[ ٢ / ٢٣٣ ]
لم يخف علي أن قارئ هذه الترجمة يراها تعسفًا عليه، باحتمال أن يغيب عني ما لم يغب عنه، وأن يكون قد علم ما جهل غيره، ولكن مع ذلك رأيت أن أذكر فيها مما تقاضاه ما اعتر عليه منه، قاصدًا بذلك أن تكون منك على ذكر، تعيرها منك بحثًا، فإما أن يصح لك ما ظننته أنا، أو ما علمه هو.
واعلم أن كل حديث أقول لك: إني لم أجده في الموضع الذي عزاه إليه يمنع من تقليده في نقله، ويوجب عليك البحث عنه أمور:
منها احتمال غلطه، واحتمال تغير المكتوب بتغير الرواة والنساخ، واحتمال أن يكون قد رآه عند من عزاه إليه غير موصل، كما قد اعتراه ذلك في كثير من الأحاديث، ستراها بعد أن شاء الله [تعالى].
وهذا بعد تقدير وجودها في الموضع الذي عزاها إليه، وخفاء ذلك علي.
وأقل الأحوال أن يوجب عليك ما أخبرك به من عدمها في المواضع التي ينسبها إليه تثبيتًا وتوقفًا.
فمن ذلك أنه قال في الطهارة - بعد ذكر حديث عبد الله بن زيد في تجديد الماء للأذنين:
(٢٢٤) (وقد ورد الأمر بتجديد الماء للأذنين، من حديث نمران بن جارية، عن أبيه عن النبي ﷺ، وهو إسناد ضعيف.
هذا نص ما ذكر، وهو شيء لا يوجد أصلًا، وهو لم يعزه إلى موضع فنتحاكم إليه، وأحاديث نمران بن جارية عن أبيه جارية بن ظفر، محصورة
[ ٢ / ٢٣٥ ]
معروفه، يرويها عنه دهثم بن قران، وهو ضعيف، وهي أربعة أو نحوها، قد ذكر هو منها:
(٢٢٥) حديث القضاء للذي تليه معاقد القمط.
(٢٢٦) وحديث العبد الذي قطع يد رجل ثم شج آخر.
وأراه اختلط عليه هذا الذي أنكرناه عليه، وبما روى عنه دهثم بن قران، عن أبيه، جارية بن ظفر أن رسول الله ﷺ قال:
(٢٢٧) «خذ للرأس ماء جديدًا».
وهو حديث معروف من جملة ما روى عنه، ذكره البزار.
وأما الأمر بتجديد الماء للأذنين فلا وجود له في علمي، فابحث عنه.
(٢٢٨) وذكر أيضًا في التيمم، عن أبي داود، من راوية عطاء عن جابر: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا معنا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر ذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي
[ ٢ / ٢٣٦ ]
السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر، أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده».
ثم قال: لم يروه عن عطاء غير الزبير بن خريق، وليس بقوي.
ورواه الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، واختلف عن الأوزاعي، فقيل عنه: عن عطاء، وقيل عنه: بلغني عن عطاء، ولا يروى الحديث من وجه قوي
هذا نص ما أورد، وإنما لم نكتب هذا الحديث وما يتبعه من القول إن شاء الله تعالى في الباب الذي تقدم - الذي ذكرت فيه أحاديث يعطفها أو يردفها، بحيث تفهم مشاركتها لما قبلها في جميع مقتضياتها - لأن تلك إنما كان ذلك فيها بحكم الظاهر فأما ها هنا فإنه ساق الحديث المذكور في التيمم، ثم أخذ يقول: إن الأوزاعي رواه عن عطاء، عن ابن عباس.
فهذا لا يفهم إلا أن التيمم في حق المريض من رواية ابن عباس أيضًا، كما هو من رواية جابر، وذلك باطل.
وإنما اعتراه هذا من كتاب الدارقطني الذي نقله منه، فإنه أجمل القول كما ذكر، ثم فسره بإيراد الأحاديث، فتخلص، فكتب أبو محمد الإجمال، ولم يكتب التفسير، فوقع في الخطأ.
(٢٢٩) وحديث ابن عباس، لا ذكر فيه للتيمم، وإنما نصه: عن عطاء،
[ ٢ / ٢٣٧ ]
عن ابن عباس، أن رجلًا أصابته جراحة على عهد رسول الله ﷺ فأصابته جنابة، فاستفتى فأفتي بالغسل، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال».
قال عطاء: فبلغني أن النبي ﷺ سئل عن ذلك بعد فقال: «لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح أجزأه».
ثم أورد الدارقطني الأسانيد يبين بها الخلاف على الأوزاعي.
وما في شيء منها إلا هذا الذي ذكرناه، لم يقع فيها للتيمم ذكر، وإنما اشتغل بالقصة لا بقطعة التيمم، ولا يعرف ذكر التيمم فيها إلا من رواية الزبير ابن خريق، عن عطاء، عن جابر، كما تقدم، أو من رواية أبي سعيد الخدري بإسناد بالغ إلى الغاية في الضعف.
(٢٣٠) قال أبو أحمد بن عدي: حدثنا محمد بن الحسن بن موسى الكوفي بمصر، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن حماد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن عمرو بن شمر عن عمرو بن أنس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: أجنب رجل مريض في يوم بارد، على عهد رسول الله ﷺ، فغسله أصحابه فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما لهم قتلوه قتلهم الله، إنما كان يجزئ من ذلك التيمم».
هذا غاية في الضعف من جهات: نجتزئ منها - إذا لم نقصده بالتنبيه - على عمرو بن شمر فإنه أحد الهالكين
[ ٢ / ٢٣٨ ]
(٢٣١) وذكر أيضًا من طريق البزار، من حديث عبد الله بن مسعود، رفعه إلى النبي ﷺ «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم».
ثم قال: يرويه موسى بن عمير.
قال البزار: ليس له أصل من حديث عبد الله، انتهى ما ذكر.
فأقول - وبالله التوفيق -: هذا الحديث والكلام بعده، ليس في مسند حديث عبد الله بن مسعود من كتاب البزار، لعله نقله من بعض أماليه التي تقع له مجالس مكتوبة في أضعاف كتابه في بعض النسخ، ولعله يعثر عليه بعد - إن شاء الله تعالى -.
(٢٣٢) وذكر أيضًا أحاديث التكبير في صلاة العيدين من فعله ﷺ ثم قال:
(٢٣٣) ورواه أبو بكر البزار من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «التكبير في العيدين في الركعة الأولى، سبع تكبيرات، وفي الأخرى خمس» قال: وفي إسناد هذا الحديث فرج بن فضالة.
هذا نص ما أورد، وقد جهدت أن أجد هذا الحديث في مسند حديث ابن عمر عند البزار، فما قدرت عليه، وقد جوزت أن يكون وقع في بعض أماليه، فإنه قد يذكر منها
[ ٢ / ٢٣٩ ]
(٢٣٤) فمن ذلك حديث: «لا صلاة لملتفت» قال: ذكره البزار في الإملاء في غير المسند.
فكان عليه إن كان هذا الحديث منها أن يبين ذلك أيضًا أو يكون قد تصحف للرواة من نسبه إليه.
والذي في مسند حديث ابن عمر عند البزار، إنما هو الفعل لا القول، ومن غير رواية فرج بن فضالة وهو هذا: أخبرنا عبدة بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن جيب، قال: حدثنا عبد الله بن عامر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ «كان يكبر في صلاة العيدين، ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة».
والحديث المذكور من قول النبي ﷺ ومن رواية فرج بن فضالة، إنما أعرفه عند الدارقطني، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الآخرة خمس تكبيرات».
(٢٣٥) وذكر أيضًا من طريق البزار، عن جعفر بن عبد الله بن عثمان المخزومي، قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر، ثم سجد عليه، قلت ما هذا؟ قال: رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر ثم سجد عليه وقال:
[ ٢ / ٢٤٠ ]
رأيت عمر قبله وسجد عليه، وقال: «رأيت رسول الله ﷺ قبله وسجد عليه».
وهذا الحديث أيضًا كذلك، ولا ذكر له في حديث عمر من كتاب البزار، ولعله من بعض أماليه، وإنما أعرفه هكذا عند ابن السكن.
قال: حدثنا أبو بكر: أحمد بن محمد الآدمي، المقرئ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله الحميدي - رجل من بني حميد من قريش - قال: له رأيت محمد ابن عباد بن جعفر قبل الحجر، ثم سجد عليه فقلت ما هذا؟ قال: رأيت خالك عبد الله بن عباس قبله ثم سجد عليه، ثم قال: رأيت عمر بن الخطاب قبله ثم سجد عليه، ثم قال: والله إني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلته.
(٢٣٦) (وذكر من حديث مالك، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان، عن جابر «من صلى ركعة، لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء الإمام».
ثم قال: رواه يحيى بن سلام عن مالك بهذا الإسناد، عن النبي ﷺ وتفرد برفعه، ولم يتابع عليه، ورواه أصحاب الموطأ موقوفًا على جابر، وهو الصحيح، انتهى كلامه.
والخطأ فيه بين، إلا أنه لم يعزه، جوزنا أن يكون قد وجده كما قال، ويغلب على الظن أنه إنما اتبع فيما قال أبا عمر بن عبد البر، فإنه الذي ذكر حديث مالك هذا، ثم أتبعه أن قال: رواه يحيى بن سلام، صاحب التفسير،
[ ٢ / ٢٤١ ]
عن مالك، عن أبي نعيم، عن جابر، عن النبي ﷺ وصوابه موقوف كما في الموطأ.
هكذا قال أبو عمر، وهو خطأ، وكذلك أيضًا فعل فيه الدارقطني، وهو غلط، فإن الذي روى يحيى بن سلام مرفوعًا، ليس هكذا، وإنما هو: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة فلم يصل إلا وراء الإمام».
وفرق عظيم بين اللفظين، فإن حديث مالك يقضي إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة، فأما حديث يحيى بن سلام عنه، فيمكن أن يتقاصرعن هذا المعنى بأن يقال: إنما فيه إيجابها في الصلاة ويتفصى عن عهدته بالمرة الواحدة.
وسنورد رواية يحيى بن سلام بنصها في باب ما أغفل نسبته من الأحاديث إلى المواضع التي نقلها منها.
وهاهنا أيضًا أمر آخر لغير ابن عبد البر، والدارقطني، يجب التنبيه عليه، وهو أن أبا عبد الله بن البيع الحاكم، ذكر في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل طبقة من الجروحين: رابعة وهم قوم رفعوا أحاديث إنما هي موقوفة.
ثم قال في الباب: ويحيى بن سلام المصري، روى عن مالك، عن وهب ابن كيسان، عن جابر أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة»
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وهو في الموطأ لمالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قوله، انتهى كلامه.
وهو أيضًا خطأ، فإنه ليس في الموطأ هكذا، ولا رواه يحيى بن سلام هكذا.
وذلك أن هذا اللفظ لم يعرض فيه لأم القرآن بتعيين، لا في كل الصلاة ولا في ركعة منها.
وهؤلاء إنما يؤتون من قلة الفقه، فهم يسوون بين الألفاظ المتغايرة الدلالات وينبغي أن تسقط الثقة بمن هذه حاله
(٢٣٧) وذكر أيضًا من طريق ابن أبي شيبة، عن إسحاق بن سويد، عن عمر بن الخطاب أنه أبصر رجلًا يصلي، بعيدًا من القبلة، فقال: «تقدم، ولا تفسد [عليك] صلاتك، وما قلت لك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول».
ثم أتبعه أن قال: إسحاق بن سويد لم يدرك عمر.
لم يزد على هذا، فاعلم أن هذا الحديث لا ذكر له في مسند ابن أبي شيبة، ولم أجده أيضًا في مصنفه، فلعلك تعثر عليه، وكن حذرًا من نسبته إليه، فقد جهدت أن أجده، وخفت أن يكون تصحف في معلقاته.
وأذكر الحديث من كتاب بقي بن مخلد، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثنا برد بن سنان، عن إسحاق بن سويد
[ ٢ / ٢٤٣ ]
العدوي - وكان شيخًا كبيرًا - قال: مر عمر بن الخطاب برجل يصلي، فقال: «ادن من قبلتك، لا يفسد الشيطان عليك صلاتك، أما أني لست أقول برأي، ولكن هكذا سمعت رسول الله ﷺ».
وذكر أبو الحسن الدارقطني في علله قال: وسئل عن حديث رجل لم يسم، عن عمر، أنه رأى رجلًا يصلي متباعدًا عن القبلة، فقال: «تقدم، لا يفسد الشيطان عليك صلاتك أما إني لم أقل إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ»، فقال: يرويه إسحاق بن سويد العدوي، واختلف عنه، فرواه معتمر، عن إسحاق بن سويد، عمن حدثه عن عمر مرفوعًا.
ورواه عبد الوارث، عن إسحاق بن سويد مرسلًا عن عمر مرفوعًا، وقوله أشبه بالصواب.
وذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: مر عمر بن الخطاب بفتى، وهو يصلي، فقال: يا فتى، ثلاثًا، حتى رأى أن قد عرف صوته، «تقدم إلى سارية، لا يلعب الشيطان بصلاتك، فلست برأي أقوله، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقوله».
وهذا أيضًا فاحش الانقطاع.
(٢٣٨) وذكر ايضًا من طريق أبي داود، عن قدامة بن عبد الله قال: «رأيته رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك».
وأورده في كتابه الكبير بإسناده هكذا: أبو داود قال: حدثنا إسحاق بن
[ ٢ / ٢٤٤ ]
إبراهيم، حدثنا وكيع، حدثنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله فذكره.
وهذا الحديث لم أجد له في شيء من الروايات عن أبي داود ذكرًا، وإنما ذكره هكذا بالإسناد المذكور، عن إسحاق بن إبراهيم، أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه، وهو الذي يلزم أخبرنا، فأما أبو داود فإنما يقول: حدثنا، وأخاف أن يكون أراد أن يكتبه عن النسائي، فغلط بأن كتب أبو داود، والله أعلم.
(٢٣٩) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ماله؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له» فأعادها عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ: «لا شيء له».
ثم قال: «إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه».
كذا عزاه إلى أبي داود، ولا أعلمه عنده، وإنما هو بهذا النص عند النسائي، قال حدثنا عيسى بن هلال الحمصي، حدثنا محمد بن حمير حدثنا معاوية بن سلام، عن عكرمة بن عمار، عن شداد أبي عمار، عن أبي أمامة، فذكره.
وكذا ساقه في كتابه الكبير من عند النسائي بهذا الإسناد
[ ٢ / ٢٤٥ ]
(٢٤٠) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن سماك، عن رجل من قومه، عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء.
(٢٤١) ثم قال: وعن الزبير بن العوام قال: كان على النبي ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أوجب طلحة».
كذا أورده على أنه من عند أبي داود، وهو خطأ، وسكت عنه مصححًا له، وفيه من يضعف.
وليس الحديث من كتاب أبي داود أصلًا، وإنما هو هكذا حرفًا بحرف من عند الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، أبو سعيد الأشجع، حدثنا يونس ابن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده، عن الزير بن العوام، قال: كان على رسول الله ﷺ يوم أحد، الحديث.
(٢٤٢) وذكر أيضًا من طريق مسلم، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين».
وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم».
كذا ذكر هذين الحديثين، والأول منهما ليس في كتاب مسلم بوجه من الوجوه.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وأما الثاني فهو فيه
وإنما الحديث الأول في كتاب النسائي وغيره، ومن عند النسائي ذكره في كتابه الكبير بإسناده.
ثم أورد بعده هذا الحديث الثاني من عند مسلم، فكان هذا العمل منه صوابًا.
(٢٤٣) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن أبي هريرة، أن أبا هند، حجم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ: «يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه» قال: «وإن كان في شيء مما تداويتم به خير فالحجامة».
قال: وزاد في المراسل عن الزهري، فقالوا: يا رسول الله، نزوج بناتنا من موالينا؟ فأنزل الله ﷿: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم …) الآية.
قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة.
ثم أتبعه أن قال: وقد أسند هذا [الحديث] والمرسل هو الصحيح، انتهى ما أورد.
وقد بينا في باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال - ولها عيوب سواه - أنه أعرض في هذا المرسل عن بقية، وهو دائبًا يضعفه ويضعف به، وها هو ذا قد قال في مرسله: هو الصحيح
[ ٢ / ٢٤٧ ]
\ ونريد الآن بيان ما في قوله: وقد أسند هذا، والمرسل هو الصحيح، فإن فيه مجازفة، وهو لا يعرف ما جاء به الزهري من قولهم: أنزوج بناتنا من موالينا - مسندًا.
وإنما أورد أبو داود المرسل المذكور بالزيادة المذكورة، ثم قال: روي بعض هذ مسندًا وهو ضعيف، فأسقط أبو محمد لفظة «بعض» وإنما يعني أبو داود، أن مجموع ما ذكر الزهري، روي بعضه مسندًا يعني قوله: «يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه».
هذا هو الذي روي مسندًا من حديث أبي هريرة، وهو صحيح.
وأبو داود إنما ذكره في كتاب السنن، ولما لم يذكره في المراسل وتضمنه المرسل، نبه على أن بعض مقتضاه روي مسندًا.
ثم قال: وهو ضعيف، يعني مرسل ابن شهاب، لأنه عن بقية.
ففهم أبو محمد الموضع على وجه آخر، وهو أن مجموع ما روى الزهري، روي مسندًا وهو ضعيف
قال: والمرسل هو الصحيح، وهذا ليس كما ذكر، ولا يوجد «أنزوج بناتنا» مسندًا فيما أعلم، والله الموفق.
(٢٤٤) وذكر أيضًا من طريق البخاري، عن الخنساء بنت خدام أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ،
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فرد نكاحه.
ثم قال: روى أنها كانت بكرًا، وقع ذلك في كتاب أبي داود، والنسائي، والصحيح أنها كانت ثيبًا
انتهى كلامه.
وفيه نسبة كون خنساء بكرًا إلى كتاب أبي داود، وما فيه شيء من ذلك، وإنما فيه من شأن خنساء ما في كتابي البخاري ومسلم: من كونها ثيبًا، وهو حديث مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع، ابني يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خدام، نقله جميعهم.
فأما النسائي، فذكر رواية الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء بنت خدام، قالت: أنكحني أبي، وأنا كارهة، وأنا بكر، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «لا تنكحها وهي كارهة».
كذا قال فيه: «وأنا بكر» وفي إسناده: عن عبد الله بن يزيد.
والصحيح ما رواه مالك إسنادًا ومتنًا، وقد روي حديثها بأنها كانت ثيبًا من طرق غير هذا، وإنها تزوجت من هويت، وهو أبو لبابة بن عبد المنذر، فولدت له السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر، ولسنا الآن نذكرها.
(٢٤٥) فأما قصة الجارية البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، فأخرى، تظاهرت بها الروايات، من حديث ابن عمر، وجابر، وابن عباس، وعائشة
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ذكر منها أبو داود حديث ابن عباس، وهو صحيح، ولا يضره أن يرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة.
وليس لخنساء عنده ذكر إلا بما تقدم من أنها ثيب، ولا تعدم في حديث ابن عباس هذا من ترجح روايته مرسلًا على رواية من رواه مسندًا، كذلك فعل أبو داود، والدارقطني، عن طريقة لهما قد علمت، والصواب غيرها.
وقد يظن أن أن جرير بن حازم منفرد عن أيوب بوصله بزيادة ابن عباس فيه، وليس كذلك، بل قد رواه عن أيوب كذلك، زيد بن حبان، ورواه أيضًا عن الثوري عن أيوب بذلك.
ولن تعدم أيضًا من يظن به اضطرابًا في متنه، فإن في لفظ الموصول: أن جارية بكرًا، ذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها رسول الله ﷺ.
وفي لفظ المرسل عن عكرمة، «فرد نكاحها»، وروي «ففرق بينهما».
وهذا مجتمع غير متناقض، وإنما المعنى: فلم يلزمها ذلك، فإنه إذا خيرها فقد رد الإلزام، وتركها لما ترى
فأما حديث خنساء فقصة أخرى، وهو أصل لباب آخر، ولو صح فيه أنها كانت بكرًا بسند لا مطعن فيه، تناقض الحديثان في حقها
والمتقرر أن هناك قصتين: قصة خنساء، وهي كانت ثيبًا، وقصة هذه الجارية، وهي كانت بكرًا.
وقد روى ذلك مصرحًا به، وإن كان لم يصح.
(٢٤٦) وهو ما روى عبد الملك الذماري، عن الثوري، عن هشام
[ ٢ / ٢٥٠ ]
الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ «رد نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما، وهما كارهتان، فرد النبي ﷺ نكاحهما»
قال الدارقطني: هذا وهم، والصواب يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر، عن عكرمة مرسلًا.
وقد أطلنا بما ليس من الباب، لأن أبا محمد، نسب كون خنساء بكرًا إلى كتاب أبي داود، بناءً على أن القصة واحدة، وليس كذلك، ويلزمه عليه أن يعتقد في المذكورة في حديث جابر، وعائشة، أنها خنساء، كما اعتقد في هذه التي في حديث ابن عباس، وذلك خطأ فاعلمه.
(٢٤٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أنبأني عطاء، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ باع مصحفًا».
ثم قال: محمد هذا، ضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن معين، وغيرهم، وهذا الحديث كذب، انتهى ما ذكر.
هذا الحديث لا أعلم له موقعًا، فأبحث عنه، فإني لم أجده في سنن الدارقطني، فأما كتاب العلل له، فإنه لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك جماعة من الصحابة، أراه لم يبلغهم عمله، ولا أعلم أبا محمد نقل حرفًا عن الدارقطني من غير هذين الكتابين، وكتاب المؤتلف والمختلف، فالله أعلم
[ ٢ / ٢٥١ ]
(٢٤٨) وذكر من طريق الدارقطني أحاديث في أم الولد، ثم قال:
(٢٤٩) وعن جابر قال: «بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا».
هذا لم أجد له عند الدارقطني ذكرًا.
(٢٥٠) وإنما ذكر نصًا آخر عن جابر، وهو: «كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي ﷺ حي لا يرى بذلك بأسًا».
وهذا اللفظ ذكره أبو محمد من طريق النسائي، فأما الأول فإنما ذكره أبو داود، ومن طريقه ساقه في كتابه الكبير بإسناده.
فإذن نسبته إلى الدارقطني محذورة فاعلم ذلك.
(٢٥١) وذكرمن طريق الدارقطني، عن عمرة، عن عائشة قالت: «لما قدم جعفر من أرض الحبشة، خرج إليه رسول الله ﷺ فعانقه».
في إسناده أبو قتادة الحراني، وقد روي عنها من طريق أخرى، فيها محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: وكلاهما غير محفوظ، وهما ضعيفان.
هذا نص ما ذكر، وكذا رأيته في النسخ معزوًا إلى الدارقطني، ولا أعرفه
[ ٢ / ٢٥٢ ]
عنده في كتابيه، ولا أبت نفيه، فاجعله منك على ذكر لعلك تعثر عليه.
وإنما أعرفه عند أبي أحمد من طريقيه.
قال في باب أبي قتادة: عبد الله بن واقد الحراني: حدثنا الحسن بن أبي معشر، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة - أراه ذكره - عن عائشة ﵂ قالت: قدم جعفر، فخرج النبي ﷺ فالتزمه - أو قالت: فقبله -.
قال: وهذا الحديث من حديث الثوري عن يحيى، يرويه أبو قتادة، ويرويه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة.
وقال في باب محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: لما قدم جعفر وأصحابه - قال الصوفي - من أرض الحبشة - وقالا: «استقبله النبي ﷺ فقبل بين عينيه».
قال: ورواه أبو قتادة الحراني، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، فقال: عن عمرة، عن عائشة.
(٢٥٢) وذكر من طريق الترمذي عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة: سئل
[ ٢ / ٢٥٣ ]
رسول الله ﷺ عن قدور المجوس، فقال: «أنقوها غسلا، واطبخوا فيها».
ثم قال: هذا مشهور من طريق أبي ثعلبة، وقد ذكر هذا الحديث عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة، إلا أنه قال: يا رسول الله، إنا بأرض أهل الكتاب، كما تقدم لمسلم.
وقال: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء».
(٢٥٣) ورواه من طريق الحجاج - وهو ابن أرطاة - عن الوليد بن أبي مالك، عن عائذ الله - وهو أبو إدريس الخولاني - عن أبي ثعلبة، قال فيه: قلت: إنا أهل سفر، نمر باليهود، والنصارى، والمجوس، فلا نجد غير آنيتهم … الحديث.
كذا ذكر هذا الكلام بهذا النص، ورواية أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة، في كتاب الترمذي، كما ذكرها إسنادًا ومتنًا.
فأما رواية حجاج بن أرطاة، فإنها ليست في كتاب الترمذي، وكثيرًاما أجد في النسخ هذا الكلام هكذا:
وقد ذكر هذا الحديث عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، مركبًا لما لم يسم فاعله، ويأبى ذلك قوله بعده: وقد رواه من طريق الحجاج بن أرطاة.
وأيضًا فإنه في كتاب الترمذي كما أخبرتك فاعلمه.
(٢٥٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار»
[ ٢ / ٢٥٤ ]
هذا لا أعرفه عند أبي داود، وهو عند مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بقريب من هذا اللفظ.
(٢٥٥) وذكر من طريق مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه».
وهذا لم يذكره مسلم، وإنما هو عند الترمذي، ولم يقل: «بما آتاه» وقال فيه: حسن صحيح.
(٢٥٦) وذكر من طريق عبد الرزاق، أن النبي ﷺ «أمر أن مات سعد بن أبي وقاص من مرضه - يعني بمكة - أن يخرج من مكة، وأن يدفن في طريق المدينة».
ثم قال: ذكره البزار.
وليس هو عند البزار، إلا أن يكون من بعض أماليه.
وأما عند عبد الرزاق فهو مرسل.
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريح، قال أنبأني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع بن سرجس، أن سعد بن أبي وقاص، اشتكى خلاف النبي ﷺ بمكة، حين ذهب النبي ﷺ إلى الطائف، فلما رجع، قال النبي ﷺ لعمرو بن القاري: «يا عمرو، إن مات فها هنا، وأشار إلى طريق المدينة»
[ ٢ / ٢٥٥ ]
عبد الرزاق أيضًا عن ابن عيينة، أنبأني إسماعيل بن محمد، عن الأعرج، أن النبي ﷺ أمر السائب بن [عبد] القارئ فقال: «إن مات سعد فلا تدفنه بمكة».
فهذه كلها مراسل، وأبو محمد لم يبين ذلك، ولا ذكر من رواه.
والمقصود إنما كان أني لا أعرفه عند البزار فاعلم ذلك.
وقد اعتراه في حديث عكس ما نبهنا عليه فيما تقدم، وهو أن أنكر وجوده في موضع عمن عزاه إليه، وأخطأ في إنكاره إياه، وهو حديث:
(٢٥٧) «إذا كنت إمامًا فقس الناس بأضعفهم».
ساقه من طريق ابن حزم، قال: إنه أورده من عند البزار، وقال عن نفسه: إنه لم يره في مسند البزار، وإنما رأى: «إذا كنت إمامًا فاقدر القوم بأضعفهم».
والحديثان باللفظين عند البزار، وسنبين ذلك في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححًا لها إن شاء الله تعالى.
ومن هذا الباب أشياء - من غير الأحاديث -، ذكرها فلم أجدها كما ذكر،
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ولم نجدها أصلًا، ننبه عليها لتكون [منك] على ذكر.
(٢٥٨) منها أنه ذكر من طريق أبي أحمد، من رواية ابن نصير حديث: «لا ينفع مع الشرك شيء». ثم قال: حجاج ضعفه ابن معين والنسائي.
وقال فيه أبو حاتم، والبخاري، وابن المديني: متروك.
ولفظ البخاري فيه: سكتوا عنه.
وقال فيه ابن معين مرة: شيخ صدوق، ولكن أخذوا عليه أشياء من حديث شعبة.
وذكر له أبو أحمد أحاديث، هذا منها، وقال: لا أعلم له شيئًا منكرًا غير هذا، وهو في غير ما ذكرته صالح، وهو حجاج بن نصير الفساطيطي.
هذا نص كلامه، وهو يعطي خلاف مقصود أبي أحمد، وإنما أورد له أبو أحمد أحاديث على عادته في سوق الأحاديث التي ينكر على من يترجم باسمه، أو ما يتيسر له منها، فكان هذا الحديث من جملة ما أورد له.
ثم قال ولحجاج بن نصير أحاديث وروايات عن شيوخه، ولا أعلم له شيئا منكرًا غير ما ذكرت، وهو في غير ما ذكرته صالح
[ ٢ / ٢٥٧ ]
هذا نص كلام أبي أحمد، فكلام أبي محمد يخصص النكارة بالحديث المذكور، ويجعله فيما عداه صالحًا.
وكلام أبي أحمد يخصص النكارة بالأحاديث التي ذكر، اللاتي الحديث المذكور من جملتها، ويجعله في غيرها صالحًا، وليس لهذا التنبيه كبير موقع، وإنما كان انجر بأمر ذكرنا الحديث به ذكرًا بينًا في باب الأحاديث التي أعلها بقوم وترك أمثالهم، أو أضعف منهم، لم يعرض لها من أجلهم، فاعلم ذلك.
(٢٥٩) وذكر عن أبي عمر بن عبد البر أن مسروقًا لم يلق معاذًا، حكى ذلك في كتاب الزكاة.
وإنما يعرف لأبي عمر خلاف هذا في كتابيه التمهيد والاستذكار، نص فيهما على أن ذلك الحديث متصل.
وفد بينا هذا مشروحًا في باب الأحاديث التي ردها بالانقطاع وهي متصلة.
(٢٦٠) وذكر عنه أيضًا - إثر حديث ابن عمر وابن عباس، في إقطاع بلال بن الحارث معادن القبلية. جلسيها وغوريها - أنه قال فيه منقطع.
وهذا لا أعرفه له، بل له خلافه في التمهيد، وأما في الاستذكار فلم
[ ٢ / ٢٥٨ ]
يعرض لهذين الطريقين، وقد شرحنا هذا في الباب المذكور.
(٢٦١) وذكر من حديث جابر في صفة الحج قطعة، وهي: «فنزعوا له دلوًا فشرب منه».
ثم قال: الذي نزع له الدلو، هو العباس بن عبد المطلب، ذكره أبو علي ابن السكن.
هذا أيضًا لم أجده لأبي علي، لا في سننه ولا في كتاب الصحابة، فابحث عنه، ولم أبعده، ولكني أخبرتك أني لم أجده.
(٢٦٢) وذكر من طريق الترمذي، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده عمرو بن عوف، أن رسول الله ﷺ «كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة».
ثم قال: صحح البخاري هذا الحديث.
(٢٦٣) قال: وكذلك صحح حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في ذلك.
فأقول - وبالله التوفيق -: لم يصحح البخاري حديث كثير بن عبد الله
[ ٢ / ٢٥٩ ]
المذكور، والمنقول عنه في ذلك، هو ما ذكر الترمذي عنه في كتاب العلل، قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول.
وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب هو صحيح أيضًا.
هذا نص ما ذكر، وليس فيه تصحيح البخاري لواحد منهما.
وأما حديث كثير بن عبد الله، فإنما قال: ليس في الباب شيء أصح منه.
وليس هذا بنص في تصحيحه إياه، إذ قد يقول هذا لأشبه ما في الباب، وإن كان كله ضعيفًا.
فإن قيل: يؤكد مفهوم أبي محمد قوله: وبه أقول.
فالجواب أن تقول: هذا لا أدري هل هو كلام البخاري أو كلام الترمذي؟
وهو إذا كان كلام البخاري يكون معناه: وبه أقول وأفتي في صلاة العيدين، وإليه أذهب في عدد التكبير.
وإذا كان كلام الترمذي يكون معناه: وبه أقول، أي إن الحديث المذكور أشبه ما في الباب وأصحه.
فإنه قيل: قوله: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن
[ ٢ / ٢٦٠ ]
عمرو، عن أبيه، عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضًا يؤكد المفهوم الأول.
فالجواب أن تقول: وهذا أيضًا لعله من كلام الترمذي، فهو الذي عهد يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا روى عنه ثقة.
فإن قيل: وهذا الفرارعن ظاهر الكلام المذكور ما أوجبه؟
فالجواب أن تقول: أوجبه أن عبد الله بن عمرو، والد كثير هذا، لا تعرف حاله، ولا يعلم روى عنه غير ابنه كثير، وكثير عندهم متروك الحديث قاله النسائي.
وذكر الساجي، وأبو حاتم البستي، عن الشافعي أنه قال فيه: ركن من أركان الكذب.
وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: هو منكر الحديث، ليس بشيء.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، ليس يسوى شيئًا، وضرب على حديثه في المسند، ولم يحدث به.
وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه.
وكذلك روى عنه عثمان الدارمي، وروى عنه عباس: كثير ضعيف.
وقال فيه أبو زرعة: واهي الحديث.
وأورد له أبو أحمد أحاديث مما تنكر عليه
[ ٢ / ٢٦١ ]
منها حديث هذا الباب، ثم قال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وجده عمرو بن عوف صحابي، يروي عنه بهذا الإسناد أحاديث.
قال ابن السكن: فيها نظر.
وقال البزار: لم يرو عنه إلا ابنه.
وحين ذكر الترمذي هذا الحديث لم يصححه، واستبعد أيضًا على البخاري أن يصحح حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطرائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
فقد ضعف الطرائفي المذكور ناس:
منهم ابن معين، ولقد لقبوه الطرائفي لاستطرافهم طرائف يأتيهم بها، وقد أطلت مما ليس من الباب، لأبين أن قول البخاري: أصح شيء، ليس معناه صحيحًا، فاعلمه.
(٢٦٤) وذكر أيضًا من طريق الدارقطني حديث ابن عباس أن النبي ﷺ
[ ٢ / ٢٦٢ ]
قال: «موت الغريب شهادة».
ثم قال: ذكره في كتاب العلل من حديث ابن عمر وصححه
انتهى كلامه.
وينبغي أن نشرحه فقد رأيته مفسدًا في بعض النسخ، وذلك أن الدارقطني لم يجعل في كتاب العلل لابن عباس رسمًا، ولا ذكر من حديثه إلا ما عرض في باب غيره من الصحابة، إما لم يبلغه عمله وإما لم يتحصل عنده ما يضع في الكتاب المذكور، فهذا الحديث إنما عرض له ذكره في حديث ابن عمر هكذا:
قال: وسئل عن حديث يروى عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة».
فقال: يرويه عبد العزيز بن أبي رواد، واختلف عنه، فرواه هذيل بن الحكم، واختلف عنه، حدث به يوسف بن محمد العطار، عن محمود بن علي، عن هذيل بن الحكم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر.
والصحيح ما حدثناه إسماعيل الوراق، حدثنا حفص بن عمر وعمر بن شبة، قالا: حدثنا الهذيل بن الحكم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة» انتهى ما ذكر الدارقطني.
وليس فيه تصحيح للحديث، لا من رواية ابن عمر ولا من رواية ابن عباس، وإنما فيه تصحيحه عن هذيل بن الحكم ومن طريق ابن عباس، لا من طريق ابن عمر، وهو إذ قال: الصحيح عن هذيل بن الحكم أنه عنده عن
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ابن عباس لا عن ابن عمر، بمثابة ما لو قال: الصحيح عن ابن لهيعة، أو عن محمد بن سعيد المصلوب، أو عن الواقدي، فإن ذلك لا يقضي بصحة ما رووا، لكن ما روى عنهم.
وإنما سلك الدارقطني سبيل غيره من ذكر الخلاف على هذيل بن الحكم، وترجيح بعض ما روي عنه على بعض.
كذلك فعل أيضًا أبو أحمد بن عدي، فإنه ساق رواية ابن عباس من طريق جماعة، عن هذيل بن الحكم، عن عبد العزيز، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وساق رواية ابن عمر من طريق محمد بن صدران، عن الهذيل بن الحكم، عن عبد العزبز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر.
ثم صوب رواية الجماعة عن هذيل، على رواية ابن صدران، قال: ولا أدري من أخطأ في جعله عن نافع، عن ابن عمر.
قال: والهذيل بن الحكم يعرف بهذا الحديث.
ثم نقول - بعد هذا - إن الحديث المذكور لا يمكن أن يصححه لا الدارقطني ولا غيره، لأن أبا المنذر: هذيل بن الحكم هذا ضعيف.
قال فيه البخاري: منكر الحديث.
وهو القائل عن نفسه في كتابه الأوسط: «كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه»
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وقد جعله في جملة الضعفاء جماعة: أشهرهم أبو جعفر العقيلي، وزاد أنه لايقيم الحديث.
وقال أبو حاتم البستي في كتابه: هو منكر الحديث جدًا.
وإنما اعترى أبا محمد فيه أحد أمرين:
إما أن يكون لم يتثبت في كلام الدارقطني: «والصحيح ما حدثناه فلان»، فاعتقده تصحيحًا للحديث عن النبي ﷺ كما اعتقد في قول البخاري في الحديث الذي قبل هذا.
وإما أن يكون بحث بحثًا غير مستوفي، فوجد أبا محمد بن أبي حاتم، وهو ملجؤه دائبًا - قد ذكر هذا الرجل برواية من فوق ومن أسفل، وأهمله من الجرح والتعديل.
فحمل الأمر على ما عهد منه فيمن روى عنه أكثر من واحد ولم يجرح، أنه تقبل رواياته، فصحح الحديث كما فهم عن الدارقطني.
وأبو محمد بن أبي حاتم إنما هؤلاء عنده مجاهيل الأحوال، بذلك أخبر عن نفسه، فإذن هذا الحديث لا يصح ولا صححه الدارقطني.
(٢٦٥) وكذلك أيضًا روي من طريق أبي هريرة ولا يصح، ونرى أن
[ ٢ / ٢٦٥ ]
نذكره لنفرغ منه في موضع واحد.
قال العقيلي: حدثنا محمد بن جعفر بن برين حدثنا عبد الرحمن بن نافع، حدثنا أبو رجاء الخراساني: عبد الله بن الفضل، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «موت الغريب شهادة».
أبو رجاء منكر الحديث، قاله العقيلي.
قال: وفي هذا رواية من غير وجه، شبيه بهذا في الضعف، فاعلم ذلك والله الموفق.
(٢٦٦) وذكر من طريق الدارقطني حديث «لا يؤذن لكم من يدغم الهاء».
ثم قال: وقال: وهذا الحديث منكر، وإنما مر الأعمش برجل يؤذن يدغم الهاء، فقال: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء.
وعلي بن جميل ضعيف.
هذا نص ما أتبعه، وليس هذا من كلام الدارقطني كما ذكر، وإنما حكاه الدارقطني عن شيخه الذي رواه عنه، وهو أبو بكر: عبد الله بن أبي داود: سليمان بن الأشعث، فأما: وعلي بن جميل ضعيف [فكلام الدارقطني، ذكر الحديث المذكور في كتاب العلل]
[ ٢ / ٢٦٦ ]
(٢٦٧) وذكر حديث «لا تدخل الملائكة [بيتًا] فيه بول منقع»، من رواية أبي الدرداء.
ثم أتبعه كلامًا عن أبي أحمد مخرجه: وهو أن قال: كذا رواه أبو داود الطيالسي، عن قيس موقوفًا على أبي الدرداء.
ورواه شيخ مجهول عن قيس، ورفعه إلى النبي ﷺ.
هكذا ذكره، وأبو أحمد لم يقل هذا الكلام الذي هو: ورفعه شيخ مجهول عن قيس، وإنما حكاه عن يحيى بن صاعد فهو قائله.
(٢٦٨) وذكر زهير بن محمد راوي التسليمتين، وأن ابن معين ضعفه.
وهذا خطأ، وزهير إنما روى التسليمة الواحدة، وابن معين إنما وثقه.
وقد تقدم ذكر ذلك مستوعبًا
[ ٢ / ٢٦٧ ]