" ما من غنى ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتى من الدنيا قوتًا".
ضعيف جدًا أو موضوع. رواه الإِمام أحمد (٣/ ١٦١) وابن ماجه (٤١٤٠) وهنَّاد (٥٩٦) وأبو يعلى (٧/ ٣٠٣) وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٥٦) وابن عدى (٧/ ٢٥٢٤) وأبو نعيم (١٠/ ٦٩، ٧٠) وابن الجوزى في "الموضوعات" (٣/ ١٣١) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن نفيع عن أنس مرفوعًا به.
ورواه أيضًا ابن منيع وعبد بن حميد في "مسنديهما" كما قال الحافظ البوصيرى ﵀ في "مصباح الزجاجة" (٣/ ٢٨٠، ٢٨١).
ورواه وكيع في "الزهد" (١١٧) عن إسماعيل به، فأوقفه على أنس والراجح عن إسماعيل رفعه كما هى رواية الجماعة.
وقال ابن الجوزى: "نفيع هذا، هو أبو داود الأعمى، كذبه قتادة. قال يحيى: لم يكن ثقة. وقال النسائى والدارقطنى: متروك". فتعقبه السيوطى في "اللآلئ" (٢/ ٣١٣) - بما ليس تحته كبير طائل - فقال: "قلت: أخرجه أحمد في "مسنده" وابن ماجة من هذا الطريق. وله شاهد عن ابن مسعود. وقال الخطيب: أنبأنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ أنبأنا عبد الباقى بن قانع حدثنا عمر ابن إبراهيم الحافظ حدثنا أحمد بن إبراهيم القطيعى حدثنا عباد بن العوام حدثنا سفيان ابن حسين عن سيار (٧٢) عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: "ما من أحد إلا وهو يتمنى يوم القيامة أنه كان يأكل في الدنيا قوتا".
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي سهل حدثنا عبد الله بن محمد العبسى حدثنا عباد بن العوام به، فذكره موقوفًا. والله أعلم. اهـ.
_________________
(١) في "اللآلئ": عن "يسار" وهو خطأ.
[ ١ / ١١٣ ]
وكذلك تعقبه الشيخ محمد صبغة الله المدراسى الهندى في "ذيل القول المسدد" (ص ٨٠) بقوله: "قلت: رماه -يعنى نُفَيْعا- بعضهم بالوضع وبعضهم بأنه متروك وبعضهم بأنه ليس بشئ وبعضهم بأنه ضعيف.
وذكره ابن حبان في "كتاب الثقات". وقال في "كتاب الضعفاء": يروى عن الثقات الموضوعات- انتهى.
فلا يحكم على حديثه بالوضع نظرًا لذلك. وله شاهد من حديث ابن مسعود ﵁ عند الخطيب قال " فذكر كلام السيوطى بتمامه.
قلت: تعقب الحافظ السيوطى بتخريج الإِمام أحمد للحديث يمكن الاستدلال به على نفى كونه موضوعًا عن الإِمام أحمد -لا مطلقًا- ولم أرَ للإِمام أحمد في نفيع رأيا صريحًا صحيحًا (٧٣)، فلعله لم يكن عنده كذابًا ولا شديد الضعف. والله أعلم.
أما تخريج ابن ماجه للحديث فلا يصلح تعقبًا فإن ابن ماجه ﵀ لم يكن يتحاشى إيراد أحاديث الهلكى والكذابين، مما أخر مرتبته عن مرتبة سائر الكتب الستة في الأصحية، وقدم بعض الأئمة على كتابه: "سنن الدارمى" لأن الغالب عليها الصحة بخلافه.
نعم، نفيع لا ينزل حديثه عن مرتبة الضعف الشديد بحال، فقد وهاه أكثر الأئمة، وقال ابن حبان: "كان ممن يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على جهة الاعتبار".
وقد غمزه أبو يحيى الساجى ﵀ بروايته هذا الحديث بعينه، فقال: "كان
_________________
(١) فقد روى أحمد بن أبي يحيى الأنماطى عنه قال "أبو داود الأعمى يقول: سمعت العبادلة عبد الله بن عمرو وابن عباس وابن الزبير لم يسمع منهم شيئًا" ففيه طعن في صدقه لكن أحمد هذا كذبه إبراهيم بن أورمة، وله ترجمة في "الكامل" (١/ ١٩٨) "واللسان" (١/ ٣٢١). وهذا النص في "الكامل" (٧/ ٢٥٢٣).
[ ١ / ١١٤ ]
منكر الحديث يكذب، ثنا أحمد ثنا أبو معاوية " فذكر الحديث وقال: "وهذا الحديث يصحح قول قتادة فيه أنه كان سائلًا لأن هذا حديث السُؤُّال. ونحوه قول الحاكم: "روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة" والنصان في "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٧١، ٤٧٢).
أما توثيق ابن حبان له، فغفلة منه، قال الحافظ - عقب قول المزى "فكأنه جعله اثنين"-: "قلت: هو وهم منه بلا ريب، وهو هو".
أما استشهاد السيوطى ﵀ بحديث ابن مسعود فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن حديث أنس -لشدة ضعفه- لا يقبل الانجبار بوجود شاهد له كما هو مقرر في كتب "مصطلح الحديث".
الثانى: أن حديث ابن مسعود - على ضعف إسناده - مُعَلٌّ بالوقف.
أما الضعف فلأن له علتين:
الأولى: ما في ابن قانع ﵀ من المقال. قال الذهبي في "المغنى" (١/ ٣٦٥): "الحافظ. قال الدارقطني: "كان يحفظ لكنه كان يخطئ ويصر". وقال البرقاني: "هو عندى ضعيف ورأيت البغداديين يوثقونه". وقال أبو الحسن ابن الفرات: "حدث به اختلاط قبل موته بسنتين". لكن قال الخطيب (١١/ ٨٩): "لا أدرى لماذا ضعفه البرقاني، فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد تغير في آخر عمره".
قلت: وله ترجمة واضحة في "اللسان" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤) تدل على أنه - مع حفظه ودرايته - صاحب أوهام وتصحيفات، فانظرها إن شئت.
الثانية: جهالة أحمد بن إبراهيم القطيعي، فقد ترجمه الخطيب (٤/ ٧، ٨) برواية أبي الآذان الحافظ - وهو عمر بن إبراهيم - وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١ / ١١٥ ]
(وأما) الإِعلال بالوقف، فقد خالفه الحافظ الثبت: ابن أبي شيبة (١٣/ ٣٠١) ومحمد بن جعفر المدائنى -وهو صدوق- عند عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ١٥٥، ١٥٦) فروياه عن عباد به موقوفًا، ولفظه - عند عبد الله-: "ما من أحد من الناس يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه كان يأكل في الدنيا قوتا وما يضر أحدكم على أى حال أصبح وأمسى من الدنيا إلا أن تكون في النفس حزازة". وإسناده صحيح وهو في "الحلية" (١/ ١٣٧) من طريق ابن أبي شيبة به.
والجملة الأولى من الأثر -المطابقة لحديث الترجمة- تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا مجال للرأى فيه، فهى مرفوعة حكمًا، ولا يُسَوِّغ ذلك لمن أراد حكايته هذا الأثر أن يجزم بنسبته إلى النبى ﵌، فيكون متهجمًا على ما ليس له أن يتهجم عليه، فتنَبَّهْ. وبالله التوفيق.