" تحريك الإصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان".
ضعيف جدًا، منكر. رواه ابن عدى (٦/ ٢٢٤٧) والبيهقى فى "سننه" (٢/ ١٣٢) والخطيب فى "تخليص المتشابه" (ص ٢٨١) من طريق محمد بن عمر الواقدى ثنا كثير بن زيد عن نافع عن أبن عمر به مرفوعًا.
وفى إسناده الواقدى أورده ابن عدى فى جملة مناكيره وقال: "وهذه الأحاديث التى أمليتها للواقدى، والتى لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروى عنه الواقدى من الثقات، فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدى، والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدى غير محفوظة، وهو بَيِّن الضعف".
وأما البيهقي فألان فيه القول لما قال: " تفرد به محمد بن عمر الواقدى، وليس بالقوى. وروينا عن مجاهد أنه قال: "تحريك الرجل إصبعه فى الجلوس فى الصلاة مقمعة للشيطان".
_________________
(١) فى "المصنف": "عن كاتب أبي قلابة قال" وفى (الحلية) "عن كتاب أبي قلابة قال". وصحح المعلق على "الحلية" أنه: "أيوب بن كيسان عن أبى قلابة" وما تحرف مثل ذلك ببعيد.
[ ١ / ٥١ ]
قلت: بل الواقدى بَيِّن الضعف كما تقدم عن ابن عدى، وهو متروك الحديث كذبه ورماه بالوضع جماعة من الأئمة. وأورد له الذهبي أيضًا هذا الحديث (٣/ ٦٦٤) فى جملة ما استنكر عليه. وقد خالفه أحد الثقات فى متنه.
فقد روى الإمام أحمد (٢/ ١١٩) والبزار (٥٦٣ كشف) عن أبى أحمد الزبيرى- وهو ثقة- ثنا كثير بن زيد عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﵌: "لهى أشد على الشيطان من الحديد". يعنى السبابة. وإسناده حسن، وكثير بن زيد صدوق حسن الحديث على الراجح من أقوال العلماء.
وقد صحح الإمام البخارى ﵀ حديثا هو فى إسناده كما فى "علل الترمذى الكبير" (ص ٦٧٧).
ثم وجدت كذابًا آخر روى حديث الترجمة على لون آخر، ففى "الحلية" (٧/ ١٣٩) من طريق أبى حذيفة إسحاق بن بشر ثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵌ إذا دعا يدعو بيده اليسرى (٣٣) يبسطها ويشير بإصبعه المسبحة ويقول: إن الإشارة فى الدعاء بالمسبحة مقمعة للشيطان". وأبو حذيفة هذا هو البخارى صاحب كتاب "المبتدأ" وهو متهم بالوضع، وهو شر من الواقدي إذ لم يعدم الأخير من يوثقه ويدافع عنه - بغير صواب - أما أبو حذيفة فلا أعلم أحدًا شهد له بخير! ثم وجدت محمد بن عمر الداربجردى يوثقه، فقال الحافظ فى "اللسان" (١/ ٣٠٤): "فلم يلتفت إليه أحد لأن أبا حذيفة بين الأمر لا يخفى حاله على العميان"! والراوى عنه: القاسم ابن المساور الجوهرى ترجمه الخطيب (١٢/ ٤٢٧) برواية ابنه أحمد عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
_________________
(١) كذا فى "الحلية" فليحرر.
[ ١ / ٥٢ ]
وبعد، (فالصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول التابعي الجليل مجاهد بن جبر رحمة الله عليه - مع اختلاف يسير - فالإمام البيهقى ﵀ بعد أن علقه عنه - عقب حديث الواقدى - وصله من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن عثمان بن الأسود عنه، فاختصر لفظه ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (٣٢٤٥) عن الثورى به عنه قال: "تحريك الرجل إصبعه فى الصلاة مقمعة للشيطان".
والمراد بالتحريك هاهنا الإشارة نفسها، فقد رواه ابن أبى شيبة (٢/ ٤٨٤) عن حفص بن غياث عن عثمان عن مجاهد بلفظ: "الدعاء هكذا - وأشار بأصبع واحدة - مقمعة للشيطان". وإسناده صحيح.
وبالإشارة فسره أيضًا الإمام البيهقي كما يفهم من إيراده للآثار فى ذلك (٢/ ١٣٣)، وبصنيعه استدل الشيخ الأعظمى ﵀ على ما ذكرناه.
(أما) ما جاء فى رواية - فردة - من روايات حديث وائل بن حجر الحضرمى ﵁ - فى صفة صلاة النبى ﵌ - وفيها: "ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها " الحديث.
وهى عند النسائى وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقى وغيرهم بإسناد رجاله ثقات لكن لفظة: "يحركها" زائدة من زائدة! وهو زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفى، ثقة ثبت صاحب سنة كما فى "التقريب" (١٩٨٢) لكنها شاذة، وقد جزم ابن خزيمة فى "صحيحه" (١/ ٣٥٤) بأنه تفرد بها، ولم أجد له متابعًا مع كثرة التفتيش عن طرق هذا الحديث وقد رواه أحد عشر رجلًا كلهم - إلا واحدًا - من الثقات الحفاظ، فلم يذكروها، وهم:
١ - سفيان بن سعيد الثورى.
٢ - سفيان بن عيينة الهلالى.
٣ - شعبة بن الحجاج.
٤ - عبد الواحد بن زياد.
٥ - عبد الله بن إدريس.
٦ - زهير بن معاوية.
٧ - أبو عوانة اليشكرى.
٨ - أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفى.
[ ١ / ٥٣ ]
٩ - بشر بن المفضل.
١٠ - خالد بن عبد الله الواسطى الطحان.
وكلهم ثقات حفاظ أئمة.
١١ - غيلان بن جامع. وهو ثقة.
وهذا سوى روايات أخرى ضعيفة وواهية عند الطبراني توافق ما رواه كل هؤلاء الثقات. ولقد ظللت- لفترة من الزمان- متهيبًا من الحكم على هذه الزيادة بالشذوذ- مع اعتقاد أرجحية الإشارة فى الصلاة بغير تحريك - حتى علمت أن أخوين فاضلين من أهل الحديث يشرع كل منهما فى إعداد رسالة بهذا الصدد، أحدهما من تشاد والآخر من اليمن. وسوف أتعرض لرواية زائدة هذه، ولبيان صحة حديث ابن الزبير فى عدم التحريك - إن شاء الله - فى مشروع يتعلَّق بأحاديث فى أسانيدها أو متونها شذوذ أو علة قادحة، زائدة على ما فى "علل الحديث" لابن أبى حاتم الرازى، وربما أورد أحاديث حكم أبو حاتم أو أبو زرعة عليها بالنكارة أو البطلان أو الخطأ، ولم يوردا حجتهما فى ذلك، لإثبات صحة قولهما، كحديث ابن الزبير ﵄ "كان اسم أبى بكر: عبد الله بن عثمان، فقال له النبى ﵌: "أنت عتيق الله من النار".
وقد تجمع لى قدر منها، فانتخبت منه خمسين حديثًا - كقسم أول كما هى عادتي - يسر الله خروجه وقدر لنا الخير حيث كان.