" لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار".
منكر. رُوِى من حديث ابن عباس وأنس وأبى هريرة وعائشة.
١ - حديث ابن عباس:
رواه القضاعى (٨٥٣) وكذلك أبو الشيخ والديلمى والعسكرى في "الأمثال" - كما في "المقاصد" (ص ٤٦٧) من طريق سعيد بن سليمان سعدويه عن أبي شيبة الخراسانى عن ابن أبي مليكة عنه مرفوعًا به. وأبو شيبة هذا، قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٥٣٧): أتى بخبر منكر رواه عنه سعدويه " فذكره.
[ ١ / ١٤١ ]
وقال السخاوى: "وسنده ضعيف لا سيما وهو عند ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس من قوله " الخ. وسيأتى تمام كلامه في محله.
٢ - حديث أنس:
رواه البغوى ومن جهته الديلمى عن خلف بن هشام عن سفيان بن عيينة عن الزهرى عنه، قال السخاوى: "وينظر سنده" قال محشيه: "نظرت سنده فوجدت فيه راويًا مجهولًا".
قلت: ولم أجده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فالله أعلم. وهو منكر جدًا بهذا الإِسناد فإن سائرهم ثقات أئمة.
٣ - حديث أبي هريرة:
له طريقان إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن:
الأولى: عند الطبراني في "مسند الشاميين" من رواية مكحول عن أبي سلمة عنه: قال السخاوى: "وزاد في آخره: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا" وفي إسناده مبشر بن عبيد الدارسى، وهو متروك".
قلت: واتهم بالوضع، فالسند واه جدًا. أما شطره الثانى فثابت من وجه آخر.
الثانية: عند الثعلبى وابن شاهين في "الترغيب" من رواية بشر بن إبراهيم عن خليفة بن سليمان عن أبي سلمة عنه. وسكت عنها السخاوى مع أن إسنادها مثل ما قبلها أو أسوأ حالًا منه، فإن بشر بن إبراهيم هذا هو الأنصارى البصرى المفلوج أبو عمرو، وهو وضَّاع مشهور له ترجمة حافلة في "اللسان" (٢/ ١٨: ٢٠). وشيخه لم أقف له على ترجمة فلعله مُتَحَرِّف أو مختلق! .
٤ - حديث عائشة:
رواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في "المبتدأ" عن الثورى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. قال السخاوى: "وإسحاق حديثه منكر".
قلت: ليس هو كذلك فحسبُ، بل هو كذاب متهم بالوضع، وروايته لهذا
[ ١ / ١٤٢ ]
المتن بهذا الإِسناد الذى كالشمس، من الدلائل البينة على اتهامه وقد تعرضنا لبيان حاله في الحديث السابع عشر.
وبعد هذا البيان الموجز لسقوط هذه الطرق، فإن (الصحيح) أن حديث الترجمة هو قول عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه الطبرى في "تفسيره" (٩٢٠٧) وابن أبي حاتم (النساء - ٢٩٤٨) من طريق قيس بن سعد عن سعيد ابن جبير أن رجلًا قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هى؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" وإسناده صحيح.
وكذلك هو في "تفسير ابن المنذر" -كما تقدم عن السخاوى- وقال: "وكذا رواه البيهقي في "الشعب" من حديث سعيد بن صدقة عن قيس بن سعد عن ابن عباس موقوفًا". كذا في "المقاصد" فلا أدرى أسقط "سعيد بن جبير" بين قيس بن سعد وابن عباس -من قبل الطابع أو الناسخ- أم هكذا جاءت هذه الرواية عند البيهقي؟ فإن هذا الإِسناد منقطع، وأيًا كان الأمر، فإنه لا يُعل الرواية الصحيحة الموصولة، فإنى لم أجد راويًا يسمى: "سعيد بن صدقة" فيما بين يدَىَّ من كتب الرجال يصلح لأن يكون هذا.
نعم، هناك: "سعيد بن صدقة الكوفى أبو مهلهل" وهو يروى عن سفيان الثورى كما في "الثقات" (٨/ ٢٦٢) فهو متأخر عن هذا وهناك أيضًا: "سعيد ابن أبي صدقة البصرى". وهو ثقة من السادسة -وهى طبقة قيس بن سعد- لكن لم أقف على أحد نصَّ على روايته عن قيس. والله أعلم.
تنبيه هام: وبعد تبين صحة (٩٥) هذا الأثر عن ابن عباس تعلم ما في قول العلامة
_________________
(١) وفي الباب قول النبي ﵌ " ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على مافعلوا وهم يعلمون" رواه أحمد عن ابن عمرو بسند صحيح. وأورده ابن كثير (١/ ٤٠٨) بتمامه والويل: شدة الهلكة، أفلا يدل الحديث على صحة قول ترجمان القرآن؟ .
[ ١ / ١٤٣ ]
الشوكاني ﵀ في "إرشاد الفحول" (ص ٤٧) -كما ذكره عنه محقق "مسند الشهاب" وسكت عنه-: "وقد قيل: إن الإِصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هى مقالة لبعض الصوفية (!)، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ جعله حديثًا، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإِصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإِصرار على الصغيرة صغيرة، والإِصرار على الكبيرة كبيرة" اهـ.
والعجب منه كيف خفى عليه هذا الأثر - مع ثبوته في أشهر مصدرين للتفسير بالأسانيد- مع سعة اطلاعه وتصنيفه في التفسير وسائر العلوم -ولا يرد على ذلك احتمال أن يكون قد وقف عليه ولم يعبأ به، إذ لو كان الأمر كذلك لعزاه إلى ترجمان القرآن الذى دعا له النبي ﵌ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل- ثم ناقش حجيته من عدمها، ولما عزاه إلى صوفى مجهول لا يلتفت إلى كلامه في التشريع والغيبيات المستندة إلى النص والتوقيف أو الفهم الصحيح لكتاب الله ﷿. فليعلم الجميع موقفنا من صحابة رسول الله ﵌ ومقدار جلالتهم (٩٦) في قلوبنا، ففى مثل هذا الموطن نقول ونصرخ: "إن لم نتبع أصحاب رسول الله ﵌ فمن نتبع"؟ ! خلافًا لأخ فاضل قالها احتجاجًا على قوله في "البدائل المستحسنة" (هامش ص ٨٧ من القسم الأول): "ومع ذلك، فالطعن في المتن -أعنى حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"- لا يزال واردًا، لتجويزه الاقتداء بكبار علماء الصحابة مع ثبوت خفاء بعض السنن عليهم، أو رَدِّها بما رأوه أثبت منها".
_________________
(١) وقد كان الإِمام أحمد إمام أهل السنه والحديث - يقدم الآثار المتصلة على الأحاديث المرسلة بل ذكر له وهو يئن في مرض الموت عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين للمريض فكف بن الأنين في لحال مع أن ليثا ضعيف وطاووس تابعى، فما أشد عجبى لمن زعم الانتساب إلى أهل الحديث، ولم يوقر السلف توقير أهل الحديث لهم.
[ ١ / ١٤٤ ]
فوالله الذى لا إله غيره، إنى لم أُرِد مطلق الاقتداء، ولكنى أردت أن يتخير كل مسلم أحد الصحابة رضوان الله عليهم فيتابعه في كل ما يقول ويفعل، معرضًا عمن سواه، بل قد يخالف النبي ﵌ لا محالة في مواطن لم يوفق فيها هذا الصحابى للدليل الصحيح الراجح، والمراد أن إنزال أى مخلوق - أيًا كان- منزلة رسول الله ﵌ المعصوم الذى أُمِرْنَا بطاعته والتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة، هو الذى تنكره قلوبنا وقلوب جميع المسلمين الصادقين ولا تقره.
فاللهم اعف عنا وعن إخواننا في الله، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. آمين.