" اللهم إنى أعوذ بك من زوج تشيبنى قبل المشيب، ومن ولد يكون عَلَيَّ ربًا، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابًا، ومن خليلى ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعانى، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها".
ضعيف. رُوِى من حديث أبي هريرة وابن عباس، ومن مرسل سعيد المقبرى:
١ - حديث أبي هريرة:
رواه الطبرانى في "الدعاء" (١٣٣٩) من طريق الحسن بن حماد الحضرمي ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبرى عنه ﵁ قال: "كان من دعاء رسول الله ﵌: اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن زوج تشيبنى " الحديث.
وهذا إسناد جيد لكن وصله ورفعه وهم، (والصحيح) أنَّه من قول سعيد المقبرى ﵀ - يحكيه عن داود ﵇كما رواه ابن أبى شيبة (١٠/ ٢٧٧) وهناد (٢٠٣٨، ١٤٠١) وبحشل في "تاريخ واسط" (ص ١٣٠) عن أبى سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثلاثتهم عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سعيد قال: كان من دعاء داود النبي ﵌ فذكره.
وابن أبي شيبة وهناد والأشج ثقات حفاظ كلهم، أما الحسن بن حماد الحضرمي - ولقبه: سجادة - فثقة كما قال ابن حبان والخطيب والذهبي في "الكاشف" (١/ ٢٢٠) بل قال الحافظ في "التقريب" (١٢٣٠): "صدوق".
[ ١ / ٣٦ ]
ولا أعلم أحدًا وصفه بالحفظ ومنشأ الوهم عندى أن أبا خالد الأحمر - واسمه: سليمان بن حيان - كان قد حَدَّث أيضًا عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي ﵌ بحديث: "اللهم إني أعوذ (٢٤) بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول".
كما عند ابن أبى شيبة (٨/ ٣٥٩) وعنه الطبراني (١٣٤٠) والبخارى في "الأدب" (١١٧) وابن حبان (٢٠٥٦) والحاكم (١/ ٥٣٢)، كما حدَّث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى قال: كان من دعاء داود الخ. فاختلط الأمر على الحسن بن حماد فأدرج المتنين بالسند الموصول وحده ولم يفصل هذا من ذاك. هذا إن لم يكن الوهم من الحافظ الطبرانى نفسه - ﵀ - فإن له أوهامًا نادرة، فانظر ترجمته من "لسان الميزان" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤).
وفى الباب حديث آخر عن أبي هريرة، واهى الإِسناد رواه البيهقي في "شعب الإِيمان" (٢/ ٣/ ٧٧) من طريق الأشعث بن بُراز الهجيمى قال: ثنا علي بن زيد عن عمارة بن قيس مولى ابن الزبير عنه مرفوعًا: "تعوذوا بالله من ثلاث فواقر، تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرًا كتمه، وإن رأى شرًّا أَذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء "الحديث. وإسناده ضعيف جدًا.
كما قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ٣٦) فإن أشعث بن براز الهجيمى واهٍ، وقد رواه الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٦٢) بإسناده إليه، وعده من مناكيره.
_________________
(١) رواه يحيى القطان - عند النسائي (٨/ ٢٧٤)، وصفوان بن عيسى عند البيهقي في "الشعب" كلاهما عن ابن عجلان بلفظ "تعوذوا بالله". ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن المقبرى بنحوه أيضًا عند أحمد (٣٤٦/ ٢) فالأصح أنه من أمره ﵌ لا من فعله نعم، ثبت التعوذ من جار السوء في دار المقامة من فعله ﵌ في حديث رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٩٤) و"الدعاء" (١٣٣٨) عن عقبة بن عامر - مطولًا - وإسناده صحيح لا أعلم له علة.
[ ١ / ٣٧ ]
وعلي بن زيد هو ابن جدعان البصري وهو ضعيف لسوء حفظه. وعمارة بن قيس فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٦/ ٣٦٨) من رواية علي بن زيد وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ووثقه ابن حبان (٥/ ٢٤٢) على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل.
٢ - حديث ابن عباس:
رواه بحشل (ص ١٣٠) من طريق الحسين بن قيس عن عكرمة عنه مرفوعًا: "كان من دعاء أخي داود " فذكره مختصرًا وإسناده ضعيف جدًّا.
حسين بن قيس - ولقبه حنش - متروك الحديث وشيخ بحشل: الحسن بن زياد بن زبالة المدني لم أقف عليه، فإن كان صوابه "محمد بن الحسن بن زبالة المدني" فقد كذبوه كما قال الحافظ (٢٨١٥).
وفى السند تحريف لا محالة فإنه هكذا: ثنا الحسن بن زياد بن زبالة المدني، قال: ثنا محمد بن يزيد عن هشيم الحذاء عن حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ " الحديث. ولعل الصواب: "عن هشيم عن خالد الحذاء" أو "ثنا خالد الحذاء" فالله أعلم.
فإن كان هشيم عنعنه فهي علة أخرى فإنه كثير التدليس. ثم ترجح عندى أن شيخه هو "عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة" فقد روى عنه (ص ٤٧، ٧٤، ١٠٠) وله ترجمة في "المجروحين" (٢/ ١٣٨).
٣ - مرسل سعيد المقبرى: رواه ابن النجار في "تاريخه" كما في "الجامع الصغير" (١٥٣٥) - مقتصرًا على الفقرة الثالثة وحدها - فلا أدرى أهكذا الرواية أم اختصره السيوطي؟ وهو ضعيف - على الأقل - للإِرسال وقد تكون فيه علة أو علل أشد من ذلك كما يشهد الواقع العملي للأسانيد التي ينفرد بها أمثال ابن النجار وابن عساكر والديلمى. على أن رفع الحديث خطأ كما بيَّنا موصولًا كان أم مرسلًا. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨ ]
(وقد) عزاه آخرون - سوى سعيد المقبرى - إلى داود ﵇ أيضًا.
١ - ففي "مصنف ابن أبي شيبة" (١٠/ ٤٥٠) من طريق يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلى قال: "كان داود النبي ﵌ يقول: اللهم إنى أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى خيرًا دفنه، وإن رأى شرًا أشاعه". عطاء بن السائب ثقة كان قد اختلط، لكن تخليطه في مثل هذا المقطوع بعيد. وشيخه أبو عبد الله الجدلى اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة رمى بالتشيع كما في "التقريب" (٨٢٠٧). والرواية مختصرة.
٢ - وفى كتاب "العزلة" للإِمام الخطابي ﵀ (ص ١٢٤) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن داود النبي ﵌ كان يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابا، ومن ولد يكون عَلَيَّ وبالًا، ومن زوجة تشيبني قبل المشيب، ومن خليل ماكر، عينه ترعانى، وقلبه يشنؤني، إن رأى خيرًا أخفاه، وإن رأى شرًّا أفشاه". وإسناده إلى سعيد حسن، وسعيد بن أبي هلال ثقة من أتباع التابعين. والله أعلم.