" إذا أحب الله عبدًا ابتلاه ليسمع تضرعه".
ضعيف. رُوِى عن أبى هريرة مرفوعا، وعن عبد الله بن مسعود وعمرو بن مرة الجملى موقوفًا.
١ - حديث أبى هريرة: رواه هناد في "الزهد" (٤٠٥) وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٢٢) والديلمي في "مسند الفردوس" (١) من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عنه به. وإسناده ضعيف جدًا، يحيى هذا قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٧٥٩٩): "متروك". وأبوه هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب، أبو يحيى التيمي المدني، قال الحافظ (٤٣١١): "مقبول" أي إنه لين الحديث حيث لم يتابع كما بين الحافظ في مقدمة "التقريب" (ص ٧٤ بتحقيق محمد عوامة). ورواه أيضًا البيهقي في "شعب الإِيمان" كما في "الجامع الصغير" (٣٥٣).
٢ - أثر ابن مسعود، ٣ - أثر عمرو بن مرة: رواهما الطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٤٤) أولًا من طريق أبي جابر محمد بن عبد الملك عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: "إن مما أنزل الله ﷿: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه، ليسمع تضرعه" ثم بنفس الإِسناد من طريقه أيضًا عن شعبة عن حماد عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: "مثله". وكلاهما ضعيف.
قال الحافظ الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٥): (وفيه محمد ابن عبد الملك، قال أبو حاتم: ليس بالقوى).
قلت: (وقد خولف)، فقد رواه ابن أبي الدنيا (ص ٢٣) وعنه التنوخى (١/ ١١٣، ١١٤)
_________________
(١) كما في "تسديد القوس" للحافظ ابن حجر ﵀ على حاشية "فردوس الأخبار" (١/ ٣١١).
[ ١ / ٩ ]
كلاهما في "الفرج بعد الشدة" عن علي بن الجعد قال: أخبرنى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث عن كردوس بن عمرو، وكان ممن قرأ الكتب قال: (٢) [فيما أنزل الله من الكتب]: "إن الله ﷿ يبتلى العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه". وإسناده صحيح إلى كردوس (٣) هذا. وعلي بن الجعد هو الجوهرى البغدادى، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب شعبة. ولكن يبدو أن أبا جابر - محمد بن عبد الملك المتقدم ذِكره - كان يضطرب فيه، فقد جاء أيضًا عنه على الصواب كما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨٠) من طريقه عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى وائل عن كردوس بنحوه.
ورواه - قبلها - من طريق منصور عن شقيق (وهو ابن سلمة أبو وائل) عن كردوس قال: كنت أجد في الإِنجيل إذ كنت أقرأ: "إن الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه - وإنه ليحبه - لينظر كيف تضرعه". وإسناده جيد. أما ما حكاه الحافظ المناوى في "فيض القدير" (١/ ٢٤٦) عن الحافظ العراقى - رحمهما الله - أنَّه - أي حديث الترجمة يتقوى بتعدد طرقه فلم أجده عنه في "تخريج الإِحياء"، وفيه من النظر أنَّه لا يعلم له إلا طريقان تقدمتا، إحداهما واهية، والأخرى مُعَلَّة - صوابها: "أبو وائل عن كردوس" ومرجعها إلى الإسرائيليات المتلقاة من صحف أهل الكتاب، والتى لم نؤمر بتصديقها ولا تكذيبها.
نعم، وفى الباب حديثان واهيان - بأطول من هذا اللفظ - وهما:
١ - ما رواه الطبرانى في "الكبير" (٨/ ١٩٥) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الله ﷿ يقول للملائكة: انطلقوا إلى عبدى فصبوا عليه البلاء صبًا، فيأتونه فيصبون عليه البلاء، فيحمد الله، فيرجعون فيقولون: يا ربنا صببنا عليه البلاء صبًا لما أمرتنا، فيقول: ارجعوا فإنى
_________________
(١) زيادة: في كتاب ابن أبي الدنيا.
(٢) وهو تابعى مخضرم، وهم بعضهم فأورده في "الصحابة". قال ابن معين: مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ١ / ١٠ ]
أحب أن أسمع صوته". وإسناده ضعيف جدًا، عفير هذا واهٍ. قال ابن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: سمعت دحيمًا يقول: عفير بن معدان ليس بشيء، لزم الرواية عن سليم بن عامر. وشبَّهه بجعفر بن الزبير وبشر بن نمير (٤). وقال أبو حاتم أيضًا: هو ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﵌ بالمناكير ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته. كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ٣٦). والحديث رواه الشجرى في "أماليه" (٢/ ٢٨٢) من طريق الطبرانى به.
٢ - وروى ابن أبي الدنيا من طريق بكر بن خنيس عن يزيد الرقاشي عن أَنس- كما قال العراقي (٤/ ١٣٢) - قال: قال رسول الله ﵌: "إذا أحب الله عبدًا، أو أراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبًا، وثجه عليه ثجا (٥). فإذا دعا العبد قال: يارباه، قال الله: لبيك عبدى لا تسألنى شيئًا إلا أعطيتك، إما أن أعجله لك، وإما أن أدخره لك"كما في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٥٢٦) وجزم الحافظ المنذرى بضعفه، فصدَّره بصيغة التمريض: "ورُوِى". وإسناده واهٍ جدًا، بكر بن خنيس قال الدارقطني وجماعة: متروك. ويزيد الرقاشي متفق على تضعيفه، وتركه النسائي أيضًا وقال شارح الترغيب ﵀: "حديث ركيك متهافت".
ورواه الديلمى من طريق يزيد الرقاشي عن أَنس (٦) بأطول منه وفيه: "فإذا دعا العبد قال جبريل: أي رب، اقضِ حاجته. فيقول الله تعالى: دعه، فإني أحب أن أسمع صوته فإذا دعا يقول الله ﷿: لبيك عبدى "الحديث:
والحديثان أوردهما الحافظ العراقى (١/ ٣٠٦) - في تعليقه على حديث الترجمة
_________________
(١) أي وهما متروكان متهمان بالكذب.
(٢) قال شارح الترغيب في قوله: "وثجه عليه ثجا": الثج هو الصب، وهذا التكرار دليل على ضعف الحديث.
(٣) قاله الحافظ في "تسديد القوس" كما في حاشية "الفردوس" (١/ ٣١٢).
[ ١ / ١١ ]
كأنه لم يستحضره وقتئذ- وقال (وسندهما ضعيف).
نعم، الجملة الأُولى من حديث الترجمة ثابتة عن النبي ﵌ من وجوه -بدون التعليل- أعنى قوله: "ليسمع تضرعه".
١ - فروى الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٤٢٨) عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﵌ قال: "إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع". وإسناده جيد، ومحمود صحابى صغير، وجل روايته عن الصحابة كما في (التقريب) [٦٥١٧]. فمرسله حجة على الصحيح.
٢ - وله شاهد ضعيف رواه الترمذي (٢٥٠٧) وغيره من طريق سعد بن سنان عن أَنس، وزاد في أوله: "إن عظم الجزاء مع عظم الابتلاء".
٣ - وروى أحمد في "الزهد" (ص ٥٢) عن وهب بن منبه ﵀ مرفوعًا مرسلًا: "إن الله ﷿ إذا أحب قوما ابتلاهم". ورجاله ثقات.
٤ - وبمعناه ما رواه البخاري (٧/ ١٤٩) وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: "من يرد الله به خيرًا يصب منه" قال الحافظ المنذرى (٤/ ٥٢٦): "أي يوجه إليه مصيبة ويصبه ببلاء".
والأحاديث في فضل الابتلاء والصبر عليه كثيرة جدًا تنظر في مثل "الترغيب" و"جامع الأصول" للإِمام ابن الأثير الجزرى ﵀.
وقد دل كتاب الله ﷿ على أنَّه يبتلى الأمم التي لم تستجب لدعوة رسله،
ويأخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون له وينيبون إليه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
[ ١ / ١٢ ]
الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٢: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا بربهم وما يتضرعون حتَّى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون﴾.
[المؤمنون ٧٦: ٧٧].
والذي لا ريب فيه أن الرب جل وعلا يحب من سائر العباد أيضًا أن يظهروا له التضرع والاستكانة والذل له والإِخبات إليه تعالى، فالتضرع داخل في جملة أسباب الابتلاء المعروفة من امتحان الله للعباد حتَّى يعلم- تعالى- صدق إيمانهم وصلابة عقيدتهم، ولتكفير ذنوبهم وخطاياهم، ورفع لدرجاتهم ومنزلتهم عنده، ولاستعتابهم فيما بقى من أعمارهم. والله أعلى وأعلم.