" خير الأمور أوساطها".
ضعيف. رُوِى من حديث على، ومن مرسل مطرف بن عبد الله ومعضل عمرو ابن الحارث المصرى بلاغًا.
١ - حديث على: رواه ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" بسند مجهول. قاله السخاوى في "المقاصد" (ص ٢٠٥).
وقال السيوطى في "الدرر المنتثرة" (٢١٨): " بسند فيه من لا يعرف حاله".
٢ - مرسل مطرف: يأتى الكلام عليه في محله.
٣ - معضل عمرو بن الحارث: رواه البيهقى في "سننه" (٣/ ٢٧٣) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون عن كنانة أن النبى ﵌ نهى عن الشهرتين: أن يلبس الثياب الحسنة التي ينظر إليه فيها، أو الدنية أو الرثة التي ينظر إليه فيها. قال عمرو: بلغنى أن رسول الله ﵌ قال: "أمرًا بين أمرين، وخير الأمور أوساطها". وقال البيهقى: "هذا منقطع".
قلت: الحديث الأول ضعيف لإرساله، وكنانة هو ابن نعيم العدوى. أفاده ابن التركمانى حفظه الله في "الجوهر النقي". وهو ثقة من الرابعة كما في "التقريب" (٥٦٦٨).
[ ١ / ٦٨ ]
وللبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة وزيد بن ثابت مرفوعًا: "نهى عن الشهرتين: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد" كما في "الجامع الصغير" (٦٠٥٧) وقال الألبانى في "ضعيفه" (٦/ ٣٠): "موضوع".
وأما قول عمرو بن الحارث: بلغنى الخ، فهو ضعيف لإعضاله، وعمرو بينه وبين النبى ﵌ ما لا يقل عن رجلين. ولم أجد أحدًا ممن تكلم على حديث الترجمة تعرض لهذه الطريق المعضلة، وإنما وقفت عليها - بمحض القدر - أثناء تقليبى لفهارس "السنن الكبرى" إذ لم يكن في الحسبان أن الحديث فيها.
وللديلمى عن ابن عباس مرفوعًا - بلا سند كما قال السخاوى - "دوموا (٤٥) على أداء الفرائض والنوافل، فمن عوَده الله - ﷿ - عبادة فليمض عليها، فإن خير الأعمال أوسطها، وأحمد الأعمال ما دام عليه العبد، وإن قلت".
(وحديث) الترجمة إنما هو ثابت من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبى قلابة الجرمى رحمهما الله.
١ - أثر مطرف:
رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٧٩) وابن سعد (٧/ ١/ ١٠٣) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عنه وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٣٩٧، ٣٩٨) عن ابن علية عن إسحاق ابن سويد عنه - حين قال لابنه لما اجتهد في العبادة: "خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة" (٤٦). وإسناده صحيح على شرط
_________________
(١) وفى "الفردوس" (٢/ ٣٣١): "داوموا ".
(٢) قال أبو عبيد: "وقوله: شر السير الحقحقة، وهو أن يلح في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب فيبقى منقطعًا به. وهذا مثل ضربه للمجتهد في العبادة حتى يحسر".
[ ١ / ٦٩ ]
الشيخين.
وذكر السيوطي ﵀ في "الدر المنثور" (٤/ ٢٠٨) - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أن ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم أخرجوا عنه قال: "العلم خير من العمل، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين تلك السيئتين، وذلك لأن الله تعالى يقول: وذكر الآية. ولم أجد شيئًا من ذلك عند الطبرى في تفسير هذه الآية لا عن مطرف ولا عن يزيد بن مرة الجعفي - إذ عزاه السخاوى والسيوطى إليهما مختصرًا. وجزم الغزالى بنسبته إلى النبى ﵌ (٣/ ٥٧، ٩٦، ١٦٩) فعزاه العراقى في المواضع الثلاثة إلى "شعب الإيمان" عن مطرف مرسلًا (٤٧)، ولم يتيسر النظر في سنده الآن ولكن قرائن الحال تدل على ضعف الرواية المرفوعة عن مطرف وقد أعرض عنها غير واحد، فالله أعلم.
٢ - أثر أبي قلابة:
رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٩٧) وعنه أبو نعيم (٢/ ٢٨٦) عن يعمر بن بشر الخراساني عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عنه بلفظ: "خير أموركم أوساطها". وإسناده صحيح جليل.
ويعمر بن بشر من كبار أصحاب ابن المبارك، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٩١) وعليه اقتصر الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ص ٤٥٧) وأبو زرعة بن العراقى في "ذيل الكاشف" (١٧٢٨) مع أن له ترجمة جيدة في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٣٥٧، ٣٥٨) جاء فيها أن الإمام أحمد قال: "ما أرى كان به بأس" وأن ابن المديني قال: "كان يعمر بن بشر ثقة، وكان له ختن سوء، وكان عدوًا له". وأن أبا رجاء محمد بن حمدويه قال: "يعمر بن بشر من ثقات أهل مرو ومتقنيهم، وقد روى عنه أقرانه من أصحاب ابن المبارك " الخ. وأن الدارقطنى قال:
_________________
(١) جاء في "تخريج الإحياء" (ط. دار المعرفة) - في الموضع الأول - "أخرجه البيهقي" في "شعب الإيمان" من رواية مطرف بن عبد الله معضلا. (كذا، والصواب: مرسلا) كما في سائر المواضع.
[ ١ / ٧٠ ]
"يعمر بن بشر ثقة ثقة".
وقال الهيثمى في "المجمع" (٥/ ١٢٢) - في حديث لسمرة بن فاتك الأسدى - "رواه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
فهذا منه - ﵀ - أعجب، فإن توثيق ابن حبان معتمد عنده - في الغالب - ووجه العبرة من ذلك ألا يعتمد الباحث أو طالب العلم على كتب الأئمة المتأخرين الجامعة - كـ "تعجيل المنفعة" و"ميزان الاعتدال" و"التهذيب" ونحوها - فضلًا عن "الكاشف" و"ذيله" و"الخلاصة" و"التقريب" ونحوها - وحدها، بل عليه أن يرجع إلى الأصول من كتب الأئمة المتقنين كـ "تواريخ يحيى بن معين" و"علل الإمام أحمد" و"المعرفة والتاريخ" للفسوى يعقوب بن سفيان و"الضعفاء" للعقيلي و"الكامل" لابن عدى و"تاريخ بغداد" و"سؤالات الحاكم والسهمى والبرقاني للدارقطني" و"تاريخ دمشق" لابن عساكر، ليتحقق من سلامة النص - من جهة - وليحيط علمًا بكل ما قيل في الراوى من مدح أو قدح، وبما استنكروه عليه من جهة أخرى، لا سيما إذا افتقر الراوى إلى توثيق لغير ابن حبان - ﵀ - كما في هذه الحالة.
ورحم الله أئمتنا جميعهم، إذ جاهدوا في سبيل دينه وسنة نبيه حق الجهاد، وبلغوا الغاية في الفضل والعلم والعمل، وكل من أتى بعدهم فهو عالة عليهم، وما يساوى أحد منهم تراب نعالهم، وإن استدرك عليهم ما استدرك! .
هذا - وفى معنى الأثر - (ما رواه) أبو يعلى بسند رجاله ثقات - كما قال السخاوى - وعنه ابن عساكر (١٧/ ٩٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء".
وجاء من طريقين منقطعين عن على - عند ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٨٢) وأبى عبيد
[ ١ / ٧١ ]
في "الغريب" (٢/ ١٥٦) قال: "خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالى، ويرجع إليهم الغالي". وتعمدت إثباته في هذا الموضع عسى أن تظهر له طرق أخرى تقويه بفضل الله ﷿ ومنه.