" ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لابد له من معاشرته، حتى يجعل الله ﷿ له من ذلك مخرجًا".
ضعيف. رُوِى من حديث أبي فاطمة الإِيادى، ومن مرسل محمد بن الحنفية.
أولًا: حديث أبي فاطمة:
رواه ابن الأثير ﵀ في "أُسد الغابة" (٦/ ٢٤٢) عن محمد بن أبي بكر المديني (وهو الحافظ أبو موسى) بإسناده إلى عثمان بن سعيد الدارمى،
[ ٢ / ١١٦ ]
أخبرنا محمد بن بكار، أخبرنا عنبسة بن عبد الرحمن، عن أبي عمران الجونى عنه به. وإسناده واه جدًا. عنبسة بن عبد الرحمن هو ابن عنبسة بن سعيد الأموى، متروك، رماه أبو حاتم بالوضع كما في "التقريب" (٥٢٠٦). فلعله من وضعه، فإن المعروف أنه أثر مقطوع كما يأتى في محله. ولو صح إسناده إلى أبي فاطمة هذا لما دل على صحة صحبته، فإنه لم يصرح بسماعه من النبي ﵌. ولم أرَ الحافظ ﵀ أورده في الأقسام الأربعة من "كنى الإِصابة"، فالله أعلم.
"قال الحافظ السخاوى ﵀ في "المقاصد" (٩١٢): "وقد علم له الديلمى في الهامش: أبو فاطمة الإِيادى المصرى (كذا) ". قال الشيخ الغمارى في حاشيته: "يعنى أنه مروى من حديث أبي فاطمة، لكن لم نقف عليه"! وقال المعلق على "آداب البيهقي": "أخرجه الحاكم في "تاريخه" والبيهقي في "السنن" عن أبي فاطمة الإِيادى مرفوعًا " كذا قال، وإنما رمز السيوطى للحديث في "جامعه" (٧٥٩٣): "هب"، وهو رمز البيهقي في "شعب الإِيمان" كما يعلم طالب - العلم المبتدئ. وبيَّن الحافظ المناوى (٥/ ٣٦٤) أن البيهقي رواه من طريق الحاكم مصرحًا به، فكان العزو إليه أولى، وحكى عن الثانى قوله: "لم نكتبه إلا بهذا الإِسناد، وإنما نعرفه عن محمد ابن الحنفية من قول الحاتم". كذا في "الفيض"، ولم أفهم معنى اللفظة الأخيرة، فإن كان صوابها "الخاتم"، وكان معناها أن الحديث معروف عن ابن الحنفية عن النبي ﵌ مرسلًا، فسيأتى أن رفع الحديث وهم، وما أظن يخفى على الحاكم أن خلقًا من الثقات قد رَوره عن ابن المبارك بسنده إلى ابن الحنفية مقطوعًا وقد رواه هو كذلك كما يأتى في كلام للذهبى، فالظاهر أنه يرجح الرفع مطلقًا، وإن كان الإِعلال بالوقف أو الإِرسال أظهر من الشمس في كبد السماء: وهو مذهب تبناه بعض المبتدئين في أيامنا هذه، فالله المستعان.
[ ٢ / ١١٧ ]
ثانيًا: مرسل محمد بن الحنفية: رواه الحاكم - في تاريخه - وعنه الديلمى كما في "المقاصد" و"حاشية الفردوس" (٣/ ٤٥٣) قال الديلمى: "أخبرناه أحمد بن خلف ﵀ كتابةً قال: حدثنا الحاكم حدثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا أبو سعيد الحسين بن عبد الصمد (الصواب: الحسن) حدثنا عبد الله بن إبراهيم الشنقاصى (الصواب: الشيبانى، كما في المقاصد) حدثنا ابن المبارك حدثنا الحسن بن عمرو (بياض لعل محله: الفقيمى) عن منذر الثورى عن محمد بن الحنفية ﵁ قال: قال (في الأصل: قال، ثلاث مرات) رسول الله ﵌: الحديث". وهذا إسناد ضعيف لإِرساله، وعبد الله بن إبراهيم الشيبانى - راويه عن ابن المبارك - لم أجد له ترجمة، ولعل الحاكم ترجم له في "تاريخ نيسابور"، والحسن بن عبد الصمد صحح له الحاكم بعض أحاديث في "المستدرك"، ولم أجده في موضع آخر، إلا أن يكون في التاريخ المذكور أيضًا. فالله أعلم. ولا ريب أن رفع هذا الكلام وهم ممن دون ابن المبارك، فإن الثابت عنه بهذا الإِسناد وقفه على ابن الحنفية، وقد رواه عنه هكذا:
١ - الحسن بن عرفة في "جزئه" (١٦) ومن طريقه ابن المقرئ في "معجمه" (٣٣٥) والخطابى في آخر "العزلة" (ص ٢٤٠ - ٢٤١) والبيهقى في "الآداب" (٢٢٤) وابن عساكر (١٥/ ٧٣١ - ٧٣٢) وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (٣/ ١٤٦) والذهبي في "السير" (٤/ ١١٧) و"معجم الشيوخ" (٤٠٥)، وقال: "رواه الحاكم" في "تاريخ بلده" عن الخطابي عن الصفار، فوقع بدلًا عاليًا".
٢ - الحسين بن الحسن المروزى عند ابن عساكر (١٥/ ٧٣١) ولم أره في "الزهد".
٣ - بشر بن محمد السختيانى المروزى عند البخارى في "الأدب" (٨٨٩).
[ ٢ / ١١٨ ]
٤ - محمد بن حميد الرازى عند أبي الشيخ كما علقه عنه الديلمى، وكذا ابن أبي الدنيا في "الحلم" (٨٧).
٦، ٥ - أحمد بن جميل المروزى وداود بن عمرو الضبى البغدادى عند ابن أبي الدنيا.
٧ - عبيد الله بن محمد بن عائشة عند أبي نعيم (٣/ ١٧٥).
٨ - أحمد بن منيع عند أبي نعيم أيضًا (٨/ ١٦٢)، وزاد قول ابن المبارك - عَقِبه -: "هذا مثلى ومثلكم".
٩ - عمرو بن زياد الباهلي الثوباني عند الحكيم الترمذى وعنه الديلمى، وزاد: "قال ابن المبارك: يوم سمعت ذلك الحديث صمت ذلك اليوم وتصدقت بدينار. قال ابن المبارك: لولا هذا الحديث ما جمعنى الله وإياكم على حديث". والباهلي هذا وضَّاع، وكأنه يريد أن يظهر براعته في الوضع والسجع، وأبى أن يسعه ما وسع الناس! وإسناد هذا الأثر صحيح غريب، تفرد به ابن المبارك-كما هو بَيِّن-، وقال عنه السخاوى: "قال شيخنا: والموقوف هو المعروف". وقال الحافظ العلائي: "هذا - يعنى المرفوع - إنما هو من كلام ابن الحنفية" كما في "الفيض". والله أعلى وأعلم.