" الساكت عن الحق شيطان أخرس".
لم أقف له على أصل صحيح ولا ضعيف عن النبي ﵌، ولا موقوفًا على أحد من الصحابة أو التابعين ومتقدمي السلف رضوان الله عليهم، ولا رأيت أحدًا من المصنفين في "الأحاديث المشهورة" تعرض له بنفى أو إثبات، على الرغم من اشتهاره جدًا في أيامنا هذه. ومن طالع الصحف الجادَّة بانتظام وجد كثيرًا من المقالات قد صُدِّر بها هذا الكلام، وألصق بالنبى ﵌ إلصاقًا بصيغة الجزم! سواء من أصحاب العمائم البيضاء أو غيرهم من أهل الفضل والصلاح، ومن الذين يظن بهم أنهم على قدر من الثقافة الإسلامية والتمييز العلمى.
نعم، المصدر الوحيد الذى وجدت فيه هذا الكلام، هو "الرسالة القشيرية" للإِمام أبي القاسم القشيرى ﵀ إذ قال (ص ٦٢: باب الصمت): " والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال. سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: من سكت عن الحق، فهو شيطان أخرس".
وأبو على الدقاق هذا هو: "الحسن بن على بن محمد بن إسحاق بن
[ ٢ / ٧١ ]
عبد الرحيم بن أحمد أبو على الدقاق الأستاذ الشهيد كما قال الحافظ الجليل عبد الغافر ابن إسماعيل الفارسى كما في (المنتخب من السياق ترجمة ٤٨١)، وقال: "لسان وقته، وإمام عصره، نيسابورى الأصل، تعلم العربية، وحصل علم الأصول، وخرج إلى مرو، وتفقه بها على الخضرى، وبرع في الفقه، وأعاد على الشيخ أبي بكر القفال المروزى في درس الخضرى. ولما استمع إلى ما يحتاج إليه من العلوم، أخذ في العمل، وسلك طريق التصوف، وصحب الأستاذ أبا القاسم النصراباذى، وكان لا يستند على شئ كأنه يعود نفسه ترك الرفاهية " إلى أن قال: "توفى في ذى الحجة سنة خمس وأربعمائة". وأورده ابن الجوزى في وفيات سنة (٤١٢) من "المنتظم" (٨/ ٧)، وقال: " كان يعظ ويتكلم على الأحوال والمعرفة" ثم ساق له بعض أقواله وإشاراته. وقال الذهبى في "العبر" (٢/ ٢١٢) - وفيات (٤٠٦) -: "الزاهد العارف شيخ الصوفية" وله تراجم أو ذكر في كتب أخرى ذكرها مُحشى "المنتخب"، منها: مرآة الجنان، وطبقات الشافعية الكبرى، وتبيين كذب المفترى -لابن عساكر- والشذرات والنجوم الزاهرة وتذكرة الحفاظ.
أقول: ولا عجب أن يُصير الناس كلام هذا الصوفى الزاهد وبعد قرابة ألف عام -حديثًا نبويًا ولا يملك أحدٌ أن يبرز له إسنادًا أو يثبت له مصدرًا من مصادر الحديث، فقد افتريت على النبي ﵌ أحاديث شتى لا يعرف العلماء لها قائلًا - أصلًا - ولا إسنادًا، منها:
* خير الأسماء ما عبد وما حمد.
* الخير فِىَّ وفي أمتى إلى يوم القيامة.
* لو أحسن أحدكم الظن بحجر لنفعه!
* علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل.
* المغرب جوهرة فالتقطوها.
* لو اطلعتم على الغيب لرضيتم بالواقع.
* قصوا اللحى ووفروا الشوارب! ! إى والذى لا إله إلا هو.
[ ٢ / ٧٢ ]
* إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج.
* لا تسيدونى في الصلاة.
* الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والبعض يقول: كما تأكل البهيمة الحشيش.
* حالفنى الشباب وخالفنى الشيوخ.
وغيرها كثير كثير. وطائفة منها، قد ذكرها العلماء المصنفون في "الأحاديث المشتهرة على الألسنة" كالأئمة السخاوى والسيوطى والهيتمى المكى وابن الديبع والعجلونى وملا على القارى والفتنى وغيرهم. وكثير منها أيضًا ظهر في الآونة الأخيرة، ولم يُرَ في كتاب. نسأل الله السلامة. والأدهى والأمر أن بعض الخطباء وغيرهم ممن يعدون من دعاة السنة - يزعمون أن بعضها في "البخارى" أو "مسلم"! لا أدرى كيف؟ فاللهم سلم سلم. وقد بلغنى عن أحدهم في كلام له عن مسألة: "السيادة": "حديث: قولوا: اللهم صل على محمد إلخ، وحديث: لا تسيدونى في الصلاة كلاهما في "البخارى" "! ! ! .
وصدق المعصوم ﵌ حيث يقول: "يقبض العلم، ويظهر الجهل " الحديث. وفي آخر: "إن بين يدى الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج". وما أحسن قول أحدهم: "وجدت جميع العلوم في ازدياد إلا علم الدين، فعلمت أنه المقصود في الحديث" أو كما قال ﵀. ولقد صرنا في زمان لا يدرى فيه كثير من المسلمين معنى: "سواك" و"خمار"! ! ويظن أكثر منهم أن ركعتى راتبة العشاء البعدية هى هى ركعتا الشفع! ! ولقد فهم بعض المساكين من كلام للإمام النووى في القدح في صحة زيادة: "وبركاته" في التسليمة الأولى، أن استعمالها يبطل الصلاة! ! فلما ووجه بأن علماء آخرين صححوا الزيادة أصر ووقع فيهم ولم يرجع وزعم أنه متفقه في الدين، فلما امتحنه الأخ الناصح أن يبين له معنى كلمة: "سؤر" في الفقه، أجابه: هذه كلمة أنت اختلقتها من
[ ٢ / ٧٣ ]
عندك، ولى كذا وكذا من السنين أتفقه أو قال: أصلى فلم أسمع بهذه الكلمة! ! "يا حسرةً على العباد". اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا بما ينفعنا، وارزقنا علمًا تنفعنا به. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ونعوذ بك من علم لا ينفع. آمين (١٢).