" حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة".
ضعيف. رواه الإِمام أحمد (٥/ ٣٤٢) وعنه الحاكم (٤/ ٣١٠) وعنه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٣/ ١٢٨) وابن أبي عاصم في "الزهد" (١٥٨) والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٩١) (٨) و"مسند الشاميين" (٩٦٣) -كما قال محققه عن أبي عبيد الحضرمى - يعنى شُرَيحا - أن أبا مالك الأشعرى لما حضرته الوفاة،
_________________
(١) ولفظه فيه: "حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الآخرة حلوة الدنيا" وهذا تكرار لا معنى له، فلا أدرى من المتسبب فيه؟ .
[ ٢ / ٦٢ ]
قال: "يا معشر الأشعريين، ليبلغ الشاهد منكم الغائب، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ". فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإِسناد". ووافقه الذهبي قال الألباني: "وهو كما قالا". وقال الهيثمى (١٠/ ٢٤٩): "رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات". وقال السلفي: "حديث صحيح. رواه أحمد (٥/ ٣٤٢) والحاكم (٤/ ٣١٠) والبيهقي وابن عساكر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال في المجمع " إلخ، ولم يشر إلى الإِشكال الذى في لفظ الطبراني.
وقال محقق "زهد ابن أبي عاصم" الشيخ عبد العلى الأعظمي وَحْده: "شريح بن عبيد الحضرمي، ثقة. قال ابن أبي حاتم (الصواب: عن أبيه، أو: قال أبو حاتم): روايته عن أبي مالك مرسلة ".
قلت: وفي جميع ما تقدم نظر، لا سيما قول مصححيه. نعم، رجاله ثقات كلهم، لكن رواية شريح بن عبيد أبي عبيد الحضرمى ظاهرة الانقطاع. قال أبو حاتم -كما تقدم-: "شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعرى مرسل" كما في "المراسيل" لابنه (رقم ٣٢٧ ب). وذكر العلائى في "جامع التحصيل" (٢٨٣) أبا مالك -في صحابة آخرين- رواية شريح عنهم مرسلة. وفي ترجمة شريح من "تاريخ دمشق" (٨/ ٦٣) وحكاه الحافظ في "التهذيب" (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩): "وسئل محمد بن عوف فقيل له: هل سمع شريح بن عبيد عن أبي الدرداء؟ فقال: لا. فقيل له: فسمع من أحد أصحاب النبي ﵌؟ فقال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيءٍ: سمعت، وهو ثقة". وأورد الحافظ أيضًا قول الآجرى عن أبي داود: لم يدرك سعد ابن مالك حتى حكى قول ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك أبا أمامة ولا ولا ، وهو عن أبي مالك الأشعرى مرسل. ثم قال: "وإذا لم يدرك أبا أمامة الذى تأخرت وفاته، فبالأولى أن لا يكون أدرك أبا الدرداء، وإنى لكثير التعجب من المؤلف (يعنى: المزى) كيف جزم بأنه لم يدرك من سمى هنا (يعنى: سعدًا والصعب بن حثامة وأبا ذر وكعب الأحبار)، ولم يذكر
[ ٢ / ٦٣ ]
ذلك في المقداد، وقد توفى قبل سعد بن أبي وقاص وكذا أبو الدرداء وأبو مالك الأشعرى وغير واحد ممن أطلق روايته عنهم، والله الموفق" يعنى بذلك قول المزى: "روى عن ثوبان وأبى الدرداء و وأبى مالك الأشعرى وروى عن سعد بن أبي وقاص والصعب بن جثامة وأبى ذر الغفارى وكعب الأحبار، ولم يدركهم". مع العلم بأن أبا مالك ﵁ توفى سنة ثمانى عشرة كما في "التقريب" (٨٣٣٦) أى قبل جميع الذين استثناهم المزى بكثير. وقد ذكر ابن عساكر (٨/ ٦٤) أنه وجدت شهادة شريح في كتاب قضاء تاريخه سنة (١٠٨) وحكاه عنه الحافظ في "التهذيب" أما الشيخ الألبانى حفظه الله، فتارة كان يتنبه لهذا الانقطاع ويتعقب من أَغفله، وتارة لا. فمن أمثلة الأول، أنه أورد في "الضعيفة" (١٥١٠) حديث: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال " الحديث، من طريق شريح عن أبي مالك، وقال: "قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع بين شريح - وهو ابن عبيد الحضرمي المصرى (كذا، والصواب: الحمصى أو: المقرائى) وأبى مالك الأشعرى، فإنه لم يدركه كما حققه الحافظ في "التهذيب"، فكأنه ذهل عن هذه الحقيقة حين قال في "بذل الماعون" (٢٥/ ١): "وسنده حسن؛ فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن الشاميين، وهى مقبولة".
ومن أمثلة الثانى، أنه أورد في "الصحيحة" (٢٢٥) حديث: "إذا ولج الرجل بيته، فليقل: " وقال: "وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات وشريح هو ابن عبيد الحضرمى الحمصى، ثقة، فالسند كله شامى حمصى". وقال في "صحيح الجامع" (١/ ١٥٦) -تحت حديث: "إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنى أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركه وهداه " الحديث: "حسن"، مع أنه من طريق شريح عن أبي مالك الأشعرى أيضًا. وقد أرسلت إلى الشيخ رسالة مع الأخ على الحلبى أسأله عن تحسين هذا
[ ٢ / ٦٤ ]
الحديث، وحديث خالد بن معدان عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من صَلَّى عَلَىَّ حين يصبح عشرًا وحين يمسى عشرًا، أدركته شفاعتى يوم القيامة" لأننى كنت تابعت الشيخ على هذا التحسين -وحَسَّن الأول أيضًا: ابن القيم وعبد القادر الأرنؤوط- ثم رجعت عنهما لتحققى من الانقطاع في إسناديهما دون الاهتداء إلى ما يجبره، فلم يجبنى أحد، ولا أدرى أوصلت الرسالة أصلًا إلى الشيخ أم لا؟ .
(أما) الشيخ حمدى السلفى -عفا الله عنه- فصحح الحديث، وجاء عند حديث: "إذا ولج الرجل " (٣/ ٢٩٦)، فقال: "فإن صح سماع شريح من أبي مالك، فالحديث صحيح" مع أن الشيخ الألبانى -وهو لا يكاد يخالف قوله- صححه كما تقدم. وترك -قبله- ثلاثة عشر حديثًا، - وبعده- تسعة أحاديث بنفس الإِسناد لم يذكر فيها هذا الاستثناء، وإنما أعلها- بمحمد بن إسماعيل بن عياش، مع أن في الإِعلال به نظرًا وتفصيلا ليس هذا محله. (ويعلم) الله ﷿ أننى -حتى وقتٍ قريبٍ جدًا- كنت أعتقد صحة هذا الحديث لوقوفى على تصحيحه في عدة مراجع، حتى قدر ﵎ أن أقرأ تخريجه في "الصحيحة" فإذا به مروى بهذا الإِسناد، ثم وجدته -بعد ذلك- موقوفا، فاهتبلت الفرصة لإِيراده في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله تعالى تنبيها للإِخوان والأحباب وإفادة. نسأله تعالى التوفيق والقبول.
(فقد) صح من قول طاووس بن كيسان اليمامى التابعى الجليل ﵀، صاحب ابن عباس -﵄- كما رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٣٧) - وعنه أبو نعيم (٤/ ١٢) -: "حدثنا يحيى بن أبي بكير (*) قال: حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن طاووس عن أبيه، قال: "حلو الدنيا مُرُّ الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة". وإسناده صحيح. والله أعلم.
_________________
(١) (*) في الأصل: "يحيى بكثير" وهو خطأ صوابه: "ابن أبي بكير".
[ ٢ / ٦٥ ]