" كان يَدَّهِنُ بالزيت غير المقتت عند الإِحرام".
منكر. رُوِى من حديث ابن عمر وابن عباس من نفس الوجه.
أولًا: حديث ابن عمر:
رواه الإِمام أحمد (٢/ ٢٩، ٢٥، ٥٩، ٧٢، ١٤٥) وأبو عبيد في "الغريب" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وابن أبي شيبة (الجزء المفقود ص ٣٩٨) والترمذى (٩٦٢) من طرق عن حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عنه مرفوعًا به. وعند أبي عبيد: "عن الحسن أو سعيد بن جبير". وقال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخى عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخى، وروى عنه الناس". وكذلك أورده الذهبى في "الميزان" (٣/ ٣٤٦) في جملة ما استنكر عليه. وهو ضعيف، ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين- في رواية- وتكلم فيه في عدة روايات عنه. وقال الحافظ في "التقريب" (٥٣٨٤): "صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ".
ثانيًا: حديث ابن عباس:
رواه أبو نعيم (٣/ ٤٩) والبيهقى (٥/ ٥٨) من طريقين عن حماد بن سلمة به، عن ابن عباس. وقال البيهقي: "ورواه الأسود بن عامر شاذان عن حماد ابن سلمة عن فرقد عن سعيد عن ابن عمر". قلت: كأنه يجعل الاختلاف فيه من أبي سلمة الخزاعى- راويه عن حماد عنده -، وهو ثقة حافظ إمام، والأشبه أنه ممن دونه، فقد رواه الإِمام أحمد - في أحد المواضع المذكورة - عنه عن حماد كرواية الجماعة. أما راويه عن حماد عند أبي نعيم، فهو مسلم ابن إبراهيم الفراهيدى، رواه من ثلاث طرق عنه، فجعله أيضًا من مسند
[ ٢ / ٩٩ ]
ابن عباس، ومسلم ثقة حافظ لكن الوهم لا ينفك عنه بشر، لا سيما والجادة هى رواية ابن جبير عن ابن عباس، ثم وجدته في "الأخلاق" لأبى الشيخ (ص ١٥٠) من طريق مسلم عن حماد به على الصواب. على أن الحمل على فرقد أولى لأنه ضعيف كما تقدم.
(والصحيح) عن سعيد بن جبير وقف الحديث على ابن عمر ﵄، فقد رواه ابن أبى شيبة أيضًا عن وكيع قال: ثنا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير عنه: "أنه كان يدهن بالزيت عند الإِحرام". وإسناده صحيح غاية، وهو على شرطهما. ثم وجدته اليوم عند البخارى (١٣٥٧) - بزيادة -، فرواه عن محمد بن يوسف (وهو الفريابي) حدثنا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير قال: "كان ابن عمر - ﵄ - يدهن بالزيت" فذكرته لإِبراهيم (القائل: منصور) قال: ما تصنع بقوله؟ حدثنى الأسود عن عائشة ﵂ قالت: "كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﵌، وهو محرم".
ثم روى (١٥٣٩) من طريق الإمام مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﵌ لإِحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". وهو في "الموطأ" (١/ ٣٢٨) وقال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٦٥) - عند قوله في الأثر "يدهن بالزيت": "أى عند الإِحرام بشرط أن لا يكون مطيبًا، كما أخرجه (١٩) الترمذى من وجه آخر عنه مرفوعًا، والموقوف عنه أخرجه ابن أبي شيبة وهو أصح، ويؤيده ما تقدم في كتاب الغسل من طريق محمد بن المنتشر أن ابن عمر قال: "لأن أطلى بقطران أحبُّ إليَّ من أن أتطيب ثم أصبح محرمًا". وفيه إنكار عائشة عليه، وكان ابن عمر يتبع في ذلك أباه فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإِحرام كما سيأتى، وكانت عائشة تنكر عليه ذلك. وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله
_________________
(١) واستدل على هذا الشرط- عفا الله عنه- دون أن يبين ضعف رواية الترمذي وإعلالها بفرقد مع مخالفته للثقات. فقد يفهم البعض من قوله: "وهو أصح" أنها ثابتة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
ابن عبد الله بن عمر أن عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإِحرام" قال: فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر فأرسلته إليها وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبي، فجاءنى رسولى فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإِحرام فأصب ما بدالك. قال: فسكت ابن عمر. وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة، قال ابن عيينة: "أخبرنا عمرو بن دينار عن سالم أنه ذكر قول عمر في الطيب ثم قال: قالت عائشة" فذكر الحديث، قال سالم: سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق أن تتبع". وقال- في قول إبراهيم لمنصور: "فقال: ما تصنع بقوله" يشير إلى ما بينته، وإن كان لم يتقدم إلا ذكر الفعل، ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن وأنها مستغنى بها عن آراء الرجال وفيها المقنع". وانظر شرحه - ﵀ - لحديث عائشة، وجوابه عن شبهات المخالفين له وتأويلاتهم حتى (ص ٤٦٧). وانظر أيضًا روايات شتى لحديث عائشة في "جامع الأصول" لابن الأثير الجزرى ﵀ (٣/ ٣١: ٣٥) بتعليقات الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله. وانظر أيضًا "التمهيد" للحافظ ابن عبد البر (١٩/ ٢٩٦: ٣٠٩).