" الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود، وجابر وأبي هريرة، وأنس.
١ - حديث ابن مسعود:
رواه أبو داود (٢/ ٥٧٩) وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" وعنه البيهقي (٢/ ٥٧٩)
[ ١ / ٨٩ ]
وأبو الحسين بن المنادى في كتاب "أحكام الملاهي" كما في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٤٨) للإِمام ابن القيم ﵀ - وابن بطة في "الإبانة" (٩٣٢) وابن حزم في "المحلى" (٩/ ٥٧) من طريق سلام بن مسكين عن شيخ شهد أبا وائل في وليمة فجعلوا يلعبون، يتلعبون، يغنون، فحل أبو وائل حبوته وقال: سمعت عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب". لفظ أبي داود. وإسناده ضعيف لجهالة شيخ سلام بن مسكين، وبه أعله جماعة من الأئمة.
قال ابن حزم: "عن شيخ، عجب جدًا"! وقال ابن القيم: "فمداره على هذا الشيخ المجهول، وفى رفعه نظر، والموقوف أصح".
وقال ابن رجب الحبلى في "نزهة الأسماع" (ص ٣٧): "وفى إسناد المرفوع من لا يعرف. والموقوف أشبه". وقال الغزالى في "الإحياء" (٢/ ٢٨٦): " واحتجوا بقول ابن مسعود ﵁ الغناء ينبت في القلب النفاق - وزاد بعضهم - كما ينبت الماء البقل. ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﵌ وهو غير صحيح" قال العراقى: "قال المصنف: والمرفوع غير صحيح لأن في إسناده من لم يُسَمَّ، رواه أبو داود، وهو في رواية ابن العبد ليس في رواية اللؤلؤى ورواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا".
قلت: وسأثبت صحته موقوفًا بعد استيفاء طرقه المرفوعة، والله المستعان. ثم وجدت له لفظا آخر رواه ابن صصرى في "أماليه" كما في "كف الرعاع" للهيثمي (٢/ ٢٧١) مع الزواجر".
٢ - حديث جابر:
رواه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٩١/ أ - ب) من طريق محمد بن صالح الأشج نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد نا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عنه، بلفظ: "كما ينبت الماء الزرع". وإسناده واهٍ جدًا.
[ ١ / ٩٠ ]
٣ - حديث أبي هريرة:
رواه ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٥٩٠) وعنه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١٣١٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمرى عن أبيه عن سعيد ابن أبي سعيد عنه به، ولفظه "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" وإسناده ضعيف جدًا.
قال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح. قال أحمد: لا يساوى حديث عبد الرحمن شيئًا خرقناه.
وقال يحيى: ليس بشئ. وقال النسائي والدارقطني: متروك" ومن طريقه الديلمي في "الفردوس" (٢/ ٨٥) بلفظ: "حب الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب".
٤ - حديث أنس:
رواه الديلمى من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود حدثنا هشام بن عمار حدثنا مسلمة بن على حدثنا عمر مولى غفرة عنه بلفظ: "الماء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده، إن القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب، كما ينبت الماء العشب" (٥٥).
وإسناده واهٍ جدًا، وفيه أيضًا انقطاع. وتفصيل ما أجملت - مما تقدم - تجده في كتاب "أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان" (ص ٥٩: ٦١) للأخ الشيخ عبد الله بن الجُديع، حفظه الله وأمتعنا بعلمه.
(والصحيح) في حديث الترجمة وقفه على ابن مسعود - كما تقدم - فإن له عنه طرقًا ثلاث إحداهن صحيحة.
الأولى: عند ابن أبي الدنيا وعنه البيهقي (١٠/ ٢٢٣) وابن نصر في "تعظيم قدر
_________________
(١) كما في "أحاديث ذم الغناء" (ص ٦١) نقلا عن "زهر الفردوس" (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٩١ ]
الصلاة" (٦٨٠) من طرق عن غندر حدثنا شعبة عن الحكم عن حماد عن إبراهيم عنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب".
وإسناده صحيح، وحماد هو ابن أبي سليمان وهو - وإن اختلط في آخر أمره - فقد قال الإمام أحمد: "مقارب ما روى عنه القدماء: سفيان وشعبة". وقال أيضًا: "سماع هشام - يعنى الدستوائى- منه صالح" كما في "التهذيب" (٣/ ١٦). فيلحق بالقدماء أيضًا: الحكم بن عتيبة، فإنه من أقرانه، بل إنه توفى قبله بخمس سنين.
ورواية إبراهيم النخعى عن ابن مسعود - وإن كان ظاهرها الانقطاع - إلا أنها صحيحة، بل أصح مما لو أسند عنه، فقد قال الأعمش: "قلت لإبراهيم: أسند لى عن ابن مسعود. فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذى سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله" كما في "التهذيب" (١/ ١٧٧، ١٧٨). ووصله الترمذي في "العلل" - آخر "جامعه" - (٥/ ٤١١) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "شرح العلل" (ص ٢٣١): " وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعى خاصة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة ".
قلت: فمن الغريب قول أخينا الشيخ الجديع في كتابه المذكور (ص ٥٨) - في هذا الأثر - "قلت: وهذا منقطع أيضًا، إبراهيم هو النخعي لم يدرك عبد الله". ثم ذكر نحوًا مما أسلفنا بشأن تقوية رواية الحكم عن حماد. فمثل هذا الأمر لا يخفى على مثله في تدقيقه وتحقيقه، ولكن الإحاطة لله وحده. ولم يتفرد الحكم بالأثر، فقد رواه ابن بطة في "الإبانة" (٩٣١) من طريق سفيان عن منصور عن حماد به ومنصور أيضًا من طبقة حماد، لكن ابن بطة ﵀ فيه ضعف.
ورُوِى من طرق أخري عن حماد لا تقوى على إعلال الأثر، منها ما رواه ابن بطة (٩٣٣) من طريق الإمام أحمد عن هشيم عن العوام عن حماد عن ابن مسعود به - بإسقاط إبراهيم بينهما - وهذا إسناد ضعيف، فإن هشيمًا مدلس وقد عنعنه،
[ ١ / ٩٢ ]
والعوام هو ابن حوشب، وهو ثقة لكنه ليس من قدماء أصحاب حماد المنصوص عليهم، وما هو من طبقته أيضًا.
وذكر ابن حزم (٩/ ٦٠) أنه روى من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال: الغناء فذكره هكذا مقطوعًا. وهذا أيضًا مرجوح فإن أبا عوانة غير معدود في قدماء أصحاب حماد.
ورواه الخطيب من طريق شعبة عن الحكم عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قوله كما في "تذكرة المؤتسى بمن حدث ونسى" (٥٦) للسيوطى. ولكن لا ندرى من هم الرواة بين الخطيب وشعبة لعل في أحدهم مقالًا.
وقد رواه أثبت الناس مطلقًا في شعبة - ألا وهو محمد بن جعفر غُندَر- بهذا الإسناد عن إبراهيم عن ابن مسعود كما تقدم، على أنه لا مانع أصلًا أن يكون كل ذلك صحيحًا بأن يكون إبراهيم قد سمعه من جماعة عن ابن مسعود، وسمعه مرة أخرى عن علقمة - من قوله وفتواه - وأفتى هو به مرة ثالثة دون أن يسنده إلى قائله، فقد رواه عبد الرزاق (٤/ ١١) عن معمر عن مغيرة عنه. ومغيرة هو ابن مقسم الضبى، وقد تكلم الإمام أحمد في روايته عن إبراهيم لتدليسه عنه ما لم يسمعه منه ولكن بقيت طرق عن إبراهيم - موقوفًا عليه - لم يتيسر النظر فيها، وكذلك ما رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهى" عنه قال: "كانوا يقولون: الغناء ينبت النفاق في القلب".
الثانية: رواها ابن أبي الدنيا وعنه البيهقي من طريق محمد بن طلحة عن سعيد ابن كعب المرادى (٥٧) عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عنه بزيادة: "كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع". وإسناده منقطع بين
_________________
(١) مخطوط مكتبة الشيخ حماد الأنصارى ص ٤ قاله محقق "تحريم النرد" للحافظ الآجرى في بحثه الخاص بالأغاني والمعازف وآلات الملاهى (ص ٣٠٢).
(٢) وفى "إغاثة اللهفان": "الرازى" وهو خطأ.
[ ١ / ٩٣ ]
محمد بن عبد الرحمن بن يزيد وابن مسعود، فإنما يروى عن ابن مسعود أبوه عبد الرحمن بن يزيد النخعى. وسعيد بن كعب المرادى فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٧) برواية محمد بن طلحة وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولا يعله بالإعضال ما رواه ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (١٦٩) من طريق عبد الملك بن حبيب عن أسد بن موسى عن محمد بن مطرف عن سعيد هذا عن ابن مسعود - بلا واسطة - بشطره الأول وذلك لأن عبد الملك بن حبيب - وهو الأندلسى المالكى - ساقط في الرواية كثير التصحيف والتخليط في الأسانيد، وقوله: "محمد بن مطرف" إن لم يكن خطأ من قبل النسخ صوابه: "محمد بن مصرف" - أعنى: محمد بن طلحة بن مصرف - فهو من تصحيفاته الكثيرة ﵀.
الثالثة: عند ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن طلحة بن مصرف عنه كما في كتاب الجديع (ص ٥٨). وإسناده أيضًا منقطع، وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف لكنه لا بأس به في الشواهد والمتابعات كما قدمنا في الحديث الثامن عشر.
وبعد، فإن أثر ابن مسعود هذا - وإن كان ظاهره الوقف - إلا أنه في حكم المرفوع إلى النبى ﵌ إذ لا مجال فيه للرأى والاجتهاد. قال ابن حجر الهيتمى الفقيه الشافعى ﵀: "ومثله لا يقال من قبل الرأى لأنه إخبار عن أمر غيبى، فإذا صح عن الصحابة فقد صح عن النبى ﵌ كما هو مقرر عند أئمة الحديث والأصول". كما في "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" له (٢/ ٢٧٩، مع الزواجر) وحكى عن الأذرعى ﵀ الإشارة إلى ذلك والله أعلى وأعلم.