أبو محمد ﵀ في قوله: فيه عبد العزيز بن أبان وغيره، فاعلم ذلك، والله الموفق
(١٢١٤) وذكر من طريق الدارقطني - بإسناد ضعيف، بل مجهول - عن أم كبشة، أنها قالت: يا رسول الله، إني آليت أن أطوف بالبيت حبوا، فقال لها: «طوفي على رجلك سبعين: سبعا عن يديك، وسبعا عن رجليك»
[ ٣ / ٤٥٥ ]
قد بينا في باب الرجال الذين تغيرت أسماؤهم، أو أنسابهم في نقله، ما اتفق له من التغيير في قوله: عن أم كبشة، وإنما هي: كبشة أم معاوية بن خديج، وما اتفق له من الخطأ في جعل الحديث من روايتهما، في أول باب من هذا الكتاب، وهو باب الزيادة في الأسانيد.
ونبين الآن علته التي أجملها ولم يفسرها، فنقول: رواته مجهولون، وبعضهم ضعيف.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، حدثنا أحمد بن محمد بن رشدين حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبد العزيز ابن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج الكندي، عن أبيه محمد، عن جده عبد العزيز، عن أبيه محمد، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبيه معاوية بن خديج. فذكره.
أحمد بن محمد بن رشدين ضعيف، ومن فوقه مجاهيل
(١٢١٥) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة، أن النبي ﷺ «أخر طواف الزيارة إلى الليل».
وقال فيه: حسن
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وإنما لم يصححه - والله أعلم - لأنه من رواية سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس، وعائشة.
وأبو الزبير مدلس، ولم يقل: سمعت، ولا هو من رواية الليث عنه.
وقد تقدم ما اتفق له في ترك ابن عباس من هذا الإسناد، في باب النقص من الأسانيد
(١٢١٦) وذكر من طريق أبي عمر، من حديث ابن علية، أسنده إلى ابن عباس، أن رسول الله ﷺ «أشعر بدنه من الجانب الأيسر».
ثم قال أبو عمر: هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس، والصحيح يعني من الجانب الأيمن.
كذا أجمل تعليله والحديث إنما أورده أبو عمر في التمهيد هكذا:
[قال] ورأيت في كتاب ابن علية، عن أبيه، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «أشعر بدنه من الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين».
قال: وهذا عندي منكر في حديث ابن عباس هذا، والمعروف فيه ما ذكر أبو داود: «الجانب الأيمن»، لا يصح في حديث ابن عباس غير ذلك إلا أن
[ ٣ / ٤٥٧ ]
عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الجانب الأيسر. انتهى كلام أبي عمر.
وهو كلام صحيح، والحديث في كتاب مسلم من رواية [شعبة عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس «بالجانب الأيمن»، وفي كتاب أبي داود من رواية] شعبة كذلك.
وأخاف أن يكون هذا الذي نقل أبو عمر من كتاب ابن علية، تصحف فيه الأيسر بالأيمن، فهو قريب في الخط.
والذي لأجله كتبته الآن هنا، هو أن علته مجملة، وهي أنه لا يعلم ابن علية إلا الأخوة الثلاثة: إسماعيل، وربعي، وإسحاق، والفقيه المشهور منهم هو إسماعيل، - هو ابن إبراهيم بن سهم، وعلية أمه، وليست هذه طبقته، أن يروى بهذا النزول، فإن قدرناه هو، فأبوه إبراهيم بن سهم لا أعرفه في رواة الأخبار، وحاله مجهولة، فاعلم ذلك
(١٢١٧) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن حارث الأزدي، قال: سمعت غرفة بن الحارث الكندي، قال: شهدت رسول الله ﷺ، وأتي بالبدن، فقال: «ادعو لي أبا حسن» الحديث في نحرهما معا البدن.
ثم قال بعده: حديث جابر في نحر النبي ﷺ أكثر البدن، ونحر علي ما
[ ٣ / ٤٥٨ ]
بقي، أصح إسنادا من هذا، انتهى قوله.
فإن كان هو تصحيحا فقد أخطأ، فإن عبد الله بن الحارث هذا لا تعرف له حال، ولا يعرف روى عنه إلا حرملة بن عمران راوي هذا الحديث عنه، وإن كان هو تضعيفا فقد أجمل علته، وهي هذه التي ذكرنا.
والحديث المذكور ذكره أبو داود، عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبد الله بن الحارث.
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن حاتم بن ميمون، بإسناده، ومتنه، حرفا بحرف، لكنه لم يذكره في كتابه، فإنه لا يصح لما ذكرناه.
وإنما ذكره عنه أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة، قال: حدثنا محمد ابن عبد الرحمن السرخسي، حدثنا مسلم بن الحجاج فذكره
(١٢١٨) وذكر حديث عائشة حين أضلت بدنتها.
وقد ذكرنها مبينا في باب الأحاديث التي ضعفها وليست بضعيفة
(١٢١٩) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عمر، في أن «من وقف
[ ٣ / ٤٥٩ ]
بعرفات بليل فقد أدرك الحج» الحديث.
من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء ونافع عنه.
ثم أتبعه أن قال: ابن أبي ليلى قد تقدم ذكره، وقبله من هو أضعف منه.
ولبيان هذا الذي أجمل فيمن دونه كتبناه الآن.
وذلك أن من دونه في الإسناد إنما هو مجهول.
قال الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن حماد بن إسحاق، حدثنا أبو عون: محمد بن عمرو بن عون، حدثنا داود بن جبير، حدثنا رحمة بن مصعب، أبو هاشم، الفراء الواسطي، عن ابن أبي ليلى فذكره.
ورحمة هذا، لا أعرفه مذكورا، فإنه - كما ترى - كناه أبا هاشم ونعته بالفراء.
وإنما ذكر العقيلي رحمة بن مصعب، أبا مصعب الواسطي، وساق عن ابن معين أنه قال فيه: «ليس بشيء، يحدث عن عزرة بن ثابت، روى عنه القاسم بن عيسى». فالذي في الإسناد مجهول، والله أعلم إن كان هو إياه.
وداود بن جبير الراوي عنه، لا أعرفه أيضا مذكورا، ولسعيد بن المسيب أخ يقال له: داود بن جبير، هو مجهول الحال أيضا، وليست هذه طبقته
[ ٣ / ٤٦٠ ]
(١٢٢٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ «رمى الجمرة يوم النحر راكبا».
قال فيه: حديث حسن.
كذا أورده، ولم يبين لم لا يصح، وهو حديث إنما يرويه حجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وحجاج مختلف فيه، وهو مدلس، ولم يذكر سماعا
(١٢٢١) وذكر من طريق الدارقطني، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رسول الله ﷺ «رخص للرعاء أن يرموا بالليل، وأي ساعة من النهار شاؤوا».
ثم قال: إسناده ضعيف، فيه بكر بن بكار وغيره. انتهى ما ذكره به
وترك أن يبين أن فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وأراه خفي عليه أنه هو، ولم يتجاسر عليه.
ومعذور هو، فإنه يعرفه يروي عن عطاء، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عباد بن جعفر، ونحوهم من التابعين، ورآه في هذا الحديث يرويه عن سليمان الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فأشكل عليه
[ ٣ / ٤٦١ ]
ولم يستبعد من هذا بعيدا، فإن سليمان بن أبي مسلم الأحول، يروي عمن هو فوق هذا، يروي عن أبي سلمة، وسعيد بن جبير، وطاوس.
وإبراهيم بن يزيد الخوزي المذكور، تجد له هكذا بواسطة عن عمرو بن شعيب روايات:
(١٢٢٢) منها ما رواه عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «قاتلوا دون أموالكم، فمن قتل دون ماله فهو شهيد».
ويروي عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر أحاديث.
ومع هذا فلم يرتفع احتمال أن لا يكون هو، ولكن قد كفى هذا في تعليل الخبر به، فإنه إن كان الخوزي، فهو ضعيف، وإن لم يكن إياه، فلا يدرى من هو.
وأما بكر بن بكار، أبو عمر البصري، فقال ابن معين: ليس بالقوي.
[وكذا قال أبو حاتم.
وهو إلى التقوية أقرب، فإنهما إنما يعنيان بذلك أنه ليس بأقوى] ما يكون.
وقال أبو أحمد بن عدي: ليست أحاديثه بالمنكرة
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وفي هذا الحديث دون بكر بن بكار من لا تعرف حاله، وهو جعفر بن محمد الشيرازي.
وللحديث طريق أحسن من هذا، من رواية صحابي آخر، وهو عبد الله ابن عمر بن الخطاب، نذكره به إن شاء الله في باب الأحاديث التي ضعفها، ولها طرق أحسن من التي ساقها منها، فاعلم ذلك
(١٢٢٣) وذكر من طريق أبي داود حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ: «جمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح، فوقف على الموقف من عرفة».
ثم أتبعه أن قال: قد تقدم من حديث جابر أنه ﵇:
(١٢٢٤) «خطب قبل الصلاة».
وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون. انتهى قوله.
فإن يكن هذا تعليلا للحديث، فلم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، لا شيء به غير ذلك، فاعلمه
(١٢٢٥) وذكر من طريق مسلم حديث عائشة، بأنها «طهرت يوم
[ ٣ / ٤٦٣ ]
عرفة، وحديثا آخر بأنها طهرت يوم النحر».
ثم قال: وقد روي من حديث حماد بن سلمة أنها طهرت ليلة البطحاء، [ولا يصح].
كذا قال: [ولا يصح] ولم يعزه، لا بين علته.
وهو حديث ذكره أبو داود، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عائشة، الحديث.
[وفيه: «فلما كانت ليلة البطحاء طهرت».
وهو كما قال: لا يصح، فإن الأحاديث] كثيرة بينة بأنها ﵂ ما نزلت المحصب يوم النفر الثاني، الذي هو رابع يوم النحر، إلا وهي قد فرغت من الحج، وطافت طواف الإفاضة يوم النحر إثر ما طهرت، ولما نزلت المحصب استدعى النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن، فقال له: «اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بالعمرة ثم لتطوف بالبيت» الحديث.
فالقول بأنها طهرت ليلة البطحاء خطأ.
والبطحاء، والأبطح، والمحصب، والحصبة، وخيف بني كنانة، كله كناية عن موضع واحد، نزله رسول الله ﷺ بعد انصرافه؛ لأنه أسمح للخروج، وليس بسنة
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وقد كان قال في أمس يوم نزوله:
(١٢٢٦) «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسمت قريش على الكفر».
ومن هنالك ذهبت عائشة إلى التنعيم لتعتمر، وهنالك انتظرها رسول الله ﷺ حتى فرغت من عمرتها، فقد كان [لها طاهرا يوم النحر، ويوم النفر، ويوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني].
وإنما ينبغي أن يعتل الخبر المذكور بالحمل على أحد رواته: إما حماد بن سلمة، وإما الراوي عنه لمخالفة الناس، فاعلم ذلك
(١٢٢٧) وذكر من منتخب علي بن عبد العزيز، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر».
ثم قال: إسناده ضعيف، انتهى قوله.
وهذا الحديث يرويه علي بن عبد العزيز هكذا: حدثنا أسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر عن النضر ابن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة الحج الأصغر، وعمرة خير من الدنيا وما فيها، وحجة أفضل من عمرة»
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وذكر بهذا الإسناد أحاديث، وهو إسناد في غاية الضعف.
ولم أجد للنضر بن شفي ذكرا في شيء من مظان وجوده، فهو جد مجهول.
وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب.
واتقى أحمد بن حنبل حديثه وإنما كان يروي ثلاثة عشر أو أربعة عشر حديثا.
وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير.
وأما مسعدة البصري، فهو ابن اليسع، خرق أحمد بن حنبل حديثه وتركه.
وقال أبو حاتم: إنه يكذب على جعفر بن محمد.
فأما إسحاق بن إسماعيل، الذي يرويه عنه علي بن عبد العزيز، فهو ابن عبد الأعلى الأيلي، يكثر عنه، يروي عن ابن عيينة، وجرير، وغيرهما، وهو شيخ لأبي داود، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة عنده، فاعلمه
(١٢٢٨) وذكر من طريق الدارقطني، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت».
ثم قال: الصحيح أنه من قول زيد بن ثابت
[ ٣ / ٤٦٦ ]
(١٢٢٩) ولا يصح في هذا الباب إلا حديث أبي رزين.
هكذا أجمل تعليل هذا الحديث، وهو حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا علي بن الحسن بن رستم، حدثنا محمد بن سعيد، أبو يحيى العطار، حدثنا محمد بن كثير الكوفي، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن سيرين، عن زيد بن ثابت. فذكره.
ومحمد بن سعيد، كوفي، صيرفي، قال فيه البخاري: منكر الحديث.
ولم يرضه ابن حنبل، وقال: خرقنا حديثه.
ويرويه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن زيد بن ثابت موقوفا، ولفظه: سئل عن العمرة قبل الحج فقال: «صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت».
وهذا مقتضى آخر غير الأول، فاعلمه
(١٢٣٠) وذكر من طريق أبي داود، عن بلال بن الحارث، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: «بل لكم خاصة».
ثم قال: الصحيح في هذا قول أبي ذر، غير مرفوع إلى النبي ﷺ خرجه مسلم
[ ٣ / ٤٦٧ ]
هكذا قال في حديث بلال، ولم يبين علته.
وإسناده هو هذا: حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه. فذكر.
الحارث بن بلال هذا لا يعرف حاله، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن حديث بلال بن الحارث المزني، في فسخ الحج، فقال: «لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف، ولم يروه إلا الدراوردي وحده».
(١٢٣١) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة، قلنا: يا رسول الله، ألا نبني بنيانا يظلك بمنى؟ قال: «[لا] منى مناخ من سبق».
قال: هذا حديث حسن.
كذا قال، ولم يبين لم لا يصح، وعندي أنه ليس بحسن، بل ضعيف، وذلك أن الترمذي ذكره هكذا: حدثنا يوسف بن عيسى، ومحمد بن أبان، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة. فذكرته
[ ٣ / ٤٦٨ ]
[ومسيكة] هذه أم يوسف بن ماهك، لا تعرف حالها، لا يعرف روى عنها غير ابنها
(١٢٣٢) وذكر من طريقه إيضا، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قوله: «فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان».
ولم يقل بإثره شيئا.
وأحسبه اكتفى في تضعيفه بإبراز ما أبرز من إسناده، وقد علم أن أشعث ابن سوار ضعيف، وأبو الزبير مدلس.
وله علة أخرى، وذلك أنه مضطرب المتن، قال الترمذي: حدثنا محمد ابن إسماعيل الواسطي، قال سمعت ابن نمير، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ، فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان».
ففيه - كما ترى من رواية محمد بن إسماعيل، عن ابن نمير - أن النساء لا يلبين، وإنما يلبي عنهن الرجال، وأن الصبيان لا يلبى عنهم، ولكن يرمى عنهم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: حججنا مع رسول الله ﷺ، ومعنا
[ ٣ / ٤٦٩ ]
النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم.
فهذا - كما ترى - أن الصبيان يلبى عنهم، ولم يذكر التلبية عن النساء.
وهذا أولى بالصواب وأشبه به، فإن المرأة لا يلبى عنها غيرها، أجمع أهل العلم على ذلك.
حكاه هكذا الترمذي، قال: وإنما لا ترفع صوتها بالتلبية فقط.
ولما أورد أبو محمد حديث الترمذي المذكور، وعلم ما فيه، أتبعه حكاية الترمذي لهذا الإجماع، فلو علم برواية ابن أبي شيبة، كانت من مقصوده، فاعلم ذلك
(١٢٣٣) وذكر أنه قد جاءت أحاديث مراسل وضعاف: «تمنع من أن يحج أحد عن أحد».
وهي ما روي عن إبراهيم بن محمد بن يحيى العدوي، ثم النجاري أن امرأة من العرب قالت: يا رسول الله، الحديث
(١٢٣٤) وعن محمد بن حيان الأنصاري، أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ، الحديث
(١٢٣٥) وعن محمد بن الحارث التيمي أن رسول الله ﷺ قال،
[ ٣ / ٤٧٠ ]
الحديث.
ثم قال: حدثني بهذه الأحاديث شريح، إجازة عن ابن حزم، ونقلتها من كتاب ابن حزم في حجة الوداع بإسناده. انتهى كلامه.
فأقول: أجمل من تعليلها ما عدا الإرسال، وهي لا تصح مراسل.
وبيان ذلك هو أن الأول، أورده ابن حزم هكذا: حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري، حدثنا عبد الله بن حسين بن عقال، حدثنا إبراهيم بن محمد الدينوري، حدثنا محمد بن الجهم، حدثنا إبراهيم بن حماد، حدثني أبي، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا محمد بن عبد الله بن كريم الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن يحيى العدوي، ثم النجاري، أن امرأة من العرب قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، فقال لها رسول الله ﷺ: «لتحجي عنه وليس لأحد بعده».
وقال ابن حزم: مرسل، وفيه مجهولان، لا يدرى أحد منهما:
أحدهما محمد بن عبد الله بن كريم، والآخر إبراهيم بن محمد بن يحيى.
وأما الثاني فقال ابن حزم: حدثني أحمد بن عمر، حدثنا الحسين بن يعقوب، حدثنا سعيد بن مخلوف، حدثنا يوسف بن يحيى المغامي، حدثنا عبد الملك بن حبيب حدثني مطرف، عن محمد بن الكدير، عن محمد بن
[ ٣ / ٤٧١ ]
حيان الأنصاري، أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي شيخ كبير لا يقوى على الحج، قال: «فلتحجي عنه، وليس ذلك لأحد بعده».
قال ابن حزم: فيه ابن حبيب، ومطرف، عن مجهولين.
وأما الثالث، فبإسناده إلى ابن حبيب، قال: حدثنا هارون بن صالح الطلحى، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ربيعة، عن محمد بن الحارث التيمي، أن النبي ﷺ قال: «لا يحج أحد عن أحد إلا ولد عن والد».
قال ابن حزم: رواية ابن حبيب ساقطة مطرحة بلية من البلايا لو روى عن الثقات، فكيف عن الطلحي الذي لا يعرف من هو، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ساقط. انتهى ما ذكر.
وهو تفسير ما أجمل أبو محمد من تعليل هذه المراسل فاعلمه
(١٢٣٦) وذكر من طريق أبي داود، عن جابر بن عبد الله سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: «هي صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم».
وقال الدارقطني: «كبش مسن»، قال: والصحيح حديث أبي داود
[ ٣ / ٤٧٢ ]
هذا ما ذكر من غير مزيد، والغرض تبيين ما أجمل من علة زيادة «مسن».
وذلك أنه حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «في الضبع إذا أصابها المحرم جزاء: كبش مسن، ويوكل».
هذا إسناده، وهو غير إسناد [حديث] أبي داود، وذلك أن راوي حديث أبي داود عن جابر، إنما هو عبد الرحمن بن أبي عمار، وهو ثقة.
والحديث مشهور به، ومن طريقه يعرف، فأما هذا الذي من رواية عطاء عن جابر، فمن هذا الإسناد.
وإبراهيم بن زياد الصائغ، راويه عن عطاء، رجل صالح ثقة.
وحسان بن إبراهيم الكرماني، أخرج له البخاري.
وقال ابن معين: لا بأس به.
وقال ابن المديني: كان ثقة، وكان أشد الناس في القدر.
وكان ابن حنبل يوثقه أيضا
[ ٣ / ٤٧٣ ]
(١٢٣٧) وقد ساق أبو محمد من طريقه حديث عائشة في لغو اليمين.
وهو من روايته، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة.
ولم يعرض له من جهة رجاله، لكن من جهة أنه روي موقوفا.
فأما إسحاق بن أبي إسرائيل فهو من مشاهير المحدثين وحفاظهم، وأكثرهم يوثقه، ولكنه اتفق له رأي في القرآن أيام المحنة، وهو الوقف، فترك جماعة من أئمة المحدثين حديثه ورفضوه.
فلعل أبا محمد علم هذا من حاله، فلذلك لم يصحح هذه الزيادة من طريقه، وقال: إن الصحيح حديث أبي داود دونها.
وأيضا فإن إسماعيل بن يونس بن ياسين، شيخ الدارقطني فيه، هو أبو إسحاق، المعروف بالشيعي، لا أعرف حاله في الحديث.
وقد ذكره الخطيب برواته من فوق ومن أسفل، وذكر وفاته، ولم يعرض له بتعديل ولا تجريح، فالله أعلم
(١٢٣٨) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «يقتل المحرم السبع العادي».
قال: هذا حديث حسن، وخرجه أبو داود أيضا
[ ٣ / ٤٧٤ ]
هذا نص ما أورد، فهو لم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية يزيد بن أبي زياد [حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي].
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، حدثنا يزيد ابن أبي زياد، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد، فذكره بالنص المتقدم من غير مزيد.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ سئل عما يقتل المحرم، قال: «الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي».
وذكر أبو محمد قبله من هذا الحديث، قطعة «يرمي الغراب ولا يقتله».
ثم قال بإثره: في إسناده يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج به.
فهذه علة الحديث المذكور، المانعة من تصحيحه، فإن يزيد بن أبي زياد مختلف فيه
(١٢٣٩) وذكر بعده أن عبد الرحمن بن صفوان، سأل عمر بن الخطاب، كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: «صلى ركعتين»
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وسكت عنه، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد، ولم يبين ذلك، وهو أقل ما كان يلزمه، فاعلمه
(١٢٤٠) وذكر حديث عائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها» يعني الكعبة.
من طريق أبي داود، وضعفه بإسماعيل بن عبد الملك، ثم قال:
(١٢٤١) وقد روي بإسناد آخر عن عائشة، أن رسول الله ﷺ: «ندم على دخوله البيت».
خرجه أبو بكر البزار، ولا يثبت أيضا.
كذا ذكره ولم يبين علته، وهو حديث يرويه البزار هكذا: حدثنا إبراهيم ابن عبد الله بن محمد الكوفي، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي معاوية، قال: حدثنا أبي، عن خالد بن مغول، عن ثعلبة، عن شريح بن هانئ، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ: «ندم على دخول البيت، كراهية أن يشق على أمته».
قال: لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا شريح بن هانئ، وقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة شبيها بهذا المعنى، بغير هذا اللفظ. انتهى كلام البزار.
ثعلبة هذا لا يعرف من هو، فأما إبراهيم بن أبي معاوية، فصدوق لا بأس
[ ٣ / ٤٧٦ ]
به، وأبوه أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير
(١٢٤٢) وذكر حديث عائشة: «أنها كانت تحمل من ماء زمزم» الحديث.
وقال فيه عن الترمذي: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أن الترمذي يرويه هكذا: [حدثنا أبو كريب] حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي، حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
قال البخاري في خلاد بن يزيد - وذكر له هذا الحديث، عن زهير [عن هشام]، عن أبيه، عن عائشة، أنها حملت ماء زمزم في القوارير، وقالت: «حمله رسول الله ﷺ في الأداوي والقرب» - لا يتابع عليه
(١٢٤٣) وذكر من طريق عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: «ماء زمزم لما شرب له».
قال: وفي هذا الباب عن ابن عباس.
ذكر الأول أبو جعفر العقيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والثاني الدارقطني. انتهى كلامه
[ ٣ / ٤٧٧ ]
ويظهر من أمره من حيث ذكر هذه القطعة من إسناده أنه مضعف له، ويحب أن يكون كذلك، فإن عبد الله بن مؤمل سيئ الحفظ، وتدليس أبي الزبير معلوم.
والحديث المذكور رواه ابن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب وسعيد بن زكرياء، كلاهما عن عبد الله بن المؤمل
(١٢٤٤) وقد ذكر أبو محمد حديث: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».
وهو من رواية عبد الله بن المؤمل، وحسنه.
وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي أتبعها كلاما يقتضي ظاهره تصحيحها وليست بصحيحة
(١٢٤٥) فأما حديث ابن عباس، فإسناده آخر، ولفظه آخر، وعلته أخرى.
قال الدارقطني: حدثنا عمر بن الحسن بن علي، حدثنا محمد بن هشام ابن علي المروزي، حدثنا محمد بن حبيب الجارودي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ماء
[ ٣ / ٤٧٨ ]
زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل».
محمد بن حبيب بن محمد الجارودي، بصري قدم بغداد، وحدث بها، وكان صدوقا.
وشيخ الدارقطني: عمر بن الحسن بن علي بن الجعد، أبو القاسم الجوهري، ثقة، ولكن محمد بن هشام بن علي المروزي، لم أجد له ذكرا، فالله أعلم
(١٢٤٦) وذكر من طريق أبي داود، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «من أدخل فرسا بين فرسين» الحديث.
قال: ورواه سعيد بن بشير، عن الزهري بمثله.
ثم ذكر أن معمرا وشعيبا، وعقيلا، رووه عن الزهري، عن رجال من
[ ٣ / ٤٧٩ ]
أهل العلم، قال أبو داود: وهذا أصح عندنا.
هذا نص ما ذكر، وهو يعطي أن علة الخبر، هي مخالفة هؤلاء لسفيان بن حسين وسعيد بن بشير، بأن وقفوه على رجال من أهل العلم.
وهذا ليس في الحقيقة بعلة، لو كان سفيان وسعيد رافعاه ثقتين، فإنه لا بعد في أن يكون الخبر عند الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وعن رجال من أهل العلم ذهبوا إليه ورأوه لأنفسهم رأيا.
وإنما علة الخبر ضعف سفيان بن حسين في الزهري، فقد عهد كثير المخالفة لحفاظ أصحابه، كثير الخطأ عنه، وضعف سعيد بن بشير بالجملة، ومنهم من يوثقه.
فلو كانا حافظين لم يضرهما مخالفة من وقفه.
وإنما ذكرت هذا الحديث في هذا الباب - ولم أجعله في باب الأحاديث التي عللها بما ليس بعلة، وترك ذكر ما هو في الحقيقة لها علة - لأنه تبرأ من عهدته بإبراز موضع علته حين ذكر القطعة المذكورة من إسناده، فكأنه قد علله بما هو له علة، ولكنه أجمل ذلك، فاعتمدنا بيانه فاعلمه
[ ٣ / ٤٨٠ ]
(١٢٤٧) وذكر حديث ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر» الحديث.
من عند الترمذي، وحسنه.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس.
وقد وقع ذكر ابن أبي الزناد مستوعبا، في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها
(١٢٤٨) وذكر من طريق الترمذي، عن مزيدة العصري، قال: «دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة».
ثم قال فيه: حسن غريب.
هكذا حسنه بتحسين الترمذي، ولم يبين لم لا يصح، وهو عندي ضعيف لا حسن إلا على رأي من يقبل المساتير، ولا يبتغي فيهم مزيدا، فإنه يكون حسنا.
[ ٣ / ٤٨١ ]
قال الترمذي: حدثنا محمد بن صدران أبو جعفر البصري، حدثنا طالب بن حجير، عن هود - وهو ابن عبد الله بن سعد - عن جده مزيدة قال: «دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة».
قال طالب: فسألته عن الفضة: فقال: «كانت قبيعة سيفه فضة».
قال فيه: حسن غريب.
فأقول - وبالله التوفيق -: هود بن عبد الله بن سعد، بصري، لا مزيد فيه على ما في هذا الإسناد: من روايته عن جده، ورواية طالب بن حجير عنه، فهو مجهول الحال.
وطالب بن حجير أبو حجير، كذلك، وإن كان قد روى عنه أكثر من واحد.
وسئل عنه الرازيان فقالا: شيخ.
يعنيان بذلك أنه ليس من طلبة العلم ومقتنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية لحديث، أو أحاديث أخذت عنه.
وقد كان يلزم أبا محمد إن كان هذا الإسناد عنده حسنا، كما قنع به من تحسين الترمذي إياه - أن يسوق به:
[ ٣ / ٤٨٢ ]
(١٢٤٩) «جعل النبي ﷺ رايات الأنصار صفرا».
فإنه لم يسق في «كون راية النبي ﷺ صفراء» شيئا يلتفت إليه.
وانظر هذا في باب الأحاديث التي أرودها ضعيفة ولها طرق صحيحة أو حسنة
(١٢٥٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «خير الصحابة أربعة» الحديث.
ثم قال: حسن غريب، لا يسنده كبير أحد.
لم يزد على هذا، فلنبين لم لا يصح أيضا، فنقول: قال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، البصري، وأبو عمار، وغير واحد، قالوا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، فذكره.
قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد، غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن النبي ﷺ مرسلا.
وقد روى حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، عن النبي ﷺ
[ ٣ / ٤٨٣ ]
ورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلا» انتهى كلام الترمذي.
فعلته إذن عنده، الاختلاف فيه بالإسناد والإرسال.
وذلك غير قادح في نظر غيره، فالحديث صحيح، فيستحق على هذا أن يكتب في باب الأحاديث التي ضعفها بما ليس بعلة، أو حسنها وهي صحيحة، وبالله التوفيق
(١٢٥١) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن أبي الورد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إياكم والسرية التي إن لقيت فرت، وإن غنمت غلت».
ثم قال: إسناده ضعيف جدا، فيه ابن لهيعة وغيره.
هذا ما ذكر، وهو كما قال، إلا أنا نبين ما أجمل في قوله: «وغيره».
وذلك أن ابن أبي شيبة يرويه عن زيد بن الحباب، عن ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن لهيعة بن عقبة، قال سمعت أبا الورد صاحب رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره.
ولهيعة بن عقبة لا يعرف، ولم أجد له ذكرا، إلا أن ابن لهيعة هو عند ابن أبي حاتم، عبد الله بن لهيعة بن عقبة.
هكذا ذكره في باب اللام من أسماء الآباء
[ ٣ / ٤٨٤ ]
فيشبه على هذا أن يكون والد عبد الله، وإذا كان هو إياه لم ينفعه؛ فإنه لا تعرف حاله.
فأما غير ابن أبي حاتم، فيقول فيه: عبد الله بن عقبة بن لهيعة، وهذا هو الصواب، فعلى هذا يبقى لهيعة بن عقبة غير معروف العين، فالله أعلم
(١٢٥٢) وذكر من طريق أبي داود، عن صخر بن وداعة الغامدي، عن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشا، بعثهم أول النهار»
(١٢٥٣) ويروى من حديث أنس عن النبي ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها»
(١٢٥٤) وفي الباب عن ابن عباس، خرج حديثهما البزار
(١٢٥٥) والصحيح في هذا حديث البخاري، وحديث أبي داود حسن. انتهى كلامه.
فأقول، مبينا لما أجمل من تعليل هذا الباب: أما قوله في حديث
[ ٣ / ٤٨٥ ]
أبي داود: إنه حسن، فخطأ.
وبيان ذلك [هو] أن أبا داود أورده هكذا: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء، قال: حدثنا عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي. فذكره.
وعمارة بن حديد هذا، مجهول الحال، ولا يعرف روى عنه إلا يعلى بن عطاء.
وقد سئل عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: فقال كل واحد منهما فيه: «مجهول».
وأما حديث أنس فقال البزار: حدثنا عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير العطار، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، عن عنبسة - يعني ابن عبد الرحمن - عن شبيب، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها».
قال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، وعنبسة ابن عبد الرحمن لين الحديث». انتهى كلام البزار.
وكذا قال في عنبسة «لين الحديث» وليس كذلك، بل هو عندهم في عداد من يضع الأحاديث، قاله أبو حاتم.
وقال الترمذي عن البخاري: «هو ذاهب الحديث»
[ ٣ / ٤٨٦ ]
وشبيب بن بشر البجلي أيضا ضعيف.
وأما حديث ابن عباس فقال البزار: حدثنا إسماعيل بن سيف، إبو أسحاق القطعي قال: حدثنا عمرو بن مساور، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها».
قال: وقال ابن عباس: «لا تسألن رجلا حاجة بليل، ولا تسألن رجلا أعمى حاجة؛ فإن الحياء في العينين».
قال: «وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن أبي جمرة إلا عمرو، وعمرو روى عنه عفان وجماعة من أصحاب الحديث، ولم يكن بالقوي، ولا نعلم له غير هذين الحديثين». انتهى كلام البزار.
وذكر ابن أبي حاتم عمرو بن مساور، أبا مسور روى عن الشعبي، عن قرظة، روى عنه روح بن القاسم.
لم يذكره بأكثر من هذا، ولا أدري أهو هذا أم لا؟
وقال البزار أيضا: حدثنا النضر بن طاهر، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»
[ ٣ / ٤٨٧ ]
قال: «وهذا الحديث يروى عن ابن عباس من وجه آخر، وهذا الإسناد أحسن من الإسناد الآخر، قال: ولا نعلم أسند إسحاق بن سليمان حديثا غير هذا، والنضر بن طاهر كان رجلا كثير الذكر لله، حدث بأحاديث لم يتابع على بعضها» انتهى كلامه.
وإنما عنى بالإسناد الآخر، الإسناد [الآخر] الذي فرغنا من ذكره قبل هذا.
وإسحاق بن سليمان هذا لا تعرف حاله
(١٢٥٦) وللحديث طريق آخر، يجيء على أصل أبي محمد أنه لا بأس به، وليس هو عندي بصحيح أيضا.
وهو حديث ذكره ابن السكن:
قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، حدثنا أوس بن عبد الله المروزي، حدثنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورهم»
(١٢٥٧) قد ذكر أبو محمد حديث: «إسلام بريدة في باب الفأل».
وهو من رواية أوس بن عبد الله هذا، وسكت عنه مصححا له.
وليس هو عندي بصحيح؛ لأن أوس بن عبد الله المذكور، منكر الحديث.
وقد بينت أمر هذا الحديث في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها
[ ٣ / ٤٨٨ ]
(١٢٥٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية عبد الرحمن بن سعد ابن عمار، قال: أخبرني عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا حسدتم فلا تبغوا» الحديث.
ثم قال: ليس إسناده بقوي.
ذكره في الجهاد، ولم يزد في تعليله على هذا.
وعبد الرحمن بن سعد هذا: «مدني ضعيف»، قاله ابن معين.
وقال البخاري: «فيه نظر».
وقال في باب عمارة: «لم يصح حديثه» يعني حديث عبد الرحمن هذا.
وأما عبد الله بن سعيد المقبري أبو عباد، فمتروك.
وقال يحيى القطان: «استبان كذبه في مجلس»، حكى ذلك عنه البخاري
(١٢٥٩) وذكر من طريق الترمذي، عن ابن عباس «أن المشركين أرادوا
[ ٣ / ٤٨٩ ]
أن يشتروا جسد رجل من المشركين» الحديث.
وقال فيه: حسن.
قال: وذكره ابن أبي شيبة أيضا عن ابن عباس قال: أصيب يوم الخندق رجل من المشركين، الحديث.
ثم قال: وإسناده منقطع وضعيف، وكذلك إسناد الترمذي.
كذا أبهم علته، وهو ضعيف كما ذكر، وهذا منه عمل صواب، أعني أن لم يقبل من الترمذي قوله فيه: حسن، لما رآه ضعيفا.
وبيان هذا، هو أن الحديث المذكور يرويه الترمذي هكذا: حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر حديثه.
وقال فيه: حسن، لا نعرفه إلا من حديث الحكم.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر حديثه.
فعلة [هذا] الخبر، ضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
فأما الانقطاع، فهو ما ذكر ابن المديني قال: سمعت يحيى - يعني القطان - يقول: قال شعبة: أحاديث الحكم عن مقسم كتاب، إلا خمسة
[ ٣ / ٤٩٠ ]
أحاديث، قلت ليحيى: ما هي؟ قال:
(١٢٦٠) حديث «الوتر»
(١٢٦١) وحديث «القنوت»
(١٢٦٢) وحديث «عزيمة الطلاق، وجزاء مثل ما قتل من النعم»
(١٢٦٣) «والرجل يأتي امرأته وهي حائض»
(١٢٦٤) قال: والحجامة للصائم ليس بصحيح.
وهذا ذكره ابن أبي خيثمة في كتابه عن ابن المديني كما نقلناه.
فإن كان هو معني أبي محمد بالانقطاع، فقد كان ينبغي له أن لا يتناقض فيه، فقد أعرض عن أمثاله في عدة أحاديث:
من ذلك أمر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبي سفيان عن جابر، والحسن عن سمرة، ويحيى بن أبي كثير عن معاوية بن سلام، وأبي النضر: سالم عن ابن أبي أوفي، وغيرهم ممن حدث من كتاب من لم يسمعه منه، مما تقدم ذكره في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة أو مرسلة، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٤٩١ ]
(١٢٦٥) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ «قسم للفارس سهمين، وللراجل سهما».
وصحح ما ذكره البخاري وأبو داود، من أن الفارس أسهم ثلاثة أسهم، وأحال في علة هذا على الدارقطني، ولم يبينها هو.
وعلته هي أن ابن أبي شيبة، يرويه عن أبي أسامة وابن نمير، قالا: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
قال أحمد بن منصور الرمادي: كذا يقول ابن نمير.
قال الدارقطني: قال لنا أبو بكر النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن بشر، وغيرهما، يقولان عن ابن نمير: خلاف هذا، وكذلك روى ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا.
يعني أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم، وأورد الأحاديث بذلك كله
(١٢٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن قشير بن عمرو، عن بجالة
[ ٣ / ٤٩٢ ]
ابن عبدة، عن ابن عباس، جاء رجل من الأسبذيين من أهل البحر، وهم مجوس من هجر. الحديث
(١٢٦٧) ثم أتبعه أن قال: إسناد حديث عبد الرحمن بن عوف في الجزية هو الصحيح.
ولم يبين علة هذا، وهي الجهل بحال قشير هذا، فإنها لا تعرف.
وهذا الحديث رواه عنه داود بن أبي هند، وذكر البخاري أن النضر بن مخراق الذي كان في مسجد داود بن أبي هند، روى عنه أيضا، وأنه يعد في البصريين.
هذا كله لا يصير به معروف الحال، ما لم تنقل، فاعلم ذلك
(١٢٦٨) وذكر من طريق أبي داود أيضا، من حديث حرب بن عبيد الله ابن عمير، عن جده أبي أمه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما العشور على اليهود والنصاري» الحديث.
قال: وهو حديث في إسناده اختلاف، ولا أعلمه من طريق يحتج به
[ ٣ / ٤٩٣ ]
انتهى قوله.
وهو إجمال لعلته، وحرب بن عبيد الله سئل عنه ابن معين، فقال: مشهور.
وهذا غير كاف في تثبيت روايته، فكم من مشهور لا تقبل روايته.
فأما جده أبو أمه، فلا يعرف من هو أصلا، فكيف أبوه.
وإلى هذا، فإنه مختلف فيه على عطاء بن السائب اختلافا ذكره أبو داود، والبخاري غنينا عن ذكره باستقلال علته التي ذكرنا، فهو لا يقارب ما يلتفت إليه، فاعلم ذلك
(١٢٦٩) وذكر من طريق الترمذي، عن فيروز الديلمي، قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان. الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح؟ وعندي أنه ضعيف، إلا باعتبار رأي من يقبل رواية المسلم المستور من غير اعتبار مزيد.
وذلك أنه حديث يرويه عند الترمذي، وأبي داود، يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وحال الضحاك مجهولة، وكذلك حالة أبي وهب الراوي عنه، واسمه الديلم بن الهوشع.
ولم يذكر الضحاك هذا بأكثر من روايته عن أبيه، ورواية أبي وهب هذا عنه، أخذا من هذا الإسناد.
وقال البخاري: «في إسناد هذا الحديث نظر».
وإلى ذلك، فإن يحيى بن أيوب يضعف ولأبي محمد في اضطراب ستراه إن شاء الله تعالى
(١٢٧٠) وذكر من طريق الترمذي، حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي، أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه «فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعا منهن».
وحكى عن البخاري أنه غير محفوظ، قال: والصحيح ما رواه شعيب بن
[ ٣ / ٤٩٥ ]
أبي حمزة، وغيره، عن الزهري، قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة الثقفي، أسلم وعنده عشر نسوة.
قال البخاري: وإنما حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رجلا من ثقيف طلق نساءه، فقال [له] عمر: لتراجعن نساءك، أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال.
ثم قال: وقال أبو عمر: الأحاديث في تحريم نكاح ما زاد على الأربع، كلها معلولة. انتهى كلام أبي محمد.
وليس في شيء منه تنصيص على علة حديث غيلان، فلنبينها كما يريد مضعفوه، وإن كانت عندي ليست بعلة.
فاعلم أنه حديث مختلف فيه على الزهري:
فقوم رووه عنه مرسلا من قبله، كذلك قال مالك عنه، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف. الحديث.
وكذلك رواه معمر عنه، قال: أسلم غيلان مثله، من رواية عبد الرزاق، من معمر، فهذا قول.
وقول ثان، وهو زيادة رجل فوق الزهري، وهي إحدى روايتين عن يونس، رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد، أن رسول الله ﷺ قال لغيلان حين أسلم، وعنده عشر نسوة. فذكره
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وعن يونس فيه رواية أخرى، تبين فيها انقطاع ما بين الزهري وعثمان.
وهذا رواه الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن عثمان ابن أبي سويد، أن رسول الله ﷺ قال، فذكر [الحديث].
وقول ثالث عنه - أعني عن الزهري -[وهو ما ذكر البخاري، قال: روى شعيب بن أبي حمزة وغير واحد عن الزهري] قال: حدثت عن محمد ابن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة أسلم، الحديث.
وقول رابع عنه، رواه معمر عنه، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي، أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، وأسلمن معه. الحديث.
يرويه عن معمر هكذا، مروان بن معاوية، وسعيد بن أبي عروبة، ويزيد ابن زريع، وقد ذكر الترمذي في علله روايات جميعهم موصلة.
وقد رواه أيضا الثوري عن معمر، ذكر ذلك الدارقطني من رواية يحيى بن سعيد عنه في كتاب العلل، وذكر جماعة رووه أيضا عن معمر كذلك، إلا أنه لم يوصل بها الأسانيد.
وذكر أن يحيى بن سلام رواه عن مالك، عن الزهري كذلك.
وهذا هو الحديث الذي اعتمد هؤلاء في تخطئة معمر فيه، وما ذلك بالبين، فإن معمرا حافظ
[ ٣ / ٤٩٧ ]
ولا بعد في أن يكون عند الزهري في هذا كل ما روى عنه.
وإنما اتجهت تخطئتهم رواية معمر هذه، من حيث الاستبعاد أن يكون الزهري يرويه بهذا الإسناد الصحيح، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، ثم يحدث به على تلك الوجوه الواهية.
تارة يرسله من قبله.
وتارة عن عثمان بن محمد بن أبي سويد، وهو لا يعرف البتة.
وتارة يقول: بلغنا عن عثمان هذا.
وتارة عن محمد بن سويد الثقفي.
وهذا عندي غير مستبعد، أن يحدث به على هذه الوجوه كلها، فيعلق كل واحد من الرواة عنه منها بما تيسر له حفظه، فربما اجتمع كل ذلك عند أحدهم، أو أكثره، أو أقله
(١٢٧١) وأما ما قال البخاري من أن الزهري، إنما روى عن سالم، عن أبيه، أن عمر قال لرجل من ثقيف طلق نساءه: «لتراجعن نساءك، أو لأرجمنك كما رجم قبر أبي رغال».
فإنه قد روي من غير رواية الزهري، أن عمر قال ذلك له في حديث واحد، ذكر فيه تخيير النبي ﷺ إياه حين أسلم
[ ٣ / ٤٩٨ ]
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، حدثنا عبد القدوس ابن محمد.
وحدثنا محمد بن مخلد، حدثنا حفص بن عمر بن يزيد أبو بكر، قالا: حدثنا سيف بن عبيد الله الجرمي، حدثنا سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعا، فلما كان زمان عمر طلقهن، فقال له عمر: راجعهن، وإلا ورثتهن مالك، وأمرت بقبرك.
زاد ابن نوح: فأسلم وأسلمن معه.
فهذا أيوب يرويه عن سالم، كما رواه الزهري عنه في رواية معمر، وزاد إلى سالم نافعا.
وسرار بن مجشر أحد الثقات، وسيف بن عبيد الله قال فيه عمرو بن علي: «من خيار الخلق».
وقع ذكره له بذلك في إسناد حديث في الصيام.
ولم يذكره ابن أبي حاتم ولا أعرفه عند غيره.
ولما ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب العلل قال: تفرد به سيف بن
[ ٣ / ٤٩٩ ]
عبيد الله الجرمي، عن سرار.
وسرار بن مجشر، أبو عبيدة، ثقة من أهل البصرة.
والمتحصل من هذا، هو أن حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، من رواية معمر في قصة غيلان صحيح، ولم يعتل عليه من ضعفه بأكثر من الاختلاف على الزهري، فاعلم ذلك
(١٢٧٢) وذكر من المراسل عن علي بن أبي طلحة، عن كعب بن مالك، أنه أراد أن يتزوج يهودية فقال له النبي ﷺ: «لا تتزوجها فإنها لا تحصنك».
ثم قال: هذا منقطع وضعيف الإسناد، لا أعلم رواه عن علي، غير عتبة بن تميم وأبي بكر بن أبي مريم، انتهى ما أورد.
فلنبين من تعليله ما أجمل فنقول: موضع الانقطاع فيه، هو فيما بين علي ابن أبي طلحة وكعب بن مالك.
وعلي أيضا يرسل عن ابن عباس، ويروي عنه هذا المرسل أبو سبأ: عتبة ابن تميم [وهو لا تعرف حاله، رواه عنه بقية، وهو من قد علم ضعفه، ولا يعلم روى عن عتبة] إلا بقية وإسماعيل بن عياش
[ ٣ / ٥٠٠ ]
(١٢٧٣) وذكر من طريق الترمذي، عن زهير بن محمد، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ: «إذا نكح العبد بغير إذن سيده فهو عاهر».
قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وسبب ذلك أن عبد الله وزهيرا مختلف فيهما.
وقد رواه ابن جريج، عن عبد الله بن محمد بن عقيل كما رواه زهير، ذكره الترمذي.
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي رويت بأحسن مما رواها به
(١٢٧٤) وذكر من طريق أبي داود عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ
[ ٣ / ٥٠١ ]
قال: «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا» الحديث.
ثم قال: هذا يروى موقوفا، ولا يعول على من أسنده.
هكذا أجمل تعليله، وهو حديث يرويه يزيد قال: حدثنا موسى بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
ولا يعرف موسى هذا، ولم أجد له ذكرا.
وفي مثله يقول أبو محمد: كتبته حتى أسأل عنه، فليت شعري لم قال فيه الآن: إنه لا يعول عليه، فهلا قال مثل هذا في أولئك منهم
(١٢٧٥) وإنما روى هذا الحديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وأبو عاصم، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «كنا نستمتع بالقبضة من الطعام على عهد رسول الله ﷺ»
فهذا معنى آخر من باب المتعة لا من باب الصداق
ورواه ابن مهدي، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر، بالمعنى الأول، لكن موقوفا من قول جابر، لم يذكر على عهد رسول الله ﷺ.
هذا معنى ما ذكر أبو داود إثر الحديث المذكور، ولم يوصل به الأسانيد، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٥٠٢ ]
(١٢٧٦) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أنكحوا الأيامى ثلاثا، قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيبا من أراك».
ثم قال: هذا يروى مرسلا، والمرسل أصح، وفي المراسل ذكره أبو داود ولم يذكر القضيب. انتهى كلامه.
وهذا قد ذكرناه في باب الأحاديث التي أردفها أخر، أو عطفها عليها، وهي مختلفة المقتضى.
وذكرناه الآن لنبين منه ما أجمل من تعليله.
ولأنه لم يرم المرسل المذكور بسوى الإرسال، هو أيضا من باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال، ولها عيوب سواه.
وعلة هذا الخبر هي ضعف راويه.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد، قال: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا صالح بن عبد الجبار، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، [عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
صالح بن عبد الجبار مجهول الحال، ومحمد بن عبد الرحمن بن]
[ ٣ / ٥٠٣ ]
البيلماني ضعيف.
وقال البخاري: «منكر الحديث».
وأبوه لم تثبت عدالته، ولينه فيما يرويه ظاهر.
فأما عمرو بن خالد الحراني فصدوق، وليس بالقرشي، ذلك كذاب، فاعلم ذلك
(١٢٧٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن مشرح بن عاهان، عن عقبة ابن عامر، قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بالتيس المستعار» الحديث.
ثم قال: إسناده حسن.
كذا قال، ولم يبين لم لا يصح، وأبرز من إسناده مشرحا، موهما أنه موضع العلة منه، وليس كذلك، بل هو ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وروى عنه من المصريين جماعة، وهو معافري، يكنى أبا مصعب.
والحديث إنما يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا
[ ٣ / ٥٠٤ ]
إبراهيم بن الهيثم، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثنا الليث، عن مشرح، فذكره.
وعبد الله بن صالح، أبو صالح كاتب الليث - هو الذي لأجله قال فيه: حسن -[فإنه] مختلف فيه.
منهم من يوثقه، ومنهم من ينكر عليه كثرة روايته عن الليث، حتى قال ابن معين: «إن أقل أحواله أن يكون ما رواه عن الليث كتابا قرأه عليه، وأجازه له».
كأنه استكثر أن يكون الليث حدثه بها.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت رجلا سأل أبي عنه، فقال: تسألني عن أقرب رجل إلى الليث، رحل معه في ليله ونهاره، وسفره وحضره، ويخلو معه في أوقات لا يخلو معه غيره، وكان صاحبه، فلا ينكر أن يكون سمع منه كثرة ما أخرج عنه.
وأما إبراهيم بن الهيثم بن المهلب، أبو إسحاق البلدي، فإنه بغدادي، حدث بها، وبها سكن، وأخذ الناس عنه كثيرا
(١٢٧٨) وأنكروا عليه أن حدث عن الهيثم بن جميل، عن مبارك بن
[ ٣ / ٥٠٥ ]
فضالة، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ حديث: «الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار».
وكذبوه فيه وواجهوه بالتكذيب، وأول من أنكر ذلك عليه في المجلس أحمد بن هارون البرديجي.
ذكر ما ذكرناه من هذا، أبو أحمد بن عدي، وقال مع ذلك: إن أحاديثه [مستقيمة، سوى هذا الحديث الذي أنكروا عليه، قال: وقد فتشت حديثه] فلم أر حديثا منكرا إلا أن يكون من جهة غيره.
وقال الخطيب بن ثابت: «إنه ثقة ثبت»، وذكر أن هذا الحديث قد رواه غيره وبين ذلك.
وذكر عن الدارقطني أنه قال فيه: ثقة، وذكر وفاته سنة ثمان وسبعين ومائتين.
فهذا أيضا علة مانعة من أن يقال للحديث صحيح
[ ٣ / ٥٠٦ ]
(١٢٧٩) وذكر من طريق الترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والتعري، فإن معكم» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وهو حديث يرويه الترمذي هكذا: حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك البغدادي، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو المحياة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ليث هو ابن أبي سليم، وهو دائبا يضعفه ويضعف به.
وبعد هذا بمقدار ورقة، ذكر في النكاح حديث ابن عمر في حق الزوج على زوجه قال:
(١٢٨٠) «لا تخرج من بيته إلا بإذنه».
فقال: في إسناده ليث بن أبي سليم.
فأما أبو المحياة: يحيى بن يعلى فثقة، فاعلم ذلك
(١٢٨١) وذكر من طريق البزار، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «لا يطلق النساء إلا من ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات»
[ ٣ / ٥٠٧ ]
ثم قال: ليس لهذا الحديث إسناد قوي.
لم يزد على هذا، وعلة هذا اللفظ هي الانقطاع، وقد نبهنا على ذلك في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة ووعدنا بشرح أمره هاهنا.
فاعلم أنه حديث يرويه البزار هكذا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن شيبة بن نعامة، عن عبد الله بن عيسى، عمن حدثه عن أبي موسى، فذكره.
فهذا انقطاع مصرح به ما بين عبد الله بن عيسى وأبي موسى، وقد تفسر من بينهما.
قال قاسم بن أصبغ: حدثنا أبو بكر بن أبي العوام، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حفص بن عمر البرجمي، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن عمارة بن راشد، عن عبادة بن نسي، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لاتطلقوا النساء إلا عن ريبة؛ فإن الله يبغض الذواقين والذوااقات».
ففي هذا أن بينهما رجلين: أحدهما عبادة بن نسي، والآخر عمارة بن راشد.
وعمارة بن راشد هذا مجهول، قاله أبو حاتم الرازي، وهو كما قال.
وهذا عيب المرسل، إنه ربما يكون الذي طوي ذكره ضعيفا، أو من لا يعرف
[ ٣ / ٥٠٨ ]
ومحمد بن شيبة بن نعامة راوي حديث البزار، لا تعرف أيضا حاله، وهو يروي عنه جرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية الضرير
(١٢٨٢) وللحديث لفظ آخر، وهو: «إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات».
وليس فيه: «لا يطلق النساء إلا عن ريبة».
ذكره البزار أيضا بإسنادين غير صحيحين، فلا معنى للإطالة بذكرهما، فاعلم ذلك
(١٢٨٣) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد» الحديث.
وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن غريب.
فينبغي أن تعرف العلة المانعة له من الصحة، وذلك أنه من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك: هو يوسف عن أبي هريرة
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وابن أردك مولى بني مخزوم، وإن كان قد روى عنه جماعة: - إسماعيل ابن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، والدراوردي، وسليمان بن بلال - فإنه لا تعرف حاله
(١٢٨٤) وذكر حديث: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، هي الطلقة الثالثة».
ولم يبين علته، وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي لم يعزها
(١٢٨٥) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة، قالت: «آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرم» الحديث.
ثم قال: هكذا رواه مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة.
ورواه علي بن مسهر، عن داود، عن الشعبي، عن النبي ﷺ مرسلا، وهو أصح، ذكر هذا أبو عيسى الترمذي. انتهى ما ذكر.
وهو في الحقيقة إجمال لتعليله، فإنه لو كان الذي وصله ثقة قبل منه، ولم يضره أن يرسله غيره، وإنما هو من يضعف فيما يروي عن داود بن أبي هند
[ ٣ / ٥١٠ ]
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: «مسلمة بن علقمة، شيخ ضعيف الحديث، حدث عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير، وأسند عنه».
وغير أحمد يوثقه.
فهو كما ترى مختلف فيه
(١٢٨٦) وذكر من طريق العقيلي عن الحسن، أن رسول الله ﷺ: «لم يجز طلاق المريض».
ثم قال: في إسناده سهل بن أبي الصلت السراج.
لم يزد على هذا، ولا أعلمه قد تقدم له ذكره بشيء.
فهو إذن غير تعليل ما لم تعرف حال سهل.
والعقيلي قد أورد مما أنكر عليه أحاديث، هذا الحديث منها، نقلها عن أبي حفص عمرو بن علي.
قال عمرو بن علي - بعد أن ذكر أحاديث -: وقد روى أنكر من هذا، سمعت عبد الصمد يقول: حدثنا سهل السراج، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ:
[ ٣ / ٥١١ ]
«لم يجز طلاق المريض».
ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: قال يزيد بن هارون: كان سهل السراج معتزليا، وكنت أصلي معه في المسجد، ولا أسمع ذلك منه، وكنت أعرف ذلك فيه. انتهى ما ذكر.
وقد ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث عن عمرو بن علي، كما ذكره العقيلي، وذكره عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن سهل، عن الحسن كما تقدم.
ثم قال: روى عن سهل جماعة من البصريين: ابن مهدي، وعبد الصمد، وأبو عاصم، وغيرهم، وهو في عداد من يجمع حديثه من شيوخ البصرة، وهو غريب الحديث، وأحاديثه المسندة لا بأس بها، ولعل جميع ما أسند إذا استقصي، عشرون أو ثلاثون حديثا.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن به بأس، وكذا قال ابن معين، وابن أبي حاتم، وزاد: صالح الحديث
[ ٣ / ٥١٢ ]
وذكر البخاري عن مسلم بن إبراهيم أنه قال فيه: ثقة.
وقال الساجي: هو صدوق.
وقول أبي محمد - إثر الحديث المذكور -: «في إسناده سهل بن أبي الصلت السراج»، يوهم ما يوهم قوله: في إسناده محمد بن سعيد المصلوب، أو الحسن بن عمارة، أو الكلبي، أو نحوهم من الضعفاء أو الكذابين، وليس الأمر كذلك في سهل المذكور
وقول يزيد بن هارون فيه: «إنه كان معتزليا، وكنت أصلي معه في المسجد، ولا أسمع ذلك منه، وكنت أعرف ذلك فيه»، إنما يعني به اعتزاله حلقة شيخه الحسن، فأما سوء مذهب فلم ينقل عنه.
فإذن علة هذا الخبر، إنما هي الإرسال فحسب، لا سيما إرسال الحسن، فإنه ضعيف المراسل عندهم، فاعلم ذلك
(١٢٨٧) وذكر من طريق أبي داود، عن رافع بن سنان، أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ فقالت: «ابنتي وهي فطيم أو شبهه»
الحديث.
ثم أتبعه أن قال: اختلف في إسناد هذا الحديث
[ ٣ / ٥١٣ ]
لم يزد على هذا، وهذا الاختلاف الذي أشار إليه، لا أعلم منه إلا ما أذكره الآن، وذلك أن هذا السياق وما في معناه، هو من رواية عيسى بن يونس، وأبي عاصم، وعلي بن غراب، كلهم عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جد أبيه رافع بن سنان، فإنه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان.
وعبد الحميد ثقة، وأبوه جعفر كذلك. قاله الكوفي.
ذكر رواية عيسى بن يونس هذه أبو داود، وهو راوي السياق المذكور.
وذكر رواية أبي عاصم وعلي بن غراب، أبو الحسن الدارقطني في كتاب السنن، وسميت البنت المذكورة في رواية أبي عاصم، عميرة.
ورويت القصة كما هي، من طريق عثمان البتي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده، أن أبويه اختصما فيه إلى النبي ﷺ، أحدهما مسلم والآخر كافر، فخيره، فتوجه إلى الكافر فقال: «اللهم اهده فتوجه إلى المسلم فقضى به له».
هكذا ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - عن عثمان البتي، وكذا رواه يعقوب الدورقي، عن إسماعيل أيضا.
ورواه يزيد بن زريع، عن عثمان البتي، فقال فيه: عن عبد الحميد بن يزيد بن سلمة، أن جده أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، وبينهما ولد صغير، فذكر مثله
[ ٣ / ٥١٤ ]
رواه عن يزيد بن زريع يحيى بن عبد الحميد الحماني، من رواية ابن أبي خيثمة عنه.
نقلت جميعها من كتاب قاسم بن أصبغ، إلا أن هذه القصة - هكذا - بجعل المخير غلاما، وجدا لعبد الحميد بن يزيد بن سلمة، لا يصح؛ لأن عبد الحميد وأباه وجده لا يعرفون، ولو صحت لم ينبغ أن تجعل خلافا لرواية أصحاب عبد الحميد بن جعفر عن عبد الحميد بن جعفر، فإنهم ثقات، وهو وأبوه ثقتان، وجده رافع بن سنان معروف، بل كان يجب أن يقال: لعلهما قصتان، خير في إحداهما غلام، وفي الأخرى جارية. والله أعلم
(١٢٨٨) وذكر الأحاديث في «النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد».
وأشار إلى عللها إلا حديث أبي هريرة، فإنه قال: قد خرجه الدارقطني مسندا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يصح من قبل إسناده.
وهذا الحديث هو عند الدارقطني بمعناه لا بلفظه، وله عنده إسنادان:
أحدهما هذا: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، حدثنا عبيد بن محمد ابن إبراهيم الصنعاني، حدثنا محمد بن عمر بن أبي مسلم، حدثنا محمد بن مصعب الصنعاني، حدثنا نافع بن عمر، عن الوليد بن عبيد الله بن أبي
[ ٣ / ٥١٥ ]
زياد، عن عمه عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث كلهن سحت: كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب، إلا الكلب الضاري».
قال الدارقطني: الوليد بن عبيد الله بن أبي زياد ضعيف.
لم يذكر غير هذا من إسناده، وعطاء بن أبي زياد غير معروف، ومحمد ابن مصعب إن لم يكن القرقساني فلا أدري من هو، وإن كان هو فهو ضعيف.
ومحمد بن عمر بن أبي مسلم، مجهول الحال، وكذلك عبيد بن محمد.
وأما الإسناد الآخر فهو هذا: حدثنا أحمد بن عبد الله الوكيل، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، حدثنا محمد بن سلمة، عن المثنى، عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث كلهن سحت: كسب الحجام سحت ومهر الزانية سحت، وثمن الكلب، إلا كلبا ضاريا، سحت».
قال الدارقطني: المثنى ضعيف
(١٢٨٩) وذكر من طريق أبي أحمد، عن ابن عباس «أرخص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد»
[ ٣ / ٥١٦ ]
ثم قال: أخرجه من طريق أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو علي اللجلاج، الكندي، الخراساني، عن علي بن معبد، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن الهيثم الصراف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وهذا باطل، انتهى ما ذكر.
ولم يبين علته، إلا أنه أبرز إسناده، واكتفى بذلك، وفيه - كما ترى - أبو حنيفة وصاحبه، فاحتمل أن يكون ذلك علته عنده.
وأبو أحمد إنما أعله بأحمد اللجلاج المذكور، فإنه لم تثبت عدالته، وقد حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة، وهي كثيره بواطيل لا تعرف إلا به ولا يعرف إلا بها.
وعليه ينبغي أن يحمل فيها، لا على أبي حنيفة وصاحبه، فإن ضعفهما عندهم ليس بالاتهام فيما يرويان
(١٢٩٠) وذكر من طريق أبي أحمد، عن معاوية بن عطاء، عن الثوري، عن منصور، عن زر، عن ابن عمر، زيادة «الزيت بالزيت» في الربويات.
ثم قال: إنه إسناد باطل عن الثوري، ولا يصح.
ولم يبين لم لا يصح.
والحديث - هكذا - مغير عما هو عليه في الموضع الذي نقله منه، إنما هو:
[ ٣ / ٥١٧ ]
«الزبيب بالزبيب» وقد مر ذكره في باب المتون المغيرة.
ونذكر الآن هاهنا لم لا يصح، وذلك أن معاوية بن عطاء هذا، لم تثبت عدالته، ويروي أحاديث ليست بمحفوظة.
ودونه في إسناد هذا الحديث أبو عمرو: موسى بن الحسن، وهو أيضا لا يعرف حاله
(١٢٩١) وذكر من طريق الدارقطني مرسل سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزن أو يؤكل أو يشرب».
ثم قال: هكذا رواه المبارك بن مجاهد، عن مالك، عن أبي الزناد، عن سعيد.
ووهم على مالك برفعه، وإنما هو قول سعيد. انتهى ما ذكر.
وليس فيه بيان العلة، فإنه لو كان مبارك أبو الأزهر الخراساني موثوقا به، لم يجز التكهن بوهمه، وإنما العلة أنه - مع ضعفه - انفرد عن مالك برفعه، والناس رووه عنه موقوفا [وهو قدري] وكان قتيبة يضعفه، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. فاعلم ذلك
[ ٣ / ٥١٨ ]
(١٢٩٢) وذكر من طريق أبي حنيفة، حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «في بيع رباع مكة، وأكل ثمنها».
وجعل أبا حنيفة واهما في رفعه.
وليس هذا علة، وإنما العلة ضعف أبي حنيفة، وراويه عنه محمد بن الحسن صاحبه، ومخالفة الناس لأبي حنيفة في رفعه.
وذلك أنه يرويه عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ورواه عيسى بن يونس ومحمد بن ربيعة، عن عبيد الله بن أبي زياد - وهو الصواب - عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو قوله موقوفا.
ووهم أبو حنيفة في قوله: ابن أبي يزيد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح.
وقد رواه القاسم بن الحكم، عن أبي حنيفة على الصواب، فقال فيه: ابن أبي زياد، فلعل الوهم من صاحبه محمد بن الحسن
(١٢٩٣) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن جهضم ابن عبد الله، عن محمد بن زيد - هو العبدي - عن شهر بن حوشب، [عن أبي سعيد] الخدري: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن
[ ٣ / ٥١٩ ]
بيع الصدقات» الحديث.
ثم قال: إسناده لا يحتج به.
لم يبين من أمره إلا ما أبرز من إسناده.
وشهر مختلف فيه.
ويحيى بن العلاء الرازي البجلي ابن أخي شعيب بن خالد ضعيف.
قال ابن معين: «ليس بشيء».
وقال عمرو بن علي: «متروك الحديث جدا».
وضعفه أبو سلمة التبوذكي، ووكيع، وأبو رزعة.
قال عبد الرزاق، قلت لوكيع: ما تقول فيه؟ فقال: ما ترى، ما كان أجمله، ما كان أفصحه!! قلت: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجل حدث بعشرة أحاديث في خلع النعل إذا وضع الطعام.
وقد روى هذا الحديث عن جهضم بن عبد الله، حاتم بن إسماعيل - بدلا من يحيى بن العلاء - وتبين في روايته انقطاع رواية يحيى بن العلاء.
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي رواها على أنها متصلة وهي منقطعة
[ ٣ / ٥٢٠ ]
وحاتم بن إسماعيل ثقة، ولا بد في إسناد هذا الحديث من شهر بن حوشب، فاعلم ذلك
(١٢٩٤) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي أيوب الأنصاري، سمعت رسول الله ﷺ قال: «من فرق بين والدة وولدها» الحديث.
ثم قال فيه: حسن غريب.
وإنما لم يصححه؛ لأنه من رواية ابن وهب، عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن - هو الحبلي - عن أبي أيوب.
وحيي هذا، قال البخاري: «فيه نظر».
وقال أحمد: «أحاديثه مناكير».
وقال ابن معين: «ليس به بأس».
فلأجل الاختلاف فيه لم يصححه
(١٢٩٥) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث»
[ ٣ / ٥٢١ ]
ثم قال: إسناد هذا ضعيف.
كذا قال، ولم يبين علته.
وهو حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبيد الله، الكاتب، وأحمد بن محمد بن أبي بكر، وجماعة، قالوا: حدثنا علي بن حرب، حدثنا عمرو بن عبد الجبار، أبو معاوية الجزري، عن عمه عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ، فذكره.
ثم قال الدارقطني: لم يسنده غير [عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر من قوله. انتهى كلام الدارقطني.
عبيدة] هذا، قال فيه أبو حاتم: «منكر الحديث».
وعمرو بن عبد الجبار لا تعرف حاله
(١٢٩٦) وذكر من طريق الترمذي، عن عباد بن ليث، حدثنا عبد المجيد بن وهب، قال: قال العداء بن خالد، ألا أقرئك كتابا «كتبه لي رسول الله ﷺ» الحديث
[ ٣ / ٥٢٢ ]
فيه: «لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم».
ثم قال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث، وقد روى عنه غير واحد من أهل الحديث انتهى ما ذكر.
وليس فيه بيان المانع من تصحيحه، وهو أن عبادا هذا لم تثبت عدالته.
وقد قال فيه ابن معين: «ليس بشيء».
وروى عنه كما ذكر جماعة: منهم محمد بن المثنى، وابن بشار - راوي هذا الحديث عنه عند الترمذي - وقيس بن عاصم، وعثمان بن طالوت، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ويحيى بن أبي الخصيب.
وكنية عباد المذكور، أبو الحسن، ويقال له: صاحب الكرابيس.
فأما أبو وهب: عبد المجيد بن أبي يزيد، وهب، فثقة
(١٢٩٧) وذكر من طريقه أيضا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يتفرق عن بيع إلا عن تراض»
[ ٣ / ٥٢٣ ]
قال: هذا حديث غريب.
وإنما لم يصححه؛ لأنه من رواية يحيى بن أيوب البجلي، [وليس بيحيى بن أيوب المصري.
قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا يحيى بن أيوب - وهو البجلي]- الكوفي، قال: سمعت أبا زرعة - هو ابن [عمرو ابن] جرير - يحدث عن أبي هريرة، فذكره.
يحيى بن أيوب هذا، قال فيه ابن معين: «ضعيف، ليس بشيء»، ذكر ذلك عنه العقيلي.
وذكر عنه أيضا أنه لا بأس به.
وقال النسائي: «ليس بثقة».
والرجل بالجملة لم تثبت عدالته، فالحديث لا يصح
(١٢٩٨) وذكر من طريق النسائي، عن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ: «إذا اختلف البيعان» الحديث.
ثم قال: ذكر أبو عمر أن في هذا الحديث انقطاعا
[ ٣ / ٥٢٤ ]
وروى النسائي هذا الحديث هكذا: حدثنا أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي عميس، [هو عتبة بن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود] قال: أخبرني عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، فذكره.
والانقطاع الذي فيه، هو - والله أعلم - فيما بين محمد، جد عبد الرحمن، وبين ابن مسعود، فإنه عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث.
فإذا قال: عن أبيه، فإنما يعني قيسا، وإذا قال: عن جده، فإنما يعني محمد بن الأشعث، وليس هو كما في نفس الإسناد، وإنما نسبه فيه إلى جده حين قال فيه: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
وكما بيناه وقع عند أبي داود.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى ابن فارس، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، عن أبي عميس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس، من عبد الله بن مسعود بعشرين ألفا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلا يكون بينى وبينك، فقال [له] الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، فقال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان».
وعبد الرحمن بن قيس هذا، ليس فيه مزيد، فهو مجهول الحال، وكذلك
[ ٣ / ٥٢٥ ]
أبوه قيس، وكذلك جده محمد، إلا أن أشهرهم هو أبو القاسم: محمد بن الأشعث، عداده في الكوفيين، روى عنه مجاهد، والشعبي، والزهري، وعمر بن قيس الماصر، وسليمان بن يسار.
ويروي عن عائشة، فأما روايته عن ابن مسعود فمنقطعة، فاعلم ذلك
(١٢٩٩) وذكر في: «أن المسلمين عند شروطهم» أحاديث.
ثم قال: وقد روي مسندا من حديث عائشة وأنس، وقال في إسناده: لا يحتج به.
ولم يعزه، ولا بين علته، والحديث المذكور ذكره الدارقطني، قال: حدثنا رضوان بن أحمد بن إسحاق بن جالينوس الصيدلاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدثنا إسماعيل بن زرارة، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، عن خصيف، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق».
وعن خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك».
خصيف ضعيف.
وعبد العزيز بن عبد الرحمن القريشي البالسي، يروي عن خصيف
[ ٣ / ٥٢٦ ]
أحاديث، هي كذب موضوعة، قاله ابن حنبل.
وإسماعيل بن زرارة، هو إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، ثقة
(١٣٠٠) وذكر من طريق الترمذي في ذلك حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وحسنه.
ولم يبين المانع من صحته، وهو الجهل بحال عبد الله بن عمرو بن عوف، وضعف كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف
(١٣٠١) وذكر من طريق الحاكم، حديث عبد الوارث بن سعيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ: «نهى عن بيع وشرط».
ولم يقل بعده شيئا، وكأنه تبرأ من عهدته بذكر إسناده.
وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث، فأما عمرو، عن أبيه، عن جده، فإن مذهبه أن لا يضعفه، وسترى ما له في ذلك بعد إن شاء الله تعالى
(١٣٠٢) وذكر من طريق أبي داود، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلا
[ ٣ / ٥٢٧ ]
رهن فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: «ذهب حقك».
قال: هذا مرسل وضعيف الإسناد
(١٣٠٣) والصحيح عن عطاء في هذا، فقال النبي ﷺ: «الرهن بما فيه».
وأسنده الدارقطني عن أنس، عن النبي ﷺ قال «الرهن بما فيه».
وذكر ضعف الاسناد، انتهى ما ذكر.
ولم يبين للشيء مما ذكر علة:
فأما المرسل الأول فيرويه أبو داود، عن محمد بن العلاء، حدثنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، قال: سمعت عطاء، فذكره.
ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ضعيف، كثير الغلط، وإن كان صدوقا.
والمرسل الثاني، يرويه أبو داود، عن علي بن سهل الرملي، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا أبو عمرو - هو الأوزاعي - عن عطاء.
وهذا صحيح إلى مرسله عطاء.
وأما حديث أنس، فقال الدارقطني: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا
[ ٣ / ٥٢٨ ]
عبد الوارث بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا سعيد بن راشد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرهن بما فيه».
قال: وحدثنا إسماعيل بن أمية، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس مثله.
إسماعيل هذا يضع الحديث، قال ذلك الدارقطني
(١٣٠٤) وذكر من طريق أبي داود عن أبي ماجدة - أو ابن ماجدة - عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني وهبت لخالتي غلاما، وأنا أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجاما» الحديث.
ثم قال: لا يصح من قبل أبي ماجدة.
لم يزد على هذا، ولم تبن بذلك علته، فاعتمدت بيانها.
وهي أن أبا ماجدة المذكور لا يعرف إلا بهذا، ولا يعرف روى عنه إلا العلاء بن عبد الرحمن، يرويه عنه ابن إسحاق، ولم يبين أنه من روايته، واختلف عليه:
فقال حماد بن سلمة: عن ابن إسحاق، عن العلاء، عن أبي ماجدة.
وقال عبد الأعلى: عن ابن إسحاق، عن العلاء، عن ابن ماجدة، رجل
[ ٣ / ٥٢٩ ]
من بني سهم.
وقال سلمة بن الفضل: عن ابن إسحاق، عن العلاء، عن ابن ماجدة السهمي.
وقال قاسم بن أصبغ: قد قيل في هذا الإسناد: عن رجل من سهم، عن رجل منهم، يقال له: ماجدة.
فإذن، لا يصح هذا الحديث للجهل بهذا الرجل
(١٣٠٥) وذكر من طريق أبي داود، حديث عبادة بن الصامت: «في تعليمه ناسا من أهل الصفة، وإعطائهم إياه القوس».
ثم قال: وفي هذا عن أبي بن كعب، ذكره قاسم بن أصبغ وغيره، وهي أسانيد منقطعة وضعاف
(١٣٠٦) وقد صح أن النبي ﷺ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» خرجه البخاري.
وليس إسناد حديث أبي داود، مما يعارض به حديث البخاري. انتهى كلامه.
والأمر فيهما كما ذكر، ولكن لم يبين علتهما، فلنبينهما:
أما حديث عبادة، فيرويه عنه الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول الحال، ولا
[ ٣ / ٥٣٠ ]
يعرف روى عنه غير عبادة بن نسي، ويروي أيضا عن معاذ بن جبل حديثا أو حديثين.
وفيه مع ذلك مغيرة بن زياد، وهو يرويه عن عبادة بن نسي، وهو مختلف فيه.
وقد تقدم القول في هذا الإسناد، في حديث:
(١٣٠٧) «النفساء شهادة»
(١٣٠٨) وأما حديث أبي بن كعب، فقال قاسم بن أصبغ: حدثنا عبد الله بن روح، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا أبو زبر: عبد الله بن العلاء الشامي، قال: حدثنا بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، قال: كان عند أبي بن كعب ناس من أهل اليمن يقرئهم، فجاءت رجلا منهم أقواس من أهله، قال: فغمز أبي قوسا منها، فأعجبته، فقال الرجل: أقسمت عليك إلا ما تسلحتها في سبيل الله، فقال: لا، حتى أسأل رسول الله ﷺ، فسأل رسول الله ﷺ فقال: «أتحب أن تأتي الله بها في عنقك يوم القيامة نارا؟».
هذا [نص] ما ذكر به قاسم حديث أبي بن كعب.
وهو هكذا منقطع، فإن أبا إدريس لم يشاهد هو ذلك، فإنه لا صحبة له، إلا أن يكون أبي أخبره بما اتفق له، وليس ذلك فيه
[ ٣ / ٥٣١ ]
وعبد الله بن روح هذا، لا تعرف له حال.
وقد روي حديث أبي بن كعب هذا من طرق غير هذا، وليس فيها شيء يلتفت إليه ذكرها بن بقي بن مخلد وغيره
(١٣٠٩) وذكر حديث الجار: «لا يستطيل على جاره بالبناء، يحجب عنه الريح».
وضعفه، ولم يبين علته.
وقد كتبناها مبينة في باب النقص من الأسانيد
(١٣١٠) وذكر في المزارعة، من طريق أبي داود، عن عروة بن الزبير، قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج أنا - والله - أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ: «إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع» الحديث.
ثم قال: لا يثبت هذا، لأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
هكذا أجمل تعليله، فأما أبو عبيدة فهو على أصله غير علة، فإنه قد أورد في الجهاد حديثا هو من روايته، ولم يبين أنه من روايته، وهو حديث:
[ ٣ / ٥٣٢ ]
(١٣١١) «من قتل دون ماله فهو شهيد».
وسكت عنه سكوته عن أمثاله من المساتير الذين تقبل رواية أحدهم إذا روى عنه أكثر من واحد، وقد تكرر الذكر بذلك بعد الحديث المذكور.
وأما عبد الرحمن بن إسحاق، فهو المعروف بعباد، وهو مختلف فيه، فاعلمه
(١٣١٢) وذكر من طريق النسائي، عن صفوان بن أمية، أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعا يوم حنين فقال: أغصبا يا محمد؟ الحديث
(١٣١٣) وقد قدم قبله من عند أبي داود، عن يعلى بن أمية، قال لي رسول الله ﷺ: «إذا أتتك رسلي فادفع إليهم ثلاثين درعا» الحديث.
ثم قال: حديث يعلى أصح.
ولم يبين لماذا رجح عليه، وذلك أن حديث صفوان بن أمية، هو من رواية
[ ٣ / ٥٣٣ ]
شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، ولم يقل: حدثنا، وهو مدلس، وأما أمية ابن صفوان فأخرج له مسلم
(١٣١٤) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين المانع من تصحيحه، وهو كونه من رواية شريك، وقيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وشريك وقيس مختلف فيهما، وهم ثلاثة ولوا القضاء، فساء حفظهم بالاشتغال عن الحديث:
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله، وقيس بن الربيع.
وشريك مع ذلك مشهور بالتدليس، وهو لم يذكر السماع فيه
(١٣١٥) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عباس حديث: «لا وصية [لوارث] إلا أن يشاء الورثة».
ثم أعله بالانقطاع، ثم قال: وصله يونس بن راشد؛ فرواه عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، والمقطوع هو المشهور
[ ٣ / ٥٣٤ ]
هذا ما ذكر من غير مزيد، فلا هو عزاه، ولا هو بين علته.
وهو حديث ذكره الدارقطني قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، حدثنا أبي، عن يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجوز لوارث وصية إلا أن يشاء الورثة».
يونس بن راشد قاضي حران، قال أبو زرعة: «لا بأس به».
وقال البخاري: «كان مرجئا».
زاد النسائي: «وكان واعيا».
وعمرو بن خالد الحراني روى عنه البخاري فيمن روى عنه.
وأما ابنه محمد، فيكنى أبا علاثة، حدث عن أبيه وغيره، وكان ثقة، قاله أبو سعيد بن يونس في كتابه في تاريخ المصريين، قال: وقد رأيته، وذكر وفاته سنة اثنتين وسبعين ومائتين
(١٣١٦) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الرحمن بن رقيش، أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف، ومن خاله عبد الله بن
[ ٣ / ٥٣٥ ]
أبي أحمد، قال: قال علي: حفظت عن رسول الله ﷺ: «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل».
ثم قال: المحفوظ موقوف على علي.
وقد روي من حديث جابر، ولكن في إسناده حرام بن عثمان، ذكره أبو أحمد.
هذا ما ذكر، وفيه من الاختلال ما قد بيناه في أول باب من هذا الكتاب، وهو باب الزيادة في الأسانيد.
ونبين هنا إن شاء الله ما أجمل من علته فنقول:
لو كان هذا الحديث هكذا، كانت علته أبين شيء، وذلك أن عبد الرحمن ابن رقيش لا يعرف في رواة الأخبار وإنما هو عن ابنه سعيد بن عبد الرحمن ابن رقيش، على ما بيناه في الباب المذكور، وسعيد ثقة.
وعلته إنما هي أمور تتبين بذكره بإسناده:
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا يحيى بن محمد المدني قال: أخبرني عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف،
[ ٣ / ٥٣٦ ]
فخالد بن سعيد بن أبي مريم، وابنه عبد الله بن خالد [بن سعيد بن أبي مريم] مجهولان.
ولم أجد لعبد الله ذكرا، إلا في رسم ابن له يقال له: إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، ذكره أيضا ابن أبي حاتم، وهو مجهول الحال كذلك.
فأما جده سعيد بن أبي مريم فثقة.
ويحيى بن محمد المدني، إما مجهول، وإما ضعيف إن كان ابن هانئ.
وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش بن رئاب مجهول الحال أيضا، وليس بوالد بكير بن عبد الله بن الأشج، كما ظنه ابن أبي حاتم حين جمع بينهما.
والبخاري قد فصل بينهما، فجعل الذي يروي عن علي في ترجمة، والذي يروي عن ابن عباس (وهو والد بكير) في ترجمة أخرى.
وأيهما كان فحاله مجهولة أيضا.
فهذه علل الخبر المذكور، فاعلم ذلك
(١٣١٧) وذكر من طريق الترمذي، عن حكيم بن حكيم، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة أن رسول الله ﷺ قال: «الخال وارث من لا وارث له». وقال فيه: حسن
[ ٣ / ٥٣٧ ]
ولم يبين لم لا يصح، وذلك - والله أعلم - لأن حكيم بن حكيم بن عباد ابن حنيف، ابن أخي عمرو بن حنيف، لا تعرف عدالته.
وإن كان قد روى عنه سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وأخوه عثمان بن حكيم، وهو من رواية عبد الرحمن بن الحارث عن حكيم.
وقد بينا في باب النقص من الأسانيد، كيف سقط منه أبو أمامة بن سهل ابن حنيف.
ولما ذكره في كتابه الكبير، قال بعده: وقد تقدم الكلام على عبد الرحمن ابن الحارث في كتاب الإمامة من كتاب الصلاة
(١٣١٨) وذكر من طريق الدارقطني، من رواية ابن وهب، عن محمد ابن عمرو اليافعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرث المسلم النصراني، إلا أن يكون عبده أو أمته».
ثم قال: محمد بن عمرو: شيخ، وهذا الحديث، المحفوظ فيه موقوف
انتهى ما ذكر.
وليس هذا بيان علته، وإنما علته أن هذا الرجل مجهول الحال، لا يعرف
[ ٣ / ٥٣٨ ]
إلا برواية ابن وهب عنه، وقد جازف في قوله فيه: «شيخ»، فإن هذه اللفظة يطلقونها على الرجل إذا لم يكن معروفا بالرواية ممن أخذ وأخذ عنه، وإنما وقعت له رواية لحديث أو أحاديث، فهو يرويها، هذا الذي يقولون فيه: شيخ.
وقد لا يكون من هذه صفته من أهل العلم، وقد يقولونها للرجل، باعتبار قلة ما يرويه عن شخص مخصوص، كما يقولون: حديث المشايخ عن أبي هريرة، أو عن أنس، فيسوقون في ذلك روايات لقوم مقلين عنهم، وإن كانوا مكثرين عن غيرهم.
وكذلك إذا قالوا: أحاديث المشايخ عن رسول الله ﷺ، فإنما يعنون من ليس له عنه إلا الحديث أو الحديثان ونحو ذلك.
وأبو محمد لم ير في هذا الرجل القول بأنه شيخ، فإنهم لم يقولوا ذلك فيه فيما أعلم، وإنما رأى في كتاب ابن أبي حاتم سؤال أبي محمد إباه وأبا زرعة عنه، فقالا: هو شيخ لابن وهب.
فهذا شيء آخر، ليس هو الذي ذكر، فإن لفظة «شيخ» لفظة مصطلح عليها كما تقدم، فأما لفظة شيخ لفلان، فإنه بمعنى آخر.
والمقصود أن تعلم أن هذا الرجل لم تنقل لنا عدالته.
ثم هو قد خالفه فيه عبد الرزاق؛ فرواه عن ابن جريج فوقفه ولم يرفعه
[ ٣ / ٥٣٩ ]
فإذن إنما ترجح الموقوف؛ لأنه عن ثقة، والمرفوع عمن لا نعلم عدالته، فهذه علته، فاعلم ذلك
(١٣١٩) وذكر من طريق النسائي عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا ولي من ولا لي له» الحديث.
ثم قال: واختلف في إسناد هذا الحديث، وفيه عن عائشة، واختلف فيه أيضا.
كذا ذكره، ولم يبين علته على الحقيقة، إذ لم يبين الاختلاف، ولم يعز حديث عائشة.
وأوهم بقوله: إن في حديث المقدام اختلافا، أنه ضعيف، وما به من ضعف.
قال النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد - يعني ابن زيد - عن بديل - يعني ابن ميسرة - عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام، فذكره.
وكل هؤلاء ما بهم بأس: أبو عامر الهوزني، هو عبد الله بن لحي شامي
[ ٣ / ٥٤٠ ]
قال أبو زرعة: «لا بأس به».
وراشد بن سعد ثقة.
وعلي بن أبي طلحة، شامي، قال الكوفي: هو ثقة.
وسائر من في هذا الإسناد لا يسأل عنهم.
فأما الخلاف الذي فيه، فقد بينه الدارقطني في علله، وهو أن بديل بن ميسرة، رواه عنه شعبة، وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، كما تقدم
وخالفهم معاوية بن صالح؛ فرواه عن راشد بن سعد، عن المقدام، لم يذكر بينهما أبا عامر الهوزني.
قال الدارقطني: والأول أشبه بالصواب.
وهو على ما قال، فإن علي بن أبي طلحة ثقة، وقد زاد في الإسناد من يتصل به، فلا يضره إرسال من قطعه، ولو كان ثقة، فكيف إذا كان فيه مقال، فنرى هذا الحديث حديثا صحيحا.
فأما حديث عائشة فإنه ذكره الدارقطني في سننه، من رواية ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة، وذكر بعض الخلاف الذي فيه، واستوعبه في كتاب العلل
[ ٣ / ٥٤١ ]
وجملته أن ابن جريج [اختلف عليه]؛ فرواه روح بن عبادة عنه، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة موقوفا.
ووهم في قوله: الحسن بن مسلم.
وخالفه عبد الرزاق، ومحمد بن بكر، وأبو عاصم؛ فرووه عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة.
وكان أبو عاصم ربما رفعه وربما وقفه، ورفعه وهم
هذا ما ذكر، فاعلمه
(١٣٢٠) وذكر حديث: «توارث بني العلات، والدين قبل الوصية»
[ ٣ / ٥٤٢ ]
ثم قال: ورواه الحارث بن أبي أسامة من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ، وزاد: «ولا وصية لوارث».
وضعفه ولم يبين علته، لا أذكرها الآن، وكتبته حتى أقف عليه عند الحارث إن شاء الله
(١٣٢١) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة، أن مولى للنبي ﷺ وقع من عذق نخلة، فمات، فقال النبي ﷺ: «انظروا هل له وراث» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولا أدري لم لم يقل: صحيح، فإن رجاله ثقات، ولا انقطاع ولا اختلاف.
قال الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الإصبهاني، عن مجاهد - وهو ابن وردان - عن عروة، عن عائشة، فذكره.
مجاهد بن وردان ثقة، وإن لم يعرفه ابن معين، فقد عرفه أبو حاتم ووثقه، وروى عنه شعبة
[ ٣ / ٥٤٣ ]
وعبد الرحمن بن سليمان الإصبهاني، كوفي ثقة
(١٣٢٢) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، أن رجلا مات ولم يدع وارثا، إلا عبدا هو أعتقه، «فأعطاه النبي ﷺ ميراثه».
وأتبعه أن قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وهو حديث إنما يرويه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس.
وعوسجة هذا، هو مولى ابن عباس، قال أبو حاتم: ليس بمشهور.
وقال النسائي: لم أجد هذا الحديث إلا عند عوسجة، ولا نعلم أن أحدا روى عنه غير عمرو بن دينار.
وقال أبو زرعة: عوسجة مكي ثقة
(١٣٢٣) وذكر من طريق البزار، من حديث محمد بن عبد الرحمن بن
[ ٣ / ٥٤٤ ]
البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «استهلال الصبي العطاس».
ثم قال: البيلماني ضعيف عندهم.
هكذا ذكره، ولم يبين [من يعني]؟ الأب، أم الابن، أم كليهما؟
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي أعلها برجال وترك فيها مثلهم أو أضعف منهم
(١٣٢٤) وذكر من طريق أبي داود، عن تميم الداري: يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يد الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته».
ثم قال: قال البخاري: اختلفوا في صحة هذا الحديث.
كذا أبهم علة هذا الخبر.
وإسناده عند أبي داود هو هذا: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار، قالا: حدثنا يحيى - وهو ابن حمزة - عن عبد العزيز بن عمر بن
[ ٣ / ٥٤٥ ]
عبد العزيز، قال: سمعت عبد الله بن موهب، يحدث عمر بن عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، قال هشام: عن تميم الداري، فذكره.
وعلته الجهل بحال عبد الله بن موهب، فإنه لا تعرف حاله وإن كان قاضي فلسطين، ولم يعرفه ابن معين.
وقال الترمذي: عبد الله بن موهب، وقال بعضهم: عبد الله بن وهب.
واختلفوا فيه على عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فذكره الترمذي من رواية أبي أسامة وابن نمير ووكيع عنه، عن عبد الله بن موهب، عن تميم الداري.
ورواه يحيى بن حمزة عنه، فأدخل بينهما قبيصة بن ذؤيب، وهو الأصوب.
وعبد العزيز هذا، ليس به بأس، والحديث من أجل عبد الله بن موهب هذا لا يصح
(١٣٢٥) وذكر من طريق الترمذي عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله ملكا يسدده»
[ ٣ / ٥٤٦ ]
ثم قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين علته، وهو حديث يرويه أبو عوانة، عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن بلال بن مرداس، عن خيثمة - وهو البصري -، عن أنس.
وخيثمة بن أبي خيثمة البصري، لم تثبت عدالته. قال ابن معين: ليس بشيء.
وبلال بن مرداس الفزاري، مجهول الحال، روى عنه عبد الأعلى بن عامر، والسدي.
وعبد الأعلى بن عامر ضعيف.
والعجب من الترمذي، فإنه أورد الحديث من رواية إسرائيل، عن عبد الأعلى بن عامر هكذا: حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن بلال بن أبي موسى، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه، ينزل عليه ملك فيسدده».
ثم قال في رواية أبي عوانة المتقدمة: إنها أصح من رواية إسرائيل
انتهى قوله.
وإسرائيل أحد الحفاظ، ولولا ضعف عبد الأعلى، كان هذا الطريق خيرا
[ ٣ / ٥٤٧ ]
من طريق أبي عوانة، الذي فيه خيثمة وبلال بن مرداس
(١٣٢٦) وقد تقدم له تضعيف عبد الأعلى، في حديث علي، أن النبي ﷺ: «أمر رجلا صلى إلى رجل أن يعيد»
(١٣٢٧) وذكر من طريقه أيضا، عن عبد الله بن عمرو: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي».
وصححه، ثم قال: زاد البزار من حديث ثوبان: «والرائش».
ثم قال: وحديث الترمذي أصح إسنادا.
كذا قال، وليس هذا القول بشيء، فإن حديث الترمذي صحيح، وحديث البزار ضعيف البتة، فلا ينبغي أن يفاضل بينهما إلا لو اجتمعا في الصحة.
والمقصود الآن إنما هو بيان ما أجمل من ضعف حديث البزار، إن كان هذا منه تضعيفا له، وهو الظن به.
قال البزار: حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن ليث، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ: «لعن الراشي والمرتشي، والرائش»
[ ٣ / ٥٤٨ ]
قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، فلذلك كتبناه، وبينا أنه عن ليث [بن أبي سليم، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس.
وقد أدخل داود بن علبة عن ليث، بين أبي] زرعة وبينه رجلا، فذكره عن أبي الخطاب.
وأبو الخطاب فليس بمعروف، إلا أنه قد روى عنه ليث غير حديث، وإنما يكتب حديثه إذا لم يحفظ ما يروى إلا عنه. انتهى كلام البزار.
وليث ضعيف
(١٣٢٨) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ، أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن، الحديث.
ثم قال: لا يسند ولا يوجد من وجه صحيح. انتهى كلامه.
ولم يرمه بسوى الإرسال، فانظر علته في باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال
(١٣٢٩) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي صرمة أن رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٥٤٩ ]
قال: «من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه».
قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه حديث يرويه محمد بن يحيى بن حبان، عن لؤلؤة، عن أبي صرمة.
ولؤلؤة هذه لا تعرف إلا فيه، ولا يعرف روى عنها غير محمد بن يحيى بن حبان، فهي مجهولة الحال.
وللاختلاف في أحاديث المساتير - والله أعلم - حسنه.
وعندي أنه ضعيف، فإن ذلك إنما يتحقق فيمن روى عنه أكثر من واحد، فأما من لم يرو عنه إلا واحد فلا يقبل خبره، وما أراهم يختلفون في ذلك
(١٣٣٠) وذكر من طريق الدارقطني، عن محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبو حنيفة، عن هيثم الصيرفي - وهو ابن حبيب، وهو ثقة - عن الشعبي، عن جابر، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في ناقة. الحديث
[ ٣ / ٥٥٠ ]
ولم يقل إثره شيئا، إلا أنه أبرز من إسناده ما ذكرناه، ولم يذكر من دون محمد بن الحسن، فأراه عنده ضعيفا، بضعف أبي حنيفة وصاحبه محمد ابن الحسن.
ويرويه عن محمد بن الحسن، زيد بن نعيم وهو رجل لا يعرف حاله.
وقد ذكره أبو بكر بن ثابت الخطيب، فلم يزد في ذكره إياه على ما أخذ من هذا الإسناد، فإنه قال: روى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، روى عنه أبو إسماعيل البطيخي.
ثم أورد الحديث بذلك فقال: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا علي بن عمر الحافظ - هو الدارقطني - حدثنا الحسين بن إسماعيل [ومحمد بن جعفر المطيري، وأحمد بن عيسى الخواص، قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله ابن إسماعيل] بن منصور، أبو إسماعيل الفقيه، حدثنا زيد بن نعيم ببغداد، حدثنا محمد بن الحسن، بحديث ذكره. انتهى ما ذكره الخطيب.
وهذا هو إسناد الحديث المذكور بعينه عند الدارقطني.
وأبو إسماعيل الفقيه، هو محمد بن عبد الله بن منصور الشيباني، المعروف بالبطيخي، صاحب الرأي، وهو ثقة، قاله الدارقطني.
وقال ابن قانع: مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين
[ ٣ / ٥٥١ ]
(١٣٣١) وذكر من طريق أبي داود من المراسل، عن عبد ربه بن الحكم أن النبي ﷺ «لما حاصر أهل الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائها، فأسلموا فأعتقهم رسول الله ﷺ». الحديث.
ثم قال: هذا مرسل، وليس إسناده بقوي. انتهى قوله.
وعبد ربه بن الحكم لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا الذي روى عنه هذا المرسل.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى أبو هاشم، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد ربه بن الحكم. فذكره.
وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي روى عنه جماعة، كمروان الفزاري، وأبي داود الطيالسي، وأبي أحمد الزبيري.
وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عنه فقال: صالح.
وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال فيه: مقارب الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث، بابه طلحة بن عمرو،
[ ٣ / ٥٥٢ ]
وعمرو بن راشد، وعبد الله بن المؤمل
(١٣٣٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن ابن عباس، جاء رجل بأخيه، فقال يا رسول الله، إني أريد أن أعتق أخي هذا، فقال: «إن الله قد أعتقه حين ملكته».
ثم قال: لا يصح من أجل ضعف الإسناد.
كذا قال، ولم يبين علته، وهو من أضعف ما يروى، فإنه من رواية أشعث بن عطاف، عن العرزمي، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قال الدارقطني بعد أن ذكره: العرزمي تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان.
وأبو النضر: محمد بن السائب الكلبي، متروك أيضا، وهو القائل: كل ما حدثت عن أبي صالح كذب
(١٣٣٣) وذكر من طريق الدارقطني أيضا، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، قال رسول الله ﷺ: «لا بأس ببيع
[ ٣ / ٥٥٣ ]
خدمة المدبر».
وقال: الصواب مرسل.
وقد بينا ما في هذا، في باب الأحاديث التي ضعفها بما لم يضعف به غيرها.
وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي هذا ثقة، بخلاف المتقدم الذكر، وهو ابن أخيه
(١٣٣٤) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث».
ثم قال: إسناده ضعيف، والصحيح موقوف.
هكذا أجمل علته، وهو من رواية أبي معاوية: عمرو بن عبد الجبار الجزري - وهو مجهول الحال - عن عمه عبيدة بن حسان - وهو منكر الحديث - عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله.
وهو الصحيح، لثقة حماد وضعف راويه عمرو بن عبد الجبار
[ ٣ / ٥٥٤ ]
(١٣٣٥) وذكر من طريق أبي داود، عن خطاب بن صالح، مولى الأنصار، عن أمه، عن سلامة بنت معقل، امرأة من خارجة قيس عيلان، الحديث في العتق.
وضعفه ولم يبين علته، وهي الجهل بأحوال هؤلاء المسلمين كلهم.
وقد تصحف في هذا الحديث - فيما رأيت من النسخ - الحباب بن عمرو، بما ذكرناه في باب تغير الأسماء
(١٣٣٦) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمين في غضب ولا طلاق، ولا عتق فيما لا يملك».
ثم قال: إسناده ضعيف.
كذا ذكره ولم يبين علته، وهو حديث ذكره الدارقطني كما ذكر، فاختصر أبو محمد متنه.
قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن منصور زاج، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا سليمان بن أبي سليمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نذر إلا
[ ٣ / ٥٥٥ ]
فيما أطيع الله، ولا يمين في غضب، ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك».
سليمان بن أبي سليمان، شيخ ضعيف الحديث، قاله أبو حاتم الرازي
(١٣٣٧) وذكر من طريق أبي داود من المراسل، عن أبي الزاهرية، وراشد بن سعد: أهدت امرأة إلى عائشة تمرا، فأكلت وبقيت تمرات، فقالت المراة: أقسمت عليك ألا أكلته كله، فقال رسول الله ﷺ: «إن الإثم على المحنث».
قال: ووصله الدارقطني عنهما عن عائشة، ولا يصح.
ورواه من حديث أبي هريرة بمعناه، ولا يصح أيضا.
كذا ذكرهما ولم يبين لهما علة.
فأما المرسل فإنه عند أبي داود هكذا: حدثنا هارون بن عباد الأزدي، قال: حدثنا حجاج، عن ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية وراشد بن سعد، فذكراه.
حجاج هذا، هو ابن سليمان، يروي عن الليث، روى عنه محمد بن سلمة المرادي.
قال فيه أبو حاتم: شيخ معروف
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وأما حديث الدارقطني المتصل، فقال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا الصغاني، حدثنا أحمد بن أبي الطيب، حدثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية وراشد بن سعد، عن عائشة فذكرته.
أحمد بن أبي الطيب لا أعلم له حالا
(١٣٣٨) فأما حديث أبي هريرة بمعناه، فقال الدارقطني: حدثنا علي ابن الحسن بن هارون بن رستم، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا بقية، حدثنا إسحاق بن مالك الحضرمي، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من حلف على أحد بيمين، وهو يرى أنه سيبره فلم يفعل، فإنما إثمه على من لم يبره».
إسحاق بن مالك هذا لا يعرف حاله، وبقية غير مقبول الرواية، لا سيما عمن لا يعرف
(١٣٣٩) وذكر من طريق الدارقطني، عن واثلة بن الأسقع وأبي أمامة،
[ ٣ / ٥٥٧ ]
قالا: قال رسول الله ﷺ: «ليس على مقهور يمين».
ثم قال: إسناده ضعيف، فيه هياج بن بسطام وغيره.
كذا قال في تعليله، وهو حديث فيه جماعة من الضعفاء.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر: محمد بن الحسن المقرئ، حدثنا الحسين ابن إدريس، حدثنا خالد بن الهياج، حدثنا أبي، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن العلاء عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع وعن أبي أمامة، فذكراه.
هياج بن بسطام هذا الذي عين أبو محمد بالذكر، أقرب إلى السلامة ممن ترك ذكره منهم، وذلك أنه لا يتهم بوضع الأحاديث وإن كان ضعيفا.
قال أبو حاتم: «لا يكتب حديثه ولا يحتج به».
وقال ابن معين: «ليس بشيء، ضعيف الحديث».
وابنه خالد بن هياج لا تعرف حاله، وروى عنه الحسين بن إدريس أحاديث أنكرت عليه لا أصل لها، منها هذا الحديث.
فأما عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، فممن يضع الحديث، ونسأل الله العافية.
وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ - هو النقاش، صاحب التفسير - هو أيضا كذلك ممن رمي بالكذب في حديثه
[ ٣ / ٥٥٨ ]
فهذا تفسير ما أجمل من أمر هذا الحديث
(١٣٤٠) وذكر من طريق أبي داود، عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحزج القوم أن يحلفوا، وحلفت: إنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: «صدقت، المسلم أخو المسلم».
ثم قال: أصح إسنادا من هذا، حديث خرجه مسلم
(١٣٤١) يعني قول إبراهيم لسارة: «إنها أخته».
هذا نص ما أورد عقبه، فإن كان تضعيفا له فقد أجمل علته.
وهو الظن به أنه لا يصحح مثله، فإنه من رواية إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة، وهذه المرأة لا تعرف لها حال
(١٣٤٢) وذكر من طريق الطحاوي، زيادة في حديث عائشة، الذي هو: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه وليكفر يمينه».
ثم قال: هكذا عند أبي داود في هذا الحديث، أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين»
[ ٣ / ٥٥٩ ]
ثم قال: حديث الطحاوي أحسن إسنادا وأصح.
ولم يبين علة حديث أبي داود، وهي أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، راويه عن أبي هريرة.
وإنما أخذه الزهري عن سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.
وبيان ذلك في كتاب أبي داود.
وقاله أيضا البخاري وغيره.
وسليمان بن أرقم متروك
(١٣٤٣) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث الوليد بن سلمة، - مؤدب المأمون - عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في غيظ».
ثم قال: حديث غير محفوظ.
كذا أجمل علته، وهي أن هذا الرجل الذي هو الوليد بن سلمة، عامة ما يرويه لا يتابع عليه
(١٣٤٤) وذكر من طريق أبي داود في القسامة، عن عبد الرحمن بن
[ ٣ / ٥٦٠ ]
بجيد، أن اليهود كتبوا: «يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه» الحديث.
ثم قال بإثره: الصحيح المشهور أن اليهود لم يحلفوا.
كذا قال: ولم يبين علته، وهي أن أبا داود يرويه عن عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عبد الرحمن بن بجيد.
وعبد الرحمن بن بجيد هذا، قد صحح الترمذي من روايته حديث:
(١٣٤٥) «ردوا السائل ولو بظلف محرق».
ولما ذكر قاسم بن أصبغ حديثه هذا، قال فيه: عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو راويه عن عبد الرحمن بن بجيد، وايم الله ما كان سهل بأكثر علما منه ولكنه كان أسن منه، فذكر الحديث.
فإذن، إنما علة هذا الحديث إما ابن إسحاق، وإما عبد العزيز بن يحيى الحراني أبو الأصبغ، فإنه لا يتابع.
وإعلال الحديث بهما أو بأحدهما، ليس على أصل أبي محمد، فقد عهد لا يرد روايتهما
[ ٣ / ٥٦١ ]
(١٣٤٦) وذكر من طريق الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
وأراه لم يصححه لكونه من رواية سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وذلك يناقض ما عهد منه من تصحيحه أحاديث سليمان وأحاديث عمرو، عن أبيه، عن جده، ويرويه عن سليمان بن موسى محمد بن راشد
[ ٣ / ٥٦٢ ]
(١٣٤٧) وبعده حديث في شرح الدية مما هي، وفي أي شيء هي؟ بهذا الإسناد سكت عنه، [وحديث آخر بعده سكت عنه] أيضا كذلك.
وحكم جميعها واحد، وإنما اكتفى من القول فيها بما أبرز من أسانيدها
(١٣٤٨) وذكر من طريق أبي داود، عن ابن مسعود حديث: «تخميس الدية، بذكر عشرين من بني مخاض ذكور».
ثم قال: هذا من حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود، وهو إسناد ضعيف.
كذا أجمل أمره.
وخشف لم يرو عنه إلا زيد بن جبير، والحجاج ضعيف مدلس.
وقد تولى الدارقطني تضعيف هذا الحديث ببيان شاف، فاعلمه
(١٣٤٩) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٥٦٣ ]
«ودى العامريين بدية المسلمين» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح.
وعندي أنه ضعيف، فإنه إنما يرويه أبو سعد: سعيد بن المرزبان البقال - وهو ممن يتهم بالكذب - يرويه عن عكرمة، عن ابن عباس.
كذا ذكره الترمذي وغيره، فاعلم ذلك
(١٣٥٠) وذكر عن سراقة بن مالك، قال: حضرت رسول الله ﷺ: «يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه»
(١٣٥١) وعن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد الوالد بالولد»
(١٣٥٢) وعن ابن عباس عن النبي ﷺ: «لا تقام الحدود في المساجد،
[ ٣ / ٥٦٤ ]
ولا يقتل الوالد بالولد».
ثم قال: لا يصح منها شيء، عللها مذكورة في كتاب الترمذي وغيره
انتهى كلامه.
فاعلم أن حديث سراقة، من رواية إسماعيل بن عياش، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سراقة.
وحديث عمر من رواية حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر.
وحديث ابن عباس من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس.
والمثنى بن الصباح، وحجاج بن أرطاة، وإسماعيل بن مسلم [المكي] ضعفاء.
وإسماعيل بن عياش عن غير الشاميين كذلك، وهو هاهنا روى عن المثنى ابن الصباح، وليس بشامي
(١٣٥٣) وذكر بعده حديث الذي قتل عبده «فضربه النبي ﷺ مائة» الحديث.
وقال بعده: إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيف، وهذا الإسناد حجازي
[ ٣ / ٥٦٥ ]
كذا قال، وهو وهم، وذلك أنه من روايته عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
والأوزاعي إمام أهل الشام، وقد بينت أمر هذا الحديث بيانا شافيا في باب ذكر أشياء مفترقة تغيرت في نقله أو بعده عما هي عليه
(١٣٥٤) وذكر من طريق أبي داود عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، أن رسول الله ﷺ «قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة» الحديث.
قال: وهذا لا يصح، قال النسائي: ليس في هذا الباب شيء صحيح يحتج به.
وذكر أبو عمر هذا الحديث وصححه، وذكر شهرته عن الحسن، ولم يذكر قبيصة.
وإنما ضعف الحديث من أجل قبيصة. انتهى كلامه.
وليس فيه بيان أمر قبيصة، وهو رجل لا تعرف له حال، ولا يعرف روى عنه غير الحسن
[ ٣ / ٥٦٦ ]
(١٣٥٥) وذكر من طريق البزار عن علي بن أبي طالب، أن النبي ﷺ «قطع في بيضة من حديد، قيمتها أحد وعشرون درهما».
قال: وإسناده ضعيف، فيه المختار بن نافع وغيره. انتهى ما ذكر.
وهو إجمال لتعليله، وإسناده عند البزارهكذا: حدثنا محمد بن مرزوق قال: حدثنا سهل بن حماد، أبو عتاب، قال: حدثنا المختار بن نافع، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
قال البزار: هكذا حدثنا به محمد بن مرزوق، عن أبي عتاب، عن المختار، عن أبي حيان، عن أبيه، عن علي.
ورواه غيره عن المختار، عن أبي مطر، عن علي. انتهى كلامه.
فأما كلام أبي محمد ففيه مجازفة، وذلك في قوله: «وغيره» فإن الإسناد على مذهبه لا نظر فيه إلا في المختار بن نافع، فإنه شيخ منكر الحديث.
فأما والد أبي حيان، فلا ينبغي له هو أن يعل الحديث به، إلا أن يكون قد رجع إلى الصواب
(١٣٥٦) وذلك أنه قد تقدم له في هذا الباب حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين» الحديث
[ ٣ / ٥٦٧ ]
وسكت عنه، مصححا له، ولم يبين أنه من رواية أبي حيان، عن أبيه، فهو إذن صحيح عنده كسائر ما يسكت عنه.
هذا ما أخبر به عن نفسه.
والرجل المذكور لا تعرف له حال فإذا لم يباله هناك، فينبغي [له] أن لا يباليه هنا.
وأما أبو عتاب: سهل بن حماد، فإنه لا بأس به، قاله ابن حنبل.
وقال الرازيان: «صالح الحديث»، ولا يضره أن لم يعرفه ابن معين.
ومحمد بن مرزوق ثقة.
فإذن لم يبق في الإسناد من يعل به إلا المختار بن نافع، وهو منكر الحديث، كوفي، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بالتمار.
فأما الطريق الآخر، الذي هو من رواية أبي مطر عن أبي هريرة، فإنه لا يكون معنيه، فإن الإسناد ليس بموصل إليه عند البزار.
وهو أيضا رجل مجهول لا يعرف حاله ولا اسمه، فاعلم ذلك
(١٣٥٧) وذكر من طريق النسائي، عن صفوان بن أمية، قال: «كنت نائما في المسجد على خميصة لي، ثمنها ثلاثين درهما، فجاء رجل
[ ٣ / ٥٦٨ ]
فاختلسها» الحديث.
ثم قال: رواه سماك بن حرب، عن حميد ابن أخت صفوان، عن صفوان.
[وعبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن صفوان، وأشعث بن براز، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان صفوان نائما في المسجد.
ورواه عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان.
ذكر هذه الطرق النسائي.
ورواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أمية.
وقد روي من غير هذا الوجه، ولا أعلمه يتصل من وجه يحتج به. انتهى ما ذكر.
ولم يتبين به علته، وفيه وهم بين، وهو تفسيره أشعث بأنه ابن براز.
وفيه إيهام ضعف من ليس بضعيف.
فلنبين جميع هذا فنقول: أما الإسناد الذي رواه سماك بن حرب، عن حميد بن أخت صفوان، عن صفوان]،
فضعفه بين بحميد المذكور، فإنه لا يعرف في غير هذا، وقد ذكره ابن أبي حاتم بذلك ولم يزد عليه.
وذكره البخاري، فقال: إنه حميد بن حجير ابن أخت صفوان بن أمية،
[ ٣ / ٥٦٩ ]
ثم ساق له هذا الحديث.
وصحف فيه زائدة فقال: جعيد بن حجير، وهو كما قلنا مجهول الحال.
وسماك بن حرب، لأبي محمد فيه اضطراب، ستراه إن شاء الله في موضعه.
وأما الطريق التي فيها عبد الملك بن أبي بشير، فقد أوهم بقوله: «لا أعلمه يتصل من وجه يحتج به» ضعف عبد الملك هذا، وهو رجل ثقة، وثقه ابن حبان، والقطان، وابن معين، وأبو زرعة، وقال سفيان: كان شيخ صدق.
ولكن الطريق المذكورة يمكن أن تكون منقطعة، فإنها من رواية عبد الملك المذكور، عن عكرمة، عن صفوان بن أمية.
وعكرمة لا أعرف أنه سمع من صفوان، وإنما يرويه عن ابن عباس.
ومن دون عبد الملك المذكور إلى النسائي مخرجه، ثقات.
وأما الطريق التي قال: فيها أشعث بن براز، عن عكرمة، عن ابن عباس، فقد اعتراه فيها من الخطأ - في تفسير أشعث بأنه ابن براز - ما قد بيناه في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها، وأوضحنا كونه أشعث بن سوار.
وأما الطريق التي فيها عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان، فيشبه
[ ٣ / ٥٧٠ ]
أن لا تكون منقطعة.
قال أبو عمر بن عبد البر: أما طاوس فسماعه من صفوان ممكن؛ لأنه أدرك زمان عثمان.
وذكر يحيى القطان عن زهير، عن ليث، عن طاوس، قال: أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله ﷺ.
فأما قول البزار: إنه رواه طاوس مرسلا، فيشبه أن يقول ذلك لرواية لم يقل فيها: عن صفوان، والله أعلم
(١٣٥٨) وذكر من طريق الدارقطني، عن ابن عباس [قال]: قال رسول الله ﷺ: «ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع، ولا على الذمي».
قال: ولم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب موقوف.
قال: وذكره أيضا من حديث عبيد الله بن النعمان، عن ابن عباس، والصواب موقوف.
هذا الذي ذكر صواب، غير أنه مجمل، وتفسيره هو أن أبا محمد: فهد ابن سليمان النخاس في الرقيق، مصري لم تثبت عدالته حتى يحتمل له ما
[ ٣ / ٥٧١ ]
ينفرد به، وإن كان مشهورا، وهو مولى لقريش.
قال أبو محمد بن أبي حاتم: كتبت فوائده، ولم يقض لي السماع منه.
وهو يرويه عن موسى بن داود، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والناس رووه عن الثوري بهذا الإسناد فوقفوه.
منهم عبد الرزاق، وكذلك ابن جريج أيضا، رواه عن عمرو بن دينار فوقفه، ولم يتجاوز ابن عباس.
وأما رواية عبيد الله بن النعمان، فإنها عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا.
إلا أن عبيد الله هذا لا تعرف حاله، فهذه حال هذا الخبر
(١٣٥٩) وذكر من طريق أبي داود، من حديث ابن عمر في شرب الخمر «القتل في الخامسة».
قال: ولا يصح، وإنما الصحيح في الرابعة.
ولم يبين علته، وهو حديث يرويه حماد بن سلمة، عن حميد بن يزيد،
[ ٣ / ٥٧٢ ]
عن نافع، عن ابن عمر.
وحميد بن يزيد أبو الخطاب، مجهول الحال، ولا يعرف روى عنه إلا حماد بن سلمة
(١٣٦٠) وذكر من طريق أبي الرمداء، «في ضرب عنق الشارب في الخامسة».
وقد ذكرناه وبينا علته في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة
(١٣٦١) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال لرجل من الأنصار: يا يهودي، فاضربوه عشرين».
ثم قال فيه: مرسل وضعيف جدا.
وهو كما قال، ولكنه لم يبين علته.
فأما إرساله فبين، وأما ضعفه فمن أجل إبراهيم المذكور، فإنه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو ضعيف
[ ٣ / ٥٧٣ ]
(١٣٦٢) وذكر من طريق الترمذي، عن جابر قال: «نهينا عن صيد كلب المجوسي».
ثم قال: إسناده ضعيف.
ولم يبين علته، وهو من رواية وكيع، عن شريك، عن الحجاج، عن القاسم بن أبي بزة، عن سليمان اليشكري، عن جابر.
وحجاج هو ابن أرطاة، وشريك هو ابن عبد الله القاضي، وقد تقدم القول فيهما
(١٣٦٣) وذكر من طريق أبي داود حديث خالد بن الوليد، عن النبي ﷺ قال: «حرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها».
ثم قال: هذا يرويه صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام، عن خالد.
ولا تقوم به حجة لضعف إسناده، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر.
كذا قال، ولم يبين علته، وهي أن صالحا المذكور لم تثبت عدالته.
وقال البخاري: فيه نظر.
وروى عنه ثور بن يزيد وأبو سلمة سليمان بن سليم، راوي هذا
[ ٣ / ٥٧٤ ]
الحديث عنه.
وأبو سلمة هذا ثقة
(١٣٦٤) وذكر من طريق الترمذي، عن إسماعيل بن مسلم - هو المكي - عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حبان، بن جزي، عن أخيه خزيمة بن جزي، سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع، فقال: «أو يأكل الضبع أحد؟ وسألته عن أكل الذئب، فقال: أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟».
ثم قال: ضعف أبو عيسى هذا الإسناد.
هذا ما ذكر، ولم يبين علته، إلا أنه اكتفى بما أبرز من إسناده.
وقد ضعفه الترمذي بعبد الكريم، وترك بيان أمر حبان بن جزي، فهو مجهول الحال
وهو بكسر الحاء، وأبوه يختلف في ضبطه، فيقال جزي بفتح الجيم وكسر الزاي، ويقال بضم الجيم وفتح الزاي
(١٣٦٥) وقد ذكر هو بعد هذا، حديثا آخر في أن «الأرنب تحيض».
فقال بإثره: عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف عند الجميع.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
(١٣٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه».
ثم قال: إنما يرويه الثقات من قول جابر، وإنما أسند من وجه ضعيف: من حديث يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر.
ومن حديث عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيف، لم يروه عنه إلا إسماعيل بن عياش هذا فيما أعلم. انتهى ما ذكر.
فأقول: إسناد يحيى بن سليم، علته أن الناس رووه موقوفا.
وإنما رفعه يحيى بن سليم.
وابن معين يوثق يحيى بن سليم وهو من أهل الصدق، ولكن في حفظه شيء، من أجل ذلك تكلم فيه غيره.
ولما ذكر أبو داود هذا الحديث من هذا الطريق، قال: رواه الثوري، وحماد، عن أبي الزبير، وقفاه على جابر.
وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ.
والحديث في حالتيه موقوفا ومرفوعا، لا بد فيه من أبي الزبير
[ ٣ / ٥٧٦ ]
فأبو محمد في قوله عن طريق يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية: «ضعيف»، إن عنى بذلك كونه من رواية أبي الزبير، لزمه ذلك في الموقوف، وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم، ناقض فيه، فكم من حديث قد صحح من روايته.
ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه الحديث المذكور عن إسماعيل بن أمية، إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش، وأما إسماعيل بن أمية فثقة لا يسأل عن مثله.
وأما الطريق الآخر الذي هو من رواية عبد العزيز بن عبيد الله فضعيف، بضعف عبد العزيز، فاعلم ذلك
(١٣٦٧) وذكر من طريق أبي داود، عن عامر، أبي رملة، عن مخنف بن سليم، عن النبي ﷺ: «يا أيها الناس، إن على [أهل] كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة» الحديث.
ثم قال: إسناده ضعيف.
وصدق، ولكنه لم يبين علته، وهي الجهل بحال عامر هذا، فإنه لا يعرف إلا بهذا، يرويه عنه ابن عون، وقد رواه أيضا عنه ابنه حبيب بن مخنف،
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وهو مجهول أيضا كأبيه
(١٣٦٨) وذكر من طريق الدارقطني، عن رفاعة بن هرير حدثنا أبي، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أستدين وأضحي؟ قال: «نعم فإنه دين مقضي».
قال: هذا إسناد ضعيف.
كذا أورده ولم يبين علته، وهو حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا ابن مبشر، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا رفاعة ابن هرير، حدثنا أبي، عن عائشة، فذكرته.
ثم قال الدارقطني: هذا إسناد ضعيف.
وهرير هو ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، ولم يسمع من عائشة، ولم يدركها.
هذا ما ذكره به الدارقطني، ففيه منه التنصيص على انقطاعه، ولم يعرض لذلك أبو محمد.
وهرير المذكور ثقة، قاله ابن معين، لكنه - كما سمعت - لم يسمع من عائشة.
وأما ابنه رفاعة فلا تعرف حاله
[ ٣ / ٥٧٨ ]
ويعقوب بن محمد الزهري، قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث.
وقال ابن معين: ما حدثكم عن الشيوخ الثقات فاكتبوه، ومن لا يعرف من شيوخه فدعوه.
ومن الناس من يوثقه
(١٣٦٩) وذكر من المراسل عن ثور بن يزيد، عن الصلت - هو مولى سويد بن منجوف - قال: قال رسول الله ﷺ: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله [عليها] أو لم يذكر» الحديث.
ثم قال: مرسل وضعيف.
ولم يبين ما ضعفه، وعلته مع الإرسال، هي أن الصلت السدوسي لا تعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه إلا ثور بن يزيد
(١٣٧٠) وذكر من طريق الدارقطني من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «المسلم يكفيه اسمه» الحديث
(١٣٧١) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «اسم الله على كل مسلم»
[ ٣ / ٥٧٩ ]
ثم قال: كلا الحديثين ضعيف.
كذا قال، ولم يزد على هذا.
أما حديث ابن عباس فقال الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وليس في هذا الإسناد على أصل أبي محمد إلا ثقة، إلا محمد بن يزيد - وهو ابن سنان الرهاوي - أبو عبد الله الجزري روى عنه الناس: منهم أبو حاتم الرازي، ومحمد بن مسلم بن وارة.
وقال أبو حاتم: «ليس بالمتين، هو أشد غفلة من ابنه، مع أنه كان رجلا صالحا صدوقا، لم يكن من أحلاس الحديث، وكان يرجع إلى ستر وصلاح، وكان النفيلي يرضاه».
وقال أبو أحمد: «له أحاديث لا يتابع عليها».
فأما معقل بن عبيد الله، فإنه وإن كان يضعف فإن أبا محمد يقبله.
وقد أورد من طريقه أحاديث من عند مسلم، لم ينبه على أنها من روايته، دل ذلك على أنه عنده حجة.
وأما حديث أبي هريرة، [فيرويه مروان بن سلام، عن الأوزاعي، عن
[ ٣ / ٥٨٠ ]
يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة].
ومروان بن سالم، هو الغفاري، سكن قرقيسياء من الجزيرة، وليس بثقة، بل هو ضعيف، وليس بمروان بن سالم المكي
(١٣٧٢) وذكر من طريق الدارقطني أيضا، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ عن الجنين: «ذكاته ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر».
ثم ضعفه بأن قال: فيه عصام بن يوسف، عن مبارك بن مجاهد والصواب موقوف.
لم يبين أمر عصام، وهو رجل لا تعرف حاله، وأراه الذي ذكر ابن أبي حاتم، ولم يعرف من حاله بشيء، غير أنه قال فيه: الزاهد.
فأما مبارك بن مجاهد، أبو الأزهر الخراساني، فقال البخاري عن قتيبة: كان قدريا وضعفه.
وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه [بأسا]
(١٣٧٣) وذكر أيضا أن الدارقطني خرج في ذكاة الجنين عن أبي هريرة،
[ ٣ / ٥٨١ ]
وابن عباس، وعلي.
ولا يحتج بأسانيدها كلها، ولم يبين عللها.
فأما حديث علي، فمن رواية موسى بن عثمان الكندي، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عنه.
والحارث من قد علم، وموسى هذا مجهول.
فأما موسى بن عثمان الحضرمي الذي يرويه أيضا عن أبي إسحاق كذلك، فمتروك، وليس بالكندي المذكور.
وأما حديث ابن عباس، فيرويه أيضا موسى المذكور، عن أبي إسحاق، عن عكرمة عنه.
وأما حديث أبي هريرة، فيرويه عمر بن قيس، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن أبي هريرة.
وعمر بن قيس، هو سندل، متروك
(١٣٧٤) وذكر من طريق أبي داود، حديث أبي العشراء، عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ الحديث.
وقال عن أبي داود: لم يصح.
وعلته هي أن أبا العشراء لا تعرف حاله، ولا يعرف له ولا لأبيه إلا هذا
[ ٣ / ٥٨٢ ]
الحديث، ولا يعرف روى عنه إلا حماد بن سلمة، واختلف في اسمه واسم أبيه، وذلك كله معروف في مظان وجوده
(١٣٧٥) وذكر من طريق الترمذي عن أبي واقد، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل. الحديث.
ثم قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه عند الترمذي هكذا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا سلمة بن رجاء، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، [عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد، فذكره.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار] يضعف، وإن كان البخاري قد أخرج له.
وقد رأيت أبا محمد ذكر هذا الحديث في كتابه الكبير بإسناده
(١٣٧٦) ثم ذكر بعده من عند البزار حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثل ذلك.
من رواية معن بن عيسى، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر.
ثم قال: هشام بن سعد ضعيف، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أضعف منه
[ ٣ / ٥٨٣ ]
(١٣٧٧) وذكر من طريق الترمذي أيضا، عن العلاء بن الفضل، عن عبيد الله بن عكراش بن ذؤيب، عن أبيه - وأكل مع النبي ﷺ ثريدا - فقال له: «يا عكراش كل من موضع واحد» الحديث.
وفيه صفة الوضوء مما مست النار، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن الفضل. انتهى ما ذكر.
ولم يبين علته، وهي أن عبيد الله بن عكراش، هو لا يعرف بغير هذا.
وقد قال فيه أبو حاتم: مجهول، وهو كذلك.
وقال البخاري في حديثه: لا يثبت.
والعلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، أبو الهذيل، لا تعرف حاله
(١٣٧٨) وذكر من طريقه أيضا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الطاعم الشاكر، بمنزلة الصائم الصابر».
قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين ما الذي منعه من الصحة، وهو يرويه محمد بن معن المدني
[ ٣ / ٥٨٤ ]
وهو ثقة، عن أبيه معن بن محمد الغفاري، وهو لا تعرف حاله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
وروى عن معن المذكور جماعة: منهم ابن جريج، وعمر بن علي، وعبد الله بن عبد الله الأموي، وابنه محمد بن معن
(١٣٧٩) وذكر من طريقه أيضا، عن أسلم، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت، وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة».
ثم قال: وصف الترمذي الاضطراب الذي فيه.
والترمذي لم يزد على أن قال: إن عبد الرزاق كان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عن عمر، عن النبي ﷺ.
وربما قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي ﷺ لا يذكر فيه عن عمر - يعني أنه يجعله مرسلا - فهذا شرح ما أعله، وهو ليس بعلة
(١٣٨٠) وذكر من طريق أبي داود، عن عائشة قالت: «كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من الزبيب، فألقيه في إناء» الحديث.
ثم ضعفه، ثم قال: وله فيه إسناد آخر
(١٣٨١) والصحيح النهي كما ذكر مسلم. انتهى كلامه
[ ٣ / ٥٨٥ ]
(١٣٨٢) وهذا الإسناد الآخر الذي ذكر أنه عند أبي داود، هو هذا: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن مسعر، عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ: «كان ينبذ له زبيب فيلقى فيه تمر، أو تمر ويلقى فيه زبيب».
وضعف هذا بين بالجهل بهذه المرأة
(١٣٨٣) وذكر من طريق الترمذي عن جابر، قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».
ثم قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية داود بن بكر بن أبي الفرات، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.
وداود وثقه ابن معين.
وقال أبو حاتم: لا بأس به، ليس بالمتين
(١٣٨٤) وذكر من طريق البزار، حديث ابن عباس: «حرمت الخمر بعينها» الحديث موقوفا.
وصححه كذلك، ثم قال: وقد روي مروفوعا عن أنس عن النبي ﷺ،
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وفي إسناده سعيد بن عمارة، عن الحارث بن النعمان.
ومن حديث أبي سعيد، وفي إسناده سوار بن مصعب، عن عطية العوفي.
ومن حديث علي، وفي إسناده عبد الرحمن بن بشر الغطفاني.
وأتبعها أن قال: كلهم بين ضعيف ومجهول.
وعين عبد الرحمن بن بشر فقال فيه: مجهول.
فاعلم أن سعيد بن عمارة مجهول كذلك، والحارث بن النعمان، وسوار ابن مصعب، وعطية ضعفاء
(١٣٨٥) وذكر من طريق الترمذي عن أنس قال: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة» الحديث. وقال فيه. غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه من رواية أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس.
وشبيب لم تثبت عدالته.
وقال فيه أبو حاتم: لين الحديث
(١٣٨٦) وذكر من طريق الترمذي، عن ابن لعطاء بن أبي رباح، عن
[ ٣ / ٥٨٧ ]
أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير» الحديث.
وقال فيه: حديث غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وإنما ذلك لأن ابن عطاء هو مجهول.
ودونه يزيد بن سنان، أبو فروة الجزري، وهو ضعيف
(١٣٨٧) وذكر حديث «النهي عن لبس الذهب إلا مقطعا».
ثم قال: وقد خرج المنع من التحلي بالذهب للنساء عن ثوبان، وحذيفة، وأبي هريرة، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم عن النبي ﷺ
(١٣٨٨) قال: والصحيح الإباحة للنساء، ذكر ذلك النسائي، وأبو داود.
ولم يكن ينبغي له أن يرمي حديث ثوبان بضعف، فإنه قد قبل أحاديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، ولم يرد منها شيئا، والناس قد قالوا: إنها منقطعة
[ ٣ / ٥٨٨ ]
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
وليس لحديث ثوبان هذا عيب غير ذلك، على أن يحيى يقول فيه: حدثني زيد بن سلام، [ولكنه مع ذلك مخوف فيه الانقطاع، ولعله كان إجازة زيد بن سلام] فجعل يقول: حدثنا زيد بن سلام، وكان الأكمل أن يقول: «إجازة».
وأما - ما ذكره في جملتها من حديث حذيفة، فقد بينا خطأه فيه في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها، وأن صوابه «عن أخت حذيفة» عن النبي ﷺ.
وليس هذا كله بمقصوده في هذا الباب [فإنه] قد تقدم ذكره.
وإنما المقصود بيان علة حديث أسماء، وحديث أبي هريرة اللذين لم يمر لهما ذكر فنقول:
(١٣٨٩) حديث أسماء يرويه أبو داود هكذا: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان بن يزيد العطار، قال: حدثنا يحيى، أن محمود بن عمرو الأنصاري، حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب، قلدت في عنقها مثله
[ ٣ / ٥٨٩ ]
من نار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب، جعل الله في أذنها مثله من نار».
وكذا ذكره النسائي أيضا من رواية هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وعلته هي أن محمود بن عمرو هذا مجهول الحال وإن كان قد روى عنه جماعة
(١٣٩٠) وأما حديث أبي هريرة فقال النسائي: حدثنا إسحاق بن شاهين: قال: حدثنا خالد، عن مطرف.
وأخبرنا أحمد بن حرب، قال: حدثنا أسباط، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي زيد، عن أبي هريرة قال: كنت قاعدا عند النبي ﷺ فأتته امرأة فقالت: ياا رسول الله، سواران من ذهب، قال: «سواران من نار» قالت: يا رسول الله، طوق من ذهب، قال: «طوق من نار»، قالت: قرطان من ذهب، قال: «قرطان من نار». قال: وكان عليها سواران من ذهب، فرمت به، فقالت: يا رسول الله، إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده، قال: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة، ثم تصفره بزعفران أو بعبير».
[ ٣ / ٥٩٠ ]
هذا حديث أبي هريرة، ولا يصح، لأن أبا زيد هذا مجهول، ولا يعرف روى عنه غير أبي الجهم
(١٣٩١) وذكر من طريق الترمذي، عن أسماء بنت يزيد، قالت: «كان كم يد رسول الله إلى الرسغ».
ثم قال: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية شهر بن حوشب عنها.
وشهر مختلف فيه، وفي أغلب الأحوال يبرزه من إسناد يكون فيه.
من ذلك ما تقدم له قبل هذا بيسير في الأشربة، من طريق أبي داود، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة:
(١٣٩٢) «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر»
وقد استوعب القول على شهر في باب السلام والاستئذان
(١٣٩٣) وذكر من طريق الترمذي أيضا، عن كلدة بن حنبل، أن صفوان بن أمية، بعثه بلبن، ولبأ، وضغابيس إلى النبي ﷺ، والنبي ﷺ
[ ٣ / ٥٩١ ]
بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي ﷺ، الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
وإنما لم يصححه؛ لأنه يرويه عن سفيان بن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان، أن عمرو بن عبد الله بن صفوان، أخبره أن كلدة بن حنبل أخبره، فذكره.
وعمرو بن عبد الله بن صفوان، القرشي، الجمحي - أخو صفوان بن عبد الله - مكي، روى عنه عمرو بن دينار، وعمرو بن أبي سفيان، ولا تعرف حاله.
فأما عمرو بن أبي سفيان، فمستقيم الحديث، قاله أبو حاتم.
وسفيان بن وكيع شيخ، يتهم بالكذب، فلو انفرد برواية هذا الحديث لوجب أن يكون ضعيفا، لكنه قد رواه عن روح غيره.
ذكره أبو داود، عن يحيى بن حبيب، عن روح.
ورواه أيضا عن ابن جريج غير روح، ذكره أبو داود، عن ابن بشار، عن أبي عاصم قال: أخبرنا ابن جريج، فاعلم ذلك
(١٣٩٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي أسيد أنه سمع
[ ٣ / ٥٩٢ ]
رسول الله ﷺ يقول - وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق - فقال رسول ﷺ للنساء: «استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق» الحديث.
ثم قال: في إسناده هذا الحديث شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه.
لم يزد على هذا في تعليله، ولا بيان فيه وإنما علته أن شدادا وأباه أبا عمرو، لا تعرف لهما حال، ويختلف في الأب المذكور.
فمنهم من يقول فيه: أبو عمر.
ومنهم من يقول: أبو عمرو.
قال ابن عبد البر: كان من العباد.
وهذا ليس بكاف فيما ينبغي من تعرف حاله في الرواية، ولا يعرف روى عنه إلا ابنه، ولا يعرف روى عن شداد إلا أبو اليمان: كثير بن اليمان الرحال، وهو روى عنه هذا الحديث، وهو أيضا غير معروف الحال، وإن كان قد روى عنه الدراوردي، وأبو هاشم عمار.
وفي الإسناد أيضا حمزة بن أبي أسيد، وهو يرويه عن أبيه أبي أسيد، وهو أيضا لا تعرف حاله، وإن كان قد روى عنه محمد بن عمرو، وعبد الرحمن ابن الغسيل
[ ٣ / ٥٩٣ ]
(١٣٩٥) وذكر من طريق أبي داود حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها».
ثم قال: هذا أصح من حديث النسائي عن عبد الله بن بسر
(١٣٩٦) وصنعوا لرسول الله ﷺ ثريدة بسمن، فقال: «خذوا باسم الله»، وأشار إلى جوانبها بأصابعه الثلاث.
كذا ذكره، ولم يبين علة حديث عبد الله بن بسر، هذا الذي رجح عليه حديث ابن عباس وصححه، وإن كان حديث ابن عباس من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عنه، فإنما صححه؛ لأنه من رواية شعبة، عن عطاء.
وشعبة والثوري، سمعا منه قديما قبل اختلاطه.
فأما حديث عبد الله بن بسر، فإنه اختصره.
واللفظ الذي فيه: «ثريدة بسمن» - كما ذكر - هو عند النسائي هكذا: حدثنا عمرو بن عثمان، عن بقية، عن صفوان بن عمرو، قال: أخبرني
[ ٣ / ٥٩٤ ]
الأزهر بن عبد الله، عن عبد الله بن بسر، قال: قالت أمي لأبي: لو صنعنا لرسول الله ﷺ طعاما فدعوته، قال: ففعلنا، فصنعنا له ثريدة بسمن، ثم جاء رسول الله ﷺ فدخل البيت، فوضعت له أمي قطيفة لنا، وجمعتها له، فقعد عليها رسول الله ﷺ فوضعناها له قال: «خذوا باسم الله، فأشار إلى ذروتها بأصابعه الثلاث» فما فرغ قلنا: ادع الله لنا يا رسول الله، قال: «اللهم ارحمهم فاغفر لهم وبارك لهم في رزقهم».
وإنما ترك أن يصحح هذا الحديث لمكان بقية
(١٣٩٧) فأما أزهر بن عبد الله الحرازي، فقد احتاج به في حديث النعمان بن بشير: «في الامتحان بالضرب».
وصفوان بن عمرو ثقة.
ولهذا الحديث طريق جيدة، سنذكره في باب الأحاديث التي ضعفها، ولها طرق صحيحة أو حسنة، إن شاء الله تعالى
(١٣٩٨) وذكر من طريق أبي أحمد، عن يحيى بن زهدم بن الحارث، عن أبيه، قال: أخبرني أبي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٣ / ٥٩٥ ]
«لا تكرهوا أربعة، فإنها لأربعة» الحديث.
وسكت عنه، والحارث وابنه زهدم مجهولان، فأما يحيى فلا بأس به.
وإنما كتبناه في هذا الباب؛ لأنه وإن كان سكت عنه، فإنه تبرأ من عهدته بما ذكر من إسناده، فهو كالتضعيف له، فلذلك بينا علته في هذا الباب
(١٣٩٩) وذكر من طريق الترمذي، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام» الحديث.
ثم قال فيه: حسن غريب.
كذا ذكره، ولم يبين علته المانعة من تصحيحه، وهي عندي موجبة لضعفه، وذلك أنه من رواية أبي كريب، عن بكر بن يونس بن بكير، عن موسى بن علي عن أبيه، عقبة.
وبكر هذا، قال فيه أبو حاتم: «منكر الحديث ضعيفه»
(١٤٠٠) وذكر من طريق الترمذي أيضا، عن أسماء بنت عميس، أن
[ ٣ / ٥٩٦ ]
رسول الله ﷺ سألها: «بم تستمشين»؟ الحديث
[ ٣ / ٥٩٧ ]
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين ما الذي منعه من الصحة، وما أراه يعني إلا عبد الحميد بن جعفر.
فإن الترمذي يرويه هكذا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني عتبة بن عبد الله عن أسماء بنت عميس، فذكره.
وكل هؤلاء ثقة إلا عبد الحميد، فإنه يختلف فيه، كان الثوري يحمل عليه ويرميه بالقدر، وغيره يوثقه
(١٤٠١) وذكر من طريق عبد الملك بن حبيب، حدثنا أسد بن موسى،
[ ٣ / ٥٩٨ ]
وعلي بن معبد، عن ابن جريج، عن حبة بن سلم، أن رسول الله ﷺ قال: «الشطرنج ملعونة، ملعون من لعب بها» الحديث.
ثم ذكر ضعفه وكونه مرسلا.
وقال ذلك في مرسلين آخرين، ذكرهما أيضا معه من كتاب ابن حبيب.
والمقصود أن نبين بعض ما ضعف به هذا المرسل مما لم يبينه أبو محمد، وذلك حبة بن سلم هذا، فإنه لا يعرف، وإنما يعرف حبة بن سلمة، أخو أبي وائل: شقيق بن سلمة، وهو حبة - بباء واحدة - وقد قيل: إنه هو الذي يروي هذا المرسل.
وذلك أيضا لا ينفع المرسل المذكور، فإن حاله مجهولة
(١٤٠٢) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ماذا يتمنى؛ فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته»
[ ٣ / ٥٩٩ ]
وإنما سكت عنه، اتكالا على ما قدم في عمر بن أبي سلمة، فأبرزه هنا، تبرؤا من عهدته
(١٤٠٣) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله، ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا».
قال فيه: حسن غريب.
وهو عندي إلى الضعف أقرب، إلا أنه ربما سمح فيه، لكونه من فضائل الأعمال، فقال فيه: حسن.
وإسناده هو هذا: حدثنا محمد بن بشار والحسين بن أبي كبشة البصري، قالا: حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي، قال: حدثنا أبو سنان القسملي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة.
وعثمان بن أبي سودة شامي، يروي عن أبي هريرة، روى عنه أبو سنان وزيد بن واقد، ولا تعرف حاله، وكانت أمه سودة لعبادة بن الصامت، وأبوه
[ ٣ / ٦٠٠ ]
أبو سودة، لعبد الله بن عمرو بن العاصي.
فأما أبو سنان القسملي، فهو عيسى بن سنان، ولم تثبت عدالته، بل ضعفه ابن حنبل، وابن معين.
فما مثل هذا الحديث حسن
(١٤٠٤) وذكر من طريقه أيضا، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة».
قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح وذلك - والله أعلم - لأنه من رواية ابن المبارك، عن أبي بكر النهشلي - وهو ثقة - عن مرزوق أبي بكر التيمي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء.
ومرزوق هذا، هو والد يحيى بن أبي بكير، وهو كوفي، يروي عنه الثوري، وشريك، وإسرائيل، وليث بن أبي سليم، وعمر بن محمد، وغيرهم، ولكنه مع ذلك لم تثبت عدالته، وهو شبيه بالمجهول الحال، والله أعلم
(١٤٠٥) وذكر من طريق البزار، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي،
[ ٣ / ٦٠١ ]
عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
ثم قال: يقال: إن في إسناده انقطاعا.
كذا قال: ولم يبين ذلك، والذي فيه من ذلك هو أن أبا الزبير لا يعرف هل سمع من عبد الله بن عمرو، أم لا.
والحديث أورده البزار هكذا: أخبرنا محمد بن المثنى، أبو موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله الربعي، قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
وحدثناه يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
قال: وهذا الحديث عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، هو الصواب عندي.
ثم ذكر حديثا آخر لأبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو.
ثم قال: لا نعلم أسند أبو الزبير عن عبد الله بن عمرو إلا هذين الحديثين
انتهى كلام البزار.
وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في كتاب العلل، من رواية محمد ابن الفضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، ثم
[ ٣ / ٦٠٢ ]
قال: سألت محمدا، قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه.
وهذا من البخاري على أصله في التماسه بين المتعاصرين السماع لشيء ما وإن قل، بحيث يعلم أنهما التقيا، وحينئذ يحتج بما يروي أحدهما عن الآخر معنعنا، ويشتد الأمر في مثل هذا، لما علم من تدليس أبي الزبير
(١٤٠٦) وذكر من طريق الترمذي عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة فقلت: كيف يصنع بهذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين أمره، وذلك أن أبا أمية - واسمه محمد - شامي، لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عمرو بن جارية اللخمي.
وعمرو بن جارية أيضا لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عتبة بن أبي حكيم.
وعتبة مختلف فيه، فابن معين يضعفه، وغيره يقول: لا بأس به
(١٤٠٧) وذكر من طريقه أيضا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
[ ٣ / ٦٠٣ ]
«لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، فإنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين مانع صحته، وذلك أنه من رواية هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة
(١٤٠٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عثمان بن سعد الكاتب، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «الصمت حكم، وقليل فاعله».
قال فيه: حديث حسن، ويكتب على لينه.
هذا ما ذكره به، فلم يبين لم لا يصح.
وعندي أنه ضعيف، فإنه عند أبي أحمد هكذا: حدثنا الساجي، حدثنا إبراهيم بن غسان الغلابي، حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن سعد، فذكره.
وعثمان هذا يضعف، وكان ابن معين يعجب ممن يروي عنه
(١٤٠٩) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها» الحديث
[ ٣ / ٦٠٤ ]
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة.
وعبد الله بن ضمرة هو السلولي، روى عنه مجاهد، وعبد الرحمن بن سابط، وعطاء بن قرة، وهو مع ذلك غير معروف الحال.
وكذلك عطاء بن قرة السلولي، هو أيضا قد روى عنه جماعة: منهم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الرحمن بن [ثابت بن] ثوبان، وهو قد روى عنه هذا الحديث، ولكنه مع ذلك لا تعرف حاله
(١٤١٠) وذكر من طريقه أيضا، عن عبد الله بن محصن - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنه حيزت له الدنيا».
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية مروان بن معاوية، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لا تعرف حاله
[ ٣ / ٦٠٥ ]
وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لا تقبل روايته
(١٤١١) وذكر من طريقه أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، في صور الرجال» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
(١٤١٢) وذكر من طريقه أيضا عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، بل أشبع يوما وأجوع [يوما]» [الحديث].
وحسنه.
ولم يبين لم لا يصح، وينبغي أن يقال فيه: ضعيف؛ فإنه من رواية يحيى
[ ٣ / ٦٠٦ ]
ابن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عنه
(١٤١٣) وذكر من طريقه حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه عنده من رواية يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس.
وسعد بن سنان هذا، الصحيح فيه: سنان بن سعد.
وفي باب سنان ذكره ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن سعد بن سنان، الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: «ثقة».
وقال البخاري: «وهنه أحمد». وقال ابن معين: «سمع عبد الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط».
ففي هذا أنه اختلط
(١٤١٤) وذكر من طريقه عن عطية السعدي، قال رسول الله ﷺ: «لا
[ ٣ / ٦٠٧ ]
يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس».
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لأي شيء لا يصح، وذلك لأنه من رواية أبي بكر بن أبي النضر، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي، حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرني ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي، فذكره.
وعبد الله بن يزيد لا أعرف روى عنه إلا أبو عقيل: عبد الله بن عقيل الثقفي، ومحمد بن سعد، ولا تعرف حاله.
فأما أبو عقيل فثقة
(١٤١٥) وذكر من طريقه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب».
قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية زياد بن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وزياد هذا منكر الحديث، قاله أبو حاتم.
فأما أبوه وجده فثقتان
[ ٣ / ٦٠٨ ]
(١٤١٦) وذكر من طريقه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين، يتوطؤه الناس».
وقال فيه: حديث [حسن] غريب.
ولم يبين إن كان لا يصح، وهو لا يصح لأنه من رواية الفضل بن يزيد - وهو ثقة - عن أبي المخارق، عن ابن عمر.
وأبو المخارق، هو مغراء، قد قدم فيه التضعيف في حديث:
(١٤١٧) «من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر»
(١٤١٨) وذكر من طريقه عن بريدة، قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم».
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه يروى مرسلا.
رواه ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ
[ ٣ / ٦٠٩ ]
ورواه علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا.
وليس ينبغي أن يعد ذلك مانعا من صحته
(١٤١٩) وذكر من طريق البزار، عن عبادة بن الصامت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اجر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة».
ثم قال: هذا من حديث أهل الشام، وإسناده حسن، ذكر ذلك علي بن المديني.
ورواه الترمذي بإسناد آخر. انتهى ما ذكر.
وهو حديث يرويه زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، قال: أخبرني أيوب بن زيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جده.
والوليد هذا لا تعرف حاله، فأما ابنه عبادة بن الوليد بن عبادة فثقة، قاله النسائي.
وأما أيوب بن زيد، فهو أيوب بن زيد، [وهو مولى أيوب بن زياد] ولا تعرف أيضا حاله، وقد روى عنه أيضا زيد بن أبي أنيسة، ويزيد بن سنان
[ ٣ / ٦١٠ ]
وأما حديث الترمذي فهو هذا: حدثنا يحيى بن موسى حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم، سمع عطاء بن أبي رباح، سمع الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: دعاني أبي، فقال: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لا تتقي الله حتى تؤمن بالقدر كله، خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، ما كان وما هو كائن إلى الأبد».
قال الترمذي: حديث غريب.
وعبد الواحد بن سليم هذا، قال فيه ابن حنبل: «حديثه منكر، أحاديثه موضوعة»
(١٤٢٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية».
قال: هذا حديث غريب.
كذا قال من غير مزيد، وهو حديث لا يصح؛ لأنه عند الترمذي بإسنادين:
أحدهما من رواية القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس
[ ٣ / ٦١١ ]
وقد رواه أيضا محمد بن بشر عن علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ونزار هو ابن حيان، مجهول الحال، ولا نعلم روى عنه إلا ابنه علي، والقاسم بن حبيب.
وابنه علي بن نزار قال فيه ابن معين: «ليس حديثه بشيء».
وكذا قال في القاسم بن حبيب التمار. هذا أحد الإسنادين.
والإسناد الآخر هو من رواية محمد بن بشر، عن سلام بن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وسلام هذا، هو الخراساني، قال ابن معين أيضا: «ليس حديثه بشيء».
وإن لج لاج في قول ابن معين في أحد من هؤلاء: «أنه ليس بشيء»
فليثبت لنا عدالته، وحينئذ يقبل حديثه
(١٤٢١) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد قط: لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» الحديث. وحسنه
[ ٣ / ٦١٢ ]
ولم يفسر لم لا يصح، وذلك أنه عند الترمذي من رواية الوليد بن القاسم ابن الوليد الهمداني، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
والوليد بن قاسم هذا، ضعفه ابن معين وهو أيضا ممن لم تثبت عدالته.
وإن كان قد روى عنه جماعة، فحديثه لا يصح لأجل ذلك، وإن لم تعلم جرحته
(١٤٢٢) وذكر من طريقه عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة علي».
وقال فيه: حسن غريب.
وهو حديث يرويه موسى بن يعقوب الزمعي، قال: أخبرني عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره عن عبد الله بن مسعود.
وعبد الله بن كيسان لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي
(١٤٢٣) وذكر من طريقه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»
[ ٣ / ٦١٣ ]
ثم قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وهو من رواية الترمذي، عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة.
وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن، ثقة مشهور.
ولا موضع في الإسناد للنظر إلا عمران بن داور القطان وهو رجل ما بحديثه بأس، وأبو محمد يصحح أحاديثه، وربما حسنها اتباعا للترمذي.
وأقرب ما مر له في ذلك حديث الترمذي عن أنس، عن النبي ﷺ قال:
(١٤٢٤) «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع» قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة».
وقال فيه: حسن غريب، لا نعرف من حديث قتادة عن أنس، إلا من رواية عمران القطان.
فحكم الحديثين واحد
(١٤٢٥) وذكر من طريقه عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا
[ ٣ / ٦١٤ ]
يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».
وقال فيه: حسن.
وذلك لأنه حديث يرويه يحيى بن الضريس، عن أبي مودود، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان.
وأبو مودود بصري، اسمه فضة، نزل الري، قال فيه أبو حاتم الرازي: «ضعيف»
(١٤٢٦) وذكر من طريقه عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني أريد سفرا فزودني، قال: «زودك الله التقوى»: قال: زدني. الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وينبغي على أصله أن يكون صحيحا، فإنه عند الترمذي هكذا من رواية عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان [عن ثابت] عن أنس، فذكره.
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا جعفر
[ ٣ / ٦١٥ ]
وأبو محمد لم يتوقف في شيء من روايات جعفر، ولا يقول فيها: حسان، بل يسكت عنها، مصححا لها.
وقد نبهنا على جملة من ذلك فيما تقدم.
وليس له أن يعتل على الحديث بسيار بن حاتم، فإنه قد روى عنه جماعة: منهم أحمد بن حنبل، وعبد الله بن أبي زياد، وهارون بن عبد الله، فهو من المساتير، وهو يقبلهم، وإنما ألزمناه ما التزم.
والحق في الحديث بحسب الاصطلاح، أنه حسن كما قال الترمذي
(١٤٢٧) وذكر من طريق الترمذي، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «اللهم ارزقني حبك، وحب من يبلغني حبه عندك» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك عندي أنه عند الترمذي هكذا: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن أبي عدي، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن يزيد، فذكره.
وكلهم ثقة، إلا سفيان بن وكيع، فإنه متهم بالكذب.
وأبو جعفر الخطمي، اسمه عمير بن يزيد بن خماشة وهو ثقة
[ ٣ / ٦١٦ ]
فينبغي أن يكون هذا الحديث بهذا الطريق ضعيفا
(١٤٢٨) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي رزين العقيلي، قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء».
وأتبعه أن قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه يرويه هكذا: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع ابن حدس، عن عمه أبي رزين.
ووكيع بن حدس هذا لا تعرف له حال، وهو يروي عن عمه ما يروي، ولا يعرف عنه راو إلا يعلى بن عطاء.
واختلف عليه فيه أصحابه، فكان شعبة، وهشيم، وأبو عوانة يقولون فيه عنه: وكيع بن عدس.
وقال حماد بن سلمة عنه: وكيع بن حدس.
وكناه من بينهم أبو عوانة فقال فيه: عن أبي مصعب وكيع بن عدس.
وقد وقع ذكره بهذا في كتابي البخاري، وابن أبي حاتم، ولا بينا
[ ٣ / ٦١٧ ]
من حاله أكثر من ذلك، وليس في إسناد الحديث المذكور موضع نظر سواه.
وإلى ذلك فإنه لم يكن ينبغي له أن يحسنه، بل كان يلزمه تصحيحه.
فإنه قد ساق في كتاب التعبير، من طريق الترمذي، عن أبي رزين: لقيط ابن عامر المذكور، عن النبي ﷺ قال:
(١٤٢٩) «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها وقعت».
وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن صحيح.
وهذا الحديث يرويه الترمذي هكذا: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه، عن أبي رزين، فذكره.
فإذ هذا عنده صحيح، فينبغي أن يكون الأول صحيحا، وإن كان الأول حسنا فينبغي أن يكون هذا حسنا.
فإن قيل، ولعله إنما قال فيه: حسن، لأنه من رواية حماد بن سلمة، وهذا الذي قال فيه: صحيح، من رواية شعبة.
وفضل ما بين شعبة وحماد في الحفظ بين.
قلنا: قد صحح من حديث حماد بن سلمة ما لا يحصى.
وهو موضع لا نظر فيه عنده، ولا عند أحد من أهل العلم به، فإنه إمام
[ ٣ / ٦١٨ ]
وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ما هو معلوم في مواضعه، فاعلم ذلك
(١٤٣٠) وذكر أيضا من طريقه عن ابن عمر حديثه الذي فيه: «نحن الفرارون، قال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم».
وأتبعه أن قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وإنما ذلك لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر.
قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، فذكره
[ ٣ / ٦١٩ ]
وقد تقدم ذكر يزيد بن أبي زياد.
وسيأتي ذكره وما له فيه في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها
(١٤٣١) وذكر من طريق أبي عمر بن عبد البر، من حديث معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، من لا حياء له لا دين له».
قال: هذا من حديث الشاميين، وإسناده حسن
(١٤٣٢) قال: وبهذا الإسناد، قال رسول الله ﷺ: «زينوا الإسلام بخصلتين، قلت: وما هما؟ قال: الحياء والسماحة في الله لا في غيره».
ثم قال: ذكرهما في باب مالك، عن صفوان من كتاب التمهيد.
فأقول (وبالله التوفيق): لم يذكرهما أبو عمر حيث ذكر [بل] في باب مالك، عن سلمة بن صفوان.
وإسنادهما عنده هو هذا: حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي بدمشق، قال: حدثنا أبو محمد: عبد الله بن محمد بن يحيى الأزدي، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، العسقلاني،
[ ٣ / ٦٢٠ ]
عن معن بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ.
ومعن بن الوليد ثقة، وسائرهم كذلك، إلا أبا محمد: عبد الله بن محمد، فإني لا أعرفه.
وإنما كتبته لتبحث عنه فلعله معروف، والله [تعالى] الموفق.
[بلغت المقابلة بالأصل المنقول منه هذه النسخة حسب الطاقة والله الموفق].
كمل السفر الأول من كتاب بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام، بفضل الله وحسن عونه.
يتلوه في أول الثاني إن شاء الله تعالى: باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححا لها، وليست بصحيحة [والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى] [وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل]
* * *
[ ٣ / ٦٢١ ]