[ ٥ / ١١٥ ]
اعلم أن الذي تقدم ذكره في البابين اللذين قبل هذا، إنما كان ما قضى عليه بالصحة، لأنه سكت عنه حسبما أخبر عن نفسه في صدر كتابه.
وانقسم إلى ما ذكره من عند الصحابي فقط، وإلى ما ذكره بقطعة من إسناده أو بإسناده.
وإن كان قد ذكرت من هذا القسم ما يغلب على الظن أنه تبرأ من عهدته حسبما قد تقدم التنبيه عليه
فأما هذا الباب فإنما مضمنه أحاديث أتبعها منه كلاما يقضي ظاهره بأنها صحيحة وليست بصحيحة، ويمكن في كلامه التأويل []
(٢٣٦٩) [فمن ذلك ما ذكر من طريق علي بن عبد العزيز في المنتخب، من] رواية يحيى بن يمان، عن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله لم يضره معها خطيئة، كما لو أشرك بالله لم تنفعه معها حسنة».
ثم قال: هكذا قال يحيى بن اليمان، ويحيى بن اليمان لا يحتج بحديثه،
[ ٥ / ١١٧ ]
وأكثر الناس يضعفه، والصحيح ما رواه أبو نعيم، عن سفيان، عن إبراهيم ابن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: جاء رجل - أو شيخ - فنزل على مسروق، فقال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: «من مات لا يشرك بالله شيئًا». ثم ذكره مثله.
هكذا أورد هذا الحديث والكلام بعده، ولم نكتبه مستدركين عليه في شيء منه، لكن مبينين لمن يقرؤه فساد ما يوهمه ظاهره من صحة اللفظ الثاني بقوله: والصحيح ما رواه أبو نعيم إلى آخره.
وهذا لم يرد به صحة شيء من هذا الحديث، لا باللفظ الأول ولا بالثاني، وإنما أراد أن الصحيح عن سفيان أحد القولين، وهو قول أبي نعيم في إدخاله بين مسروق وعبد الله بن عمرو شيخًا مجهولًا، لا قول يحيى بن يمان في جعله إياه عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، بغير واسطة.
فإنما أراد أن الصحيح في رواية هذا الحديث رواية من زاد فيه رجلًا مجهولًا، فيكون به ضعيفًا.
وكان عليه أن يبين هذا المعنى بيانًا لا يبقى لقارئه إشكالًا، لا سيما وقد ظهر في الوجود أن أكثر من يقتصر على قراءة كتابه هذا وأشباهه من المختصرات والمنتقيات، عوام بالنسبة إلى علم النقل الحديثي، وما تجب العناية به من معرفة صحيحة من سقيمه، فاعلمه
(٢٣٧٠) وذكر من طريق البزار، من حديث أبي بكر: رجل من ولد
[ ٥ / ١١٨ ]
عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، «في قصة الذي سلم على النبي [ﷺ وهو يبول قال: فرد عليه¬ السلام، ثم قال: إنما رددت] عليك أني خشيت [أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي» الحديث.
ثم قال: وأبو بكر فيما] أعلم، هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره، وهو لا بأس به، ولكن حديث مسلم أصح، لأنه من حديث الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر
والضحاك أوثق من أبي بكر، ولعل ذلك كان في موطنين.
هذا ما ذكر، وهو تصحيح منه للخبر نطقًا، لا بالسكوت عنه، وإن كان رجح عليه الحديث مسلم، فقد ترجح في ذلك، والتمس له مخرجًا بجعله إياه في موطن آخر وقصة أخرى.
وهذا الذي ذكر في أبي بكر هذا، ينبغي أن يتوقف فيه، فإن الرجل المذكور في الإسناد لم يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر، فمن أين أنه أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر الذي روى عنه مالك.
وقد كان مانعًا له من أن يقول ذلك لو تثبت أن الذي في الإسناد يروي عن نافع، والذي توهمه أنه معلوم الرواية عن ابن عمر، ويروي عنه مالك، وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن شرفي، وعبيد الله بن عمر العمري
[ ٥ / ١١٩ ]
وإلى هذا، فإن الحديث المذكور إنما يرويه عند البزار عن أبي بكر المذكور سعيد بن سلمة، وهو ابن أبي الحسام أبو عمر - مولى عمر بن الخطاب، وهو قد أخرج له مسلم ﵀، وإن كان ابن معين سئل عنه فلم يعرفه، وإنما يريد حاله، وإلا فقد عرفت عينه، وكنيته، ونسبه بالولاء، ورواية من روى عنه، وعمن روى، والله أعلم
(٢٣٧١) وذكر من طريق البزار عن العباس بن عبد المطلب قال: «كانوا يدخلون على النبي ﷺ ولم يستاكوا، فقال: ما لكم تدخلون علي قلحًا؟» الحديث.
ثم قال بإثره: يرويه من حديث سليمان بن كران - بالراء الخفيفة والنون - وهو بصري لا بأس به.
لم يزد على هذا، وهو كلام يوهم صحته من حيث لم يضع نظرًا [فيمن فوق سليمان بن كران -، وإسناده عند] البزار [هو هذا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا سليمان بن] كران بصري مشهور، ليس به بأس - كذا في نفس الإسناد _
[ ٥ / ١٢٠ ]
قال: حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار قال: حدثنا منصور، عن أبي علي الصيقل، عن جعفر بن تمام، عن أبيه، عن جده العباس، فذكره.
وأبو علي الصيقل هذا لا تعرف له حال ولا اسم، وقد ذكره ابن أبي حاتم في الكنى المجردة برواية منصور، والثوري عنه من غير مزيد، وهو مولى بني أسد.
وقد رد ابن السكن الحديث من أجله، وقال: إنه مجهول، وقال: إنه حديث مضطرب فيه نظر، وأورده في باب تمام من كتاب الصحابة.
ونص ما ذكر هو هذا: حدثني الحسين بن محمد بن غسان بن جبلة العتكي بالبصرة، ومحمد بن هارون الحضرمي ببغداد، قالا: حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله، قال: حدثنا فضيل بن عياش، عن منصور، عن أبي علي الصيقل، عن جعفر بن أبي تمام بن العباس عن أبيه، يبلغ به، قال: «تدخلون علي قلحًا؟ تسوكوا، فلولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك، كما فرض عليهم الوضوء».
حدثني الحسين ين إسماعيل بن محمد، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي علي، عن جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما لكم تدخلون علي قلحًا: تسوكوا فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
قال أبو علي: رواه شيبان، وزائدة، وقيس بن الربيع، وغيرهم، عن منصور، عن أبي علي، عن جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه. ويقال: إن تمامًا كان أشد قريش بطشًا، وكان أصغر ولد العباس، وليس يحفظ له عن
[ ٥ / ١٢١ ]
رسول الله ﷺ سماع من وجه ثابت. انتهى كلامه.
وفيه جعل الحديث المذكور من رواية تمام عن النبي ﷺ، لا من رواية أبيه العباس ﵁، وهي رواية هؤلاء عن منصور.
وقد ذكر أيضًا [هذا الحديث البغوي في وأعله بأبي علي الصيقل] المذكور: [قال …] ومائتين: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي علي - يعني الصيقل -، عن جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ: «مالكم تدخلون علي قلحًا؟ تسوكوا، فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يتسوكوا عند كل صلاة».
ثم قال: حدثنا شريح بن يونس، حدثنا عمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأبار، عن منصور بن المعتمر، عن أبي علي، عن جعفر بن تمام، عن أبيه، عن العباس بن عبد المطلب قال: كانوا يدخلون على النبي ﷺ ولا يستاكون، فقال: «تدخلون علي قلحًا؟ استاكوا، لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة، كما فرض عليهم الوضوء».
قال البغوي: ورواه محمد بن سابق، عن شيبان، عن منصور، عن أبي علي الصقيل، مولى بني أسد، عن جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه.
حدثني به ابن زنجويه، عن ابن سابق، ورواه الأشيب، عن شيبان، عن منصور، عن أبي علي، عن جعفر بن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
والصواب ما حدث به الأشيب - زعموا - انتهى ما ذكر
[ ٥ / ١٢٢ ]
وقد مر فيه أن شريح بن يونس رواه عن أبي حفص الأبار، فجعله من حديث العباس، لا من حديث ابنه تمام، كما جعله سليمان بن كران المذكور في روايته إياه عن أبي حفص الأبار.
فلم نكن إذن محتاجين في حديث العباس إلى سليمان بن كران المذكور، لأن شريحًا ثقة مشهور، ولكن مع ذلك فإن مرجعه - من كل وجه وكيفما روي إلى أبي علي الصيقل، وهو مجهول.
أما حديث تمام بن العباس، عن النبي ﷺ، وهو الذي استصوب البغوي، وذكر ذلك عن غيره - فإني أخاف - مع كونه من رواية أبي علي الصيقل المذكور - أن يكون مرسلًا، فإن تمامًا لا تعرف صحبته من غيره، وهو [] بحت فيه [وكران بالراء الخف …] يفة، والنون.
فعلى تسليم الصواب فيما ذكر أبو محمد عبد الحق، من كونه كذلك.
وقد فرغت من خطئه فيه - وبينت أن صوابه كراز - بفتح الكاف والراء المشددة، والألف، وبعدها زاي - في باب الأسماء المغيرة. فاعلم ذلك، والله الموفق
(٢٣٧٢) وذكر من طريق الترمذي حديث عائشة: «من حدثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدقوه» الحديث.
وأتبعه أن قال: وفي الباب عن عمر، وبريدة، وحديث عائشة أحسن شي في هذا الباب وأصح.
قال: وإنما أراد أبو عيسى أن هذا أحسن شيء في باب المنع من البول قائمًا وأصح، وإلا فحديث حذيفة مجتمع على صحته، وحذيفة حدث بما رأى
[ ٥ / ١٢٣ ]
وشاهد. انتهى ما ذكر بنصه.
وهو قد فهم عن الترمذي من قوله: «أصح» تصحيح الخبر المذكور، وأخذ يتأوله في أحاديث المنع من البول قائمًا، وهو حديث إنما يرويه شريك ابن عبد الله القاضي.
وقد بينا أمره وما اعترى أبا محمد فيه، فعد إليه تعلم به أن هذا الخبر لا يقال فيه: صحيح
(٢٣٧٣) وذكر من طريق البزار، حدثتا محمد بن معمر النجراني، حدثنا أبو عاصم، عن إبراهيم بن سلام، عن حماد - يعني ابن أبي سليمان -، عن إبراهيم - يعني النخعي -، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
قال: هذا أحسن إسناد يروي في هذا عن أنس.
ورواه من طريق حفص بن سليمان، عن كثير بن شنظير، عن محمد بن سيرين، عن أنس، عن النبي ﷺ مثله.
قال: وحفص بن سليمان لين الحديث، وكل ما يروى عن أنس في هذا، فأسانيده لينة. انتهى ما ذكر.
والمقصود أن نبين أن الحديث الأول لا يلتفت إليه، وكلام أبي محمد
[ ٥ / ١٢٤ ]
يعطي أنه إما صحيح وإما [حسن، ولن تجد شيئًا من ذلك صحيحًا …] المعنى ما يحد [] فيه شيء، وهذا أحسن ما فيه.
والخبر المذكور ضعيف للجهل بحال إبراهيم بن سلام، فهي لا تعرف، بل لا أعرفه مذكورًا، ولا أعرف له رواية غير هذه.
قال البزار: ولا نعلم روى عنه إلا أبو عاصم، وأيضًا فإن النخعي عن أنس موضع نظر، وقد قال البزار: لا نعلمه أسند عنه إلا هذا الحديث، وقد قال أبو حاتم: إنه أدركه.
وسنه ووفاة أنس يقتضيان ذلك، ويقال: إنه - أعني النخعي - توفي سنة ست وتسعين، فالله أعلم
(٢٣٧٤) وذكر من طريق أبي داود عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «إذا
[ ٥ / ١٢٥ ]
وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب».
ثم قال: اختلف في إسناده هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وحديث أبي سعيد الذي قبله هو الصواب، على أن حديث أبي هريرة قد أسنده محمد بن كثير، عن الأوزاعي عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهذا نص ما أورد، وهي منه كأنها استدراك بالتصحيح له بعد أن رماه بالاختلاف في إسناده، ولم ينفعه ذلك منه، فإن الحديث الذي ساق لفظه، ليس هو عند أبي داود بإسناد آخر غير إسناد محمد بن كثير، فتكون رواية محمد بن كثير عاضدة له، بل ما هو - أعني اللفظ المذكور - عند أبي داود إلا بإسناد محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
والذي يوهمه ظاهر كلامه من صحته بهذا الطريق، خطأ، فإن محمد بن كثير، هو الصنعاني الأصل، المصيصي الدار، ابو يوسف، يروى عن الأوزاعي وغيره، وهو ضعيف، وأضعف ما هو في الأوزاعي.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذكر أبي محمد بن كثير فضعفه جدًا
[وقال في رواية صالح: ليس] عندي بثقة.
وقال عبد الله بن أحمد أيضًا [عن أبيه: وهو منكر الحديث، أو قال: يروي أشياء منكرة].
[ ٥ / ١٢٦ ]
وقال [يونس بن حبيب: ذكرت لعلي بن المديني محمد بن كثير - يعني المصيصي وأنه حدث] عن، الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس:
(٢٣٧٥) «رأى النبي ﷺ أبا بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة»
[ ٥ / ١٢٧ ]
فقال علي: كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ فالآن لا أحب أن أراه.
فعلى هذا لا ينبغي أن يظن بهذا الحديث أنه صحيح من هذا الطريق، فاعلم ذلك
(٢٣٧٦) وذكر من طريق النسائي، عن الحكم بن سفيان الثقفي، عن
[ ٥ / ١٢٩ ]
أبيه، «أن النبي ﷺ كان [إذا توضأ] أخذ حفنة من ماء، فقال بها هكذا، ووصف شعبة نضح فرجه».
ثم قال: اختلف في إسناد هذا الحديث وفي اسم الصاحب، وأصح الأسانيد فيه إسناد النسائي هذا.
قال النسائي: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه.
كذا قال الترمذي عن البخاري: إن هذا الإسناد أصح أسانيد هذا الحديث، ذكر ذلك في كتاب العلل.
وقال عبد الرزاق في مصنفه: «إذا توضأ وفرغ، أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه».
رواه معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم، أو الحكم بن سفيان، عن النبي ﷺ.
وذكره الترمذي في كتابه بإسناد ضعيف عن أبي هريرة، فيه الحسن بن علي الهاشمي، انتهى كلامه بنصه.
وهو موهم صحة هذا الحديث من جهتين: فإحداهما: سكوته عن إعلاله، والأخرى قوله: إنه بهذا الطريق أصح.
والحديث المذكور قد عدم الصحة من وجوه:
[ ٥ / ١٣٠ ]
أحدها: ما أعرض عنه بعد الإشارة إليه من الاضطراب
والثاني: الجهل بحال الحكم بن سفيان، فإنه غير معروفها، ولا سيما على ما ارتضى أبو محمد من النسائي - أعني أن لا يكون أخبر عن النبي ﷺ إلا بواسطة أبيه -.
والثالث: أن أباه المذكور لا تعرف صحبته، ولا روايته لشيء غير هذا
والرابع: [] هذه [].
وهو قد تلون فيه ألوانًا، أو تلون عليه، فممن رواه عنه، شعبة، كما أورد النسائي الآن، وقال فيه: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا». رواها عن شعبة خالد بن الحارث كما ذكر، ورواها أيضًا عنه النضر بن شميل.
قال البخاري في تاريخه: حدثني يحيى، حدثني النضر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، قال: سمعت رجلًا من ثقيف اسمه الحكم، أو يكنى أبا الحكم، عن أبيه: «رأيت النبي ﷺ».
ففي هذه الرواية - كما ترى - زيادة «عن أبيه»، كما زاده خالد بن الحارث عن شعبة، ولكنه شك في اسم الابن، هل هو الحكم، أو أبو الحكم، وأعطت أنه من لا يعرف بأكثر من أنه رجل من ثقيف.
وفيه رواية ثانية عن شعبة، وهو قول علي بن الجعد عنه.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، يقال له: الحكم، أو أبو الحكم «أنه رأى النبي ﷺ، توضأ، ثم أخذ حفنة من ماء، فقال بها هكذا» - يعني انتضح بها -
[ ٥ / ١٣١ ]
ففي هذا الشك في اسمه، هل هو الحكم، أو أبو الحكم، ولم يقل: «عن أبيه» فإن صحت الرواية التي قبل هذه بزيادة: «عن أبيه»، فقول هذا: إنه رأى النبي ﷺ يكون خطأ، وإن لم يكن خطأ، فالانقطاع بين مجاهد وبينه، فإن مجاهدًا لم يروه عن الصحابي، إذ قد قدرنا قوله: «عن أبيه» صحيحًا.
وفيها من البحث الأصولي إن الرجل الذي لا يعرف إذا قال عن نفسه: إنه ثقة فذلك غير مقبول منه، وهذا ما لا ريب فيه، فإذا كان لا يعرف فادعى أنه رأى النبي ﷺ[ففيه خلاف، وعندي أنه لايقبل منه ذالك، و…]، لو قال التابعي [عنه ذلك لأنه قد يكون التابعي] إنما أخذ ذلك عن غيره، وهو لم يسمه، أو لعله أخذه عنه، فإن التابعي لم يدرك زمن الاصطحاب.
والذي يقبل بلا ريب أن يقول لنا ذلك عنه صحابي أدرك، وهذا كله فيمن لا يعرف، فأما من عرفت صحبته بالتواتر أو بالنقل الصحيح لأخباره، كمشاهير الصحابة ﵃ فلا كلام فيه. وفي هذه الرواية أنه إنما رأى ذلك من النبي ﷺ مرة واحدة.
وهذا يشبه الصواب، فأما قوله: «كان» فبعيد أن يكون على ظاهره، ولو أطلقه ألزم الناس للنبي ﷺ.
وحين حكم من حكم لرواية من زاد فيه: «عن أبيه» بالصحة، لم يلتفت للفظ الحديث، وإنما اعتبر زيادة واحد في الإسناد، ولم يحكم للخبر بالصحة، إلا كما يقول: هذا الإسناد بزيادة هذا الرجل بين فلان وفلان، أصح من رواية من رواه دونه، بل كما يقول: هذا المرسل أصح، فلا يخرج من شيء من ذلك تصحيح ما رواه ضعيف، أو متروك، أو ما روي مرسلًا
[ ٥ / ١٣٢ ]
وأبو محمد ﵀ لو أطلقها كما يطلقها المحدث، لم يفهم منها إلا ما ذكرناه، ولكنه يوردها عقيب أحاديث لا يتبعها منه قول آخر، فتوهم من لا علم عنده بالأسانيد صحة الأحاديث.
وعلى أن كلامه المذكور فيه شيء من جهة النقل، وذلك أنه نسب قوله: «إنه أصح الأسانيد» إلى البخاري، وعين موضع ذكره له، وهو علل الترمذي.
والذي هناك إنما هو: «سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: الصحيح ما رواه شعبة ووهيب، وقالا: عن أبيه، وربما قال ابن عيينة فيه هذا الحديث: عن أبيه».
فما في هذا عن البخاري أنه قال: هو أصح الأسانيد، وإنما قال: الصحيح رواية من زاد: «عن أبيه»، يعني رواية شعبة، ووهيب، وابن عيينة في بعض [الروايات، عنه وذلك لا يفيد صحة الحديث الذي قيل فيه ذلك]، بخلاف ما إذا قال: هذا حديث صحيح.
وبينا أيضًا أن عن شعبة فيه رواية لم يقل فيها «عن أبيه».
ونذكر الآن رواية وهيب الموافقة للمشهور عن شعبة التي أشار إليها البخاري.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي [ حدثنا وهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان]
[ ٥ / ١٣٣ ]
عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ وأخذ ماء فنضح به».
فقد ذكرنا الآن عن شعبة في رواية، ووهيب زيادة عن أبيه، وهي التي تعتمد في إعلال الخبر، فإن زيادة «عن أيبه» يقتضي للحكم بأنه ليس بصحابي، فيتعين النظر في حاله، وتلمس عدالته، وهي لم تثبت.
ولعل قائلا يقول: فلعله أيضًا قد رأى النبي ﷺ كما رآه أبوه، أخذًا من رواية من لم يقل: «عن أبيه» فنقول له: فما في هذا أكثر من دعواهما أنهما رأيا، وسمعا، وإذا لم يعرفا بالعدالة لم يقبل منهما، لأنهما قد يدعيان ما شاءا.
وعلى أنه قد نص العلماء على أنه لم يدرك النبي ﷺ.
قال البخاري في تاريخه في باب الحكم بن سفيان المذكور: قال بعض ولد الحكم: لم يدرك الحكم النبي ﷺ.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في علله: أخبرني أبي، عن شاذان، عن شريك، سألت أهل الحكم بن سفيان، فذكروا أنه لم يدرك النبي ﷺ.
وذكر أبو القاسم البغوي عن سفيان بن عيينة، أنه قال: سألت آل الحكم ابن سفيان، فقالوا: لم تكن له صحبة.
وقد تغير في أمره كلام أبي عمر بن عبد البر، حين قال: سماعه النبي ﷺ عندي صحيح، لأنه نقله الثقات، منهم سفيان الثوري، ولم يخالفه من هو في الحفظ والإتقان مثله
[ ٥ / ١٣٤ ]
كذا قال أبو عمر، وهو كلام [غير مسلم وينبغي وضع النظر فيه]، فإن شعبة وهو من هو قد قال ذلك، ووهيب أيضًا قد قاله.
فإن قيل: قد اختلف فيه على شعبة، فلم يذكر النضر عنه قوله: «عن أبيه» قلنا: وسفيان الثوري أيضًا عنه في هذا أقوال: منها قول محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم، أو الحكم بن سفيان الثقفي، قال: «كان النبي ﷺ إذا بال توضأ وينتضح» ذكره أبو داود
فإن احتج أبو عمر بهذه الرواية من حيث لم [يقل] فيها: «عن أبيه»: قلنا: هي محتملة أن تكون نشكا في اسم الرجل الذي قال: إنه رأى النبي ﷺ، أو أن تكون شكًا في كونه الأب أو الابن، فهي بهذا الاحتمال الثاني متردد فيها بين الإرسال والانقطاع، وكأنه يقول: لا أدري أعن سفيان بن الحكم، فيكون مرسلًا، أو عن أبيه الحكم بن سفيان، فيكون منقطعًا؟ ولم يذكر فه الرواية أو السماع، فينقطع النزاع، ويرتفع الاحتمال، وذكر فيها لفظة «كان» وفيها ما فيها.
وقد ذكر البخاري في تاريخه رواية محمد بن كثير هذه عن سفيان، كما ذكرها أبو داود.
ورواه أيضًا كذلك عن سفيان بغير زيادة «عن أبيه»، والشك في الحكم، أو سفيان عبد الرحمن بن مهدي، ولفظه أحسن من لفظ محمد بن كثير، قال فيه: «رأيت النبي ﷺ بال ثم توضأ ونضح فرجه بالماء». ذكرها ابن السكن
[ ٥ / ١٣٥ ]
وممن رواه هكذا: معمر كما تقدم ذكره في الأصل من كتاب عبد الرزاق.
وممن رواه عن سفيان الثوري بغير زيادة «عن أبيه» دون شك في الأب والابن، محمد بن يوسف، وهي التي يمكن أن يحتج بها ابن عبد البر لما ذهب [إليه من تصحيح صحبة الحكم، قال فيه محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، قال: رأيت النبي ﷺ توضأ ونضح فرجه] بالماء. ذكر ذلك عنه البخاري في تاريخه.
ويمنعه من الاحتجاج به رواية من رواه عنه بالشك كما قدمناه.
ورواه وكيع عن سفيان، فقال فيه: عن منصور، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، لم يسمه، ذكرها ابن السكن.
وقد رواه عن منصور هكذا - أعني بغير شك ولا زيادة «عن أبيه» عمار بن رزين، وجرير بن عبد الحميد، ولسي فيه لفظة «كان»، وإنا أخبر عن فعلة واحدة. ذكر حديثهما ابن السكن.
ورواه كذلك أيضًا زكريا بن أبي زائدة، عن منصور. ذكره البخاري في تاريخه.
ورواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كما رواه منصور عن مجاهد، في رواية وكيع عن سفيان، أعني أنه قال فيه: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، إلا أنه زاد «عن أبيه»، وذكر فعلة واحدة. ذكرها أبو داود.
وإذ قد انتهينا إلى هنا، فنقول بعده: لا نترك رواية من زاد عن أبيه لترك من ترك ذلك، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وإذا لم يكن بد من زيادته، فالحكم تابعي، فيحتاج أن نعرف من عدالته ما يلزمنا به قبول روايته، وإن لم يثبت ذلك لم تصح عندنا روايته، ونسأل من صححها عما علم من
[ ٥ / ١٣٦ ]
حاله، وليس بمبين لها فيما أعلم. والله الموفق
(٢٣٧٧) وذكر من طريق الترمذي، ومن طريق أبي داود - صفة الوضوء من رواية الربيع بنت معوذ.
وأتبعه أن الحميدي، وأحمد، وإسحاق، كانوا يحتجون بحديث عبد الله ابن محمد بن عقيل.
فأوهم هذا صحته عنده، وهو مذهبه فيه.
وقد بينا عمله في أحاديثه في باب الأحاديث التي أوردها على أنها صحيحة، وليست كذلك، ولها طرق أخر صحيحة أو حسنة
(٢٣٧٨) وذكر حديث عائشة: «أمر ببناء المساجد في الدور، [وأن تطيب وتنظف» زاد من حديث سمرة: «ونصلح صـ]ـنعتها»]
[ ٥ / ١٣٧ ]
والأول أشهر إسنادًا، وإن كان قد روي مرسلًا عن عروة.
كذا قال، ويقضى ظاهره بأن حديث سمرة شيء ملتفت إليه بحيث يفاضل بينه وبين حديث عائشة، وهذا لا شيء، فإن حديث عائشة لا شك في صحته، رفعه مسندًا جماعة من أصحاب هشام بن عروة، ولا يضره إرسال ابن عيينة إياه، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن النبي ﷺ.
فأما حديث سمرة فبإسناد مجهول البتة، فيه جعفر بن سعد بن سمرة، وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه سليمان بن سمرة.
وما من هؤلاء، من تعرف له حال، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد تروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة.
وقد تقدم لأبي محمد حديث سمرة فيمن نسي صلاة أو نام عنها، أنه يصليها مع التي تليها.
ساقه من طريق البزار، ثم أتبعه أن قال في هؤلاء: ليسوا بأقوياء
(٢٣٧٩) وذكر أيضًا من طريق البزار، من رواية خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطيئتي» الحديث.
ثم قال بإثره: الصحيح في هذا فعل النبي ﷺ لا أمره، كما أخرج مسلم عن أبي هريرة
[ ٥ / ١٣٨ ]
(٢٣٨٠) وذكر [حديث] سمرة: «سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم» من هذا الطريق.
ثم قال: ليس هذا الإسناد مشهورًا
(٢٣٨١) وذكر حديث: «كان يأمرنا أن يصلي أحدنا بعد المكتوبة كل ليلة ما قل أو كثر».
من رواية خبيب بن سليمان المذكور، عن أبيه، عن جده، ثم قال بعده: خبيب ضعيف
(٢٣٨٢) وذكر من طريق أبي داود، ثم من طريق الدارقطني في الزكاة حديث: «أمرنا أن نخرج الزكاة [من الذي نعد للبيع».
ثم قال: خبيب هذا ليس بمشهور، ولا أعلم روى عنه] إلا [جعفر بن سعد بن سمرة، وليس جعفر هذا ممن يعتمد عليه
(٢٣٨٣) وذكر من طريق أبي داود] عن سليمان بن سمرة: «أما
[ ٥ / ١٣٩ ]
بعد، كان رسول الله ﷺ يقول: من يكتم غالًا فإنه مثله».
وسكت عنه فلم يقل فيه شيئًا، ولا نبه على أنه من رواية جعفر بن سعد المذكور، عن خبيب المذكور، عن أبيه سليمان، فكان هذا منه تصحيحًا له، كما أوهمته مفاضلته الآن، ما بين حديث سمرة وعائشة، فاعلم ذلك
(٢٣٨٤) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث أبي بكر: عبد الحميد ابن جعفر الحنفي، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها».
ثم قال: رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وابن معين.
وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه، ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور. هذا نص ما ذكره به.
وهو بهذا القول صححه، وهو لا يصح، وأخطأ خطأ فاحشًا في قوله: من حديث أبي بكر: عبد الحميد بن جعفر الحنفي، عن نوح بن أبي بلال،
[ ٥ / ١٤٠ ]
وهذا تغيير لا يليق به.
ولعله قد سقط من الكلام «عن» حتى يكون عن: أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، على أن تأخير النسبة، ونسبة عبد الحميد بها، تدل على أن ذلك من عمله، والحديث إنما يرويه أبو بكر الحنفي - واسمه عبد الكبير ابن عبد المجيد، أخو أبي علي: عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي -، وهو ثقة مشهور، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن نوح بن أبي بلال.
كذلك ذكره الدارقطني وابن السكن، قالا: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عقبة بن مكرم. حدثنا أبو بكر [الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال أنبأني نوح بن أبي بلال] وعلة الخبر هي أن أبا بكر الحنفي قال متصلًا به، ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه.
فإذن قول أبي محمد: رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، لم يورده كما يجب، فإن الذي يفهم من إيراده، هو أن عبد الحميد رواه عن رجل فرفعه، ورواه عنه غيره فوقفه.
والمسألة أشنع من هذا، إنما رواه لأبي بكر الحنفي مرفوعًا، فمر أبو بكر الحنفي إلى الشيخ الذي رواه لهم عنه، فحدثه به موقوفًا، فما ظاهر القصة إلا أنه أنكر أن يكون حدث به مرفوعًا، بعد أن عرفه أبو بكر الحنفي أنه قد حدث به عبد الحميد عنه فرفعه.
وإذا كان الأمر هكذا، صارت المسألة مسألة ما إذا روي عن رجل حديث
[ ٥ / ١٤١ ]
فأنكر أن يكون حدث به، وإن لم يسلم هذا التنزيل، فالمسألة مسألة رجل مضعف أو مختلف فيه، رفع ما وقفه غيره من الثقات، وذلك أن أبا بكر الحنفي، ثقة بلا خلاف، وهو قد لقي نوحًا فحدثه به موقوفًا، ولم يعتمد على ما رواه له عند عبد الحميد بن جعفر من ذلك مرفوعًا، لأن عبد الحميد ينسب إلى القول بالقدر، وكان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسن، ابن علي بن أبي طالب.
وقد قدمنا لتنبيه على هذا الحديث في باب الأحاديث المغيرة
(٢٣٨٥) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة قال: «حذف السلام سنة»
قال فيه: حسن صحيح.
فهذا منه قناعة بتصحيح الترمذي له.
وهو لا يصح لا موقوفًا هكذا، ولا مرفوعًا كما ذكره أبو داود، من أجل
[ ٥ / ١٤٢ ]
أنه في حالية من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل الذي يقال له: كاسر المد، وهو ضعيف، ولم يخرج له مسلم محتجًا به، بل مقرونًا بغيره، قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، وهقل بن زياد عن الأوزاعي [عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] قال: «حذف [السلام سنة»، وقال: حديث حسن صحيح.
وقال أبو داود]: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «حذف السلام سنة».
كذا ساقه أبو داود مرفوعًا، ولكنه أورد بأثره أن الفريابي لما رجع من مكة ترك رفعه، وقال: نهاني أحمد بن حنبل عن رفعه.
ففي هذا أن أحمد أخذه عنه مرفوعًا، ونهاه عن رفعه.
وقال عيسى بن يونس الرملي: نهاني ابن المبارك عن رفعه.
وهذا كله قد كان يعرض عنه لو كان راوية ثقة، وإذ ليس بمعتمد فلا حرج على ما رفع ولا ما وقف، فما ينبغي تصحيح ما روى، ولو صححه الترمذي أو غيره.
وقد بينوا علة ضعف قرة، قال فيه أحمد بن حنبل: منكر الحديث جدًا
[ ٥ / ١٤٣ ]
وقال البخاري: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه
(٢٣٨٦) وذكر حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، في عدد التكبير في العيد.
وقد بينا أمره في باب الأشياء التي عزاها إلى مواضع لم أجدها فيها أو لم أجدها كما ذكر
(٢٣٨٧) وذكر من طريق أبي داود، عن عبيد الله التيمي، عن أبي هريرة «أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي ﷺ العيد في المسجد»
ثبت بعد هذا الحديث في بعض النسخ كلام منه، وهو أن قال: وقع في بعض النسخ من هذا الكتاب، في آخر هذا الحديث، عبيد الله ضعيف عندهم، وكان ذلك وهمًا مني، وإنما المتكلم فيه ابن أخيه عبيد الله بن عبد الرحمن،
[ ٥ / ١٤٤ ]
ضعفه يحيى بن معين في رواية الدوري، ووثقه في رواية إسحاق بن منصور، ذكر ذلك ابو محمد بن أبي حاتم.
وقال فيه [النسائي: ليس بذاك القوي.
والمذكور في هذا الحديث، هو عبيد الله بن عبد الله] بن موهب، التيمي المدني …] وهو يعطي عطاء بينا صحة الحديث عنده.
وما مثله صحح، للجهل بحال عبيد الله بن عبد الله بن موهب، والد يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب المكنى به.
وللجهل بحال عيسى بن عبد الأعلى الفروي راوية عنه في كتاب أبي داود
بل لا أعلمه مذكورًا في شيء من كتب الرجال، ولا في غير هذا الإسناد.
ولما روى الوليد بن مسلم هذا الحديث إنما قال فيه: حدثنا رجل من الفرويين، وسماه الربيع بن سليمان، عن عبد الله بن يوسف عنه، فقال: عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة.
ولا يعلم روى عن عبيد الله أبي يحيى المذكور - سوى ابنه يحيى - غير هذا الفروي الذي هو في حكم المعدوم، وغير ابن أخيه عبيد الله بن عبد الرحمن، فالحديث لا يصح، فاعلم ذلك
(٢٣٨٨) وذكر في البكاء على الميت من عند ابن أبي خيثمة قطعة من
[ ٥ / ١٤٥ ]
حديث قيلة بنت مخرمة في بكائها على ابنها
ثم قال بإثره: حديث قيلة مشهور، خرجه الناس كاملا ومقطعًا.
هذا ما ذكره به، فهو - كما ترى - بحكم قوله المطلق فيما سكت عن تعليله من الأحاديث، صحيح، بل يزيد ذلك تأكيدًا قوله فيه: إنه مشهور وليس الأمر فيه كذلك، بل هو أينما وقع راجع إلى أبي الجنيد: عبد الله ابن حسان العنبري.
قال أبو علي بن السكن: لم يروه غيره عن جدتيه: صفية، ودحيبة بنتي عليبة، وكانتا ربيبتي قيلة، أن قيلة حدثتهما.
وهذا غاية في الضعف، فإن أحاديث النساء متقاة، محذورة منها قديمًا من أئمة هذا الشأن، إلا المعلومات منهن الثقات، فأما هؤلاء الخاملات، القليلات العلم، اللاتي إنما اتفق لهن أن روين أحاديث آبائهن، أو أمهاتهن، أو إخوانهن، أو أخواتهن، أو أقربائهن بالجملة، بحيث يعلم أنهن مما [] لها فأخذ [] قد روت العلم، وتحملته وحملته إلى الآخذين عنها، فإن الغالب في هؤلاء، أنهن من المستورات، كمساتير الرجال.
فأما مثل عمرة بنت عبد الرحمن، وعائشة بنت طلحة، وصفية بنت شيبة، وأشباههن من ثقاتهن، فلا ريب في وجوب قبول روايتهن.
ويكفيك من هذا أنك لا تجد في شيء من كتب الرجال المصنفة للتعريف بأحوال الرواة وإحصائهم، ذكرًا لهاتين المرأتين وأشباههما.
وعبد الله بن حسان أيضًا هو كذلك أعني من المجاهيل الأحوال، الذين لا
[ ٥ / ١٤٦ ]
علم عندهم يعرف، وقد اتفق له أن روى هذا الحديث، فأخذه عنه جماعة، كعبد الله بن سوار، وأحمد بن إسحاق، وحفص بن عمر الحوضي، وعفان، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبي داود الطيالسي، والمقرئ، وعلي بن عثمان اللاحقي.
ومع ذلك فلا تعرف حاله، وكبر شأن هذا الحديث في المرأتين المذكورتين، فإنهما لا يعرفان أصلًا بغيره
وهو حديث طويل، تقتطع منه القطع، بحسب تقاضي الأبواب إياها، فاعلم ذلك
(٢٣٨٩) وذكر في آخر كتاب الجنائزمن عند الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة».
ثم قال: ذكره في كتاب العلل في حديث ابن عمر وصححه. انتهى ما أورد.
وإنما قال هذا القول، لأن كتاب العلل للدارقطني لم يصنف فيه علل حديث ابن عباس في جماعة من مشاهير الصحابة، تركهم أيضًا، أو لم ينته إليهم عمله في التأليف المذكور.
فلو ذكر أبو محمد حديث ابن عباس عن النبي ﷺ، ويعزوه إلى علل الدارقطني، أوقع قارئه في حيرة، إن هو أراد الوقوف على إسناده في الموضع الذي نقله منه، وعزاه إليه، فلذلك بين أنه ذكره في حديث ابن عمر - يعني أنه عرض له - في خلال أحاديث ابن عمر ذكره
[ ٥ / ١٤٧ ]
وقد كتبنا في باب [الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة أو مشكوك في اتصالها جملة] أحاديث، ساقها أبو محمد من هذا الكتاب: كتاب العلل للدارقطني، وبينا هناك أن جميعها منقطع، لأن الكتاب المذكور ليست الأحاديث فيه موصلة الأسانيد، فخفت لكثرة ما مر في ذلك الباب من هذا النوع أن يظن قارئ هذا الموضع أن حديث ابن عباس هذا أيضًا هو من ذلك القبيل عند الدارقطني، أعني مما لم يوصل به إسناده في الكتاب المذكور.
وليس الأمر فيه كذلك، بل هو عنده موصل الإسناد.
وإيراد الموضع بنصه يبين هذا، ويبين أيضًا ما قصدنا الآن بيانه من أنه ليس بصحيح، ومن أن الدارقطني لم يصححه.
قال الدارقطني في الكتاب المذكور: وسئل عن حديث يروى عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة» فقال: يرويه عبد العزيز ابن أبي رواد، واختلف عنه، فرواه هذيل بن الحكم، واختلف عنه، حدث به يوسف بن محمد العطار، عن محمود بن علي، عن هذيل بن الحكم عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، والصحيح ما حدثناه إسماعيل الوراق، حدثنا حفص بن عمر، وعمر بن شبة قالا: حدثنا الهذيل بن الحكم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس
[ ٥ / ١٤٨ ]
أن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة» انتهى ما ذكره الدارقطني بنصه.
والآن انتهيت إلى بيان ما قصدت بيانه، فأقول - وبالله التوفيق -.
إن هذا الحديث لا يصح، ولم يصححه الدارقطني كما زعم أبو محمد، وإنما ذكر الاختلاف الذي اختلفوا فيه على الهذيل بن الحكم، فصحح عنه قول من قال فيه: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحكم له على من قال فيه: عنه، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر.
وبقي هل هو صحيح من الهذيل بن الحكم إلى النبي ﷺ لم يعرض لذلك الدارقطني، [لأن الهذيل بن الحكم المذكور ضعيف، ولا يمكن أن يصححه الدارقطني] أو غيره.
[وأبو المنذر المذكور، ضعيف قال فيه البخاري: منكر الحديث، وهو القائل عن نفسه في كتابه الأوسط: كل] من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه.
وقد ذكره في جملة الضعفاء أبو جعفر العقيلي، وحكى قول البخاري فيه، وزاد أنه لا يقيم الحديث.
وقال أبو حاتم البستي: إنه منكر الحديث جدًا ولا يعرف هذا الحديث إلا به، ومن طريقه.
وأبو محمد ﵀ اعتراه فيه أحد أمرين: إما أن يكون لم يتثبت
[ ٥ / ١٤٩ ]
في كلام الدارقطني: «والصحيح ما حدثنا فلان» فاعتقده تصحيحًا للحديث، ولم يبحث عنه.
وإما أن يكون علم من أمر هذيل بن الحكم المذكور، أن أبا محمد بن حاتم - وهو ملجؤه في التعديل والتجريح - قد ذكره برواته من فوق ومن أسفل، وأهمله من التعديل والتجريح، فحمل الأمر على ما عهد منه في أمثاله من قبول روايات من روى عن أحدهم أكثر من واحد، فصحح الحديث لأجل ذلك، فلم يذكر له علة، وحمل كلام الدارقطني على ما ذهب إليه، فأساء النقل عنه.
وقد بينا قبل ونبين الآن أن أبا محمد بن أبي حاتم إنما أهمل هؤلاء من الجرح والتعديل، لأنه لم يعرفه فيهم، فهم عنده مجهولو الأحوال، بين ذلك عن نفسه في أول كتابه.
وهم على قسمين: قسم لم يرو عن أحدهم إلا واحد، فهذا لا تقبل رواياته، وقسم روى عن أحدهم أكثر من واحد، فهؤلاء هم المساتير الذين اختلف في قبول رواياتهم.
فطائفة من المحدثين تقبل رواية أحدهم، اعتمادا على ما يثبت من إسلامه برواية عدلين عنه شريعة من الشرائع، وما عهدناهم يروون الدين والشرع إلا عن مسلم، وهم لا يبتغون في الشاهد والراوي مزيدًا على إسلامه، بل يقبلون منه ما لم تتبين جرحة، فيعمل بحسبها.
وطائفة ردت روايات هذا النوع، وهم الذين يلتمسون في الشاهد والراوي مزيدًا على إسلامه، وهو العدالة، فما [أرى أبا محمد: عبد الحق إلا
[ ٥ / ١٥٠ ]
أنه ذهب مذهب] الطائفة [التي لا تبغي على الإسلام مزيدًا في حق الشاهد والراوي، واعتقد في الهذيل] بن الحكم أنه منهم، ولم يختبر حاله، ولا سمع قول البخاري الذي اختبرها، وقول غيره: إنه منكر الحديث.
ولزمه سوء النقل، فيما عزا إلى الدارقطني من تصحيحه الخبر المذكور وهو لم يفعل، وإنما صحح عن الهذيل أحد القولين عنه، هذا هو الذي تشاغل به الدارقطني من هذا الحديث فقط، وهو الذي تشاغل به غيره من أمره، نذكر بعض ذلك تأنيسًا بهذا المقدار.
قال أبو أحمد بن عدي - بعد أن ذكر حديث ابن عباس وحديث ابن عمر بأسانيدهما، وذكر من رواه عن الهذيل بن الحكم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهم جماعة، ومن رواه عن الهذيل بن الحكم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، وهو محمد بن صدران: لا أدري من أخطأ فيه، يعني في رواية من قال: نافع، عن ابن عمر، والذيل بن الحكم يعرف بهذا الحديث. انتهى كلامه
وفيه ما قلناه: من تشاغله من أمره بتخطئة من جعله عن نافع، عن ابن عمر.
وإذ قد انتهينا إلى هنا، فلننبه على موضع للحديث المذكور، تكون نسبته إليه أشرف، إذ كتاب علل الدارقطني غير موصل الأحاديث كما قلناه.
قال علي بن عبد العزيز في منتخبه: حدثنا محمد بن كثير العبدي، قال: أخبرنا الهذيل بن الحكم أبو المنذر، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «موت الغريب شهادة»
[ ٥ / ١٥١ ]
وقد روي من طريق أبي هريرة، ولا يصح أيضًا
قال العقيلي: حدثنا محمد بن جعفر بن برين، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن نافع، قال: حدثنا أبو رجاء الخرساني: عبد الله بن الفضل، عن هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «موت الغريب شهادة».
قال العقيلي: أبو رجاء منكر الحديث، وفي هذا رواية [من غير وجه، شبيه بهذا في الضعف. انتهي كلام العقيلي]، والله الموفق
(٢٣٩٠) وذكر [من طريق مسلم حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في الصوم في السفر.
وأتبعه] من عند أبي داود حديثه الذي فيه: «يا رسول الله إني صاحب ظهر، أعالجه، أسافر عليه، وأكريه».
ثم قال بإثره: إسناد مسلم أصح وأجل. انتهى ما ذكر.
فلاحتمال قوله المذكور أن يكون تعليلًا، ذكرناه في باب الأحاديث التي أجمل تعليلها، وباحتمال أن يكون تصحيحًا وجب أن ننبه عليه هاهنا، ويرجع من أراد الوقف على علته إلى الباب المذكور، فقد فرغنا منها هنالك، والحمد لله
[ ٥ / ١٥٢ ]
(٢٣٩١) ومما هو أيضًا من هذا الباب، حديث أبي سعيد في الصوم في السفر: «إني راكب وأنتم مشاة» من عند البزار.
فإنه لما ذكره وفرغ، أورد إسناد البزار فيه وهو: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة عنه.
ولم تجرعادته فيما هو صحيح أن يذكر أسانيده، فكان هذا تبرؤًا من عهدته.
ومن حديث عهدناه يقبل الجريري على كل أحواله، ولا يميز بين حديث حديثه وقديمة، يتوهم أنه صححه.
فإن كان كذلك، فاعلم أنه لا ينبغي أن يقال فيه: صحيح حتى يعلم متى كان سماع عبد الأعلى من الجريري، والله أعلم
(٢٣٩٢) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على المرأة حرم إلا في وجهها».
ثم أتبعه أن قال: في إسناده ايوب بن محمد، وأحسن ما سمعت فيه: لا بأس به، انتهى كلامه.
وظاهره أنه صححه أو حسنه، فإنه لم ينقل فيه تضعيفًا، ولا أدري لم اقتصر مما سمع في أبي الجمل على أحسن ما سمع، وليس هو من رغائب
[ ٥ / ١٥٣ ]
الأعمال فيتسامح فيه، وقد سمع في هذا الرجل ما هو أحسن مما سمع أبو محمد.
قال أبو أحمد بن عدي: حدثنا الحسين بن سفيان، قال: حدثنا يعقوب ابن سفيان، قال: [حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا أيوب بن محمد، أبو الجمل، ثقة، عن] عبيد الله بن [عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس] على المرأة حرم إلا في وجهها».
كذا أورده من رواية كما هو عند الدارقطني، إلا أنه زاد توثيق أيوب بن محمد أبي الجمل في نفس الإسناد.
قال: أبو أحمد: وهما حديثان يعرف بهما، هذا أحدهما.
والآخر حديثه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود
(٢٣٩٣) قال رسول الله ﷺ: «الجزور في الأضحى عن عشرة».
والقائل لما ذكر أبو محمد من أنه لا بأس به، هو أبو حاتم الرازي، فأما أبو زرعة فإنه قال: إنه منكر الحديث.
وقال عثمان الرازي: قلت ليحيى بن معين: عبيد الله الحنفي يقول: حدثنا أبو الجمل، من هو؟ قال: شيخ، ضعيف يمامي.
فخرج من هذا أن الحديث المذكور لا ينبغي أن يقال فيه: صحيح، فإن أبا
[ ٥ / ١٥٤ ]
الجمل مختلف فيه، وقد فسر تضعيفه بنكارة ما يرويه، وهو مسقط للثقة بروايته.
وهناك رجل آخر يمامي أيضًا، يكنى أبا الجمل، كذا قال ابن عدي وقال ابن معين: يقال: له أبو الجمل، هو سليمان بن داود، روى عن يحيى بن أبي كثير، وهو أيضًا منكر الحديث كذلك.
وبعد هذا ذكر في كتاب الحج نفسه حديث أبي الجمل المشار إليه، الثاني من حديثه في الجزور عن عشرة.
وأتبعه أن قال: أيوب هذا يكنى أبا الجمل، وهو ضعيف، ولم يروه عن عطاء بن السائب غيره، والصحيح ما تقدم من فعل الصحابة.
فهذا منه تضعيف للحديث، من أجل ضعف أبي الجمل المذكور، وهذا من فعله أصوب من الأول، فاعلمه
(٢٣٩٤) وذكر من طريق أبي عمر من التمهيد، من باب جعفر، عن حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول: سعوا فإن الله كتب عليكم السعي».
رواه عبد الله بن المؤمل، وتفرد به، وقال أبو عمر فيه]: كان سيئ الحفظ [،
[ ٥ / ١٥٥ ]
ولا تعلم له خربة تسقط عدالته. انتهى كلامه.
وهو منه] تصحيح للحديث المذكور بتصحيح أبي عمر له.
وهو لا يصح، وأول ما نبدأ به من بيان أمره أن هذا اللفظ الذي أورد من التمهيد، هو في التمهيد منقطع الإسناد بسقوط واحد، ويتصل بثبوته من جهة أخرى، ولكن بلفظ خلاف هذا اللفظ الذي أورد، وهو مع ذلك من كل طرقه لا يصح، لأنه دائر على عبد الله بن المؤمل المخزومي، قاضي مكة، وهو - وإن كان قد وثقه ابن معين في بعض الروايات عنه - ضعيف.
وعلته شيئان: أحدهما: سوء الحفظ، والآخر: نكارة الحديث، ونكارة الحديث كافية في إسقاط الثقة بمن جربت عليه.
حكى العقيلي عن أحمد أنه قال: أحاديثه مناكير.
وقال أبو حاتم البستي: كان قليل الحديث، منكر الرواية، ثم ذكر مما ينكر عليه أحاديث.
وكذلك فعل أبو أحمد بن عدي، وذكر من جملة ما ينكر عليه هذا الحديث، قال: وبه يعرف، قال: وعامة حديثه الضعف عليه بين.
وكل ما ذكر له من الحديث قال فيه: غير محفوظ - يعني لغيره -.
وأما كلام أبي عمر بن عبد البر الذي اختصره أبو محمد، واعتمده فإن نصه في موضعه هو هذا: فإن قال قائل: إن عبد الله بن المؤمل ليس ممن يحتج
[ ٥ / ١٥٦ ]
بحديثه لضعفه، وقد انفرد بهذا الحديث، قيل له: هو سيئ الحفظ، فلذلك اضطربت الرواية عنه، وما علمنا له جرحة تسقط عدالته وقد روى عنه جماعة من جلة العلماء، وفي ذلك ما يرفع من حاله، والاضطراب عنه لا يسقط حديثه، لأن الاختلاف على ألأئمة كثير، ولم يقدح ذلك في روايتهم، وقد اتفق شاهدان عدلان عليه، وهما: الشافعي، وأبو نعيم، وليس من لم يحفظ ولم يقم، حجة على من أقام وحفظ. انتهى كلام ابن عبد البر.
[] فلذلك [] وحين قال: والاضطراب عنه لا يسقط حديثه، لأن الاختلاف على الأئمة كثير إلى آخره أعطي نقيض ذلك، وجعل الاضطراب فيما روى عنه من رواته لا منه، والحق في أمره أنه - لسوء حفظه - اضطراب ما روي عنه، فلنبين ما عنه في هذا الحديث.
رواه عنه سريج بن النعمان - وهو ثقة - فقال عنه: عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ فذكرت اللفظ المذكور، وهذا هو إسناده، رواه عن سريج بن النعمان أبو بكر ابن أبي خيثمة، وعن ابن أبي خيثمة قاسم بن أصبغ، وفيه انقطاع كما قلناه، وذلك مبين في كتاب التمهيد بتبيين أبي عمر نفسه، وأعرض عنه أبو محمد، وذلك أنه قال: هكذا قال: «عن عبد الله بن المؤمل»، عن عطاء وبينهما في هذا الحديث عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي
[ ٥ / ١٥٧ ]
ثم أورد كذلك رواية أبي نعيم، عن عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن السهمي، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجرأة - امرأة من أهل اليمن - قالت: «لما سعى النبي ﷺ بين الصفا والمروة، دخلنا في دار آل أبي حسين في نسوة من قريش، فرأيت النبي ﷺ يسعى في بطن الوادي، وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».
هذا هو اللفظ الذي اتصل عنده سنده، وأبو محمد إنما ساق اللفظ الذي إسناده منقطع بسقوط ابن محيصن منه بين ابن مؤمل وعطاء.
وفي هذا المتصل وهم نبه عليه أيضًا أبو عمر نفسه، وهو قوله: «امرأة من أهل اليمن». قال أبو عمر: قول أبي نعيم: امرأة من أهل اليمن ليس بشيء، قال: والصواب ما قال الشافعي.
ثم أورد رواية الشافعي من طريق الطحاوي، قال: حدثنا المزني، حدثنا الشافعي، أخبرنا عبد الله بن المؤمل العائدي، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، [عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تجراة، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: «دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين] ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى» الحديث.
قال أبو عمر: وذكره أبو بكر بن أبي شيبة فأخطأ في إسناده، وهو، أو محمد بن بشر في موضعين: أحدهما أنه جعل بدل ابن محيصن عبد الله بن أبي حسين، والآخر أنه أسقط صفية بنت شيبة.
كذا قال أبو عمر، وعندي أن الخطأ فيه إنما هو من عبد الله بن المؤمل، فإن
[ ٥ / ١٥٨ ]
محمد بن بشر رواية عنه ثقة، وابن أبي شيبة إمام، وعبد الله بن المؤمل، يحتمل - بسوء حفظه - أن يحمل عليه، وقد ظهر اضطرابه في هذا الحديث.
وعنه أيضًا فيه خطأ آخر، رواه عنه محمد بن سنان العوقي، وذلك أنه قال فيه، عن عبد الله بن المؤمل أن الطواف المذكور كان حول البيت، وأسقط من الإسناد عطاء.
ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن أيوب، قال: أخبرنا محمد بن سنان العوقي، أخبرنا عبد الله بن المؤمل، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، عن صفية بنت شيبة، عن امرأة يقال لها: حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: «دخلت المسجد أنا ونسوة معي من قريش، قالت: والنبي ﷺ يطوف بالبيت، قالت: إنه ليسعى حتى إني لأرثي له وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».
كل هذا الذي ذكرناه ذكره أبو عمر، قال: والصحيح في إسناده ومتنه ما ذكر الشافعي، وأبو نعيم، إلا قول أبي نعيم: «من أهل اليمن»، فليس بشيء.
قلت: وقد روى يوسف بن محمد، ومعاذ بن هانئ، عن عبد الله بن المؤمل مثل رواية الشافعي، وذكر ذلك الدارقطني.
فهذا الاضطراب بإسقاط عطاء تارة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وإبدال ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، وجعل المرأة عبدرية تارة، ومن أهل اليمن أخرى، وفي الطواف تارة وفي السعي [بين الصفا والمروة أخرى من عبد الله بن المؤمل هو دليل على سوء حفظه وقلة ضبطه
و] ما عهد [من أبي محمد، هو رد روايات ابن المؤمل
[ ٥ / ١٥٩ ]
(٢٣٩٥) فقد ذكر حديث] «ماء زمزم لما شرب له».
فأعله بعبد الله ابن المؤمل، فإنه تبرأ من عهدته بإبرازه عن أبي الزبير عن جابر
وما أراه يعتقد في هذا الحديث الصحة، ولكن كلامه يوهمها، فقصدنا بيان الصواب فيه، وقد فعلنا، والله الموفق
(٢٣٩٦) وذكر بعده من طريق النسائي، عن صفية بنت شيبة، عن امرأة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسعى في المسيل ويقول: «لا يقطع الوادي إلا شدا»
ثم قال: قال أبو عمر وذكر هذا الحديث: هذا يبين صحة ما قاله عبد الله ابن المؤمل. انتهى كلامه.
فأقول: هذا الحديث صحيح إلى هذه المرأة التي زعمت أنها سمعت ورأت، وليس فيه معنى الأول، وهو قوله: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».
قال النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن بديل، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية، فذكره.
والمغيرة ثقة، وبديل بن ميسرة العقيلي ثقة، وقد روى هذا عن المغيرة بن حكيم من لا يحتج به، وهو المثنى بن صباح، فجعله كحديث عبد الله بن المؤمل، إلا أنه سمى المرأة، قال فيه: عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك الشيبية قالت: نظرت إلى رسول الله ﷺ وأنا في غرفة لي
[ ٥ / ١٦٠ ]
بين الصفا والمروة وهو يقول: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا».
روى ذلك الثوري عن المثنى، ذكره العقيلي
(٢٣٩٧) وذكر من طريق الترمذي عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال».
ثم أتبعه قول الترمذي فيه: حسن صحيح غريب.
فلو سكت عنه، قلنا: تسامح فيه، لأنه من أحاديث فضائل الأعمال، فأما بما أتبعه من هذا القول فقد حكم عليه بالصحة.
وإسناده عند الترمذي [هو هذا، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا نعيم بن حماد]، حدثنا بقية بن [الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال]: قال رسول الله ﷺ. فذكره.
وقد تقدم له في كتاب العلم ذكر ما لهم في نعيم بن حماد: من أنه اتهم بوضع الحديث في تقوية السنة، وتوثيق من وثقه.
وتقدم أيضًا ما اعتراه في بقية من الاضطراب إلا أنه في أكثر أمره يقول: أحسن حديثه ما كان عن بحير بن سعد، فالذي ينبغي أن يقال: إن هذا الحديث حسن
[ ٥ / ١٦١ ]
(٢٣٩٨) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله» الحديث.
ثم أتبعه قول الترمذي فيه: حسن صحيح.
والحديث عند الترمذي فيه هكذا: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. فذكره.
والقاسم مختلف فيه، فحق الحديث أن يقال فيه: حسن
(٢٣٩٩) وذكر من طريق أبي داود، حديث عبد الله بن عمرو «: أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل». الحديث.
ثم قال: يرويه محمد بن إسحاق، واختلف عنه في إسناده، والحديث مشهور.
كذا قال، وهو قول تبع فيه غيره، والشهرة لا تنفعه، فإن الضعيف قد يشتهر
[ ٥ / ١٦٢ ]
وهو حديث ضعيف يريوه حماد بن سلمة، عن ابن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن [أبي سفيان، عن عمرو بن حريش، عن عبد الله بن عمرو، هكذا ذكره [أبو داود الذي أورده هو من عنده، ورواه جرير بن حازم، عن ابن إسحاق، فأسقط يزيد بن أبي حبيب، وقدم أبا سفيان [على مسلم بن جبير، فقال فيه: عن ابن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم ابن جبير، عن عمرو بن حريش، وذكر هذه الرواية الدارقطني.
ورواه عفان، عن حماد بن سلمة، فقال فيه: عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن أبي سفيان، عن عمرو بن حريش.
وروراه عن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حريش. فذكره.
ورواه عن عبد الأعلى ابن أبي شيبة، فأسقط يزيد بن أبي حبيب وقدم أبا سفيان]، كما فعل جرير بن حازم، إلا أنه قال في مسلم بن جبير: مسلم بن كثير.
فاعلم بعد هذا الاضطراب أن عمرو بن حريش، أبا محمد الزبيدي، مجهول الحال، ومسلم بن جبير لم أجد له ذكرًا، ولا أعلمه في غير هذا الإسناد، وكذلك مسلم بن كثير مجهول الحال أيضًا [إذا كان عن أبي سفيان وأبو سفيان فيه نظر. وأما]، الاضطراب [الذي فيه فإنه تارة يقول: أبو سفيان، عن مسلم بن جبير، وتارة] مسلم بن جبير عنه. وتارة: أبو سفيان [عن] مسلم بن كثير
[ ٥ / ١٦٣ ]
وذكر أبو محمد بن أبي حاتم، فقال: أبو سفيان: مسلم بن كثير، عن عمرو بن حريش، روى عنه محمد بن إسحاق.
فبحسب هذا الاظطراب فيه، لم يتحصل من أمره شيء يجب أن يعتمد عليه، ولكن مع هذا فإن عثمان بن سعيد الدارمي، قال: قلت ليحيى بن معين: محمد بن إسحاق عن أبي سفيان، ما حال أبي سفيان هذا؟ فقال: ثقة مشهور.
وقال ابن أبي حاتم فيه: عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حريش: هذا حديث مشهور.
فالله أعلم أن كان الأمر هكذا، وقد استقل تعليل الحديث بغيره، فهو لا يصح، فاعلم ذلك
(٢٤٠٠) وذكر من طريق الترمذي حديث عروة بن الجعد في الدينار الذي دفعه إليه النبي ﷺ ليشتري له شاة، فاشترى له شاتين. الحديث.
ثم قال بعد كلام: وأخرجه البخاري عن شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا، فكذر الحديث. انتهى ما ذكر.
وهو كما نقل، ما أخل فيه بشيء، غير أنه يجب أن تعرف أن نسبة الخبر
[ ٥ / ١٦٤ ]
إلى البخاري، كما ينسب إليه ما يخرج من صحيح الحديث، خطأ، فإنه ﵀ قد يعلق ما ليس من شرطه إثر التراجم، وقد يترجم بألفاظ أحاديث غير صحيحة، ويورد الأحاديث مرسلة، فلا ينبغي أن يعتقد في هذه كلها أن مذهبه صحتها، بل ليس ذلك بمذهب، إلا فيما يورده بإسناده موصلًا، على نحو ما عرف من شرطه.
ولم يعرف من مذهبه تصحيح حديث في إسناده من لم يسم، كهذا الحديث، بل يكون عنده بحكم المرسل، فإن الحي الذي حدث شبيبًا لا يعرفون، ولا بد أنهم محصورون في عدد، وتوهم أن العدد الذي حدثه عدد يحصل بخبرهم التواتر بحيث لا يوضع فيهم النظر بالجرح والتعديل يكون خطأ، فإذن فالحديث هكذا منقطع [لإبهام الواسطة فيه بين شبيب وعروة، والمتصل منه هو ما]
في آخره من ذكر الخيل، وأنها معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.
ولذلك أتبعه الأحاديث بذلك من رواية ابن عمر، وأنس، وأبي هريرة، وكلها في الخيل.
ولنورد ما أورده بنصه ليكون تبين ذلك أمكن.
ذكر في باب سؤال المشركين النبي ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر أحاديث، فيها إخباره عما يكون، فكان منها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة «أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو
[ ٥ / ١٦٥ ]
اشترى التراب لربح فيه».
قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب من عروة فأتيته، فقال: شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحي يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة».
قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسًا.
قال سفيان: يشتري له شاة كأنها أضحية. انتهى ما أورد البخاري بنصه
(٢٤٠١) وبعده عنده عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»
(٢٤٠٢) وبعده عن أنس، عن النبي ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»
(٢٤٠٣) وبعده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر»
وقبله: «ولا تزال أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم»
(٢٤٠٤) وقبله حديث آخر من نحو ذلك
[ ٥ / ١٦٦ ]
فقد ترى من هذا أن […] تتضمن أنه عليه [] «الخيل في نواصيها الخير» فأورد به حديث عروة وما بعده واعتمد فيه إسناد سفيان، عن شبيب بن غرقدة، قال: سمعت عروة، وجرى في سياق القصة من قصة الدينار ما ليس من مقصوده ولا على شرطه مما حدث به شبيب عن الحي، عن عروة، فاعلم ذلك
(٢٤٠٥) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث أبي عامر الخزاز:
[ ٥ / ١٦٧ ]
صالح بن رستم قال: ولا بأس به عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: «قال رجل: يا رسول الله، مم أضرب يتيمي» الحديث.
وسكت عنه إلا ما أبرز من إسناده، كأنه ليس فيه نظر في غيره.
وهو عند أبي أحمد هكذا: حدثنا إبراهيم بن علي العمري، قال: حدثنا معلى بن مهدي، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عامر الخزاز، فذكره.
وجعفر بن سليمان يضعف، وهو رافضي، وإن كان قد أخرج له مسلم، وأرى أن أبا محمد يقبل أحاديثه، وقد نبهنا على جملة من ذلك.
ومعلى بن مهدي ربما حدث بالمنكر، وإنما كتبناه في هذا الباب لأنه يقول في أبي عامر: لا بأس به، كالمصحح له
(٢٤٠٦) وذكر من طريق الدارقطني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال
[ ٥ / ١٦٩ ]
رسول الله ﷺ: «إن الله ليغار لعبده المسلم، فليغر لنفسه».
ثم قال: هذا حديث صحيح، خرجه في كتاب العلل.
كذا قال: إن الدارقطني قال فيه: صحيح، والدارقطني لم يقل شيئًا من
[ ٥ / ١٧٠ ]
ذلك، وإنما أورد الحديث، وذكر الخلاف في وقفه ورفعه، ثم قال: والصحيح مرفوع، وهذا اللفظ قد يقوله في حديثين ضعيفين: أحدهما موقوف، والآخر مرفوع، من رواية رجل واحد اختلف عليه فيه، فلا يخرج من ذلك تصحيح أحدهما.
والحديث المذكور لا يصح، فإنه عند الدارقطني هكذا: أخبرنا [أبو محمد بن صاعد، والمحاملي، القاضي، حدثنا أبو هشام] الرفاعي، [حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الأعلى، عن أبي عبيدة]، عن أمه، عن عبد الله، قال رسول الله: «إن الله ليغار لعبده المسلم فليغر لنفسه».
وأم أبي عبيدة، زوج ابن مسعود لا يعرف لها حال، وليست زينب امرأة عبد الله الثقفية، تلك صحابية، رويت عنها أحاديث، وعاش ابن مسعود بعد النبي ﷺ إلى سنة ثنتين وثلاثين، فلا أبعد أن يتزوج من لا صحبة لها.
وأبو عبيدة لا يذكر من أبيه شيئًا
(٢٤٠٧) وذكر في طريق أبي أحمد، من حديث عبد الله بن يحيى بن
[ ٥ / ١٧١ ]
أبي كثير وكان من خيار الناس وأهل الدين والورع، عن أبيه، عن رجل من الأنصار: «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل أذني القلب».
ثم قال: رواه إسرائيل بن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير.
ورواه أيضًا يحيى بن إسحاق البجلي، فقال: عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل أذني القلب».
قال: ولم أجد فيه يعني في عبد الله هذا للمتقدمين كلامًا، وقد أثنى عليه إسحاق بن أبي إسرائيل، وأرجوا أنه لا بأس به، ولا أعرف له شيئًا أنكره
[ ٥ / ١٧٢ ]
إلا: «نهى النبي ﷺ عن أكل أذني القلب».
ثم قال أبو محمد: كذا قال: «لم أجد فيه للمتقدمين كلامًا»، وقد قال فيه أحمد بن حنبل: ثقة لا بأس به.
وقال فيه أبو حاتم: صدوق. انتهى ما ذكر بنصه.
ويظهر منه أن الحديث عنده لا عيب فيه، وذلك من حيث اعتمد توثيق عبد الله بن يحيى، وأعرض عما سواه.
وإن أول ما نبين من أمره، الخطأ في قوله: رواه إسرائيل بن أبي إسحاق، وإنما صوابه: إسحاق بن أبي إسرائيل.
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي نسبت إلى غير رواتها وقد عاد هو إلى النطق به صوابًا في قوله: وقد أثنى عليه إسحاق بن أبي إسرائيل
ونبين [الآن نه لا يمكن اعتبار ما ذكر ابن عدي في عبد الله بن يحيى من قوله:] وكان من خيار [الناس وأهل الدين والورع توثيقًا إذ الثناء عليه بالخيرية والدين لا يقتضى ذلك. وأبو] محمد قد اضطرب فيما يكون هكذا، عن رجل لا يعرف أنه من أصحاب النبي ﷺ إلا من قوله، ولم يقل ذلك عنه التابعي.
وقد مر ذكر عمله في ذلك مستوعبًا
[ ٥ / ١٧٣ ]
وهذا مما ينبئ عن ضعف ذلك، فإن هذا الأنصاري لم يقل: إنه رأى النبي ﷺ، ولا أنه سمع منه، ولعله تابعي، وحاله مجهولة.
وهذا هو الذي يغلب على الظن فيه، فإن يحيى بن أبي كثير لم يرو عن صاحب، إلا أنه رأى أنس بن مالك، ولم يسمع منه، وإنما يرسل عنه.
وأبو داود ﵀ قد أورد هذا الحديث في المراسيل من أجل هذا الذي قلناه، فإن الإسناد الذي ساقه به متصل إلى هذا الرجل.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه، قال: حدثني رجل من الأنصار «أن النبي ﷺ نهى عن أكل أذني القلب».
فهذا بيان إرساله عنده، وأبو محمد لم يعرض للحديث من هذه الجهة.
وإلى ذلك، فإن إسحاق بن أبي إسرائيل وإن كان من أهل الصدق، وممن كان الناس إليه عنقًا واحدة للأخذ عنه، والرضا به، فإنه بعد أن أظهر الوقف في القرآن تركوه، وهجروه، وفسدت عندهم روايته، لما ظهر من فساد رأيه، وأحر به أن لا يقبل منه حرف مع ذلك من حاله.
وأما عبد الله بن يحيى فثقة
(٢٤٠٨) وقد ساق عنه مسلم في كتابه، عن أبيه يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسم». فاعلم ذلك
(٢٤٠٩) وذكر من طريق النسائي، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله
[ ٥ / ١٧٤ ]
ابن زرير أنه سمع علي بن أبي طالب قال: «إن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي»
ثم أتبعه أن قال عن ابن المديني: إنه حديث حسن، [رجاله معروفون
هكذا قال، وأبو أفلح مجهول، وعبد الله بن زرير] مجهول الحال
(٢٤١٠) [وذكر من عند الترمذي حديث جابر: «السلام قبل الكلام»
[ ٥ / ١٧٩ ]
وضعفه بتضعيف الترمذي له، من أجل عنبسة بن عبد الرحمن].
قال: وأحسن من هذا ما ذكر أبو أحمد من حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: «السلام قبل السؤال، من بدأكم بالسؤال قبل الكلام فلا تجيبوه».
كذا أورد هذا الحديث، وأبو أحمد يرويه من طريق حفص بن عمر الأيلي، عن عبد العزيز بن أبي رواد.
وحفص بن عمر الأيلي، هو حفص بن عمر بن ميمون، أبو إسماعيل، والد إسماعيل بن حفص، سمع منه أبو حاتم الرازي، وقال: كان شيخًا كذابًا
(٢٤١١) وذكر من طريق البزار، عن الحر بن مالك، عن مبارك بن فضالة،
[ ٥ / ١٨١ ]
عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا قود إلا بالسيف».
ثم قال: أسنده الحر بن مالك هذا، وكان لا بأس به، والناس يرسلونه عن الحسن. انتهى كلامه.
هذا الحديث، كأنه صحيح عنده من قوله هذا، والبزار إنما يرويه عن شيخ له، يقال له: أبو زيد الأيلي، عن الحر بن مالك المذكور، ولا أعرف حال أبي زيد هذا، وقد ترك من كلام البزار بعضًا، ونقل بعضًا، وذلك أن البزارأتبعه أن قال: لا نعلم أحدًا أسنده بأحسن من هذا الإسناد، ولا نعلم أحدًا قال: عن أبي بكرة، إلا الحر بن مالك، ولم يكن به بأس، وأحسبه أخطأ في هذا الحديث، لأن الناس يروونه عن الحسن مرسلًا. انتهى كلام البزار.
وكذا قال أبو حاتم في الحر بن مالك: «لا بأس به».
[ ٥ / ١٨٤ ]
\ ومبارك بن فضالة، وثقة قوم وضعفه آخرون، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وأنكر عليه أحمد قوله في غير حديث عن الحسن: حدثنا عمران، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك، وكان يدلس.
قال ابو زرعة: كان يدلس كثيرًا.
وقال يحيى القطان: لم أقبل منه شيئًا قط إلا شيئًا يقول فيه: حدثنا وحديثه هذا لم يقل فيه حدثنا، وإنما رواه بلفظة «عن».
وقول البزار: لا نعلم أحدًا قال فيه: عن مبارك، عن الحسن، عن أبي بكرة غير الحر بن مالك، فإنه قد قال ذلك عن مبارك [بحسب علمه، وإلا، فليس الأمر فيه كما ذكر]
[ ٥ / ١٨٥ ]