" أن رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم "مَرَ بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفى الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جارٍ".
ضعيف. رواه ابن ماجه (٤٢٥) من طريق قتيبة ثنا ابن لهيعة عن حُيَىّ بن عبد الله المعافرى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو به.
ورواه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" "ثنا أبو خيثمة ثنا أبو رجاء ثنا ابن لهيعة به، كما في "مصباح الزجاجة" (١/ ١٧٤) وقال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف لضعف حيى بن عبد الله وعبد الله بن لهيعة".
قلت: حيى لم يتفق على تضعيفه، بل هو مختلف فيه، ورجح الحافظ في "التقريب" (١٦٠٥) أنه: "صدوق يهم". فهو حسن الحديث ما لم يخالف.
[ ١ / ١١٦ ]
فالعلة ابن لهيعة وحده، لأن قتيبة -وهو ابن سعيد أبو رجاء البلخى- ليس من قدماء أصحابه الذين حدثوا عنه "قبل أن يكثر الوهم في حديثه وقبل احتراق كتبه" (٧٤) ورُوِيت ألفاظ أخرى -تقارب هذا الحديث- ولا يصح منها شئ:
١ - فقد روى ابن ماجة أيضًا (٤٢٤) من طريق بقية عن محمد بن الفضل ابن عطية عن أبيه عن سالم عن ابن عمر قال: رأى رسول الله ﵌ رجلًا يتوضأ، فقال: "لا تسرف، لا تسرف". وقال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف: الفضل بن عطية ضعيف وابنه كذاب، وبقية مدلس".
قلت: الأولى أن يقال: "ضعيف جدًا" لوجود هذا الكذاب، أما أبوه فالأكثرون على توثيقه والبلاء من الابن كما بين ابن حبان وابن عدى، فانظر "التهذيب" (٨/ ٢٨١).
٢ - وروى أبو أحمد الحاكم في "الكنى" وابن عساكر عن الزهرى مرسلًا مرفوعا: "لا تسرف. قيل: يا رسول الله، وفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وفي كل شئ إسراف".
كما في "كنز العمال" (٩/ ٣٢٧). وإسناده ضعيف - بصفة مبدئية - للإِرسال أو الإعضال ومراسيل الزهرى عند الأئمة من شر المراسيل لأنه حافظ، لا يرسل إلا عمن يرغب عن ذكره. ولعل في الطريق إليه علة أخرى هى شر من الإِرسال، فنظرةٌ إلى ميسرة، فإن "تاريخ دمشق" بحر لا قرار له، ولا ندرى في أي التراجم أورده ابن عساكر. أما "الكنى" لأبى أحمد الحاكم، فلم نُرزَقْهُ بعد.
٣ - وروى أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٢) من طريق محمد بن جعفر
_________________
(١) العبارة مقتبسة من "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٣٨) على أن الحافظ الذهبى لا يأخذ بهذا التفصيل ويرى أن ابن لهيعة يروى حديثه في المتابعات ولا يحتج به كما فيها (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ١١٧ ]
الوركانى ثنا سعيد بن ميسرة البكرى سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﵌: "لا خير في صب الماء" وقال: "إنه من الشيطان" - يعنى كثرة صب الماء في الوضوء- وسعيد بن ميسرة هذا قال الذهبي في "المغنى" (١/ ٢٦٦): "واهٍ. قال ابن عدي: هو مظلم الأمر".
وبكل حال، فقد ثبتت أحاديث أخرى عن النبى ﵌ في كراهة السرف في الوضوء وسنية الاقتصاد فيه -بغير الألفاظ المتقدمة- تراجع في مثل "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزى ﵀، و"جامع الأصول" لابن الأثير الجزرى ﵀.
و(الصواب) في حديث الترجمة أنه من قول هلال بن يساف -وهو تابعي ثقة- فقد قال البوصيرى: " ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث هلال بن يساف" (٧٥).
قلت: صنيعه ﵀ يوهم أن الحديث مرفوع وليس كذلك، (فقد) رواه (١/ ٦٦) عن محمد بن فضيل عن حصين عنه قال: "كان يقال: في الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ نهر".
ورواه البيهقى (١/ ١٩٧) من طريق الثورى عن حصين به، بلفظ: "كان يقال: في كل شئ إسراف حتى الطهور، وإن كان على شاطئ النهر" وإسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ٦٧) عن يزيد بن هارون قال: أنا العوام عمن أخبره عن أبي الدرداء قال: "اقصد في الوضوء، ولو كنت على شاطئ نهر".
وإسناده ضعيف، شيخ العوام -وهو ابن حوشب- مجهول لم يسم، ثم إن روايته عن أبي الدرداء منقطعة أيضًا، فإن جميع شيوخ العوام بن حوشب لا يدرك أحد منهم أبا الدرداء أصلًا.
_________________
(١) في الأصل: "هلال بن يسار" وهو خطأ.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد أحسن البوصيري صنعًا إذ لم يورده، مع أنه أرفع من قول هلال بن يساف، وإنما أوردناه -وما كان على شاكلته في هذا الكتاب- للتنبيه على عدم ثبوته. والله أعلم.