" لم يزل أمر بنى إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا".
ضعيف. رُوِى من حديث عبد الله بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وأبى هريرة، وعائشة.
أولًا: حديث ابن عمرو، من ثلاث وجوه عنه:
الأول: من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنه به. رواه البزار (١٦٦) من طريق قيس بن الربيع عن هشام به، وقال: "لا نعلم أحدًا قال: عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو الإِقيس، ورواه غيره مرسلًا". قلت: كأنه﵀ - يعنى: موقوفًا، فقد وجدت لذلك نظائر في كلام غير واحد من الأئمة منهم البخارى وابن النجار وكذلك يستخدمون لفظة: "موصول" بمعنى: "مرفوع". انظر آخر الحديث الحادى والخمسين عن أبي حاتم الرازى. وستأتى روايتان إحداهما موقوفة على ابن عمرو، والأخرى على عروة من رواية جمع من الثقات وغيرهم عن هشام عنه به. وقيس بن الربيع ضعيف، قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٥٥٧٣): "صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به". وقال الهيثمى (١/ ١٨٠):
[ ٢ / ١١٠ ]
"رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثورى، وضعفه جماعة. وقال ابن القطان: هذا إسناد حسن". قلت: بل ضعيف أو واهٍ. الثانى: من رواية الأوزاعى عن عبدة بن أبي لبابة عنه. رواه ابن ماجه (٥٦): "حدثنا سويد بن سعيد ثنا ابن أبي الرجال عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى " فذكره وهذا إسناد ضعيف له ثلاث علل:
الأولى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ (٢٦٩٠): "صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول". ويستثنى من هذا الإِطلاق، رواية أبي زرعة الرازى عنه، وكل من ثبت أنه كان يتتبع أصوله. وكان الإِمام أحمد ينتخب لابنه عبد الله من حديثه. فما هو حُجة ولا مُطَّرح بإطلاق. والله أعلم.
الثانية: الاختلاف في شيخه عبد الرحمن بن أبي الرجال. فوثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال البرذعى: قلت - يعنى لأبى زرعة -: حارثة وعبد الرحمن ابنا أبي الرجال؟ فقال: عبد الرحمن أشبه، وحارثه واهٍ، وعبد الرحمن أيضًا يرفع أشياء لا يرفعها غيره. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أيضًا: أحاديث عمرة يجعلها كلها عن عائشة. وقال أبو حاتم: صالح، هو مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٥). وقال ابن حبان في "الثقات": "ربما أخطأ". وقال الحافظ (٣٨٥٨): "صدوق، ربما أخطأ".
الثالثة: الانقطاع. قال الحافظ المزى ﵀ في "تحفة الأشراف" (٦/ ٣٦٠): "عبدة بن أبي لبابة أبو القاسم الكوفى - نزيل دمشق-، عن
_________________
(١) مع العلم بأن أبا حاتم قال في ابن زيد بن أسلم: "ليس بقوى الحديث، كان في نفسه صالحًا وفي الحديث واهيا، ضعفه على بن المدينى جدًا" كما في "الجرح" (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤). وختم ابنه الترجمة بقوله: "سئل أبي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن أبي الرجال، فقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أحبُّ إليَّ من ابن أبي الرجال" اهـ فتأمل.
[ ٢ / ١١١ ]
عبد الله بن عمرو - ولم يلقه". ثم ذكر له هذا الحديث. ووهم الحافظ البوصيرى عند إعلاله الحديث، فقال في "مصباح الزجاجة" (١/ ٥٤): "هذا إسناد ضعيف لضعف ابن أبي الرجال (في الأصل: أبي الرجال) واسمه حارثة ابن محمد بن عبد الرحمن" اهـ فإن الذى في الإِسناد أخوه عبد الرحمن، وهو الذى يروى عن الأوزاعى ويروى عنه سويد. أما سويد، فإنه يحسن حديثه إلا أنه في موضع قال: إسناده حسن إن كان سويد حفظه. وفي آخر قال: إسناده حسن فإن سويدًا لم يتفرد به.
الثالث: من رواية نوح بن دراج عن هشام بن عروة عن محمد بن عبد الله ابن عمرو عن أبيه مرفوعًا. رواه الطبراني عن سعيد بن عبدويه الصفار عن محمد بن حسان الضبى عن نوح به. قاله محققا "الفردوس" (٣/ ٥٠٠) جزاهما الله خيرًا. ولا أدرى كيف اطلعا على إسناده، فإن أحاديث ابن عمرو- خاصة - وقعت في القسم المفقود من "المعجم الكبير"، فلعل الديلمى هو الذى عزاه للطبراني بهذا الإِسناد، أو لعله في "المعجم الأوسط" أو غيره، فالله أعلم. أما الديلمي - الأب -، فعزاه إلى واثلة، وسيأتى في محله. وإسناده - من هذا الوجه - ضعيف جدًا، نوح بن دراج - وهو النخعى الكوفى القاضى - قال الحافظ (٧٢٠٥): "متروك وقد كذبه ابن معين". وشيخ الطبراني ترجم له الخطيب (٩/ ٩٧ - ٩٨) برواية ثلاثة عنه - أحدهم الطبراني -، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ثانيًا وثالثًا: حديث واثلة وأبي هريرة - من وجهين عنه- فحديث واثلة رواه ابن بطة في "الإِبانة" (٨٠٠) عن أبي صالح محمد بن أحمد بن ثابت قال: نا أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح قال: نا جبارة بن المغلس قال: نا حماد ابن يحيى الأبح قال: نا مكحول عنه مرفوعًا بلفظ: "لم يزل أمر بنى إسرائيل مستقيمًا حتى كثرت فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما كان، فضلوا وأضلوا" وإسناده ضعيف جدًا. ابن بطة ضعيف كما قال الحافظ الذهبي،
[ ٢ / ١١٢ ]
وشيخه ترجم له الخطيب (١/ ٢٨٤) فلم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يذكر له راويا سواه وجبارة واهٍ كان يقبل التلقين. (وقد) خولف، فرواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٧٩) من طريق محمد بن أحمد بن يحيى العطشي- وهو ثقة مأمون- نا محمد بن صالح بن ذريح، نا جبارة، نا حماد ابن يحيى قال: حدثنى الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وابن حزم في "الإِحكام" (٦/ ٢٢٠) من طريق الحافظ الآجرى عن محمد بن الليث عن جبارة به أيضًا. ولفظه: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ﵌، ثم تعمل بعد ذلك بالرأى، فإذا عملوا بالرأى ضلوا". وإسناده واه من أجل جبارة أيضًا. والخلل البَيِّن - في الإِسناد والمتن- إن لم يكن منه، فلا ينفك عن ابن بطة أو شيخه، فالله أعلم.
والوجه الثاني عن أبي هريرة - ودلنى عليه الشيخ السيد صقر حفظه الله، محقق "المعرفة" للبيهقي، - هو ما رواه الدارقطني في "سننه" (٤/ ١٤٦) من طريق مروان بن سالم عن الكلبي عن أبي صالح عنه مرفوعًا بلفظ: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فوضعوا الرأى، فضلوا". وإسناده واه جدًا، كأنه موضوع: ومروان بن سالم هو الغفارى الجزرى، متروك، ورماه الساجى وغيره بالوضع كما في "التقريب" (٦٥٧٠) وشيخه الكلبى هو محمد بن السائب بن بشر أبو النضر الكوفى المفسر المشهور، متهم بالكذب ورمى بالرفض كما فيه (٥٩٠١) وأبو صالح - هنا - هو باذام مولى أم هانئ، قال الحافظ (٦٣٤): "ضعيف يرسل" ولا شك أن الحمل في هذا الحديث على أحد الرجلين دُونَه.
رابعًا: حديث عائشة: رواه الخطيب في "الفقيه" (١/ ١٨٠) من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام عن أبيه عنها، ولفظه: "ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا في
[ ٢ / ١١٣ ]
دينهم بالمقاييس، فهلكوا وأهلكوا". وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة هالك! قال أبو حاتم: "هو متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًا". وقال ابن حبان: "كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات، ويأتى عن هشام بن عروة ما لم يحدث به هشام قط، لا يحل كتابة حديثه ولا الرواية عنه".
ثم وجدت محقق "الإِبانة" ذكر أن الهروى رواه في "ذم الكلام" من حديث عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعًا (ق ١١/ ١) وكذا رواه نصر المقدسى في "الحجة" (ص ٥٨). ولم يتكلم على إسناده بشئ. وما أراه إلا من نفس البابة. والله أعلى وأعلم.
(أما) الروايات الموقوفة، فصح عن عروة بن الزبير، ورُوِى عن عبد الله ابن عمرو، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصرى بمعناه. ولنبدأ بأثر الصحابى:
١ - فقد رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٧٧) عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عنه به. وإسناده صحيح على شرطهما، ولكن أخشى أن يكون وهمًا، فقد رواه جماعة من الثقات وغيرهم عن هشام به، فلم يجاوزوا عروة كما يأتى بإذن الله. وأيضًا روى جماعة من الثقات عن وكيع بهذا الإِسناد مرفوعًا بحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". من هؤلاء:
١ - الإِمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ١٩٠)، وهذا لفظه.
٢ - أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي الفقيه عند ابن حزم في "الإِحكام" (٦/ ٢١٠).
٣ - الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب في "العلم" (١٢١)، وعنه مسلم في "صحيحه" (٨/ ٦٠) مقرونًا بابن أبي شيبة نفسه، فلا أدرى أكان وكيع
[ ٢ / ١١٤ ]
يرويه تارة مرفوعًا، وتارة موقوفًا باللفظ المتقدم، أم هو ممن دون الحافظ ابن أبي شيبة؟ الله أعلم.
٢ - أثر عروة: رواه عنه ابنه هشام، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل المعروف بـ: "يتيم عروة". ورواه عن هشام:
١ - سفيان بن عيينة عند ابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ١٣٨) والبيهقى في "المدخل" (٢٢٢) و"معرفة السنن والآثار" (١/ ١١١) والخطيب في "تاريخه" (١٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥). وقد ذكر ابن عيينة عقبه - عند الخطيب- كلاما يسئ إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ وغيره، آثرت الإِمساك عنه.
٢ - يحيى بن أيوب الغافقي المصري عند ابن عبد البر (٢/ ١٣٦). وهو صدوق حافظ، ربما وهم.
٣ - إسماعيل بن عياش الحمصي - عند الخطيب-، وهو ضعيف في غير الشاميين لكنه متابع كما ترى.
٤ - على بن مسهر عند الدارمى (١/ ٥٠) لكنه أدخل: "محمد بن عبد الرحمن بن نوفل" بين هشام وأبيه، ولم ينفرد بذلك، بل توبع عليه من غير رواية هشام، فرواه عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب عن محمد قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: فذكره بنحوه. وهذه عند ابن حزم (٦/ ٢٢٣). والحاصل أن الأثر صحيح ثابت من طريقيه عن عروة ﵀، ويشبه أن يكون قد تلقاه من الإِسرائيليات، فالله أعلم.
٣ - أثر عمر بن عبد العزيز ﵀: رواه البيهقي في "المعرفة" (١/ ١١٠) من طريق الإِمام الشافعي ﵀، قال: سمعت عبد الله بن المؤمل المخزومى يحدث عن عمر بن عبد الرحمن بن مُحَيْصن، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: فذكره بنحوه. وإسناده ضعيف، المخزومى قال الحافظ (٣٦٤٨): "ضعيف الحديث".
[ ٢ / ١١٥ ]
٤ - أثر الحسن ﵀: قال ابن عبد البر (٢/ ١٣٧): "وروى الحسن ابن واصل عن الحسن قال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا". وإسناده - مع كونه معلقًا - واه، الحسن بن واصل هو ابن دينار أبو سعيد التميمي أحد الهلكى. قال البخاري: تركه يحيى وعبد الرحمن وابن المبارك ووكيع. وقال ابن معين وأبو داود: ليس بشئ. وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه.
(وبعد) فأقر بأن اجتماع هذه الطرق لى إنما هو من فضل الله ﵎ - وَحْدَهُ - عَلَيَّ، متبرءًا من كل حول وقوة لى. والله لولا الله ما أهتدينا لولاه ما صمنا ولا صلينا ومن ظن بأخٍ له مسلم غير الحق، فالله تعالى حسيبه، وهو معامل كل امرئ بما يستحق، وأسأله تعالى أن يرزقني لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا. ربَّ تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجِب دعوتى، واهد قلبى، وسدد لسانى، واسلل سخيمة قلبى. اللهم اجعلنى خيرًا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لى ما لا يعلمون.