[ ٥ / ٧ ]
هذا الباب نذكر فيه أحاديث يتوهم من رآه ساكتًا عنها أنها عنده صحيحة، ويحتمل أن يكون - لما ذكر من أسانيدها ما ذكر - قد تبرأ من عهدها.
وقد كان ذلك منه في جملة أحاديث مر ذكرها في باب الأحاديث التي لم يبين عللها، ذكرها بقطع من أسانيدها، معتمدًا على ما قدم في أحد من رواتها، أو لأن من يذكر فيها مشهور بالضعف، فلم يتوهم - بسكوته عن إعلالها - تصحيحه إياها.
ومرت له أيضًا أحاديث ذكرها بقطع من أسانيدها، في باب ما أعل من الأحاديث برجال، وترك دونهم أو فوقهم من هو مثلهم أو أضعف منهم
\ فأما هذه التي نذكر الآن، فإن تصحيحه متوهم فيها، فنعتمد بيان أمرها - إن شاء ﷺ تعالى - وقد قلنا - ونقول الآن: إنه حين بين اصطلاحه فيما يسكت عنه، لم يفرق بين ما ذكر فيه الصحابي فقط، وبين ما ذكر فيه بعض رواته ممن دون الصحابة، بل ظاهر أمره أنه يحكم على الجميع [بالصحة، اللهم إلا ما تقدم] له التنبيه على أنه ضعيف أو مجهول، فإنه حينئذ - بعد إبرازه إياه - بمثابة قوله: في إسناده فلان، وعلى أنا قد وجدناه يذكر في بعض
[ ٥ / ٩ ]
الأحاديث من دون الصحابة ممن لا شك في ثقته
(٢٢٤٤) كما فعل في حديث قتل كعب بن الأشرف.
فإنه جاء به من عند مسلم، واقتطع إسناده من عند سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابرًا، وفي أحاديث قد مر ذكرها في باب النقص من الأسانيد.
وقد وجدناه يقول في بعض الأحاديث: في إسناده فلان، ويكون فلان المذكور ثقة لا نظر فيه
(٢٢٤٥) كما قد جرى له في مرسل الحسن في طلاق المريض، حين قال: في إسناده سهل بن أبي الصلت السراج.
وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال
(٢٢٤٦) وكما فعل في حديث: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا …»
[ ٥ / ١٠ ]
فإنه أتبعه أن قال: في إسناده شريك، عن عثمان بن أبي زرعة.
وهذا يوهم ضعفًا في عثمان بن أبي زرعة، وهو عثمان بن المغيرة، وما به ضعف، بل هو أحد الثقات.
ومقصود الباب يتبين بما يذكر فيه - إن شاء الله تعالى - بينًا شافيًا. ولم يخرجه ذكر القطع من أسانيد هذه الأحاديث من سوء الصنيع الذي بينا من عمله في أول الباب الذي فرغنا منه، وهو خلطه ما هو صحيح بما هو حسن أو سقيم، من غير تمييز بينهما، فإنه متى لم يذكر جميع إسناد الحديث، او ينبه على علته، فقد لبس وخلط ما هو صحيح بما ليس كذلك.
وجامع ذلك وضابطه أن من يرسل الأحاديث، ويطوي ذكر من اتصلت به، لا يخلو المطوي ذكره من أربع أحوال: أحدها: أن يكون ثقة عنده وعند غيره
والثانية: عكس هذه، أن يكون ضعيفًا عنده وعند غيره
والثالثة: أن يكون ثقة عنده، ضعيفًا عند غيره
والرابعة: عكس هذه، أن يكون ضعيفا عنده، ثقة عند غيره ففي الأول يجوز الإرسال بطي ذكره الثقة بخلاف، وإنما الخلاف في أنه يعمل به أم لا.
والثانية: لا يجوز له ذلك بلا خلاف، لأنه لما كان ضعيفًا عنده وعند الناس، لم يجز له طي ذكره، فإنه إذا فعل ذلك، ربما صادف من يعمل
[ ٥ / ١١ ]
بالمراسل فيأخذ به، والذي أرسله قد علم أنه ليس من الشرع.
والثالثة: وهي أن يقول: حدثني الثقة عندي، أو من أرضى، موضع نظر، فإنه إن قيل: يجوز له لأنه عنده ثقة كالأولى، احتمل أن يقال: لا يجوز له ذلك كالثانية، للمانع المذكور فيها، لأنا قد فرضناه ضعيفا عند الناس.
والرابعة كالثانية، لأنه ضعيف عنده وقد ينفرج فيها احتمال، وكل هذه مسائل فرعية، والحظ الأصولي منها إنما هو: هل يعمل بالمرسل أم لا؟
وتخلص من هذا أن الإرسال إنما يجوز إذا طوى الذي يرسل ذكر من هو عنده ثقة وهو عند غيره كذلك.
فأما الأخر الممتنعة فيشتد الأمر فيها إذا خلطت بالصحيح حتى يتوهم فيها أنها صحيحة كذلك، ولنرجع إلى ذكر مقصود الباب فنقول:
(٢٢٤٧) فمن ذلك أنه ذكر من طريق أبي محمد بن حزم، من طريق البزار، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كنت إمامًا فقس الناس بأضعفهم».
قال: والذي رأيت في المسند: «إذا كنت إمامًا فاقدر القوم بأضعفهم» انتهى ما أورد.
والمقصود منه لهذا الباب سكوته عنه، فلم يعله، وينجر الكلام على إنكاره على ابن حزم ما ساق منه
[ ٥ / ١٢ ]
وقوله: إنه إنما رأى في مسند البزار اللفظ الذي ذكر، لا لفظ «فقس» وسكت أيضًا عن هذا اللفظ الذي رأى، فجاء من ذلك أنه لم يعب شيئًا من الإسناد المذكور.
فنقول - وبالله [التوفيق -: اللفظ الذي أنكره أبو محمد، هو موجود عند البزار]، كما نقل ابن حزم حرفًا بحرف.
قال البزار: حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا أبو نعيم: الفضل بن دكين، حدثنا طلحة - يعني ابن عمرو -، عن عطاء - يعني بن أبي رباح -، عن أبي هريرة قال: قال له رسول الله ﷺ:
(٢٢٤٨) «يا أبا هريرة، رز غبًا تزدد حبًا»
[ ٥ / ١٣ ]
(٢٢٤٩) ثم قال: وبإسناده: «إن الله ﵎ أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم»
[ ٥ / ١٥ ]
(٢٢٥٠) ثم ساق بالإسناد نفسه: «إني لأسمع بكاء الصبي» الحديث.
ثم قال: وبإسناده قال: «إذا كنت إمامًا فقس الناس بأضعفهم، وإذا كنت إمام نفسك فأنت وذاك».
هكذا ساق جميع ما أوردناه، وقال بعد ذلك في طلحة بن عمرو: لم يكن بالحافظ
فخفي هذا كله على أبي محمد، عبد الحق، فوقع في شيئين: الإنكار على ابن حزم ما ساق من ذلك، وإيهام سلامة الإسناد بسكوته عنه، ولم يكن بينه وبين ما رأى إلا نحو من عشرين سطرًا، وذلك أن الذي رأى إنما وقع في المسند قبل هذا بذلك المقدار، وهو بغير هذا الإسناد، إنما هو هكذا: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الرحمن بن يونس، أبو مسلم، أخبرنا سفيان، عن ابن جريح، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كنت إمامًا فاقدر القوم بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم وذا الحاجة، وإذا صليت لنفسك فطول ما استطعت».
ولو كان قد تقدم له تضعيف طلحة بن عمرو، كنا نقول: سكت عنه بعد أن أبرزه، اعتمادًا على ما قدم فيه، ولولا أنه أوهم بقوله: «الذي رأيت في المسند كذا». أن ذلك بهذا الإسناد، كنا نقول: إنما لم يعلل الأول بأنه لم يسلم له وجوده، لكن إحالته بالذي رأى على الإسناد الأول، يوجب عليه التعريف
[ ٥ / ١٦ ]
بحال الإسناد [الأول وبيان حال طلحة بن عمرو
(٢٢٥١) وذكر من طريق] أبي داود عن الوليد بن زروان، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه. الحديث.
ثم قال: الوليد بن زروان، روى عنه حجاج، وجعفر بن برقان، وأبو المليح الرقي.
لم يزد على هذا، والوليد هذا مجهول الحال، ولا يعرف بغير هذا الحديث، وله إسناد جيد عن أنس، سنذكره به - إن شاء الله - في باب الأحاديث التي أوردها على أنها صحيحة، وليست كذلك من تلك الطرق، ولها طرق أحسن منها صحيحة أو حسنة
(٢٢٥٢) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن حصين بن قبيصة، عن
[ ٥ / ١٧ ]
علي، قال: «كنت رجلًا مذاء» الحديث.
وسكت عنه، إلا ما أبرزه من ذكر حصين بن قبيصة، وهو كوفي يروي عن علي، وابن مسعود، روى عنه الركين بن الربيع، والقاسم بن عبد الرحمن، ولا تعرف حاله.
وأعرض فيه عن عبيدة بن حميد الحذاء، فلم يعله به ولا بين كونه من روايته، وأصاب في ذلك، وإنما أخطأ حين ضعف [به] حديث ابن مسعود
(٢٢٥٣) «كانت صلاة رسول الله ﷺ في الشتاء كذا، وفي الصيف كذا»
في الوقوت.
وعلى تضعيفة الحديث من أجل عبيدة بن حميد، كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من روايته، وإذا لم يفعل فقد أخطأ أيضًا في هذا؛ فاعلمه
(٢٢٥٤) وذكر من طريقه أيضًا عن جميع بن عمير، عن عائشة:
[ ٥ / ١٨ ]
«كان النبي ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على جسده» الحديث.
وسكت عنه، إلا أنه أبرز من إسناده جميع بن عمير، وطوى ذكر راويه عنه، وهو صدقة بن سعيد الحنفي، والد المفضل بن صدقة، وهو علة الخبر
[قال البخاري: عنده عجائب
وقال فيه] الساجي: ليس بشيء
وقال ابن وضاح: ضعيف
وقال فيه أبو حاتم: شيخ
وبالجملة فلم تثبت عدالته، ولم يثبت فيه جرح مفسر
وإلى هذا فإن جميع بن عمير، وإن كان قد روى عنه جماعة، وقالوا: إنه صالح الحديث، فقد قال أبو حاتم: إنه من عتق الشيعة
وقال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه غيره عليه
وأحسن أحوال هذا الحديث، أن يقال فيه: حسن
[ ٥ / ١٩ ]
(٢٢٥٥) وذكر من طريقه أيضًا، من حديث آمنة بنت أبي الصلت، عن امرأة من غفار، أن النبي ﷺ «أمرها أن تجعل في الماء الذي غسلت به دم الحيض ملحًا».
هكذا أورده مختصرًا وسكت عنه، إلا أنه أبرز من إسناده آمنة بنت أبي الصلت، ولم يتقدم له فيها شيء، ولا يعرف له غير هذا، ولا هي مذكورة في غيره، وهو حديث مطول ساقه ابن إسحاق في سيره، ومن طريقه ساق أبو داود هذه القطعة المقتطعة منه، وزعم بعضهم أنها آمنة بنت الحكم، كان الحكم اسمًا لأبي الصلت، وأنها أم سليمان بن سحيم.
هذا قاله أبو الوليد بن الفرضي في كتابه، ولم تجعل بهذا كله في حد من يحتج بروايته.
وضبط اسمها: آمنة بألف مطولة، قبلها همزة مفتوحة، وميم مكسورة، بعدها نون، وكذلك وقع ذكرها في سير ابن إسحاق وفي كتاب أبي داود، وخالف في ضبط اسمها أبو بكر بن ثابت الخطيب، فقال في كتابه تلخيص المتشابه: باب الفرق بالتذكير والتأنيث مع الاتفاق في الحروف
[ ٥ / ٢٠ ]
فذكر في هذا الباب، أمية بن أبي الصلت الشاعر الثقفي الجاهلي، وأمية بنت أبي الصلت هذه، وأورد حديثها المذكور من عند ابن إسحاق، ثم من طريق الواقدي بزيادة أم علي بنت أبي الحكم في تفسير الإسناد بين سليمان بن سحيم، وأمية المذكورة، ثم جعله من روايتها عن النبي ﷺ و[لم يذكر المرأة التي من بني غفار، وبذلك تكون أمية المذكورة عند] الواقدي صحابية وشيء من هذا لم يثبت، ولو جهدت جهدك لم تجد فيها إلا ما قلناه من أنها مجهولة، وكذلك الغفارية المذكورة.
وليس ينبغي أن نقبل قولها عن نفسها: إنها صحابية، كما لا نقبل قول أحد عن نفسه: إنه ثقة، بل هذا أشد، لما فيه من ادعاء المزية فهذه زيادة علة أخرى لهذا الخبر.
وقد قدمنا ذكر ما اعترى أبا محمد فيما أورد من أحاديث رجال أو نساء غير مسمين عن النبي ﷺ في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة
(٢٢٥٦) وقد [رد] حديث الذيل من أجل أم ولد إبراهيم
[ ٥ / ٢١ ]
راويته
\ وهذه أخمل ذكرًا منها، وذلك الحديث أشهر من هذا، وهو من رواية مالك، وهذا من رواية ابن إسحاق، فاعلم ذلك
(٢٢٥٧) وذكر من طريق مالك حديث بسر بن محجن، عن أبيه: «إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت».
وسكت عنه، إلا أنه لم يقتصر على الصحابي، بل ذكر بسرًا ودونه، وبسر لا يعرف بغير رواية زيد بن أسلم عنه، ولا تعرف خاله.
وأظن أن أبا محمد، ممن يعتمد فيما يخرجه مالك في موطئه قوله لبشر بن عمر حين سأله عن رجل: لو كان ثقة لرأيته في كتبي.
وهذا لمن اعتمده غير معتمد، لوجوه.
منها: أن شموله لمن لعله قد غاب عن خاطره حين إطلاقه إياه غير معلوم.
ومنها: أن القول المذكور لا بد من تأويله، فإن ظاهره يعطي أن كل الثقات
[ ٥ / ٢٢ ]
في كتبه وهذا لا يصح، ولا بد من تخصيصه، فكم من ثقة من أهل المدينة لم يدخل له كتابًا.
ومنها: أنا لو سلمناه هكذا - واضعين أن كل ثقة فهو في كتابه - فإنه لم يكن يلزم منه أن يكون كل من هو في كتابه فهو ثقة، فإنه إذا فرض أن في كتابه الثقات والضعفاء [لم يناقض ذلك استيفاء جميع الثقات. أن كل من في كتابه ثقة]
فإذن بسر بن محجن، محتاج إلى ثبوت عدالته وحينئذ يحتج بروايته والله أعلم
(٢٢٥٨) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن الوليد بن عبد الله بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت الحارث، حديث إمامتها أهل دارها.
ثم قال: ورواه الوليد بن جميع، عن جدته، عن أم ورقة.
لم يزد على هذا، فلا أدري، أعتقد صحته أم تبرأ من عهدته، فذكر ما ذكر من إسناده، وإن كان لم يتقدم له فيه قول؟
وأستبعد عليه تصحيحه، فإن حال عبد الرحمن بن خلاد مجهولة، وهو كوفي، وجدة الوليد كذلك لا تعرف أصلًا، وكذا وقع أم ورقة بنت الحارث، وقد بينا صوابه في باب الأسماء المغيرة
(٢٢٥٩) وذكر من طريق وكيع، عن أسامة - هو ابن زيد - عن محمد بن
[ ٥ / ٢٣ ]
قيس، عن أمه، عن أم سلمة: في الجارية التي مرت بين يديه فقال: «هن أغلب».
ولم يقل فيه شيئًا، وأم محمد بن قيس لا تعرف البتة، فأما ابنها محمد، فإنني لا أعرف من هو من جماعة مسمين بهذا الاسم وفي هذه الطبقة، وقد ذكر الحديث، كما ذكره وكيع بن أبي شيبة، والظن بأبي محمد أنه لم يعرف هذا الإسناد، فلذلك تبرأ من عهدة الحديث بذكر جميعه، ولو عرفه اقتصر منه على أم سلمة، كغالب أمره فيما يذكره.
وإلى هذا فإن أسامة بن زيد الليثي مختلف فيه، فالحديث من أجله - لو سلم من غيره - لا يقال له: صحيح، وهو من أجل محمد بن قيس وأمه ضعيف، فاعلم ذلك
(٢٢٦٠) وذكر من طريق عبد الرزاق عن الثوري، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس …» الحديث.
وسكت عنه، ولكنه أبرز جميع إسناده، وليس ينبغي أن يتوهم صحته، وإن كان لم يقدم فيهم شيئا، فإن أبا إسحاق الهجري: إبراهيم بن مسلم
[ ٥ / ٢٤ ]
ضعيف، قال ابن معين: ليس حد [يثه بشيء، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث وأبو محمد] يضعفه
(٢٢٦١) وكذلك فعل في حديث: «ما عال من اقتصد».
من حديث ابن مسعود، ذكره أيضًا مبرزًا من إسناده أبا إسحاق المذكور، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ذكره ابن أبي شيبة
(٢٢٦٢) وذكر من طريق أبي داود حديث أبي حميد الساعدي، في صفة صلاة رسول الله ﷺ، من رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس أو عياش ابن سهل الساعدي.
وسكت عما أبرز من إسناده، وطوى دونهم ذكر عيسى بن عبد الله بن مالك الدار، وحاله مجهولة
[ ٥ / ٢٥ ]
(٢٢٦٣) وذكر من طريق أبي داود أيضًا من حديث زياد بن زيد، عن أبي جحيفة أن عليا ﵁ قال: «السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة».
ولم يتقدم له في زياد بن زيد قول، وهو لا يعرف، وليس بالأعسم
وحال هذا أيضًا مجهولة
[ ٥ / ٢٦ ]
وإلى ذلك فإن الراوي له عن زياد، هو عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ابن الحارث، أبو شيبة الواسطي.
قال فيه ابن حنبل وأبو حاتم: منكر الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء وقال البخاري: فيه نظر، وهو كوفي، وطوى أبو محمد ذكره، ولم يكن ذلك مما ينبغي له
(٢٢٦٤) وذكر من طريق الترمذي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك …» الحديث.
وأتبعه زيادة من عند أبي داود، ثم قال: هذا أشهر حديث في هذا الباب، على أنهم يرسلونه عن علي بن علي، عن أبي المتوكل، عن النبي ﷺ. انتهى ما أورد.
فالحديث عنده على هذا صحيح، والترمذي قد أتبعه عن أحمد أنه قال: لا يصح هذا الحديث، قال: وكان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقد وثقه ابن معين، ووكيع، وأبو زرعة، وقال ابن حنبل: ما به [بأس، إلا أنه رفع أحاديث.
وسكت عن جعفر بن سليمان، فلم يعله به] ولا أبرزه بالذكر. وهو
[ ٥ / ٢٧ ]
الذي نسب إليه أبو داود الوهم في هذا الحديث، وقال: إنهم يقولون: عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا، وكان جعفر يتشيع في علي، ويروي في فضائله أحاديث، وكان ابن معين يضعفه وغيره يوثقه، وقد تكرر لأبي محمد إعراضه عن جعفر ومسالمته له في جملة أحاديث هي من روايته:
(٢٢٦٥) من ذلك حديث: توقيت أربعين في الفطرة
(٢٢٦٦) وحديث: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة»
(٢٢٦٧) وحديث: التمطر. وقوله: «إنه حديث عهد بربه»
كلها من عند مسلم
[ ٥ / ٢٨ ]
(٢٢٦٨) وحديث: «يفطر على رطبات»
(٢٢٦٩) وحديث: «طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة»
وكلاهما من عند أبي داود
(٢٢٧٠) وحديث: «ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه» من عند الترمذي وصححه بتصحيحه
(٢٢٧١) وحديث أنس: «أن رجلا كان إذا أراد سفرًا قال: زودني»
وقال فيه: حسن، وذلك يناقض تصحيحه ما ذكرنا من أحاديثه، فإنه لا علة مانعة من تصحيحه إلا حال جعفر بن سليمان، فينبغي أن يقال: الأحاديث حسان كذلك.
وقد تقدم التنبيه على الوهم الذي في قوله: على أنهم يرسلونه عن علي ابن علي، عن أبي المتوكل، عن النبي ﷺ، وذكر الصواب فيه في باب الأحاديث [المنسوبة إلى غير رواتها] فاعلم ذلك
(٢٢٧٢) وذكر من طريق أبي داود، حديث جابر: في الصلاة في
[ ٥ / ٢٩ ]
القميص.
من رواية إسرائيل، عن أبي حرمل، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، ولم يتقدم له قول بكون هذه إحالة عليه.
ويحتمل أن يكون - بما أبرز من إسناده - تبرأ من عهدته، والأظهر أنه صححه، وليس ذلك بمنبغ، للجهل بحال أبي حرمل، أو أبي حومل هذا، فإنها لا تعرف، بل هو في نفسه غير معروف، ولم أر له ذكرًا في شيء من مظان وجوده، إلا ابن الجارود []
(٢٢٧٣) وذكر من طريق أبي داود، عن يحيى بن علي [بن يحيى] بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده عن رفاعة بن رافع، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «توضأ كما أمرك الله» الحديث.
وسكت عنه بعد ذكره هذه القطعة من إسناده، ولم يتقدم له ما يكون محيلًا عليه.
وموضع علة هذا الحديث، يحيى بن علي بن خلاد، فإنه لا تعرف له حال، وليس فيه مزيد على ما في الإسناد، فأما أبو علي فثقة، وجده يحيى بن خلاد، أخرج له البخاري
(٢٢٧٤) وذكر من طريق النسائي، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب
[ ٥ / ٣٠ ]
أبي روح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه صلى صلاة الصبح، فقرأ الروم والتبس عليه. الحديث.
ثم أتبعه أن قال: قال ابو محمد بن أبي حاتم: [روح] أبو شبيب شامي، ويقال: شبيب بن نعيم الوحاظي الحمصي، روى عن أبي هريرة، وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ، يقال له: الأغر، روى عنه سنان بن قيس، وحريز بن عثمان، وعبد الملك بن عمير، وجابر بن غانم. انتهى كلامه.
وفيه شيئان: أحدهما قد فرغنا من ذكره وذكر الصواب فيه في باب الأسماء المغيرة، وهو قوله: روح أبو شبيب.
والثاني: وهو مقصود هذا الباب، وهو سكوته عنه، واعتماده تعدد الرواة عن شبيب المذكور، وهو رجل لا تعرف له حال، وغاية ما رفع به من قدره أنه روى عنه شعبة، وعبد الملك بن عمير.
قال ابن الجارود، عن محمد بن يحيى الذهلي: هذا شعبة، وعبد الملك بن عمير في جلالتهما يرويان عن شبيب أبي روح، وروى عنه أيضًا حريز بن عثمان.
هذا كله غير كاف في المبتغى من عدالته فاعلمه
[ ٥ / ٣١ ]
(٢٢٧٥) وذكر من طريق أبي داود عن سليمان التيمي، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأوا أنه [قد «قرأ تنزيل السجدة».
وسكت عنه، وأبرز من إسناده أمية، ولم يحل به] على متقدم من القول، وليس ينبغي أن يظن بهذا الحديث الصحة على ما به من الجهل بحال أمية راوية، ولا أعلم أحدًا ممن صنف في الرجال ذكره، وقد روى أبو عيسى الرملي عن أبي داود أنه قال - إثر هذا الحديث _: أمية هذا لا يعرف.
وقد ذكر الطحاوي هذا الحديث من رواية يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، بغير توسط أمية المذكور بينهما، قال: ولم أسمعه منه
فالحديث إذن ضعيف. فاعلمه
(٢٢٧٦) وذكر من كتاب شريعة المقارئ، لأبي بكر بن أبي داود، قال: حدثنا عمي، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن أبان، عن سعيد بن
[ ٥ / ٣٢ ]
جبير، عن ابن عباس قال: غدوت على رسول الله ﷺ يوم جمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة من المئين في الركعة الأولى فيها سجدة فسجد، ثم غدوت عليه من الغد. الحديث.
هكذا ذكره بإسناده، فلا أدري أحسن ظنه به فصححه، أم تبرأ من عهدته بذكر الإسناد؟ فأما أن يكون أحال على قول متقدم فيه فلا.
وأبان هذا، إن كان ابن أبي عياش فهو متروك، والظن غالب بأنه هو، فإنه معروف برواية حماد بن سلمة عنه.
وحماد المذكور، هو - بلا شك - ابن سلمة، وحجاج هو ابن منهال، صاحبه وراوي مصنفه عنه، إن لم يكن ابن أبي عياش فإنه مجهول.
وعم أبي بكر بن أبي داود: أخو أبي داود، سليمان بن الأشعث صاحب كتاب السنن - لا أعرف حاله.
وأبو بكر بن أبي داود كثيرًا ما يروي عنه في كتابه المذكور، فيقول: حدثنا عمي، كما يقول: حدثنا أبي.
وقد تكرر من أبي محمد قبول روايات لأبي بكر بن أبي داود، لم يعرض لها من أجله، منها هذا الحديث
(٢٢٧٧) ومنها حديث ذكره في الجنائز من طريق أبي عمر بن عبد البر،
[ ٥ / ٣٣ ]
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ[صلى على جنازة، فكبر عليها أربعًا، ثم أتى القبر من قبل] رأسه، فحثا فيه ثلاثًا. الحديث.
وسكت عنه مصححًا له، وأبو عمر إنما هو عنده، من طريق أبي بكر بن أبي داود.
قال أبو عمر: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن صالح المقرئي، حدثنا أبو بكر بن أبي داود السجستاني، حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الخلال، حدثني يحيى بن صالح، حدثنا سلمة بن كلثوم، حدثنا الأوزاعي، أخبرني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
ثم قال: قال أبو بكر بن أبي داود: ليس يروي عن النبي ﷺ من وجه ثابت أنه كبر على جنازة أربعا إلا هذا، ولم يروه إلا سلمة بن كلثوم، وهو ثقة، من كبار أصحاب الأوزاعي
(٢٢٧٨) وإنما يروى عن النبي ﷺ من وجه ثابت أنه كبر على قبر
[ ٥ / ٣٤ ]
أربعًا، وأما على جنازة هكذا فلا، إلا حديث سلمة بن كلثوم هذا، انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق - إن أبا بكر: عبد الله بن أبي داود، أحد الأئمة، ممن جمع العلم والزهد والفضل، كان يحفظ ويفهم.
قال الخطيب أبو بكر بن ثابت: رحل به أبوه من سجستان، فطوف به شرقًا وغربًا، وسمعه من علماء ذلك الوقت، فسمع بخراسان، والجبال، وأصبهان، وفارس، والبصرة، وبغداد، والكوفة، والمدينة، والشام، ومصر، والجزيرة، والثغور، واستوطن بغداد، وصنف المسند، والسنن، والقراءات، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، وكان فهما عالمًا، وذكر ممن روى عنه من أشياخ أبيه أبي داود جماعة، نحو خمسة وعشرين، قال: وخلق كثير من أمثالهم، فأما من أخذ عنه فما لا يحصى، بعد أن عد منهم جماعة، وأورد من أخباره كثيرًا مما ليس مقصودًا الآن، وهو في موضعه من تاريخه لمن أراد الوقوف عليه.
وحكى عن محمد بن عبيد الله بن الفتح أنه لما مات صلى عليه زهاء ثلاث مائة [ألف إنسان وأكثر، وصلى عليه في أربعة مواضع، وأخرج صلاة الغـ[ـد] اة ودفن بعد صلاة الظهر، ومات وهو ابن سبع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة البستان وكان موته يوم الأحد، لثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة، وحكي عن ابنه عبد الأعلى بن عبد الله ابن أبي داود أنه قال: صلي عليه ثمانين مرة، حتى أنفذ المقتدر من خلص جنازته فدفنوه
[ ٥ / ٣٥ ]
وذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عنه فقال: ثقة، إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث.
وحكى عن أبي حامد بن أسد قال: ما رأيت مثله في العلم، قال: وذكر كلامًا كثيرًا ما ضبطته، ثم قال: إلا إبراهيم الحربي، وقال: ما رأيت بعد الحربي مثله.
وحكى عن أبي الفضل صالح بن أحمد الحافظ أنه قال: أبو بكر: عبد الله ابن سليمان إمام العراق، وعلم في الأمصار ومن نصب له السلطان المنبر، فحدث عليه لفضله ومعرفته.
وإلى هذا من أمثاله في مدحه، والثناء الجميل عليه، فإن أبا أحمد بن عدي قال في كتابه الكامل - بعد أن ذكره - كلامًا معناه:
لولا أني شرطت في أول هذا الكتاب أن أذكر كل من تكلم فيه متكلم ما ذكرته، ثم أورد: سمعت علي بن عبد الله الداهري يقول: سمعت أحمد ابن محمد بن عمرو بن كركرة يقول: سمعت علي بن الحسين بن الجنيد يقول: سمعت أبا داود السجستاني يقول: ابني عبد الله هذا كذاب.
وكان ابن صاعد يقول: كفانا ما قال أبوه فيه
[ ٥ / ٣٦ ]
سمعت موسى بن القاسم بن موسى بن الحسن الأشيب. قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت إبراهيم بن الأصبهاني [يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب، قال ابن عدي: وابن أبي داود قد تكلم فيه أبوه وإبراهيم الأصبهاني]، ونسب في الابتداء إلى النصب، ونفاه ابن فرات من بغداد إلى واسط، ورده علي بن عيسى، وحدث وأظهر فضائل [علي]، ثم تحنبل فصار شيخا فيهم، وهو معروف بالطلب، وعامة ما كتب مع أبيه، ودخل مصر، والشام، والعراق، وخراسان، وهو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه [فيه فلا أدري] إيش تبين له منه. انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن الحديث من روايته مختلف فيه من أجله، فهو حسن، فاعلم ذلك
(٢٢٧٩) وذكر من طريق أبي داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل
[ ٥ / ٣٧ ]
وأحمد بن محمد بن ثابت المروزي، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك الغزال، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ - قال ابن حنبل: - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه». وقال أحمد بن محمد بن ثابت: «نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة».
وقال ابن رافع: «نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يديه».
وذكره في باب الرفع من السجدة
[ ٥ / ٣٨ ]
وقال ابن عبد الملك: نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة
كذا ذكره، ولم يبين من أمر شيخ أبي داود هذا، الذي هو محمد بن عبد الملك الغزال شيئًا، وهو رجل مجهول الحال، لم أجد له ذكرًا.
وقد خالفه الثلاثة المذكورون، وهم الثقات الحفاظ.
ورواياتهم المذكورة وإن اختلفت ألفاظها، تجتمع على معنى واحد، وهو المفسر في رواية ابن حنبل منهم، وهو النهي عن الاعتماد على اليد في حال الجلوس.
فأما رواية محمد بن عبد الملك هذا، فمقتضاها النهي عن الاستعانة باليدين في حين النهوض، وذلك شيء لا يحتمل من مثله، فإن حاله لا تعرف ولو لم يخالفه غيره.
فإن قيل: فإن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة؟
قيل: هذا لم نجده عنه نصًا، وإنما وجدناه عنه توقيًا في الأخذ. يوهم ذلك، مثل ما ذكر أبو أحمد عنه من امتناعه عن الرواية عن أبي الأشعث: أحمد بن المقدام العجلي شيخ البخاري، لما احتال بحيلة، كان فيها قطع جلوس المجان الذين كانوا يعبثون بالمارة، بأن يصروا صرر الدراهم، ويبثوها في الطريق فإذا تطأطا لها أحد [صاحوا: ضعها، ليخجل الرجل، فعلم أبو الأشعث المارة بالبصرة أن يتخذوا صرر] الزجاج فإذا
[ ٥ / ٣٩ ]
صاحوا بكم، وضعتم صرر الزجاج بدلًا من صررهم.
فامتنع أبو داود من الرواية عنه لما كان من تسامحه في ذلك، فعد هذا منه غاية في انتقاء الرجال، والتوقي في الأخذ، وهذا غير كافي في المقصود، ولعلنا نعثر بعد - من أمر محمد بن عبد الملك هذا، على مزيد إن شاء الله تعالى
(٢٢٨٠) وذكر من طريق النسائي عن كثير بن قاروندا عن سالم، أن ابن عمر جمع ثم قال: قال رسول الله ﷺ «إذا حفز أحدكم الأمر الذي يخاف فليصل هذه الصلاة».
ولم يقل بإثره شيئًا، ويمكن أن يكون ذكره ما ذكر من إسناده تبريًا من
[ ٥ / ٤٠ ]
عهدته، وإن كان لم يحل بذلك على ذكر متقدم في كثير بن قاروندا المذكور، وهو ممن لا تعرف حاله، وإن كان قد روى عنه جماعة:
منهم يزيد بن زريع، والنضر بن شميل، وروح بن عبادة، وعلي بن عبد العزيز.
وإلى هذا فإن الحديث المذكور منكر، من حيث علم من رواية ابن عمر أن النبي ﷺ جمع فقط، فأما هذا اللفظ الذي قال بعده، فلا يعرف إلا من رواية كثير هذا
(٢٢٨١) وذكر من طريق النسائي أيضًا، عن إسرائيل، عن عيسى بن أبي عزة، عن عامر، عن أبي ثور الأزدي، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ «أمر بالركعتين قبل صلاة الفجر».
هكذا أورده بقطعة من إسناده، ولم يتقدم له فيها قول، ولا تلا هذا الحديث منه.
وأبو ثور هذا لا يعرف له حال ولا اسم ولا أعلم من أمره إلا أن البخاري ذكره في الكنى المجردة من تاريخه، وهو جزء، ولم يقع إلينا في نسخ التاريخ.
وذكر أبو محمد بن الجارود في كناه أن البخاري ذكر ثلاثة فجعلهم واحدًا
[ ٥ / ٤١ ]
ونص ما ذكر عن البخاري هو هذا:
أبو ثور الحداني، روى عنه أبو [البختري. قال: أبو ثور الحداني، سمع حديفة، وأبا] مسعود أبو ثور الأزدي عن أبي هريرة، روى إسرائيل عن عيسى بن أبي عزة، عن عامر - هو الشعبي - عنه.
فذكر حبيب بن أبي مليكة فقال: هو أبو ثور الحداني، روى عنه أبو البختري، والشعبي، قال أبو محمد بن الجارود، فكأنه جعل هؤلاء الثلاثة واحدًا، انتهى قوله.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن حبيب بن أبي مليكة معروف، قال فيه أبو زرعة: ثقة، فأما الآخران - أعني أبا ثور الحداني، وأبا ثور الأزدي - فمجهولان.
وقد ذكر أبو محمد بن أبي حاتم أبا ثور عن أبي هريرة: في أذان بلال، روى عنه الشعبي، فيشبه أن يكون هذا الأزدي الذي في إسناد الحديث المذكور.
وذكر أيضًا أبا ثور الحداني برواية أبي البختري عنه، ولم يذكر فيهما شيئًا، فهما عنده مجهولا الحال، فاعلم ذلك
(٢٢٨٢) وذكر من طريق أبي داود عن أبي زيادة: عبيد الله بن زيادة
[ ٥ / ٤٢ ]
الكندي، عن بلال، قال [قال رسول الله ﷺ]: «لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما، وأحسنتهما، وأجملتهما - يعني ركعتي الفجر -».
هكذا ذكره بهذه القطعة من الإسناد، غير محيل بها على ذكر متقدم، ولعله تبرأ بذكرها من عهدته، فإن أبا زيادة هذا لا تعرف حاله.
وإن كان قد روى عنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الله بن العلاء ابن زبر
(٢٢٨٣) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن مكحول، عن أبي عائشة جليس لأبي هريرة، أن سعيد بن العاصي، سأل أبا موسى، وحذيفة: «كيف
[ ٥ / ٤٣ ]
كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟» الحديث.
ولم يزد على ذكر هذه القطعة من إسناده. وأبو عائشة هذا لا تعرف حاله، ولما ذكر أبو محمد بن حزم هذا الحديث، قال في أبي عائشة هذا: إنه مجهول، وهو كما قال.
ولما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الكنى المجردة من كتاب الاستغناء، لم يزد على ما أخذ من هذا [الإسناد من روايته عن أبي هريرة، ورواية خالد بن معدان، ومكحول عنه …]. فاعلمه
(٢٢٨٤) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ «أن ركبًا شهدوا أنهم رأوا الهلال» الحديث
[ ٥ / ٤٤ ]
وسكت عنه، وأراه صححه، واعتقد في أبي عمير ما اعتقد فيه ابن حزم، فإنه قال: إنه سند صحيح، وكذلك أبو بكر بن المنذر قال: إنه حديث ثابت يجب العمل به.
وعندي أنه حديث ينبغي أن ينظر فيه، ولا يقبل إلا أن تثبت عدالة أبي عمير، فإنه لا يعلم له كبير شيء، إنما هي حديثان أو ثلاثة، لم يروها عنه غير أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية، ولا أعرف أحدًا عرف من حاله بما يوجب قبول روايته، ولا هو ممن يعلم أن أكثر من واحد روى عنه، فيصير من جملة المساتير المختلف في ابتغاء مزيد على ما تقرر من إسلامهم برواية أهل العلم عنهم.
وقد رأيت البارودي ذكر حديثه هذا في كتابه في الصحابة له، فأسماه في نفس الإسناد عبد الله، وذلك لا يفيد في المقصود من معرفة حالة شيئًا. فاعلمه
(٢٢٨٥) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن إسحاق بن سالم، مولى بنى نوفل، قال: حدثني بكر بن مبشر الأنصاري أنه قال: «كنت أغدو مع رسول الله ﷺ إلى المصلى يوم الفطر ويوم الأضحى» الحديث
[ ٥ / ٤٥ ]
ثم أتبعه أن قال: قال أبو داود: يروى هذا الحديث عن أبي هريرة، وغيره.
كذا سكت عنه، بعد ذكره هذه القطعة من إسناده، وما أراه إلا قد حسن ظنه أيضًا به، فقد رأيت أبا علي بن السكن في كتابه في الصحابة لما ذكر مبشر ابن جبر الأنصاري هذا قال فيه: مدني، روي عنه حديث واحد بإسناد صالح.
ثم أورده من رواية إسحاق بن سالم المذكور، ثم قال: ليس لبكر بن مبشر رواية صحيحة إلا من هذا الوجه.
هذا ما ذكر، وعندي أنه لا يصح، فإن إسحاق بن سالم هذا لا يعرف بشيء من العلم إلا هذا، ولا روى عنه غير أنيس بن أبي يحيى، روى عنه [هذا الحديث المذكور، ثم إن بكر بن مبشر لا تعرف صحبته من] غير هذا الحديث، فاعلم ذلك
(٢٢٨٦) وذكر من طريق الدارقطني: حدثنا ابن أبي داود، قال:
[ ٥ / ٤٦ ]
حدثنا سهل بن سليمان النيلي، حدثنا ثابت بن محمد، أبو إسماعيل الزاهد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ «صلى في كسوف الشمس والقمر ثماني ركعات في أربع سجدات».
هكذا أورده بإسناده، وقد يظن به أنه صححه بسكوته عنه، غير محيل على ذكر متقدم
وموضع النظر من هذا الإسناد ثلاثة رجال.
أحدهم: ثابت بن محمد الزاهد، وهو معروف صدوق، روى عنه الرازيان وغيرهما.
والآخر: سهل بن سليمان النيلي، ولم أجد له ذكرًا، ولا أعرفه بغير هذا والثالث: ابن أبي داود، وقد تقدم ذكره الآن
[ ٥ / ٤٧ ]
(٢٢٨٧) وذكر أيضًا متصلًا به أن قال: وروى الصلاة في كسوف القمر أيضًا: موسى بن أعين، عن محمد بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ: «كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات، يقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت، أو الروم وفي الثانية بيس».
هكذا ساقه ولم يعزه إلى مخرجه، واقتصر على هذه القطعة من إسناده وهي قطعة سليمة، وإنما الشأن فيما بين الدارقطني مخرج الحديث المذكور، وبين موسى بن أعين.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا أحمد بن سعد ابن إبراهيم الزهري، حدثنا سعيد بن حفص، خال النفيلي، حدثنا موسى بن أعين، فذكره.
سعيد بن حفص، خال النفيلي، لا أعرف حاله، ولا أبعد أن يكون أبو محمد علمها، والرجل ليس له من الرواية ما تعلم به حاله، ولا ذكر في مظان وجوده من كتب الرجال، خلا أن هذا الأندلسي مسلمة بن القاسم ذكره فقال: إنه حراني، يكنى أبا عمرو، روى عنه بقي بن مخلد.
وهذا غير كاف [في إثبات عدالته، فهو من جملة المساتير المختلف فيهم، ولعل أبا محمد] يكون قد وقف له على إسناد آخر إلى موسى بن أعين،
[ ٥ / ٤٨ ]
من غير رواية سعيد بن حفص المذكور، فإني لا أبت أنه إنما عني طريقه، وذلك أنه لم يعزه إلى الدارقطني، فلعله رآه عند غيره.
فأما أبو بكر النيسابوري فلا يسأل عن مثله، وكذلك أحمد بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فإنه أحد الفضلاء، العلماء، الزهاد، ثقة رضًا، قد أطنب أبو بكر بن ثابت في ذكره، فاعلم ذلك
(٢٢٨٨) وذكر من طريق أبي داود عن أبي عثمان - وليس النهدي -، عن أبيه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا يس على موتاكم».
كذا أورده مقتطعًا هذه القطعة من إسناده، ولم يعرض له بأكثر من ذلك، وهو لا يصح، لأن أبا عثمان هذا لا يعرف، ولا روى عنه غير سليمان
[ ٥ / ٤٩ ]
التيمي، وإذا لم يكن هو معروفًا، فأبوه أبعد من أن يعرف، وهو إنما روى عنه
(٢٢٨٩) وذكر من طريق أبي داود عن عامر الشعبي عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغالوا في الكفن» الحديث.
ثم قال الشعبي رأى علي بن أبي طالب.
لم يزد على هذا، وهو حديث لا ينبغي أن يقال فيه: صحيح، بل حسن، لأنه من رواية عمرو بن هاشم أبي مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي.
وعمرو بن هاشم - وإن كان قد وثقه ابن معين وغيره - فإن البخاري قال: فيه نظر عن ابن إسحاق.
وضعف مسلم مطلقًا.
وقال ابن حنبل: هو صدوق، ولكنه لم يكن صاحب حديث.
وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث، يكتب حديثه.
وقال أبو حاتم البستي: إنه يقلب الأسانيد
فأما الفصل الذي اعتنى به أبو محمد من قوله: إن الشعبي رأى عليًا، فإنه
[ ٥ / ٥٠ ]
موضع نظر، وقد قيل للدارقطني: سمع الشعبي من علي؟ قال: سمع منه حرفًا، ما سمع غير هذا. ذكر هذا في كتاب العلل، وحديثه عنه قليل [معنعن، فمن ذلك حديثه عنه مرفوعًا: لا تغالوا في الكفن
(٢٢٩٠) وحديثه: «كان أبو بكر] أواهًا منيبًا، وعمر ناصح الله فنصحه»
(٢٢٩١) وحديثه في رجم المحصنة، وقوله فيها: «جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ».
وذكر الدارقطني اختلافهم في هذا الحديث، فمنهم من يدخل بينه وبين علي عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسنة محتملة لإدراك علي، فإن عليًا ﵁ قتل سنة أربعين، والشعبي - إن صح أن عمره كان إذ مات اثنين وثمانين سنة، وموته سنة أربع ومائة، كما قال مجالد - فقد كان مولده سنة اثنين وعشرين، فيكون إذ قتل علي ابن ثمانية عشر عامًا، وإن كان موته، سنة خمس ومائة، أو سنة ثلاث ومائة - وكل ذلك قد قيل - فقد زاد عام أو نقص عام.
وإن صح أن سنه كانت يوم مات سبعًا وسبعين - كما قد قيل فيه أيضًا -
[ ٥ / ٥١ ]
نقص من ذلك خمسة أعوام، فيكون ابن اثنتي عشرة سنة.
وإن صح أنه مات ابن سبعين سنة كما قال أبو داود، فقد صغرت سنة عن سن من يتحمل.
فعلى هذا يكون سماعه من علي مختلفًا فيه، فاعلم ذلك
(٢٢٩٢) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له: داود، قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبي ﷺ عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ عند وفاتها» الحديث.
وسكت عنه إلا بما أبرز من إسناده، وهو حديث يرويه ابن إسحاق، قال: حدثنا نوح بن حكيم الثقفي - وكان قارئًا للقرآن - عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له: داود، قد ولدته أم حبيبة، فذكره.
وابن إسحاق: إنما يقال لما يرويه: حسن، إذا لم يكن لما يرويه علة غيره.
فأما هذا فإن نوح بن حكيم، رجل مجهول الحال، ولم تثبت عدالته [ولا يعرف بغير رواية ابن إسحاق عنه، وروايته عن رجل يقال له: داود، وقد ذكره ابن أبي] حاتم فلم يزد فيما ذكره به على ما أخذ من هذا الإسناد
[ ٥ / ٥٢ ]
وأما هذا الرجل الثقفي الذي يقال له: داود من بني عروة بن مسعود، وقد ولدته أم حبيبه، فنحدس فيه حدسًا لا يقطع النزاع، ولا يدخله في باب من يقبل حديثه، وذلك أن هناك داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو رجل معروف يروي عن عثمان بن أبي العاصي، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، روى عنه عبد الله بن عثمان بن خيثم، ويزيد بن أبي زياد، وابن جريح، ويعقوب بن عطاء، وقيس بن سعد، وهو مكي ثقة، قاله أبو زرعة الرازي.
ولا نجزم القول بأنه هو، وموجب التوقف في ذلك هو أنه وصف الذي في الإسناد بأنه قد ولدته أم حبيبة وأم حبيبة ﵂ إنما كانت لها بنت واحدة قدمت بها من أرض الحبشة، كانت ولدتها بها من زوجها - كان - عبيد الله بن جحش [بن] رئاب المفتتن بدين النصرانية، المتوفى هناك عنها.
واسم هذه البنت حبيبة، فلو كان زوج حبيبة هذه أبو عاصم بن عروة بن مسعود، أمكن أن يقال: إن داود المذكور ابنه منها، فهو حفيد لأم حبيبة، وهذا لا نقل به، ولا تحقق له، بل المنقول خلافه، وهو أن زوج حبيبة هذه، هو داود بن عروة بن مسعود، كذا قال أبو علي بن السكن وغيره.
فداود الذي لأم حبيبة عليه ولادة ليس داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود، إذ ليس أبو عاصم زوجًا لحبيبة، ولا هو بداود بن عروة بن مسعود، الذي هو زوج حبيبة، فإنه لا ولادة لأم حبيبة عليه، فالله أعلم من هو
[ ٥ / ٥٣ ]
فالحديث من أجله ضعيف، فاعلمه
(٢٢٩٣) وذكر من طريق النسائي، عن أبي الحسن، مولى أم قيس بنت محصن قالت: «توفي ابني فجزعت عليه» الحديث.
وأبو الحسن مولى أم قيس المذكور لا تعرف عدالته ولا من هو من رواة الحديث وهو] لا يعرف بغير هذا، ولا ذكر إلا برواية يزيد بن أبي حبيب عنه
(٢٢٩٤) وذكر من طريق أبي داود، عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر حديث: «الغصن من الذهب الذي دلهم النبي ﷺ عليه في قبر أبي رغال».
ولم يتقدم له ذكر لبجير هذا.
والحديث من أجله لا يصح، فإن حاله مجهولة، ولا يعرف له راو عنه إلا إسماعيل بن أمية.
ولما ذكر الدارقطني في كتابه في المؤتلف والمختلف بجيرًا بروايته هذه عن
[ ٥ / ٥٤ ]
عبد الله بن عمرو، ورواية إسماعيل بن أمية عنه لها، أتبعه عن عباس الدوري، عن ابن معين أنه قال: لم أسمع أحدًا حدث عنه غير إسماعيل بن أمية
ولم يعرف ابن أبي حاتم حاله.
وإلى ذلك فإن الحديث المذكور، إنما يرويه عن إسماعيل بن أمية ابن إسحاق، فاعلمه
(٢٢٩٥) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث ابن جريح عن عمران ابن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر حديث: «وفي البز صدقته».
هكذا بالزاي، ولم يقض عليه بشيء، غير أنه قال: كذلك في حديث موسى بن عبيدة، عن عمران بن أبي أنس بهذا الإسناد.
فاعلم أن هذا الحديث لا يصح، لأنه لا يعرف إلا بموسى بن عبيدة - وهو ضعيف - عن عمران بن أبي أنس.
فأما رواية ابن جريح، عن عمران بن أبي أنس، فلا تصح إلى ابن جريح
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا جعفر بن محمد
[ ٥ / ٥٥ ]
ابن الحجاج الرقي، قال: حدثنا عبد الله بن معاوية، قال: حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريح، فذكره.
وعبد الله بن معاوية هذا، لا تعرف حاله.
فإن قيل: فقد رواه عن محمد بن بكر غيره، وهو يحيى بن موسى البلخي، المعروف بخت وهو ثقة.
فالجواب أنا إنما واخذناه فيما ساق من عند الدارقطني، والدارقطني لم يسقه عن ابن جريج إلا من [طريق عبد الله بن معاوية عن محمد بن بكر
هذا وإن لرواية ابن جريح عن عمران]، ولو صحت من طريق يحيى بن موسى - شأنا آخر، وهو الانقطاع.
قال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريح، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري، عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته».
ثم قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس.
وقد تقدم التنبيه على هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة
[ ٥ / ٥٦ ]
(٢٢٩٦) وذكر من طريق أبي داود، عن حماد، عن أيوب، عن ديسم - رجل من بني سدوس - عن بشير بن الخصاصية [قال: قلنا]: «أن أهل الصدقة يعتدون علينا» الحديث.
وسكت عنه.
وديسم هذا ليس فيه مزيد على ما في الإسناد، ولا يعرف بغير ذلك
(٢٢٩٧) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك «أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله» الحديث.
ثم قال: أبو بكر الحنفي، اسمه عبد الله، ولم أجد أحدًا ينسبه، وذكر الترمذي طرفًا من هذا الحديث، وقال فيه: حسن.
فأقول: ظاهر أمره أنه صحح هذا الحديث، وهو لا يصح، فإن عبد الله الحنفي لا أعرف أحدًا نقل عدالته، فهي لم تثبت.
وإن كان لم يذهب إلى تصحيحه، فقد بقي عليه تبين العلة المانعة من صحته، فيكون من باب الأحاديث التي لم يبين عللها.
فاعلم أن ذلك ما ذكرناه من الجهل بحال الحنفي المذكور.
وقال فيه الترمذي: حسن، باعتبار اختلافهم في قبول روايات المساتير، والحنفي المذكور منهم، وقد روت عنه جماعة ليسوا من [مشاهير أهل العلم،
[ ٥ / ٥٧ ]
وهم: عبد الرحمن بن شميط، وعبيد الله بن شميط]، والأخضر ابن عجلان عمهما
والأخضر وابن أخيه عبيد الله ثقتان، فأما عبد الرحمن بن شميط فلا تعرف حاله.
وأما قول أبي محمد: إن الترمذي ساق طرفًا منه، وقال فيه: حسن، فإنه فعل ذلك، ولكن على ما نبينه، وذلك أنه ذكر في الجامع قصة بيع القدح، والحلس، من رواية عبيد الله بن شميط عن عمه الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس، عن النبي ﷺ، كما فعل عيسى بن يونس، راوية عن الأخضر بن عجلان عند أبي داود، حسبما تقدم.
فأما في كتاب العلل، فإنه ساقه سوقًا آخر: جعله من رواية أنس، عن رجل من الأنصار، كأن أنسا لم يشاهد القصة، ولم يسمع ما فيها من النبي ﷺ.
وبسوق الحديث بنصه يتبين ذلك: قال الترمذي: حدثنا علي بن سعيد: الكندي، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ: «باع حلسا وقدحًا فيمن يزيد».
كذا قال معتمر عن الأخضر، فالله أعلم أن كانت رواية عيسى بن يونس، وعبيد الله بن شميط مرسلة أم لا
(٢٢٩٨) وذكر من طريق النسائي، عن عرفجة، عن رجل من
[ ٥ / ٥٨ ]
أصحاب النبي ﷺ زيادة: «وينادي مناد: يا باغي الخير هلم …» الحديث في فضل شهر رمضان.
وسكت عنه، ولعله مما تسامح فيه، فإن عرفجة بن عبد الله الثقفي، لا تعرف عدالته، وهو يروي عن عائشة،، وابن مسعود، وعلي، ﵃، وروى عنه منصور، وعطاء بن السائب، وعمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة
بهذا ذكره أبو حاتم ولم يزد.
ولا يعتل الحديث بكونه من رواية عطاء بن السائب عنه، فإنه إنما رواه عنه شعبة، وهو قديم السماع منه، ممن أخذ عنه قبل اختلاطه
(٢٢٩٩) وذكر [من طريق البزار حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ] انتهى إلى نهر من ماء السماء، في الصوم في السفر.
ثم أتبعه إسناد البزار له فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
فلا أدري أصححه أم تبرأ من عهدته، وحذر اختلاط الجريري؟ والعهد به يصحح أحاديثه، ولا يميز بين ما روي عنه قبل اختلاطه وبعده.
وسعيد الجريري مختلط، سبيله كسبيل سعيد بن أبي عروبة، وقد تقدم
[ ٥ / ٥٩ ]
ذكره في الباب الذي قبل هذا بما يغني عن إعادته
(٢٣٠٠) وذكر من طريق أبي داود، عن ابن لأبي واقد الليثي، عن أبيه، سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه في حجة الوداع: «هذه ثم ظهور الحصر».
هكذا سكت عنه بعد إبرازه هذه القطعة من إسناده، وفيها علة، وهي أن
[ ٥ / ٦٠ ]
ابن أبي واقد هذا لا يعرف له اسم ولا حال، والحديث من رواية زيد بن أسلم عنه
(٢٣٠١) وذكر من طريق الدارقطني، عن سليمان بن أبي داود، عن عطاء ونافع، عن ابن عمر وجابر «أن النبي ﷺ إنما طاف لحجته وعمرته طوافًا واحدًا» الحديث.
ولم يزد على ما أبرز من هذه القطعة.
وسليمان بن أبي داود هذا، لا يعرف من هو، ودون سليمان في الإسناد من لا ينبغي أن يطوي ذكره، ولا يقتطع الإسناد مما فوقه، وهو هارون بن عمران الموصلي راوية عنه، وهو مجهول الحال أيضًا، يرويه عنه على بن حرب.
ولم يعرف ابن أبي حاتم لسليمان وهارون المذكورين حالًا، وجرى له في ذكره هارون أن قال: روى عن جعفر بن برقان، وسليمان بن داود، روى عنه علي بن حرب. لم يزد على هذا، كذا قال: سليمان بن داود، والذي في الإسناد، إنما هو
[ ٥ / ٦١ ]
سليمان بن أبي داود، وكلاهما لا يعرف من هو
(٢٣٠٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث أيمن بن [نابل، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم».
وسكت عنه، مبرزًا من إسناده] ما ذكر كالمتبرئ من عهدته، وليس لهذا الحديث عيب إلا تدليس أبي الزبير، فإن أيمن ابن نابل ثقة، وقد احتج هو به، وسكت عن حديث قدامة بن عبد الله
(٢٣٠٣) «لا طرد، ولا ضرب، ولا إليك» وهو من روايته.
ولما ذكره أبو أحمد، قال: إنه لا بأس [به]، ولم أجد أحدًا ممن تكلم في الرجال ضعفه.
والحديث المذكور يرويه أبو أحمد هكذا: حدثنا محمد بن أبان بن ميمون السراج، حدثنا عمرو الناقد، حدثنا ابن عيينة، عن أيمن بن نابل. فذكره
(٢٣٠٤) وذكر من طريق أبي داود حديث يزيد بن شيبان، قال: «أتانا
[ ٥ / ٦٢ ]
ابن مربع الأنصاري، ونحن بعرفة فقال: إني رسول [رسول] الله ﷺ إليكم يقول: قفوا على مشاعركم» الحديث
وسكت عنه إلا ما ذكر من هذه القطعة، وهو عند أبي داود، من رواية عمرو ابن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن شيبان المذكور.
وعمرو بن عبد الله بن صفوان القرشي الجمحي، أخو صفوان بن عبد الله ابن صفوان، مكي، يروي عن يزيد بن شيبان، روى عنه عمرو بن دينار، وعمرو بن أبي سفيان الجمحي، ومحمد بن أبي سفيان، ولا تعرف له حال، وكذلك يزيد بن شيبان، وهو أبعد من أن تعرف حاله من عمرو، ولا يعرف روى عنه غير عمرو المذكور.
وزيد بن مربع لا يعرف إلا بهذا، ولا تعرف صحبته إلا من قوله حسبما أخبر عنه يزيد بن شيبان، وكل هذا ضعف على ضعف.
ولما ذكره ابن السكن في الصحابة قال: روى عنه يزيد بن شيبان، ويزيد غير معروف، ولم يترجم باسمه في باب يزيد، وأورد لابن مربع هذا الحديث بهذا الإسناد، فاعلمه
[ ٥ / ٦٣ ]
(٢٣٠٥) وذكر من طريق الترمذي أيضا، عن أبي الزبير عن عائشة، وابن عباس «أن رسول الله ﷺ: أخر [طواف يوم النحر إلى الليل».
وسكت عنه مبرزًا من] إسناده أبا الزبير، وليس ذلك تبريًا من عهدته، فإنه قد عهد يصحح ما يرويه أبو الزبير، ولو لم يجئ إلا بلفظة «عن» لا مما يروي عن جابر، ولا مما يروي عن غيره.
وقد تقدم ذكر جملة من ذلك في الباب الذي قبل هذا.
وعندي أن هذا الحديث ليس بصح، فإن النبي ﷺ إنما طاف يومئذ نهارًا، وإنما اختلفوا هل صلى الظهر بمكة أو رجع إلى منى فصلاها بها، بعد أن فرغ من طوافه.
فابن عمر يقول: إنه ﵇ رجع إلى منى فصلى الظهر بها.
وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه، التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل.
وهو شيء لم يرو إلا من هذا الطريق.
وأبو الزبير مدلس، ولم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة، وقد عهد يروي عنها بواسطة، ولا أيضًا من ابن عباس فقد عهد كذلك يروي عنه بواسطة، وإن كان قد سمع منه
[ ٥ / ٦٤ ]
(٢٣٠٦) فمما رواه عن عائشة وصرح بمن بينه وبينها قصة بريرة، يرويه عن عروة عنها، ذكره البزار
(٢٣٠٧) و«إغتسال النبي ﷺ معها من إناء واحد»
يرويه عن عبيد بن عمير عنها، ذكره مسلم
(٢٣٠٨) ومما رواه عن ابن عباس، وصرح بمن بينه وبينه، جمعه ﵇ من غير خوف ولا مطر، يرويه في الموطأ عن سعيد بن جبير عنه
(٢٣٠٩) وحديث: «عرفة كلها موقف»
(٢٣١٠) وحديث: «عليكم بحصى الخذف»، وحديث: «كان يلبي حتى رمى الجمرة».
هي كلها من روايته عن أبي معبد، عن ابن عباس، وأحاديث سوى هذه كذلك
[ ٥ / ٦٥ ]
(٢٣١١) فأما حديث: «لما أصيب إخوانكم بأحد» فإن عدي بن الفضل، رواه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن ابن عباس.
هكذا بلفظة: «عن». ورواه ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكره أبو [داود، عن طريق إسماعيل بن أمية عنه، وأبو الزبير يجب التوقف فيما يرويه. عن عائشة وابن عباس، مما لا يذكر فيه سماعه منهما، لما عرف به من التدليس، ولو صح سماعه منهما لغير هذا، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة، فالأمر بين في وجوب التوقف فيه، وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلس إذا كان عمن قد علم لقاؤه له وسماعه منه.
هاهنا يقول قوم: يقبل ما يعنعن عنهم حتى يتبين الانقطاع في حديث حديث فيرد.
ويقول آخرون: بل يرد ما يعنعن عنهم حتى يتبين الاتصال في حديث حديث فيقبل.
أما ما يعنعنه المدلس عمن لم نعلم لقاءه له ولا سماعه منه، فلا أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل، ولو كنا نقول برأي مسلم في أن معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم يعلم التقاؤهما، فإنما ذلك في غير المدلس
وأيضًا فلما قدمناه من صحة طواف النبي ﷺ يومئذ نهارًا.
والخلاف في رد حديث المدلس حتى يعلم اتصاله، أو قبوله حتى يعلم
[ ٥ / ٦٦ ]
انقطاعه، إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته، وهذا فقد عارضه ما لا شك في صحته.
وعد إلى الباب الثاني من هذا الكتاب، وهو باب النقص من الأسانيد، فانظر ما كتبنا عليه حين ذكرناه عنه، عن عائشة وحدها، من طريق الترمذي، فإنه كرر ذكره في موضعين، والله الموفق
(٢٣١٢) وذكر من طريق أبي داود أيضًا حديث سراء بنت نبهان في الخطبة يوم الرؤوس.
وأبرز من إسناده ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن عنها، وهي جدته.
وربيعة هذا لم يقدم فيه شيئا ولا أخره، ولا هو معروف في غير هذا الحديث، ولا يعرف روى عنه غير أبي عاصم النبيل.
ويقال فيه أيضًا: ربيعة بن عبد الله بن حصين، كذا وقع عند ابن السكن، عند ذكره إياه في باب سراء المذكورة، وهي لا تعرف صحبتها إلا من قولها الذي لم يصح عنها [في هذا الحديث
(٢٣١٣) وفي حديث آخر ضعيف رواه عنها من] لا تعرف أصلًا،
[ ٥ / ٦٧ ]
وهي ساكنة بنت الجعد، ودونها من لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه.
والحديث هو أن غلامًا لها يقال له: نصيب، سأل النبي ﷺ عن الحيات ما يقتل منها، قالت: فسمعته يقول: «اقتلوا ما ظهر منها، كبيرها وصغيرها، أسودها وأبيضها، فإن من قتلها من أمتي كانت له فداء من النار، ومن قتلته كان شهيدًا». فاعلم ذلك
(٢٣١٤) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن ابن أبي نجيح، عن أبيه عن رجلين من بني بكر، قالا: «رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق» الحديث.
وسكت عنه أيضًا، وهو لا يصح فإن هذين الرجلين لا ينبغي أن يقبل فهما ما ادعياه لأنفسهما من المزية بالصحبة، وهما لو قالا عن أنفسهما: إنهما ثقتان لم يقبل منهما ذلك، فكيف بما فيه عظيم المزية، ولم يشهد لهما بذلك من يوثق من التابعين، وإنما هو ما قال يسار أبو نجيح، والد عبد الله بن أبي نجيح: من أنهما قالا ذلك عن أنفسهما، ولم يقل هو عنهما: إنهما صحابيان، ولا ارتهن فيهما بشيء، ويسار ثقة. فاعلمه
(٢٣١٥) وذكر من طريقه أيضًا عن موسى بن باذان، عن يعلى بن
[ ٥ / ٦٨ ]
أمية، عن أبيه، أن رسول الله، قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه».
ولم يزد على إبراز هذه القطعة من إسناده، وهو حديث لا يصح، لأن موسى بن باذان مجهول، ويقال فيه: مسلم بن باذان، هكذا يقول فيه الرازيان، وخطئا البخاري في قوله: [موسى بن] باذان، بالنون، ولا يعرف روى عنه غير عمارة بن ثوبان، وهو روى عنه هذا الحديث.
وعمارة أيضًا لا يعرف روى عنه غير ابن أخيه جعفر بن يحيى بن ثوبان، وهو روى عنه هذا الحديث، وجعفر أيضًا لا تعرف حاله.
فهم كما ترى [ثلاثة مجاهيل متتابعين في رواية هذا الحديث واقتطاع] أبي محمد الحديث من عند موسى، وطية ذكر يحيى وعمارة، خطأ موهم أنه لا نظر فيهما، ولأنه احتمل أن يكون مصححًا له بسكوته عنه، لم نذكره في الباب الذي تقدم ذكره، وهو الباب الذي ذكرت فيه الأحاديث التي ضعفها بذكر رجال وترك دونهم أو فوقهم من هو مثلهم أو أضعف، فإن ذلك الباب إنما ذكرنا فيه ما ضعف، وهذا لم نجزم بأنه ضعفه
(٢٣١٦) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، من حديث خارجة بن
[ ٥ / ٦٩ ]
الحارث الجهني، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخبط، ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ، ولكن يهش هشًا رفيقًا» وسكت عنه، إلا أنه أبرز من إسناده هذه القطعة
وخارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني صالح الحديث، ولكن أبوه لا تعرف حاله
(٢٣١٧) وبعدهما ذكر حديث سعد في «سلب من يصيد في حرم المدينة»
ثم قال: سليمان بن أبي عبد الله ليس بالمشهور.
وإنما قال ذلك، لأن أبا حاتم قاله بنصه، وإلا فهو أحسن حالا من هؤلاء المجاهيل الذين لم يبين من أحوالهم شيئًا، إلا أنه أبرز ذكرهم فاعلم ذلك
(٢٣١٨) وذكر من طريقه أيضًا عن خالد بن زيد، عن عقبة بن عامر،
[ ٥ / ٧٠ ]
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة» الحديث.
وسكت عنه، ولكنه أبرز من إسناده خالد بن زيد، وهو حديث لا يصح
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني أبو سلام، عن خالد بن زيد، فذكره.
وخالد بن زيد هذا، الذي يروي عن عقبة بن عامر، لم يذكره البخاري، وابن أبي حاتم بأكثر من رواية أبي سلام عنه.
فهو عندهما مجهول الحال، ويعرض فيه أمر آخر، وهو أنهما أيضًا ذكرا خالد بن زيد الجهني، وقالا: أنه روى [عن أبيه في اللقطة روى عنه عبد الله بن محمد بن عقيل، فيحتمل أنهما واحد، أو اثنان كذلك].
فزعم أبو بكر بن ثابت الخطيب، في كتابه في الجمع والتفريق أن البخاري أخطأ في جعله إياهما رجلين؛ أعنى الذي روى عن عقبة بن عامر، وهذا الذي روى عن أبيه، وبين أنهما رجل واحد يروي عن عقبة بن عامر، ويروي عن أبيه زيد بن خالد حديثه في اللقطة، وأورد حديثه عنه بذلك في الكتاب المذكور
[ ٥ / ٧٣ ]
وهذا الذي ذكر قد كان محتملًا، ولم يكن ضربة لازب أن يخطأ البخاري وابن أبي حاتم، وما قالاه محتمل، إلا أن أبا بكر بن أبي شيبة قد ذكر الحديث المذكور، فبين في نفس إسناده أنه الجهني، وكذلك فعل النسائي، ومع ذلك فإنه قد بقي علينا أن نعرفه ثقة، وذلك شرط صحة الحديث، ولم يقنع في ذلك قول الكوفي في كتابه: خالد بن زيد تابعي ثقة.
فإني لم أعرف أنه يعني هذا المذكور، لا سيما وهو جائز أن يكون عنده ممن يتسمى بهذا الاسم أكثر من واحد، كما هو عند البخاري وابن أبي حاتم.
وأظن أن أبا محمد لم يحكم بصحته، أو تسامح فيه، بل تبرأ من عهدته بذكر موضع النظر منه، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد أنه مذهبه في كل حديث ذكره بقطعة من إسناده، وإن لم يكن بذلك محيلا على ذكر متقدم ولا متأخر، والله أعلم، فإنه لو كان عنده صحيحًا ذكره من عند الصحابي فحسب، والله أعلم
(٢٣١٩) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن إسماعيل بن عياش، عن
[ ٥ / ٧٤ ]
يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر».
وسكت عنه ولعله بإبرازه إسناده تبرأ من عهدته.
وإسماعيل بن عياش فيه، غير منظور فيه، فإنه رواه عن شامي ثقة، وحديثه عن الشاميين أهل بلده صحيح، وإنما خلط فيما روى عن غير أهل بلده في أسفاره.
وإنما الذي ينظر في أمره من هذا الإسناد أبو مريم وهو مولى أبي هريرة، ولا يعرف له حال وه [ناك اثنان: أبو مريم مولى أبي هريرة، وأبو مريم الأنصاري، الذي روى عنه صفوان بن عمر، وحريز] ابن عثمان، وهو أيضًا يروي عن أبي هريرة.
وقد ذكر ابن أبي حاتم لأبيه ما فعل البخاري من تفريقه بينهما، وجعله لهما رجلين، فقال: هما واحد
[ ٥ / ٧٥ ]
وهكذا فعل البزار، فإنه ترجم بأبي مريم عن أبي هريرة، ثم ساق الذي روى عنه معاوية، وحريز بن عثمان، ويحيى بن أبي عمرو، وجعل الجميع واحدًا، وأورد أحاديثهم عنه في مكان واحد.
وكيفما كان - واحدًا أو اثنين - فحاله أو حالهما مجهولة، فما مثل هذا الحديث صحح
(٢٣٢٠) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن حميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب في الرهان».
قال: وقد روى هذا عن حميد عن أنس، وهو خطأ، والصواب في إسناده: حميد، عن الحسن، عن عمران، ذكر ذلك النسائي ﵀
هذا نص ما ذكره به.
وفيه أخطئة: منها: إيراده إياه على أنه متصل.
ومنها: نسبة لفظ منه إلى غير رواية، [وقد تقدم ذلك في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها]، وفي هذا الباب استوعبنا القول على هذا الحديث.
ومنها: أنه عن رجل ضعيف طوى ذكره، فالحديث من أجله لا يصح
وهذا المعنى هو الذي لأجله ذكرناه الآن في هذا الباب، ولأنه لم يضعف الحديث، لم نذكره في باب الأحاديث التي ضعفها بقوم، وترك دونهم أو فوقهم من هو مثلهم أو أضعف
[ ٥ / ٧٦ ]
فاعلم الآن أن هذا الحديث إنما أورده أبو داود هكذا: حدثنا يحيى بن خلف قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، قال: حدثنا عنبسة.
وحدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن حميد الطويل، جميعًا عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب» زاد يحيى في حديثه «في الرهان».
فقد تبين بهذا السياق أن اللفظ الذي أورد، هو لفظ يحيى بن خلف، عن عبد الوهاب، عن عنبسة، عن الحسن، لا لفظ مسدد، عن بشر [بن المفضل، عن حميد الطويل، عن] الحسن.
وعنبسة هذا، هو ابن سعيد الواسطي، القطان، أخو أبي الربيع السمان، روى عن الحسن، روى عنه البصريون، فقال فيه أبو حاتم: ضعيف الحديث أتى بالطامات.
وقال عمرو بن علي: عنبسة بن سعيد القطان أخو أبي الربيع، كان مختلطًا لا يروى عنه، وقد سمعت منه وجلست إليه.
ومن الناس من يجعل القطان غير أخي السمان.
وكيفما كان فهو ضعيف، وبلا ريب أن الذي في هذا الإسناد، هو أخو أبي الربيع السمان. وهو ضعيف، فإن كان هو القطان فذاك، فالحديث هكذا لا يصح، فاعلمه
[ ٥ / ٧٧ ]
(٢٣٢١) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة كذا وكذا، وضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق». الحديث.
وسكت عنه، وهو حديث يرويه أبو داود، عن سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن سهل بن معاذ، عن أبيه. فذكره.
وسهل يضعف، وأسيد لا تعرف حاله، وإسماعيل بن عياش، من قد عرف، وقد تقدم
(٢٣٢٢) وذكر من طريق النسائي عن عمر بن مرقع بن صيفي بن
[ ٥ / ٧٨ ]
رباح بن ربيع قال: سمعت أبي يحدث عن جده رباح بن ربيع، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، والناس مجتمعون على شيء فبعث رجلًا، فقال: انظر على م اجتمعوا؟ قال: على امرأة» الحديث.
وسكت عنه، ومرقع بن صيفي لا تعرف حاله، فأما ابنه عمر فلا بأس به
والمرقع المذكور، روى عنه ابنه عمر، وأبو الزناد، وموسى بن عقبة، ويونس ابن أبي إسحاق، ويروى هو عن جده رباح بن الربيع، وعن ابن عباس وهو كوفي.
وهو قد بين فيه، وفيما بعده هذا الذي قلناه، إلا أنه - والله أعلم - قبله على أصله فيمن روى عنه أكثر من واحد
(٢٣٢٣) وذكر [من طريق أبي داود عن سمي بن قيس المأربي عن شمير بن عبد المدان]، عن أبيض بن حمال - حديث إقطاع النبي ﷺ إياه الملح بمأرب، ثم استقالته.
وسكت عنه، وهو حديث يرويه محمد بن يحيى بن قيس المأربي، عن أبيه، عن ثمامة بن شرحبيل، عن سمي بن قيس، عن شمير بن عبد المدان، عن أبيض
فكل من دون أبيض بن حمال مجهول، وهم خمسة، ما منهم من يعرف له حال، ومنهم من لم يرو عنه شيء من العلم إلا هذا، وهم الأربعة،
[ ٥ / ٨٠ ]
يستثنى منهم محمد بن يحيى بن قيس، فإنه قد روى عنه جماعة.
وقد أعاد ذكر هذا الحديث في الحمى بتغيير ذكرناه لأجله في باب النقص من الأسانيد
(٢٣٢٤) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «ليس على مسلم جزية».
كذا أورده ولم يقل فيه شيئا، وقابوس ضعيف عندهم، وربما ترك بعضهم حديثه، ولا يدفع عن صدق، وإنما كان قد افترى على رجل فحد، فكسد لذلك
(٢٣٢٥) وذكر أيضًا من روايته عن أبيه، عن ابن عباس حديث: «لا تكون قبلتان في بلد واحد».
وأتبعه أن قال [قابوس بن أبي طنبيان]: مرة وثقه ابن معين، ومرة ضعفه، وضعفه غيره، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه
[ ٥ / ٨١ ]
وعمله في هذين الحديثين أحسن من عمله في الحديث الذي تقدم في الباب الذي قبل هذا من طريق الترمذي، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ:
(٢٣٢٦) «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب».
فإنه سكت عنه، ولم يبين أنه من رواية قابوس المذكور، عن أبيه، ولا أبرزه بالذكر.
وجرير راوي ذلك الحديث عنه هو القائل: أتيناه بعد كساده، زعموا أنه افترى على رجل فحد فكسد لذلك.
وفيه عيب آخر، وهو ما ذكره أبو حاتم البستي، والساجي.
قال البستي: كان رديء الحفظ ينفرد [عن أبيه بما لا أصل له. وقال: كان ابن معين شديد الحمل عليه.
وقال] الساجي: هو صدوق [ليس بثبت، يقدم عليًا على عثمان
(٢٣٢٧) وذكر من طريق أبي] أحمد، عن مؤمل بن إسماعيل،
[ ٥ / ٨٢ ]
أخبرنا عكرمة بن عمار، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «زجر المتعة - أو قال: - هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث».
ثم قال: عكرمة إنما يضعف حديثه عن يحيى بن أبي كثير. انتهى ما ذكر.
فيظهر من أمره أنه صحح هذا الحديث، فإنه نفى عن عكرمة الوهن في غير ما يرويه عن يحيى بن أبي كثير، ولم يعرض من الإسناد لغيره.
والقطعة التي ذكر من إسناده ليس فيها من يوضع فيه النظر غير عكرمة بن عمار، وقد أبدى فيه مذهبه، وإنما الشأن فيمن طوى ذكره، ممن دون مؤمل بن إسماعيل.
وهو قد جرت عادته بتحسين الظن بأبي أحمد، يرى أنه إذا ذكر الخبر بشيء فقد سلم من غيره، فلما رآه ذكر هذا الخبر في باب عكرمة بن عمار، ظن أنه لا نظر في غيره من رواته عنده
[ ٥ / ٨٣ ]
وليس هذا العمل بصحيح، فإنا قد كتبنا في باب الأحاديث التي يعلها بذكر رجل ويترك في الإسناد ممن هو مثله، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف - أحاديث يذكرها أبو أحمد في أبواب رجال لعل الجناية فيها من غيرهم ممن هو أضعف منهم، ممن قد ذكرها أبو أحمد أيضًا في أبوابهم، ولم يتقص ذلك أبو محمد.
وهذا الحديث إنما يرويه أبو أحمد هكذا: حدثنا أحمد بن محمد بن بلبل، حدثنا عبيد الله بن يوسف، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، فذكره بالإسناد المذكور، ولفظه: «هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث».
هذا لفظه، وليس فيه الشك بين زجر، وهدم.
ولا معنى لزجر في هذا، ولا أدري من عبيد الله بن يوسف هذا، ولا ما حال ابن بلبل، وقد رواه عن مؤمل بن إسماعيل، رجل معروف صدوق.
وكان سوقه له من طريقه أحسن وأقرب منتجعًا.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، حدثنا أحمد بن الأزهر، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا عكرمة بن عمار [عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «حرم] أو: هدم المتعة النكاح، والطلاق، والعدة، والميراث».، [وإسناده حسن].
وأحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر النيسابوري، روى عنه أبو حاتم،
[ ٥ / ٨٤ ]
وابنه أبو محمد، وقال فيه أبو حاتم: صدوق.
وقد روت عنه جماعة سواهما، منهم: مروان بن محمد الطاطري، ومحمد بن بلال البصري، ومحمد بن سليمان بن داود الحراني، وقريش بن أنس، وإسماعيل بن عمر أبو المنذر، وروح بن عبادة، ووهب بن جرير، وأسباط بن محمد.
والأمر فيه، ليس كما زعم مسلمة بن قاسم في كتابه حين قال: «إنه مجهول»
(٢٣٢٨) فأما حديث علي بن أبي طالب في هذا المعنى فضعيف، فيه ابن لهيعة وغيره، فاعلم ذلك
(٢٣٢٩) وذكر حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» الحديث.
من رواية سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عنها ثم قال: إن عيسى بن يونس، رواه عن ابن جريح، عن سليمان، بزيادة:
«وشاهدي عدل» من عند الدارقطني.
وبقي عليه أن يبين أن راويه - أعني هذه الزيادة - عن عيسى بن يونس، هو سليمان بن عمر بن خالد الرقي، وهو لا تعرف حاله، وأتبعه الدارقطني روايات لم يوصل أسانيدها، وكذلك أتبعه أبو محمد من علل الدارقطني
[ ٥ / ٨٥ ]
رواية حفص بن غياث، وخالد بن الحارث، عن ابن جريج مثله.
وهما غير موصلتين إلى حفص وخالد، عن ابن جريج.
ثم ذكر من عند الدارقطني أيضًا مخالفة من خالف من الحفاظ أصحاب ابن جريح بأن لم يذكر الشاهدين
وكل ذلك عنده غير موصل الإسناد، فاعلمه
(٢٣٣٠) وذكر من طريق الدارقطني من رواية إسحاق بن راهوية، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، وللثيب نصيب من أمرها ما لم تدع إلى سخطه» [الحديث.
وأبرز من إسناده إبراهيم بن مرة، ولم يذكره ابن أبي حاتم بأكثر من رواية ابن عجلان عنه والأوزاعي]، وصدقة بن عبد الله السمين
(٢٣٣١) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث محمد بن جابر اليمامي، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا جامع أحدكم أهله، فلا يعجلها» الحديث
[ ٥ / ٨٦ ]
ثم قال: محمد بن جابر، روى عنه الأئمة، كشعبة، والثوري، وأيوب، وغيرهم. انتهى ما ذكر.
وهذا الحديث يرويه أبو أحمد هكذا: حدثنا يحيى بن ناجية الحراني، حدثنا إبراهيم بن أبي حميد الحراني، حدثنا علي بن عياش، حدثنا معاوية بن يحيى، عن عباد بن كثير، عن محمد بن جابر، فذكره.
ومعاوية بن يحيى، هو الطرابلسي، الشامي، أبو مطيع، ثقة، وليس بأبي روح.
وعباد بن كثير هو الرملي، الفلسطيني، الشامي أيضًا، وليس بالبصري، والبصري متروك، وهذا الشامي ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ظننت أنه أحسن حالًا من البصري، فإذا هو قريب منه ضعيف الحديث.
وكذا قال فيه أبو زرعة: ضعيف الحديث، ووثقه ابن معين.
وإلى هذا فإن قيس بن طلق أيضًا يضعف.
فالحديث على هذا ليس بصحيح
(٢٣٣٢) وذكر من طريق البزار، عن عطاء بن يسار، عن سلمان،
[ ٥ / ٨٧ ]
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اتخذ من الخدم غير ما ينكح ثم بغين، فعليه مثل آثامهن من غير أن ينتقص من آثامهن شيئًا».
كذا أورده غير مبرز من إسناده إلا عطاء، ورأيت في بعضها تنبيهًا في الحاشية، معزوًا إلى أبي محمد، معناه: أنه لا يعلم سماع عطاء من سلمان كأنه لم يهمه من أمر إسناده غير ذلك.
والحديث لا يصح ولو صح سماعه منه، لأنه عند البزار هكذا: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن محمد، قال: حدثنا علي بن غراب، عن سعيد بن الحر، عن سلمة بن كلثوم عن عطاء. فذكره.
أما سعيد بن الحر، فلا أعرف له وجودًا إلا هاهنا.
وسلمة بن [كلثوم ذكره أبو حاتم بروايته عن الربيع بن نافع، ويحيى بن صالح الوحاظي، وزاد ابنه: روى عن صفوان] بن عمرو، وجعفر بن برقان، وإبراهيم بن أدهم، وروى عنه أبو توبة: الربيع بن نافع، ويحيى بن صالح الوحاظي، وعثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وهو - مع ذلك - مجهول الحال عنده، لم يعرف من أمره بمزيد
(٢٣٣٣) وذكر من طريق أبي داود عن أبي الزناد قال: كان عروة بن
[ ٥ / ٨٨ ]
الزبير، يحدث عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت، قال: «كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها» الحديث.
وسكت عنه، وإنما يرويه عن أبي الزناد يونس، وعن يونس عنبسه بن خالد.
وعنبسة هذا، كان يعلق النساء بالثدي في الخراج، ومع ذلك فقد أخرج له البخاري ولم يخرج له مسلم، وقد روى هذا الحديث عن يونس غيره، وهو أبو زرعة: وهب الله بن راشد، ذكره الدارقطني، فاعلمه
(٢٣٣٤) وذكر من طريق قاسم بن أصبغ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن
[ ٥ / ٨٩ ]
أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «لا يغلق الرهن، ممن رهنه» الحديث
ثم قال: روي مرسلًا عن سعيد، ورفع عنه في هذا الإسناد، ورفعه صحيح. انتهى كلامه.
وأراه إنما تبع في هذا أبا عمر بن عبد البر، فإنه صححه.
وهو حديث في إسناده عبد الله بن نصر الأصم، الأنطاكي، ولا أعرف حاله، وقد روى عنه جماعة، وذكره أبو أحمد في كتابه في الضعفاء، ولم يبين من حاله شيئًا، إلا أنه ذكر له أحاديث مما أنكر عليه، هذا أحدها.
وقد بين أبو محمد في كتابه الكبير أنه إنما هو عنده من طريق أبي عمر.
فقال أبو عمر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، فذكره
[ ٥ / ٩٠ ]
(٢٣٣٥) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عباد بن منصور الناجي، عن أيوب السختياني، [عن أبي قلابة]، عن أنس قال:: «قضى رسول الله ﷺ في الطريق الميتاء، التي تؤتى من كل مكان إذا استأذن أهله فيه» الحديث.
[وأبرز من إسناده عباد بن منصور، وصنيعه فيه يختلف، فتارة لا يبين فيما هو] من روايته أنه من روايته
(٢٣٣٦) كفعله في حديث لعان هلال بن أمية.
وتارة يبرزه غير محيل على ذكر له متقدم، كما فعل هنا، فيحتمل أن يكون بإبرازه متبرئًا من عهدته، وقد قدمنا ما فيه في الباب الذي قبل هذا
(٢٣٣٧) وذكر من طريق أبي داود، عن صفية ودحيبة بنتي عليبة
[ ٥ / ٩١ ]
عن قيلة بنت مخرمة، قالت: قدمنا على رسول الله ﷺ فذكره حديث: «المسلم أخو المسلم، يسعهم الماء والشجر، ويتعاونون على الفتان».
وسكت عنه سكوته عما صح عنده، وهذه قطعة من حديث طويل بقصتها
وصفية، ودحيبة، لا يعلم لهما حال، ولا قيلة جدة أبيهما أيضًا ممن صحت لها صحبة، وإنما تروى قصتها بهذا الطريق، والراوي لهذه القصة عن دحيبة وصفية وهو عبد الله بن حسان العنبري وهو أيضًا غير معروف الحال، وهما جدتاه، وكنيته أبو الجنيد، وهو تميمي.
ولا أعلم أنه من أهل العلم، وإنما كان عنده هذا الحديث عن جدتيه، فأخذه الناس عنه: منهم أبو داود الطيالسي، والمقرئ، وأبو عمر الحوضي، وعبد الله بن سوار، وعلي بن عثمان اللاحقي، وحفص بن عمر، وعفان بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، فما مثل هذا الحديث صحح، فاعلم ذلك
(٢٣٣٨) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن أبي حازم القرظي، عن أبيه،
[ ٥ / ٩٢ ]
عن جده أن رسول الله ﷺ قضى في سيل مهزور أن يحبس في كل حائط حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل، وغيره من السيول كذلك.
وهذا الإسناد لا يصح، فإن أبا حازم القرظي هذا لا يعرف، فأبوه وجده أحرى بذلك.
وقد كان له أن يذكر في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لا سيما وهو [دائبًا يسكت عن أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كالمصحح] لها. و[سيأتي ذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي لها طرق أحسن] من التي أوردها منها
(٢٣٣٩) وذكر من طريق أبي داود، عن ثابت بن سعيد، عن أبيه، عن جده أبيض بن حمال: أنه سأل رسول الله ﷺ عن حمى الأراك، فقال: «لا حمى في الأراك».
وهو حديث لا يصح، فإن ثابتًا وأباه مجهولان، وفي الحديث زيادة تركها أبو محمد اختصارًا، وهي: «فقال أراكة في حظاري، فقال: لا حمى في الأراك»
[ ٥ / ٩٣ ]
(٢٣٤٠) وذكر من طريقه عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عامرًا الشعبي حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها» الحديث.
قال عبيد الله، فقلت: عمن؟ قال: عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ، ثم أتبعه أن قال: عبيد الله روى عنه هشام، وأبان العطار، ومنصور بن زاذان، وغيرهم.
لم يزد على هذا، وعبيد الله هذا لا يعرف حاله، وسئل عنه ابن معين فلم يعرفه
(٢٣٤١) وذكر من طريق أبي داود أيضًا من رواية، عن الحسن، عن
[ ٥ / ٩٤ ]
سمرة، حديث: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها» الحديث ولم يقل بإثره شيئًا
(٢٣٤٢) وذكر من طريق أبي داود عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال رسول الله ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»
[ ٥ / ٩٥ ]
لم يزد على ما أبرز من إسناده، ثم ذكر أن الحسن نسيه، ولعله أحال فيهما على ما تقدم له من أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة
(٢٣٤٣) وذكر من طريق الدارقطني، عن أبي قرة، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: «ليس لقاتل شيء».
هكذا ذكره، وقال: قد تكلم في سماع سعيد من عمر
(٢٣٤٤) وذكر قبله حديث توريث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وصححه، وهو من رواية سعيد عن عمر، ولم يبين فيه ذلك
[والحديث قد تقدم ذكره في باب الأحاديث التي] أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة، وإنما المقصود الآن أن تعلم أن هذه القطعة التي ذكر، كل رجالها ثقات لا نظر فيهم، فإن أبا قرة، هو موسى بن طارق اليماني، هو ثقة، وهو يروي عن الثوري، وابن جريج، وغيرهما.
وأبو محمد ﵀، قال: أظن أنه موسى بن طارق.
وهو هو بلا ريب، وإنما الشأن فيما ترك من الإسناد، فإن الدارقطني ذكره هكذا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن محمد بن الأزهر،
[ ٥ / ٩٦ ]
حدثنا أبو حمة، حدثنا أبو قرة، فذكره.
وأبو حمة: اسمه محمد بن يوسف، وكنيته أبو يوسف، وأبو حمة لقب له، ذكره بذلك أبو محمد بن الجارود في كتاب الكنى، ولم يذكر له حالًا.
ولا أعرف من ذكره غيره، فاعلم بذلك
(٢٣٤٥) وذكر أيضًا في ذلك حديث ابن عباس.
وأعله بليث بن أبي سليم، وأعرض عن أبي حمة المذكور
(٢٣٤٦) وذكر حديث الحسن، عن سمرة: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه»
[ ٥ / ٩٧ ]
وأظنه اكتفى بإبراز موضع العلة
(٢٣٤٧) وذكر أحاديث ديات الأعضاء، وأبرز إسنادها، وهو محمد ابن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
أظنه تبرأ بذلك من عهدها
(٢٣٤٨) وذكر أيضًا حديث قتل الأشجعي، وقصة محلم بن جثامة
واكتفى في تعليله بإبرازه إسناده فيما أرى.
وهو من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، [عن عبد الرحمن بن الحارث]، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن زياد بن سعد بن ضميره، عن أبيه.
وقد تقدم ذكر عبد الرحمن بن أبي الزناد في الباب الذي قبل هذا وعمله فيه
وزياد بن سعد هذا مجهول الحال، وأبوه لم تثبت له صحبة، ولا يعرف.
[ ٥ / ٩٨ ]
منها إلا ما قال ابنه
(٢٣٤٩) وذكر من [طريق الدارقطني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن النبي ﷺ أمر بقطعه من المفصل».
كذا ذكر هذا الحديث مختصر المتن]، مقتطع الإسناد من عند عمرو بن شعيب، معقبًا به قصة رداء صفوان، من عند مالك، والنسائي، وقال: إنه لا يعلمه يتصل من وجه يحتج به.
ولما لم يذكر من دون عمرو بن شعيب، كان ذلك خطأ من فعله فإنه حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا القاضي أحمد بن كامل، حدثنا أحمد ابن عبد الله النرسي، حدثنا أبو نعيم النخعي، حدثنا محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «كان صفوان بن أمية بن خلف نائمًا في المسجد، ثيابه تحت رأسه، فجاء سارق فأخذها فأتي به النبي ﷺ، وأقر السارق، فأمر به النبي ﷺ أن يقطع، فقال صفوان: يا رسول الله، أيقطع رجل من العرب في ثوبي؟ فقال رسول الله ﷺ: أفلا كان هذا قبل أن تجيء به؟ ثم قال رسول الله ﷺ: اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه، ثم أمر بقطعة من المفصل»
[ ٥ / ٩٩ ]
هذا هو الخبر وليس هناك غيره.
ومحمد بن عبيد الله العرزمي متروك، وأبو محمد دائبًا يضعف به، وأبو نعيم: عبد الرحمن بن هانئ النخعي، فلا يتابع على ما له من الحديث.
فكان عليه أن ينبه على أنهما في إسناده، ولا يطوي ذكرهما.
وإنما لم نذكره في باب الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف؛ لأن ذلك الباب إنما نذكر فيه ما ضعفه، فأما هذا فإنه رفق فيه، ولم ينص على أنه ضعيف عنده بما أبرز من إسناده
(٢٣٥٠) وذكر من طريق أبي داود، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سرق المملوك فبعه ولو بنش».
ولم يزد على إبراز ما أبرز منه
وعمر هذا ضعيف، وإن كان صدوقًا
(٢٣٥١) وذكر [من طريق النسائي عن ابن جريح، قال: قلت لعطاء:
[ ٥ / ١٠٠ ]
أخبرني محمد] بن علي بن ركانة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: «لم يوقت في الخمر حدا» الحديث.
ولم يزد على ما أبرز من إسناده.
ومحمد بن علي هذا قرشي، روى عنه ابن إسحاق، وابن جريج، ذكره البخاري، ولم يذكره ابن أبي حاتم، وحاله مجهولة
(٢٣٥٢) وذكر من طريق النسائي من حديث زياد البكائي، عن محمد ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد لله حديث: «فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه»: الحديث.
ولم يبين من أمره شيئًا، إلا أنه أبرز هذه القطعة.
وابن إسحاق من قد علم، وزياد بن عبد الله مختلف فيه، واحتج به البخاري ومسلم، وقال ابن حنبل: ليس به بأس، حديثه حديث أهل الصدق
[ ٥ / ١٠١ ]
وقال فيه أبو زرعة: صدوق. وضعفه النسائي، وابن معين، وقال الترمذي: زياد، كثير الغرائب والمناكير، سمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله - مع شرفه - يكذب في الحديث.
كذا حكاه الترمذي في الجامع، في باب الوليمة والذي في تاريخ البخاري عن ابن عقبة السدوسي، قال وكيع: هو أشرف من أن يكذب، وكذا حكاه أبو أحمد الحاكم في كتابه في الكنى بإسناده إلى وكيع
(٢٣٥٣) وذكر من طريق أبي داود، حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أنت ومالك لأبيك».
ثم قال: وقد صح من طريق آخر، ذكره البزار
فاعلم الآن أنا إنما ذكرناه في هذا الباب لذكره إياه بقطعة منه، وأمره في عمرو بن شعيب سنبينه بعد وينجر ذكر ما أشار إليه من حديث البزار، إكمالًا للفائدة، فإنه صحيح.
قال البزار: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن هشام بن عروة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي ﷺ قال لرجل: «أنت ومالك لأبيك».
قال البزار: إنما يروى عن هشام، عن ابن المنكدر مرسلًا، ولا نعلم أسنده
[ ٥ / ١٠٢ ]
هكذا إلا عثمان بن عثمان الغطفاني، وعبد الله بن داود.
ومن صحيح هذا الباب، حديث ذكره بقي بن مخلد، قال: حدثنا هشام ابن عمار، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر «أن [رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يريد أن يحتاج] مالي، [فقال: أنت ومالك لأبيك …»]. لم يتقاضاه، فأودعناه هذا الموضع
(٢٣٥٤) وذكر من طريق أبي عمرو بن عبد البر من التمهيد، من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار».
ولم يزد على إبرازه منه ما أبرز.
وعبد الملك هذا لا تعرف له حال، ولا أعرف من ذكره، روى هذا الحديث عنه أبو علي: الحسن بن سليمان الحافظ المعروف بقبيطة، وصل إليه أبو عمر إسناده
(٢٣٥٥) وذكر من طريق عبد الرزاق، قال: حدثنا عمرو بن حوشب، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده، قال: «كان لهم غلام يقال
[ ٥ / ١٠٣ ]
له: طهمان، أو ذكوان، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي ﷺ وأخبره فقال له: تعتق في عتقك وترق في رقك».
ولم يزد على ما أبرز من إسناده.
وأمية بن عمرو بن سعيد بن العاصي، لا يعرف حاله، فأما ابنه إسماعيل فثقة.
وعمر بن حوشب مجهول الحال أيضًا، ولا يعرف روى عنه غير عبد الرزاق، وهو صنعاني
(٢٣٥٦) وذكر من طريق أبي داود، عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة «أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت» الحديث في أكل الميتة.
وكأنه تبرأ من عهدته بإبرازه سماكًا، وكان ذلك خلاف عمله فيه، وقد تقدم
(٢٣٥٧) وذكر من طريق أبي داود عن المطلب، عن جابر بن عبد الله،
[ ٥ / ١٠٤ ]
«شهدت مع رسول الله ﷺ الأضحى». الحديث.
وفيه: «هذا عني وعمن لم يضح من أمتي».
ثم رده بأن قال: لا يعرف للمطلب سماع من جابر.
وهذا لم تجر به عادته أن يضعف أحاديث المتعاصرين اللذين لم يعرف سماع أحدهما من الآخر، وإنما يجيء ذلك على رأي البخاري وابن المديني المشترطين [بثبوت اللقاء والتصريح بالسماع ولو مرة واحدة، وهما] يقصدا [ن ].
وهو كونه من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، وقد تقدم في الباب الذي قبل هذا كيف عمله فيه
[ ٥ / ١٠٥ ]
(٢٣٥٨) وذكر من طريق النسائي من حديث عثمان بن حصن، عن عروة بن رويم عن ابن الديلمي عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يشرب الخمر رجل من أمتي فيقبل الله منه صلاة أربعين يومًا».
وأراه تبرأ من عهدته بما أبرز من إسناده، فإن عثمان بن حصن هذا لا أعرف له حالًا، ولا أعرف أحدًا ذكره
(٢٣٥٩) وذكر من رواية إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم،
[ ٥ / ١٠٦ ]
عن شفعة المسمعي، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: «رآني رسول الله ﷺ وعلي ثوب مصبوغ بعصفر» الحديث.
وأراه أيضًا تبرأ من عهدته، فإن شفعة هذا لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا تعرف حاله
(٢٣٦٠) وذكر من طريق أبي داود، عن وهب، مولى أبي أحمد، عن أم سلمة «أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تختمر، فقال: لية لا ليتين».
ولم يزد على هذا، ووهب لا يعرف
(٢٣٦١) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن عبد الله بن سعد الدشتكي، عن أبيه قال: رأيت رجلًا ببخارى، على بغلة بيضاء، عليه
[ ٥ / ١٠٧ ]
عمامة خز سوداء، فقال: «كسانيها رسول الله ﷺ».
وهذا أيضًا أراه تبرأ من عهدته بإبراز ما أبرز من إسناده، فإن عبد الله بن سعيد، وأباه، وهذا الرجل الذي ادعى الصحبة، كلهم لا يعرف.
أما سعد والد عبد الله، فلا يعرف روى عنه غير ابنه عبد الله هذا الحديث لا ثاني له.
وأما ابنه عبد الله، فقد روى عنه جماعة، وله ابن يقال له: عبد الرحمن ابن عبد الله بن سعد الدشكتي، مروزي، صدوق، وله ابن اسمه أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، هو شيخ لأبي داود، وعنه يروى هذا الحديث
(٢٣٦٢) [وذكر من طريق أبي داود، عن قيس بن بشر عن] أبيه، عن ابن الحنظلية، قال: قال رسول الله ﷺ: «نعم الرجل خريم الأسدي، لولا طول جمته، وإسبال إزاره» الحديث
(٢٣٦٣) وبه «إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم» الحديث.
وسكت عنهما إلا بما أظهر من الإسناد، وقيس بن بشر لا يعرف روى عنه إلا هشام بن سعد، وهو يروي عنه هذا الحديث.
وقد قدمنا حمله عليه ومذهبه فيه، فقد كان ينبغي له أن يبين أنه من
[ ٥ / ١٠٨ ]
روايته، ولا يطوي ذكره.
ويقول فيه هشام بن سعد: إنه رجل صدوق - أعني في قيس بن بشر، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا.
وحال بشر والد قيس بن بشر المذكور لا تعرف، ولا تعرف روى عنه أحد إلا ابنه قيس، فاعلم ذلك
(٢٣٦٤) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن بنانه مولاة عبد الرحمن ابن حيان الأنصاري، عن عائشة حديث: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس».
وسكت عنه إلا بإبراز هذه القطعة.
وبناته هذه لا يعرف أحد من هي، ولا روى عنها إلا ابن جريح
(٢٣٦٥) وذكر من طريق الدارقطني من حديث أبي معشر، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كانت من فاجر ففجوره على نفسه»
[ ٥ / ١٠٩ ]
كذا ذكره، وأراه تبرأ من عهدته بإبراز أبي معشر، فإنه مختلف فيه.
وللحديث على أصله علة لم يعرض لها، وهو أنه يروى موقوفًا، والذي رواه عن أبي معشر ثقة، وهو سعيد بن منصور، بين ذلك الدارقطني في علله
(٢٣٦٦) وذكر من طريق الترمذي، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه،
[ ٥ / ١١٠ ]
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها».
ولم يزد على ما أبرز من إسناده، وعبيد الله بن عبد الله بن موهب، مجهول الحال،] وابنه يحيى [قال أحمد: منكر الحديث ليس بثقة.
وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال:] قال شعبة: رأيته يصلي صلاة لا يقيمها. فتركته
(٢٣٦٧) وذكر من طريق أبي داود، عن سيف الشامي، عن عوف بن
[ ٥ / ١١١ ]
مالك «أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال رسول الله ﷺ: إن الله يلوم على العجز» الحديث.
وهذا الذي أبرز من إسناده هو علته - أعني سيفًا الشامي - وهو رجل لا يعرف بغيره، رواه عنه خالد بن معدان، وعن خالد بحير بن سعد، وعن بحير بقية.
ولم يبين ذلك، وهو دائبًا يضعفه ويضعف به، وقد تقدم ذكر عمله فيه
(٢٣٦٨) وذكر من طريق أبي داود عن البراء بن ناجية، عن عبد الله بن
[ ٥ / ١١٢ ]
مسعود، عن النبي ﷺ قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين».
ولم يزد على إبراز البراء بن ناجية، وهو المحاربي، الكاهلي، لا تعرف له حال، ولا يعرف أحد روى عنه غير ربعي بن حراش، وهو الذي روى عنه هذا الحديث
[ ٥ / ١١٣ ]