" التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود وابن عباس وأنس وأبو سعيد الأنصارى وأبو عنبة الخولانى وعائشة.
١ - حديث ابن مسعود: رواه ابن ماجة (٤٢٥٠) والطبرانى فى "الكبير" (١٠/ ١٨٥) - وعنه أبو نعيم (٤/ ٢١٠) والشجرى (١/ ١٩٨) - والقضاعى (١٠٨) وغيرهم من طريق وهيب بن خالد عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه به.
ورجاله كلهم ثقات لكنه منقطع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه كما تقدم فى أثناء الحديث الثاني ومع أن هذه الطرق معدودة من أصح طرق هذا المتن، لكنني وقفت لها على علة قادحة.
قال الحافظ الخطيب ﵀ فى "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ٢٥٧): "تفرد بروايته محمد بن عبد الله الرقاشي عن وهيب بهذا الإسناد مرفوعًا، ولم يتابع عليه".
[ ١ / ٥٧ ]
قلت: وتكلم على هذه الطريق (١/ ٢٥٧، ٢٥٨) كلامًا حاصله:
١ - أن عبد الرزاق رواه عن معمر - فلم يقم إسناده - فقال: "عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبى مريم عن عبد الله" وأوقفه بلفظ: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".
٢ - وأن ابن المبارك (٣٦) أيضًا رواه عن معمر فقال "عن عبد الكريم عن أبى عبيدة عن أبيه" وأوقفه مقتصرًا على قوله: "الندم توبة".
٣ - وأن ابن المدينى رواه عن عبد الرزاق عن معمر هكذا، ثم قال: قال لنا عبد الرزاق: "وهذا وهم، اجعلوه عن رجل عن ابن مسعود".
وقد أوقفه على ابن مسعود ثقة ثالث - هو محمد بن ثور الصنعانى- فقد قال ابن أبى حاتم فى "علل الحديث" (٢/ ١٤١): "سألت أبى عن حديث رواه ابن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله عن ابن مسعود قال: الندم توبة، التائب من الذنب كمن لا ذنب له. قال أبى: هذا خطأ إنما هو: عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل قال: دخلت مع أبى على ابن مسعود.
قلت: هذا الترجيح صواب بشأن رواية ابن مسعود عن النبى ﵌ أنه قال: "الندم توبة". حَسْبُ. أما لفظة: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فلا أعلم لها إسنادًا إلا من طريق معمر عن عبد الكريم الجزرى على الخلاف المتقدم إسنادًا، ورفعا ووقفا.
وإنما روى جماعة من الثقات وغيرهم عن عبد الكريم بالسند الذى رجحه أبو حاتم، قوله ﵌: "الندم توبة". وقد أفاض الخطيب جدًا
_________________
(١) رواية ابن المبارك وصلها الخطيب من طريق نعيم بن حماد عنه، وهى ثابتة فى "زوائد الزهد" (١٦٨) ونعيم يرويه من كتاب - حتى لا يتعلل بعدم ثبوته عن ابن المبارك من أجل ما فى نعيم بن حماد من مقال تقدم فى الحديث العاشر.
[ ١ / ٥٨ ]
في بيان ذلك، فانظر "الموضح" (١/ ٢٦٣: ٢٤٧) مع تعليق العلامة المعلمى رحمة الله عليه. فالحاصل أن الحديث مُعَلّ بالوقف بإسناد منقطع.
٢ - حديث ابن عباس: رواه ابن أبي الدنيا بزيادة: "والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه، ومن آذى مسلمًا كان عليه من الإثم مثل كذا وكذا" كما في "المقاصد" (ص ١٥٢) وقال السخاوى: "وسنده ضعيف، فيه من لا يُعرف، وروى موقوفًا، قال المنذرى: ولعله أشبه، بل هو الراجح".
ورواه البيهقى في "الشعب" (٢/ ٣٧٣/ ١) وغيره بلفظ: "كان عليه من الإثم مثل منابت النخل". كما في "الضعيفة" (٦١٦). وقال الذهبى: "إسناده مظلم" كما في "الفيض" (٣/ ٢٧٧).
قلت: وهو من طريق سلم بن سالم البلخى عن سعيد الحمصي عن عاصم الجذامي عن عطاء عن ابن عباس وهذا إسناد واهٍ، سلم بن سالم اتفقوا على تضعيفه وأشار أبو زرعة الرازى إلى أنه كان لا يصدُق. وسعيد الحمصى لا يعرف. ويحتمل أن يكون: "سعيد بن عبد الجبار الزبيدى الحمصى". وهو واهٍ، من طبقة بقية، وروى بقية عنه أيضًا. وقرينة هذا الاحتمال أن شيخه من شيوخ بقية. قال الذهبى (٢/ ٣٥٨): "شيخ لبقية. لا يعرف" ثم وجدت لسلم بن سالم رواية عن سعيد ابن عبد الجبار عند الشجرى (٢/ ٤٧) فلله الحمد.
٣ - حديث أنس: رواه القشيرى في "الرسالة" (ص ٤٩) قال: "أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خرزاذ (٣٧) قال: حدثنا محمد بن فضل بن جابر قال: حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا قال: حدثنى أبي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب" ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
_________________
(١) في "الرسالة" (ط. مصطفى الحلبى): "أحمد بن محمود بن خراز" والتصويب من "لسان الميزان" (١/ ٣٠٩)، (٦/ ٣١٤).
[ ١ / ٥٩ ]
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قيل يا رسول الله، وما علامة التوبة؟ قال: "الندامة".
ورواه ابن النجار من طريقه (١٠/ ١٦١/ ٢). قال الشيخ الألبانى حفظه الله في "الضعيفة" (٦١٥) (٣٨): "قلت: وهذا إسناد مظلم، من دون أنس لم أجد لأحد منهم ذكرًا في شيء من كتب الرجال، اللهم إلا ابن خرذاذ (٣٩) هذا فهو من شيوخ الدارقطني، وقد ساق له حديثا بسند له إلى مالك عن الزهرى عن أنس. ثم قال الدارقطني: "هذا باطل بهذا الإسناد، ومن دون مالك ضعفاء". وقال في موضع آخر: "مجهول" كما في "اللسان". فالظاهر أنه هو آفة هذا الحديث. والله أعلم. والحديث أورده في "الجامع الصغير" من رواية القشيرى وابن النجار، ولم يتكلم عليه المناوى بشئ" اهـ.
قلت: كذا قال حفظه الله، وجماعة من الذين لم يجدهم الشيخ معروفون:
١ - فشيخ القشيرى الصواب في اسمه: "أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك" وهو المتكلم المشهور، ترجمه الذهبي في "السير" (١٧/ ٢١٤: ٢١٦)، ولم يذكر في ترجمته ما يفصح عن حاله في الحديث. وقال: " وسمع من ابن خرزاذ الأهوازي". وختم ترجمته بحكايتين شنيعتين، فانظرها إن شئت.
٢ - وشيخ شيخه وقع اسمه للشيخ: "محمد بن فضيل بن جابر" فلم يعرفه، ولو وضع احتمال تصحفه لعرفه، فإنه: "محمد بن الفضل بن جابر" وهو السقطى - من شيوخ الطبراني - صدَّقه الدارقطني كما في "سؤالات الحاكم" (١٩٧) ووثقه الخطيب (٣/ ١٥٣).
٣ - وشيخ السقطى - سعيد بن عبد الله - يحتمل أن يكون: "سعيد بن
_________________
(١) لم يذكر فيها زيادة: ثم تلا الخ، لا أدرى لماذا؟
(٢) كذا سماه - بذالين - وكذلك أورده في السند، والصواب: "خرزاذ" كما قدمنا عن "اللسان". وسيأتي عن الذهبي ما يؤيد ذلك. وفى الرواة أيضًا: "عثمان بن عبد الله ابن محمد بن خرزاذ" وهو ثقة حافظ من رجال "التهذيب".
[ ١ / ٦٠ ]
عبد الله بن دينار". قال ابن حبان في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري من "الثقات" (٤٠) (٧/ ١٢٤): "ويجتنب من حديثه من رواية سعيد بن عبد الله بن دينار، فإن سعيدًا يأتي بما لا أصل له عن الأثبات" وأورده الحافظ في "اللسان" (٣/ ٣٥) وقال: "له ذكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصرى" وذهل فأعاده في (٣/ ١٢٦) وهو هو فكان على الشيخ أن يستظهر أنه هو ثم وجدت له ترجمة في "تاريخ دمشق" (٧/ ٢٨٨/ ٢٨٩) و"الجرح" (٤/ ١٨) وقال أبو حاتم: "مجهول".
٤ - حديث أبي سعيد الأنصارى: رواه أبو نعيم (١٠/ ٣٩٨) من طريق ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعيد الأنصارى عن أبيه مرفوعًا. ولفظه: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".
ورواه الحكيم الترمذى في "نوادر الأصول" - بتقديم وتأخير- كما في الإصابة (٤/ ٨٧) - ولكن سماه: "ابن أبي سعد".
وإسناده ضعيف مظلم، فيحيى بن أبي خالد مجهول قاله أبو حاتم كما في "الجرح" (٩/ ١٤٠) وحكى الحافظ في "اللسان" (٦/ ٢٥٢) عنه أنه قال: "روى عن ابن أبي سعيد عن أبيه رفعه: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وهو حديث ضعيف، رواه مجهول عن مجهول".
وابن أبي سعيد ترجمه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٢١) باسم: "ابن أبي سعد" وحكى عن أبيه أيضًا أنه قال: "مجهول". وأبوه ترجمه (٩/ ٣٧٨) وسماه "أبا سعد الأنصارى" وقال: "روى عن النبى ﵌: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومنك من أعتبك (كذا) وإنى لأكره
_________________
(١) لقد أغرب ابن حبان ﵀ بذكره عبد الواحد بن زيد في "الثقات" فإن الجمهور على تركه وسقوط حديثه، ثم إنه تناقض فيه فأورده أيضًا في "المجروحين" (٢/ ١٥٤، ١٥٥" وقال: "كان ممن يغلب عليه العبادة حتى غفل عن الإتقان فيما يروى، فكثر المناكير في روايته، فبطل الاحتجاج به ا. هـ وهو الصواب.
[ ١ / ٦١ ]
المرأة المرهاء، والمرأة السلتاء". روى ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعد عن أبيه".
٥ - حديث أبي عنبة الخولاني: أخرجه البيهقى كما في "المقاصد"، ولم أرَ أحدًا تعرض للكلام عنه، فالله أعلم بحاله.
٦ - حديث عائشة: رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ١٣٢) من طريق على بن زيد عن سعيد بن المسيب عنها - في حديث طويل عجيب لوائح الوضع عليه بادية، فأوله: "الموت غنيمة، والمعصية مصيبة، والفقر راحة، والغناء عقوبة، والعقل هدية من الله، والجهل ضلالة، والظلم ندامة، والطاعة قرة العين، والبكاء من خشية الله النجاة من النار، والضحك هلاك البدن، والتائب " الحديث.
وعلى بن زيد ضعيف، والإسناد إليه واهٍ وفيه إظلام أيضًا.
وبَعْد، فمن الواضح - بعد ظهور علة حديث ابن مسعود - أن سائر طرق هذا الحديث مظلمة، وأكثرها - مع إظلامه - واهٍ، وإحداها حالها مجهولة، ولذلك فالقول بحُسنه - مع كثرتها - مما تدفعه القواعد الحديثية الدقيقة ولا ينشرح القلب لمثله.
أما نسبته إلى ابن مسعود فالأمر في ذلك هين، فإن أبا عبيدة يروى عن جماعة من الصحابة وعن كبار أصحاب أبيه.
والغالب على أصحاب ابن مسعود الثقة والأمانة (ولكن) حديث الترجمة صحيح قطعًا من قول عامر بن شراحيل الشعبي ﵀- وهو من فقهاء التابعين وفضلائهم - كما رواه وكيع في "الزهد" (٢٧٨) والبيهقى في (٤١) "شعب الإيمان" (٢/ ٢/ ٤٥٠) عن سفيان الثورى عن عاصم الأحول عنه به، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) قاله محقق "زهد وكيع" حفظه الله.
[ ١ / ٦٢ ]
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا كما في "المقاصد". وإسناده صحيح على شرطهما. ورواه أبو نعيم (٤/ ٣١٨) من طريق قيس - هو ابن الربيع - عن عاصم عنه، بلفظ: "كان يقال (٤٢): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب، وذنب لا يضر كذنب لم يعمل".
وفى هذا الإسناد مقال، قيس بن الربيع هو الأسدي الكوفي، قال الحافظ (٥٥٧٣): "صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به".
قلت: والثورى ﵀ لا نظير له في الحفظ والإتقان، فروايته - مختصرًا - هى الراجحة عن عاصم عن الشعبى، والتى تجعل المتن من قول الشعبي نفسه، لا من حكايته بلفظ: "كان يقال" فتنبه. والله أعلم.