" من استرضى فلم يرضَ فهو شيطان، ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار".
لا أصل له مرفوعًا. قال الحافظ السخاوى في "المقاصد" (١٠٧٩): "ليس في المرفوع، وإنما هو فيما أورده البيهقي في "الشعب" من جهة جعفر ابن محمد الصادق قال: من لم يغضب عند التقصير، لم يكن له شكر عن المعروف، ومن طريق الربيع، وفي "مناقب الشعب" (كذا) من جهة أحمد ابن سنان كلاهما عن الشافعي من قوله بزيادة: "ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار". وذكره عنه الشوكاني ﵀ في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٩٥) باختصار الكلام عن طرقه.
وقال الشيخ ملا على القارى في "المصنوع" (٣١٠): "من كلام الشافعي". وذكره العلامة محمد الأمير الكبير المالكى في "النخبة البهية" (٣٧٧) وقال: "وفي رواية جبان". وقال: "ليس بحديث، بل من قول الشافعي". قلت: رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ٢٠٢) من طريق أحمد بن محمد بن الحسين المصري عن الربيع به. ورواه ابن عساكر (٥/ ٣٢١) من طريق البيهقي أيضًا - بإسناد آخر - عن أبي بكر بن إسحاق عن الزبير
[ ٢ / ١٣٥ ]
ابن عبد الواحد عن محمد بن [. . . . . .] عن الربيع به (كذا في النسخة الظاهرية ببياض في اسم أبي الراوى عن الربيع) وفي الطريق الأولى: أحمد بن محمد بن الحسين المصري، ترجم له الذهبي في "السير" (١٥/ ٥٤١: ٥٤٣)، فقال: "الشيخ الكبير، مسند وقته، أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندى، المصري الصابونى " حتَّى قال: "وهو صدوق في نفسه. وليس بحجة، وقد أدخل عليه حديث باطل فرواه". ثم روى بإسناده إليه عن محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا: "النظر إلى وجه علِىٍّ عبادة".
وقال: "فهذا أدخل على أبي الفوارس". وقال في "الميزان": "صدوق إن شاء الله، إلا أنى رأيته قد تفرد بحديث باطل عن محمد بن حماد الطهرانى كأنه أدخل عليه". وقال في "العبر" (٢/ ٨٠): "وفيها - يعنى سنة ٣٤٩ -: أبو الفوارس الصابونى، الثقة المُعَمَّر، مسند ديار مصر ".
وقال الحافظ في "اللسان" (١/ ٢٩٦): " وكان ينبغي ذكر ذلك الحديث ليُجتنب، وسأبحث عنه إن شاء الله، ثم رأيت عن المالينى أن ابن المنذر قال: هو كذاب. فأورد (كذا) له الدارقطني في "غرائب مالك" حديثًا رواه عن العباس بن العباس بن الفضل بن عون التنوخى عن سوادة بن إبراهيم الأنصاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر في تجاوز الله عن الخطأ والنسيان، الحديث، وقال عقبه: لا يصح، ومن دون مالك ضعفاء. قلت: مات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، وقد جاوز المائة "إلخ.
قلت: فالرجل غير ثقة، على أنَّه قد توبع عند ابن عساكر إلا أن اسم متابعه لم يأت كاملًا كما تقدم، وقد ذكر الحافظ المزى في "تهذيب الكمال" (٩/ ٨٨) ثلاثة من المحمدين يروون عن الربيع ما منهم إلا ثقة حافظ هم: أبو إسماعيل الترمذي - محمد بن إسماعيل - والأصم - محمد بن يعقوب -
[ ٢ / ١٣٦ ]
والرويانى - محمد بن هارون-، فأرجو أن يكون أحدهم. كذلك ذكر ابن عساكر (٦/ ٣٤٠) في ترجمة الزبير بن عبد الواحد جماعة من شيوخه المحمدين منهم: محمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن إسحاق السراج ومحمد بن الحسن ابن قتيبة العسقلانى وغيرهم ممن يحتمل أن يكون لهم رواية عن الربيع - وأيًا كان الأمر، فقد تابع الربيعَ: أحمد بن سنان - وهو الواسطى أحد الثقات الحفاظ -كما تقدم عن السخاوى ﵀.
وقد صحح الحافظ ابن حجر ﵀ نسبة هذا الأثر إلى الإِمام الشافعي رحمة الله عليه، إذ عقد الفصل السابع من كتابه "توالى التأسيس" في سياق شيء من بليغ كلامه نظمًا ونثرًا. وقال: "ذكر شيء من منثور كلامه". قال: "وهو كثير لو جمع لكان جزءًا كبيرًا، وقد اقتصرت منه على ما ساقه الآبرى، وأبو نعيم، والبيهقي بأسانيدهم الثابتة إليه محذوف الأسانيد"، فذكره (ص ١٣٦).
أما رواية: "ومن استغضب فلم يغضب فهو جبان"، فلما أقف عليها بعد، ولا وجدت أحدًا أشار إليها سوى الأمير المالكى، فلعلها من تزيدات وتحريفات العامة في عصره بعد أن جعلوها حديثًا، فرَدَّ هو ذلك، والله أعلى وأعلم.