" إذا تخوف أحدكم السلطان فليقل: اللهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم، كن لى جارًا من شر فلان- تسمى الذى تريد-، وشر الجن والإِنس وأتباعهم أن يفرطَ عَلَيَّ أحد منهم، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك".
ضعيف. روى من حديث ابن مسعود- من وجهين عنه- كلاهما ضعيف.
الوجه الأول: رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٠٨) و"الدعاء" (١٠٥٦) عن طريق جنادة بن سلم، عن عبيد الله بن عمر، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه عن جده عنه به.
وإسناده ضعيف، جنادة بن سلم هو ابن خالد بن جابر بن سمرة العامرى السوائى أبو الحكم الكوفى. وثقه ابن حبان وابن خزيمة، وضعفه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ما أقربه عن أن يترك حديثه، عمد إلى أحاديث موسى بن عقبة فحدَّث بها عن عبيد الله بن عمر. وقال الساجى، حدًث عن هشام بن عروة حديثًا منكرًا. وقال الأزدى: منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، أخاف أن لا يكون ضعيفًا (كذا في "التهذيب" (٥/ ١٣٦)، ولعل الصواب بدون: لا) وعنده عجائب. وقال الأستاذ بشار عواد في حاشية
[ ٢ / ٢٠ ]
"تهذيب الكمال" (٥/ ١٣٦): "هو ضعيف كما قال الحافظان أبو حاتم وأبو زرعة الريان، وهما أعلم به، وضعفه الذهبي، ولا أدرى كيف قال الحافظ ابن حجر: "صدوق له أغلاط " ".
قلت: والرجل في عبيد الله العمرى- خاصة- صاحب مناكير، وهذا عن روايته عنه. والحديث من هذا الوجه، قال الهيثمى (١٠/ ١٣٧): "وفيه جنادة بن سلم وثقه ابن حبان وضعَّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح". ونحوه في (١٠/ ١٨٧).
الوجه الثاني: رواه الطبراني "الدعاء" (١٠٥٧) من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عبد ربه بن سعيد وابن أبى فروة عن يونس بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه مرفوعًا به، ولفظه: "إذا تخوفت من أحد شيئًا فقل: اللهم رب السموات السبع ومن فيهن ورب العرش العظيم، ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، كن لى جارًا من فلان وأشياعه وأتباعه أن يفرطوا عَلَىَّ أو أن يطغوَا عَلَىَّ أبدًا، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". وهذا أيضًا إسناد ضعيف، عبد الله ابن صالح- هو الجهنى المصرى أبو صالح كاتب الليث، صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة كما في "التقريب" (٣٣٨٨)، وصحح الحافظ في "هدى السارى" (ص ٤٣٤) رواية أهل الحذق عنه، كابن معين والبخارى وأبى زرعة وأبى حاتم. وليس هذا منها. وله علة أخرى، وهى الانقطاع. قال الحافظ المزى في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من "تهذيب الكمال" (ق ٨٨٠): "روى عن وعم أبيه عبد الله بن مسعود، مرسل".
(والصحيح) عن أبن مسعود ﵁، الوقف، وصح نحوه عن ابن عباس ﵄.
١ - أما ابن مسعود، فرواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣) -
[ ٢ / ٢١ ]
واللفظ له - والبخارى في "الأدب" (٧٠٧) من طرق عن الأعمش عن ثمامة ابن عقبة المحلمى عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: "إذا كان على أحدكم إمام يخاف تغطرسه وظلمه فليقل: اللهم ربَّ السموات وربَّ العرش العظيم، كن لي جارًا من فلان وأحزابه وأشياعه، أن يفرطوا عَلَيَّ وأن يطغوا، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك". قال ابن أبي شيبة: "إلا أن أبا معاوية زاد فيه: قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فحدَّث عن عبد الله بمثله، وزاد فيه: من شر الجن والإِنس". وإسناداه صحيحان، وإرسال إبراهيم عن ابن مسعود صححه بعض الأئمة، لثبوت أنه كان لا يرسل عنه إلا ما سمعه من غير واحد من أصحابه.
تنبيه: وذكر الشيخ الجيلانى ﵀ في "فضل الله الصمد" (٢/ ١٧١ - ١٧٢) أحاديث كثيرة بألفاظ غير هذا- في دعاء خوف السلطان - ما بين ضعيف واه، أو مقطوع، فلا حاجة إليها، وحسبنا ثبوته عن صحابيين جليلين كما قدمنا. وقد قال: "وإن كانت طرقها ضعيفة فهى أحسن من التى لا أصل لها من السنة وآثار الصحابة والتابعين" اهـ. قلت: وأحسن من كل ذلك تتبع الثابت عن أصحاب النبي ﵌ تحريًا لصحة الإسناد واتصاله، إلا أن لا نجد إلا المقاطيع كما فعل الإِمام الطبراني ﵀ في (باب: كيف التهنئة بالمولود) من كتابه "الدعاء" (ص ١٢٤٣ - ١٢٤٤) إذ أورد أثرين عن كلٍ من الحسن البصرى وأيوب السختيانى رحمهما الله لفظهما: "جعله الله مباركًا عليك وعلى أمة محمد ﵌"، وسأخرجهما في محلهما المناسب إن شاء الله تعالى. ونظائر ذلك كثيرة في صنيع الأئمة ﵏. وإنما ذكرت هذا المثال لعموم الحاجة إليه مع اشتهار سواه عن الحسن ﵀ مما لم يثبت عنه.
٢ - وأما عن ابن عباس ﵄، فقد روى البخارى أيضًا (٧٠٨) وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٣) عن أبي نعيم الملائى، وكذا الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٣١٤)
[ ٢ / ٢٢ ]
و"الدعاء" (١٠٦٠) وأبو نعيم (١/ ٣٢٢) من طريقه، والخرائطى في "مكارم الأخلاق" كما في "المنتقى منه" للحافظ السلفى (٥٨٣) من طريق شبابة بن سوار، قالا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إذا أتيت سلطانا مهيبًا تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعًا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذى لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإِنس، اللهم كن لى جارًا من شرهم، جلَّ ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك". وإسناده حسن رجاله ثقات رجال الصحيح سوى يونس، وهو مختلف فيه. قال الذهبى في "السير" (٧/ ٢٧): "ابناه أتقن منه" وهو حسن الحديث". وحسَّن حديثه أيضًا بإيراده في "أسماء من تكلم فيه وهو موثق" (٣٨٩). ونحوه قوله في "الميزان" (٤/ ٤٨٣): "قال ابن حزم في "المحلى": ضعَّفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل جدًا. قلت: بل هو صدوق، ما به بأس، ما هو في قوة مسعر ولا شعبة، ". وقوله في "المغنى" (٢/ ٧٦٦) و"الكاشف" (٣/ ٣٠٣): "صدوق ". ونحوه قول الحافظ في "التقريب" (٧٨٩٩): "صدوق يهم قليلًا".
(فهذان) الأثران تحفتان تكتبان بماء الذهب، أهديهما إلى إخوانى وأحبابى وجميع المسلمين الصابرين المحتسبين، ومعذرة إن كنت قد أخطأت- في فترة سابقة- في لفظ أثر ابن عباس، فهكذا كان عالقًا بذهنى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] صدق الرحمن الرحيم، وبلغ رسوله الرؤوف الرحيم ﵌، ونحن على ذلك من الشاهدين.
تنبيه: (أما) ما رواه ابن السنى (٣٤٧) من طريق محمد بن الحارث- وهو الحارثى البصرى- حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلمانى عن أبيه عن
[ ٢ / ٢٣ ]
ابن عمر مرفوعًا: "إذا خفت سلطانا أو غيره، فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك". فإسناده واه جدًا. الحارثى مختلف فيه وقد وهاه غير واحد، وابن البيلمانى ضعيف جدًا. وهاه ابن معين، وقال البخارى والنسائى وأبو حاتم والساجى: منكر الحديث. وقال ابن حبان حدَّث عن أبيه بنسخة شبيها بمائتى حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره في الكتب إلا على جهة التعجب. وقال ابن عدى: وكل ما رُوى عن ابن البيلمانى، فالبلاء فيه من ابن البيلمانى، وإذا روى عن ابن البيلمانى محمد بن الحارث هذا، فجميعًا ضعيفان، محمد بن الحارث وابن البيلمانى، والضعف على حديثهما بين.
وأبوه، قال ابن حبان في "الثقات": لا يجب أن يعتبر بشئ من حديثه إذا كان من رواية ابنه، لأن ابنه محمد بن عبد الرحمن يضع على أبيه العجائب وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به حجة. وقال الأزدى: منكر الحديث، يروى عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يُعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا سُرَّق. قال الحافظ في "التهذيب" (٦/ ١٥٠): "قلت: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولًا مرسلا عند صالح" اهـ قلت: ومهم ابن عمر، وعليه، فهى علة رابعة. والله أعلم.