" من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر".
ضعيف جدًا، منكر. رواه الترمذي (١٨٨) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (النساء-٢٩٣٦) والطبرانى (١١/ ٢١٦) والحاكم (١/ ٢٧٥) والبيهقى في "سننه" (٣/ ١٦٩) وغيرهم من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا به.
ورواه الديلمي بزيادة: "ومن شرب شرابًا حتى يذهب بعقله الذى أعطاه الله، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". كما في "فردوس الأخبار" (٤/ ١٢٢).
وقال الترمذى: "وحنش هذا هو أبو على الرحبى، وهو حسين بن قيس. وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد وغيره ".
وقال الحاكم: "حنش بن قيس الرحبى يقال له: أبو على، من أهل اليمن سكن الكوفة، ثقة. وقد احتج البخارى بعكرمة، وهذا الحديث قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عُذر، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبى في "تلخيص المستدرك" بقوله: "قلت: بل ضعفوه". وقال البيهقي: "تفرد به حسين بن قيس أبو على الرحبي المعروف بحنش، وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره".
قلت: بل هو متروك كما قال الحافظ (١٣٤٢). وقد وهاه الإِمام أحمد وابن معين والبخارى وأبو حاتم والنسائى والساجي والدارقطني وغيرهم.
[ ١ / ١١٩ ]
وقال العقيلي في ترجمته من "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٤٨): "وروى عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال " فذكره ثم قال: "وله غير حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به".
فأما (الأول) (٧٦) فيروى من كلام عمر بن الخطاب، وأما (الثانى) فلا أصل له، وقد رُوِى عن ابن عباس بإسناد جيد أن النبي ﵌ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء".
قلت: بل الثانى أيضًا مروى عن عمر، ثابت عنه. وحديث الترجمة أورده الذهبي أيضًا في "الميزان" (١/ ٥٤٦) من جملة مناكير حسين هذا.
أما (الرواية) عن عمر ﵁، فمن طريقين عنه:
الأولى: عند البيهقي (٣/ ١٦٩) من طريق قتادة عن أبي العالية عنه ﵁ قال: "جمع الصلاتين من غير عذر من الكبائر".
وقال: "قال الشافعي في "سنن حرملة": العذر يكون بالسفر والمطر، وليس هذا بثابت عن عمر، هو مرسل".
ثم قال: "هو كما قال الشافعي. والإِسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا، وهو مرسل، أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁، وقد رُوِى ذلك بإسناد آخر أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه". ثم رواه من الطريق الثانية، وستأتى في محلها.
وروى عبد الرزاق (٢/ ٥٥٢) من طريق أيوب عن قتادة عن أبي العالية أن عمر كتب إلى أبي موسى: "واعلم أن جمعًا بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر". ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٩) من طريق هشام بن حسان عن رجل عن أبي العالية به، بلفظ: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر".
_________________
(١) يعنى حديث: "من استعمل رجلًا على عصابة من المسلمين، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله، وخان جماعة المسلمين".
[ ١ / ١٢٠ ]
الثانية: عند البيهقي أيضًا -كما تقدم- من طريق حميد بن هلال عن أبي قتادة -يعنى العدوي- أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: "ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا في عذر، والفرار من الزحف، والنهبى".
وقال: "أبو قتادة العدوى أدرك عمر ﵁، فإن كان شهده كتب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قويًا. وقد روى فيه حديث موصول عن النبي ﵌، في إسناده من لا يحتج به". فروى حديث ابن عباس.
قال ابن التركمانى ﵀ في "الجوهر النقى": "قلت: أبو العالية أسلم بعد موت النبي ﵌ بسنتين، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر. وقد قدمنا غير مرة أن مسلمًا حكى الإِجماع على أنه يكفى لاتصال السند المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر واحد. وكذا الكلام في رواية أبي قتادة العدوى عن عمر، فإنه أدركه كما ذكر البيهقي بعد، فلا يحتاج في اتصاله إلى أن يشهده". اهـ.
قلت: هذان الإِمامان دندنا حول رواية أبي العالية عن عمر، وليس في اتصالها أدنى ارتياب -وأغفلا العلة الحقيقية التى سأذكرها بحول الله وقوته. وسماع أبي العالية من عمر، فثابت قطعًا، فقد روى الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ١١٨) وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣) بسند صحيح عنه قال: "أكثر ما كنت أسمع من عمر بن الخطاب: "اللهم عافنا واغفُ عنا".
والصواب إعلال هذا الإِسناد بعدم سماع قتادة له من أبي العالية، فقد روى ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٦٢٨) عن على بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء. قلت ليحيى: عُدَّها قال: قول على ﵁: "القضاة ثلاثة"؛ وحديث: "لا صلاة بعد العصر"، وحديث: "يونس بن متى". ورواه أيضًا في "التقدمة"
[ ١ / ١٢١ ]
(ص ١٢٧) وعقب على ذلك بقوله: "بلغ من علم شعبة بقتادة أن عرف ما سمع من أبي العالية وما لم يسمع".
وذكره الحافظ ابن رجب الحنبلى ﵀ في "شرح علل الترمذي" (ص ٤٩٦، ٤٩٧) بلفظ: "لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث " فزاد: "وحديث ابن عباس: شهد عندى رجال مرضيون، وأرضاهم عندى عمر. الحديث.
قال: "وقد خرجا له في "الصحيحين" عن أبي العالية حديثين آخرين. أحدهما: حديث دعاء الكرب. والثانى: حديث رؤية النبي ﵌ ليله أسرى به موسى، وغيره من الأنبياء".
قلت: فيعتضد -إن شاء الله- بالطريق الأخرى عن أبي العالية عند ابن أبي شيبة.
أما رواية أبي قتادة العدوى عن عمر، فلا مجال للتردد في اتصالها ألبتة، فقد ذكر البخارى في "تاريخه" (٢/ ١٥١) وابن أبي حاتم في "الجرح" (٢/ ٤٤١) والمزى في "تهذيب الكمال" (ق ١٦٣٨) روايته عن عمر، ولم يتعرضوا لها بشئ، بل قال الحافظ في "الإِصابة" (١/ ١٨٨): " قال البزار: أدرك الجاهلية وسمع من عمر بن الخطاب " حتى قال: "وذكره ابن حبان في "الثقات" وابن سعد في الأولى من تابعى البصريين ممن أدرك عمر". قلت: حديثه عن عمر في صحيح مسلم" (٧٧) اهـ.
قلت: وفي سندها علة أخرى لم ينبه عليها البيهقي ولا ابن التركمانى، وهى أن شيخ شيخ البيهقي، واسمه: عبد الله بن محمد بن الحسن الرمجارى -وهو أخو
_________________
(١) ووهم العلامة الألبانى حفظه الله فصحح حديثا رواه الخرائطى من طريق حميد بن هلال عنه عن النبي ﵌مرسلًا- ظنًا منه أنه أبو قتادة الأنصارى الصحابى، وذلك في "السلسلة الصحيحة" (٣٧٧) وظنه بعضهم صحابيا من أجل هذا الحديث، فانظر ترجمته من "الإِصابة".
[ ١ / ١٢٢ ]
الحافظ أبي حامد بن الشرقى- مطعون في عدالته، قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٩٤): "سماعاته صحيحة من مثل الذهلى وطبقته، ولكن تكلموا فيه لإِدمانه شرب المسكر". وقال في "السير" (١٥/ ٤٠) عن الحاكم: "ولم يدع الشرب إلى أن مات فنقموا عليه ذلك، وكان أخوه لا يرى لهم السماع منه لذلك". وله ترجمة في "اللسان" (٣/ ٣٤٢، ٣٤٣) جاء فيها أنه وصف خمرًا عتيقًا لمريض - وكان رأسا في معرفة الطب - وعلى كلٍ، فقد فرَّج الله ﷿ عنى الضيق الذى أصابنى من أجل هذه العلة، فبالرجوع إلى فهرس الآثار من "كنز العمال" (٨/ ٢٤٦) وجدته يعزوه أيضًا لابن أبي حاتم، وهو عنده في "تفسيره" (النساء - ٢٩٣٧) من طريق حميد بن هلال أيضًا عن أبي قتادة -يعنى العدوى- قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين، يعنى من غير عذر" وبنفس الإِسناد (٢٩٤٠) عن أبي قتادة قال: قرئ علينا كتاب عمر، من الكبائر الفرار من الزحف والنهبة". وإسناده صحيح، أورده الإِمام ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٤٨٤) -مجموعًا- وصححه فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
تنبيه: وروى ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٩) من طريق حنظلة السدوسي عن أبي موسى الأشعرى قال: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر" وإسناده ضعيف، له علتان.
الأولى: ضعف حنظلة السدوسى، لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
الثانية: الانقطاع، إذ أن حنظلة هذا لا رواية له عن أحد من الصحابة سوى أنس -وقد تأخرت وفاته- وسائرها عن التابعين. وكأن هذا التخليط منشؤه ما جاء في بعض الروايات أن عمر كتب إلى أبي موسى بذلك، فتوهم حنظلة السدوسي أن قائل هذا الكلام هو أبو موسى نفسه. والله تعالى أعلى وأعلم.
ثم وجدت لأثر عمر طريقا ثالثًا عند مسدد في "مسنده" عن بكر بن عبد الله المزنى أن عمر كتب إلى أبي موسى: "إن جمعًا بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر" كما في "المطالب العالية" (١/ ١٧٩) وقال الحافظ: "فيه انقطاع".
[ ١ / ١٢٣ ]