" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسى".
ضعيف. رواه الترمذى (٢٥٢٣، ٢٥٢٤) وكذلك الواحدى في "الوسيط" (١/ ٢٧/ ٢) وأبو جعفر الطوسى الفقيه الشيعى في "الأمالى" (ص ٢) والبيهقى في "شعب الإِيمان" (٢/ ٦٥/ ١ - ٢) -كما في "الضعيفة" (٩٢٠) - من طريق إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا به.
وقال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب". وفي نسخة: "هذا حديث حسن غريب " الخ كما في "الضعيفة". والأول أليق بحال هذا الإِسناد، فإن إبراهيم هذا قال ابن القطان "لا يعرف حاله". ولا أعلم أحدًا وثقه سوى ابن حبان فإنه ترجمه مرتين في (٦/ ٢٥، ١٤) وهو هو.
أما قول الحافظ ﵀ في "التهذيب" (١/ ١٣٣): "وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث" فهذا وهم منه ﵀، فإن ابن حبان إنما قال ذلك في آخر متأخر عن هذا -من شيوخ شيوخه- إذ قال (٨/ ٨٢، ٨٣): "إبراهيم بن عبد الله بن الحارث الجمحي، يروى عن يعلى بن عبيد وأهل العراق، حدثنا عنه عبد الكبير بن عمر الطائى، مستقيم الحديث". ولم يتفطن المعلق على "الثقات" لافتراقهما فقال: "له ترجمة في التهذيب ١/ ١٣٣".
فتفرد ابن حبان بتوثيقه لا يعتمد في مثل هذه الحالة لبعده عن طبقته وعدم وصفه بصفة تدل على الخُبر بحاله.
هذا، وقول الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله في حاشية "جامع الأصول" (١١/ ٧٣٧): "وإسناده حسن" غير حسن، فإن هذا الرجل المجهول الحال لا
[ ١ / ١٣٩ ]
يحتمل تفرد مثله بهذا المتن عن حافظ كبير كعبد الله بن دينار المدنى - دون كبار أصحابه الثقات كمالك وشعبة والسفيانين وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة، بل مَنْ دون هؤلاء كمحمد بن عجلان (٩٤) وسهيل وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وقال العلامة الألباني حفظه الله: "والحديث رواه الإِمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٦/ ٨) أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: فذكره بأتم منه من قول عيسى ﵇، وقد مضى قريبًا (٩٠٨). وهذا هو اللائق بمثل هذا الكلام أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى ﵊، وليس من حديث نبينا محمد ﵌" اهـ.
قلت: قد عزاه جماعة من السلف، من التابعين فمن بعدهم إلى عيسى ﵇، (ووقفت) في ذلك على خمسة آثار:
الأول: رواه أحمد في "الزهد" (ص ٥٦) وعنه أبو نعيم (٦/ ٥٨) من طريق صالح المرى عن أبي عمران الجونى عن أبي الجلد أن عيسى بن مريم ﵇ أوصى الحواريين لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ﷿ فتقسو قلوبكم، وإن القاسى قلبه بعيد من الله ﷿ ولكن لا يعلم ولا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكنكم (كذا) انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد والناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء في بليتهم، واحمدوا الله على العافية". وإسناده واه، صالح المرى وابن بشير البصرى القاضى وهو متروك شديد الضعف.
الثانى: رواه ابن أبي عاصم في "الزهد" (٥٣) من طريق أبي سنان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أقلوا الكلام إلا بذكر الله، فإن كثرة الكلام تقسى القلب". وإسناده جيد، وإبراهيم أدرك بعض الصحابة فهو تابعى، لكن روايته عن الصحابة منقطعة حاشا ابن مسعود، فإنها صحيحة
_________________
(١) التحقيق في ابن عجلان يقضى بأنه ثقة مطلقا، لكنه دون ذلك في سعيد المقبرى ونافع خاصةً، إلا أن تثبت مخالفته أو اضطرابه فيهما. وسهيل ثقة كذلك إلا أنه في التثبت دون مالك وشعبة ومن ذكر معهما.
[ ١ / ١٤٠ ]
جدًا كما تقدم، في الحديث الحادي والثلاثين.
الثالث: رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٥٤٨، ١٣/ ١٩٣) وعنه ابن أبي عاصم (٦٠) عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن محمد بن يعقوب قال: قال عيسى بن مريم فذكره مطولًا. ومحمد بن يعقوب لعله الزمعى أخو موسى بن يعقوب، وهو مجهول كما قال أبو حاتم الرازى كما في "الجرح" (٨/ ١٢١) ووثقه ابن حبان (٧/ ٤٢٩).
الرابع: رواه هناد في "الزهد" (١١٢٢) عن قبيصة عن الثورى مطولًا. وإسناده إليه صحيح.
الخامس: رواه خيثمة الأطرابلسى: حدثنا أبو على الحسن بن مكرم، حدثنا شاذان، حدثنا الثورى. حدثنا عمرو بن قيس قال: قال عيسى بن مريم ﵌ فذكره مطولًا. كما في:
وإسناده صحيح، فكأَنَّ الثورى أسنده مرة إلى من سمعه منه، وأرسله أخرى. والله أعلم.