" لأن أمشى على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلى برجلى، أحبُّ إلَيَّ من أن أمشى على قبر مسلم، وما أبالى أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق".
ضعيف. رواه ابن ماجه (١٥٦٧) من طريق المُحَارِبىِّ، عن (٢٠) الليث
_________________
(١) هكذا بالعنعنة عنده، وجاء في "مصباح الزجاجة": "حدثنا الليث بن سعد". وما أراه صوابًا.
[ ٢ / ١٠١ ]
ابن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزنى، عن عقبة بن عامر مرفوعًا به. وهو في "الجامع الصغير" (٧٢٠٧) مرموزًا له بالضعف، وهو الحق، صح الرمز عن الإِمام السيوطى أم لم يصح، فهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، لكن عبد الرحمن بن محمد المحاربى مدلس، وقد عنعنه. وقد أورده الحافظ ﵀ في "طبقات المدلسين" (٨٠) في المرتبة الثالثة، وقال: "وصفه العقيلى بالتدليس". وقال في "التقريب" (٣٩٩٩): "لا بأس به وكان يدلس، قاله أحمد".
قلت: والأعدل في حقه قول الحافظ الذهبي ﵀ في "الكاشف" (٢/ ١٦٣): "ثقة يغرب"، فإنه أشبه بمجموع كلام النقاد فيه. ولكن الذى يخشى أن يكون قد دلسه عن مجروح مرغوب (٢١) عنه، ولم يسمعه هو من الليث، فإن طريق: "الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر ﵁"، مذكور عند أهل العلم بالحديث في: "أصح الأسانيد"، وخَصَّه بعضهم بالمصريين. فيبعد - بعد ذلك - أن يكون هذا الحديث من صحيح حديث الليث ﵀ ثم يرغب عنه الشيخان، بل الأئمة الثلاثة: أبو داود والنسائى والترمذى، بل ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، بل الإمام أحمد في "مسنده"، بل الطبراني في "معجمه الكبير" - مع أنه جمع فيه أحاديث عقبة، فأوْعَى! وبعد ذلك يتفرد به ابن ماجه في "سننه" وهى أدنى الكتب الستة مرتبة، وأكثرها ضعيفًا. وغرائب ومناكير. أما احتمال فواته جميع الأئمة المتقدم ذكرهم، فهو بن البُعد بمكان! نعم، صحح الحديث غير واحد جريًا على ظاهر حال رجاله.
_________________
(١) ومن أجل التدليس، أورد له العقيلى في "الضعفاء" (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨) حديثين أولهما رواه عن معمر، فأنكر الإمام أحمد أن يكون سمع منه، واستفظع الحديث. والثاني عن عاصم الأحول، واحتمل أن يكون المحاربى قد دلسه عن سيف بن محمد - ابن أخت سفيان-، وكان كذابًا.
[ ٢ / ١٠٢ ]
١ - فقال الحافظ المنذرى ﵀ في "الترغيب" (٤/ ٧٢١): "رواه ابن ماجه بإسناد جيد".
٢ - وقال الحافظ البوصيرى ﵀ في "مصباح الزجاجه" (١/ ٥١٢): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات: محمد بن إسماعيل (يعنى ابن سمرة شيخ ابن ماجة) وثقه أبو حاتم والنسائى وابن حبان، وباقى رجال الإِسناد على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته. ولم يتفرد به محمد بن إسماعيل بن سمرة، فقد رواه أبو يعلى الموصلى في "مسنده": حدثنا حفص بن عبد الله أبو عمر الحلوانى حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى، فذكره بزيادة. وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه مسلم والنسائى وابن ماجه. ورواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من حديث أبي مرثد الغنوى" اهـ.
قلت: الحديثان المذكوران في الجلوس على القبر لا المشى عليه، ولا يشهدان لسائر الحديث.
أما حديث أبي هريرة، فلفظه عند مسلم (٣/ ٦٢): "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتُحرِق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر".
وأما حديث أبي مرثد، فلفظه عنده: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها". وفي رواية: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها". ولفظ الحديثين في "السنن" بنحو هذا أيضًا. والشيخان - وإن احتجا برجال هذا الإِسناد باستثناء شيخ ابن ماجه - إلا أنهما لم يخرجا للمحاربى (٢٢) عن الليث
_________________
(١) ثم اكتشفت أنهما لم يحتجا به. قال الحافظ في "الهدى" (ص ٤٣٩): "ليس له في البخارى سوى حديثين متابعة قد نبهنا على أحدهما في ترجمة زكريا بن يحيى أبي السكين وعلى الثانى في ترجمة صالح بن حيان. وروى لم الجماعة". قلت: لم أجد له سوى حديث واحد رواه له مسلم في "البيوع" (٥/ ٤٤ - ٤٥) متابعة أيضًا. فالله أعلم.
[ ٢ / ١٠٣ ]
ابن سعد شيئًا. والله أعلم.
٣ - وقال الشيخ الألبانى حفظه الله في "صحيح الجامع" (٥/ ٦): "صحيح" وقال في "أحكام الجنائز" (ص ٢٠٩): "رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٣) وابن ماجه " كذا قال، وسيأتى أنه عند ابن أبي شيبة موقوفًا على عقبة، لا مرفوعًا كما يفهم من ظاهر صنيعه عفا الله عنه.
أما في "الإِرواء" (٦٣) - فأورد إسناد ابن ماجه كله وقال: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، والمحاربى اثنان: عبد الرحمن بن محمد، وابنه عبد الرحيم، وهو المراد هنا. وكلاهما ثقة إلا أن الأب وصفه أحمد بالتدليس. والحديث قال المنذرى في "الترغيب" (٤/ ١٨٩): "إسناده جيد". وقال البوصيرى في "الزوائد": "إسناده صحيح" اهـ (٢٣) وفيه أمور:
الأول: أن عطفه رواية ابن ماجه على رواية ابن أبي شيبة يوهم أن الحديث عندهما معًا مرفوعًا أو موقوفًا، وليس الأمر كذلك. وهو عَين ما أخذه على الحافظ ابن حجر ﵀ عند كلامه على حديث: "إياكم وهاتين الكعبتين" " المتقدم في الرقم (٦١)، وتقدم لذلك وهم مماثل عند حديث: "الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها" المخرج في القسم الأول من الكتاب (٢٠).
الثانى: قوله: "والمحاربى اثنان عبد الرحمن بن محمد وابنه عبد الرحيم، وهو المراد هنا". ولا أدرى ما حجته في ترجيح أن المحاربى المراد في هذا الإِسناد هو عبد الرحيم الابن لا عبد الرحمن الأب مع أن كل الدلائل تشير إلى ضد ذلك، فمنها:
_________________
(١) ثم وجدت الحافظ الذهبي ﵀ رواه في ترجمة المحاربى من "السير" (٩/ ١٣٨) من طريق على بن حرب الموصلى عنه، وقال: "إسناده صالح" اهـ فهذا دليل على أنه معروف بتفرده بهذا الحديث.
[ ٢ / ١٠٤ ]
أن نسبة المحاربى إذا أطلقت لتبادر إلى الأذهان أنه: "عبد الرحمن بن محمد" وهو أشهر من ابنه بكثير عند المحدثين.
* وأن محمد بن إسماعيل بن سمرة - شيخ ابن ماجه - وعبد الرحيم بن عبد الرحمن المحاربى رغم تباعد سنتى وفاتيهما إلا أن كليهما من العاشرة. ومن المستبعد عادة أن يكون الرجل وشيخه من طبقة واحدة.
* وأن الناظر في ترجمة ابن سمرة من "تهذيب الكمال" (ق ١١٧٤) يجد أن الحافظ المزى ﵀ ذكر روايته عن عبد الرحمن المحاربى لا ابنه.
* وأنه في ترجمة عبد الرحيم (ق ٨٢٨) لم يذكر له رواية عن الليث، ولا رواية لابن سمرة عنه.
*وأنه في ترجمة الليث بن سعد (ق ١١٥٣) لم يذكر لعبد الرحيم رواية عنه.
* وأن الحافظ ابن حجر ﵀ قال في ترجمة عبد الرحيم من "التهذيب" (٦/ ٣٠٧): "وعنه البخارى. وروى ابن ماجه عن أبي كريب عنه، وأبو بكر بن أبي شيبة " فذكر جماعة على وجه الاستقصاء، لم يذكر فيهم ابن سمرة.
* وأن الحافظ البوصيرى ﵀- بصدد بيان أن ابن سمرة لم يتفرد به عن شيخه - قال: " فقد رواه أبو يعلى الموصلى في "مسنده": حدثنا حفص بن عبد الله أبو عمر الحلوانى حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى، فذكره بزيادة" كما تقدم عنه.
فكأن الشيخ- حفظه الله- استبعد أن يروى عبد الرحمن المحاربى (وهو من التاسعة، توفى ١٩٥) عن الإِمام الليث (من السابعة، توفى ١٧٥) مع قصر المدة بين وفاتيهما، فاكتفى بذلك. والحق أن أمر مراعاة الوفيات غير مطرد، فإن الشيخ قد يُعَمَّر فتتقارب سنة وفاته من سنى وفيات الرواة عنه. فالعبرة بالطبقات، وأن يكون بين الرجل وشيخه طبقتان في المعتاد، والأمر ههنا كذلك. على أن الشيخ - حفظه الله - قد توقف عن تصحيح حديث
[ ٢ / ١٠٥ ]
فيه عنعنة المحاربى، وقال: "فلا أقل من أن يصلح للاستشهاد به" كما في "الصحيحة" (٤٦٩). وصدق عفا الله عنه.
وبعد، (فالثابت) - إن شاء الله - أن هذا الحديث إنما هو من قول عقبة ابن عامر ﵁ موقوفا عليه - لا من حديثه عن النبي ﵌- كما رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٨) بإسناد كالشمس عن شبابة (وهو ابن سوار المدائنى) عن الليث به، ولفظه: "لأن أطأ على جمرة أو على حد سيف حتى يخطف (كذا) رجلى أحب إلَىَّ من أن أمشى على قبر رجل مسلم. وما أبالى أفى القبور قضيت حاجتى أم في السوق بين ظهرانيه والناس ينظرون". ثم أعاده (٣/ ٣٣٩) مختصرًا، مقتصرًا على الشطر الثانى. وهذا إسناد صحيح متصل ليس فيه شبهة انقطاع أو تدليس، وشبابة رجحه الحافظ ﵀ في "التقريب" (٢٧٣٣) على المحاربى إذ قال فيه: "ثقة حافظ، رمى بالإِرجاء" بينما قال في المحاربى: "لا بأس به" التى لا تفيد أكثر من أن من قيلت فيه حسن الحديث، مع أرجحية قول الذهبى فيه كما تقدم والإِسناد على شرط مسلم، فقد أخرج - ﵀- لشبابة عن الليث كما في "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣٤٤)، فإن كان احتجاجا، فهو كما ذكرت. فهذا ما أدانى إليه حبى وشغفى وفَهمى لهذا العلم الشريف فإنما احتكمت إلى قواعده وأصوله، وإذا ظهر لطالب علم صغير مثلى ما خفى على هؤلاء الشُمّ العوالى، فكان ماذا؟ ! اللهم إن كان هذا حقًا فبفضلك وحدك لا شريك لك. وإن كانت الأخرى فإنى أتوب إليك لا إلى فلان وفلان، فلك الملك، ولك الحمد.