" إن من معادن التقوى تعلمك إلى ما قد علمت علم ما لم تعلم، والنقص فيما قد علمت قلة الزيادة فيه، وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم؛ قلة الانتفاع بما قد علم".
ضعيف جدًا. رواه ابن جميع في "معجم شيوخه" (ص ٣٤٠) والخطيب (١/ ٤١٤) وعنه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١١٠) من طريق أبي مسلم الكجى قال: نبأنا مسور بن عيسى قال: نا القاسم بن يحيى قال: نا ياسين الزيات عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا به. وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح، والمتهم به ياسين. قال يحيى: ليس حديثه بشئ. وقال النسائى: متروك الحديث".
قلت: ورواه أيضًا الطبراني في "الأوسط" بنحوه، قال الهيثمى (١/ ١٣٦): "وفيه ياسين الزيات، وهو منكر الحديث". وهو في المطبوع (٣/ ٢٤٠) عن أبي مسلم الكجى به.
_________________
(١) في الموضع الأول من "المصنف": "تسبب" وفي الثانى: "بسبب"، ولعل الصواب ما أثبته، فإنه موافق للفظ المتقدم، ولمعنى الحديث المرفوع. فالله أعلم.
[ ٢ / ٣٧ ]
وقال الشيخ الألبانى في "ضعيف الجامع" (٢/ ١٩٨ - ١٩٩): "ضعيف جدًا". وأحال على "الضعيفة" (٣٢٠٥). وله -سوى ياسين الزيات- علتان أخريان:
الأولى: أبو سعيد المسور بن عيسى المصرى، ذكره المزى في "تهذيب الكمال" (ق ١١١٨) ضمن الرواة عن القاسم بن يحيى، وجهدت أن أقف له على ترجمة مستقلة، فلم أستطع.
الثانية: عنعنة أبي الزبير -محمد بن مسلم بن تدرس المكى- عن جابر، فإنه مدلس من المرتبة الثالثة عند الحافظ ﵀ في "طبقات المدلسين" (١٠١).
تنبيه هام: قال ابن حبان ﵀ في ترحمة: "ياسين بن معاذ الزيات" من "المجروحين" (٣/ ١٤٢): " وكان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، ويتفرد بالمعضلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جريج عن أبي الزبير من المناكير كان ذلك مما سمعه ابن جريج عن ياسين الزيات عن أبي الزبير، فدلس عنه" اهـ. وفي معناه ما رواه ابن عدى (٧/ ٢٦٤٢) عن عبد الرزاق ﵀ قال: "أهل مكة يقولون: إن ابن جريج لم يسمع من أبي الزبير، إنما سمع من ياسين". قلت: وهذا من قبيح تدليس ابن جريج عفا الله عنه - كما وصفه الإِمام الدارقطني ﵀ وعليه، فلا تصلح عنعنة ابن جريج عن أبي الزبير في الشواهد والمتابعات لا سيما ما كان في متنه ما ينكر، لجواز أن يكون مما دلسه عن هذا الهالك، أما ما حكاه عبد الرزاق عن أهل مكة فليس على إطلاقه فقد ثبتت جملة من الأحاديث صرح فيها ابن جريج بالسماع من أبي الزبير. والله أعلى وأعلم.
(والحديث) الذى نحن بصدد الكلام عنه ظاهر النكارة، بل لا يقع على القلب صدوره من مشكاة النبوة أصلًا، وإنما هو من كلام عون بن عبد الله
[ ٢ / ٣٨ ]
ابن عتبة بن مسعود التابعى الجليل رحمه الله تعالى، كما رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٢٨) -واللفظ له- وأبو نعيم (٤/ ٢٤٦) من طريقين عن ابن عجلان عنه، وأبو نعيم من طريق محمد بن قدامة سمعت سفيان الثورى يقول: قال عون: "إن من كمال التقوى أن تبتغى إلى ما قد علمت منها علم ما لم تعلم، واعلم أن فيما علمت ترك ابتغاء الزيادة فيه، وإنما يحمل الرجل على ترك ابتغاء الزيادة فيما قد علم، قلة الانتفاع بما قد علم". وإسناده -من الوجه الأول- صحيح، وفي الثاني: محمد بن قدامة الجوهرى البغدادى -من شيوخ أبي يعلى الموصلى- واه، وهاه ابن معين وأبو داود، ولم أجد له رواية عن الثورى، بل هو متأخر عن إدراكه أصلًا، فلعل روايته للأثر عن الثورى -سماعًا- من تخليطه إن لم نقل سوى ذلك! يؤيد ذلك أننى لم أجد للثورى رواية عن عون مع إدراكه لبعض أقرانه. فالله أعلم.
وهذا الكلام يحتمل صدوره عن التابعين فمن بعدهما، فإنه بكلامهم أشبه. وهو أمر لا يدرك بالتمنى ولا بالتحلى، وإنما بالجد والممارسة، وفوق كل هذا وذاك، ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾.