" أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ قلت (القائل زيد بن ثابت): الله ورسوله أعلم. قال: ليكثر عدد خطاك في طلب الصلاة".
منكر. رُوِى من حديث أنس عن زيد بن ثابترضي الله عنهما- من وجهين:
الأول: من رواية ثابت البناني عن أنس به، وله طريقان عنه:
١ - فرواه ابن أبي شيبة في "مسنده" وعنه أبو يعلى- كما في "المطالب العالية" (١/ ١٣٢) وعنه ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٤١٦)، والطبراني (٥/ ١١٧ - ١١٨) - عن ابن أبي شيبة وأخيه عثمان- وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٥٢) من طريق محمد بن إسحاق الصاغانى، ثلاثتهم عن عبيد الله بن موسى، ورواه العقيلى (٢/ ٢١٩) - واللفظ له- والطبرانى (٥/ ١١٧) من طريق مسلم بن إبراهيم، ورواه الطبراني (٥/ ١١٨) من طريق حرمى بن عمارة ثلاثتهم عن الضحاك بن نبراس، قال: حدثنا ثابت البنانى قال: كنت مع أنس بن مالك في غرفته بالزاوية إذ سمع الأذان فنزل، فنزلت معه، فلما استوى على الأرض مشى، ثم قارب في خطوه، حتى دخلت معه المسجد، فقال لى: أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ قلت: لا أدرى، قال: إن زيد بن ثابت مشى بي هذه المشية حتى دخلنا المسجد، وقال: إن النبي ﵌ مشى بي هذه المشية، ثم قال لى، فذكره.
وفي رواية حرمى بن عمارة: "فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: لا يزال العبد في صلاة ما دام في طلب الصلاة". وفي رواية مسلم عند الطبراني أن القصة كانت بين ثابت وأنس- حَسْبُ- وأسقطت ذكر زيد بن ثابت ﵁. وجميع الرواة عن الضحاك بن نبراس المذكور ثقات من رجال الصحيح، فكأن هذا الاختلاف والتخبط من جهته، فإنه متروك الحديث كما
[ ٢ / ٦ ]
قال النسائى. وأورده الدارقطني في "الضعفاء" (٣٠٠) ساكتًا عنه، فهو متروك عنده وكذا عند البرقاني وابن حمكان كما هو منصوص عليه قبل أول الكتاب (ص ٩٥) ووهاه أيضًا ابن معين فقال: ليس بشئ وتكلم فيه آخرون. وقال بعضهم- كأنه لم يخبره-: ليس به بأس.
وهذا الحديث معدود في مناكيره حيث أورده له العقيلي وابن عدى - كما تقدم- وكذا الذهبي في "الميزان" (٢/ ٣٢٦). وقال الحافظ ابن حجر في "المطالب": "قلت: الضحاك ضعيف الحفظ، والمحفوظ في هذا موقوف على زيد بن ثابت". وقال الهيثمى في "المجمع" (٢/ ٣٢) - بعد عزوه للطبرانى وحده-: "وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف، ورواه موقوفًا على زيد ابن ثابت، ورجاله رجال الصحيح". كذا قال، وسيأتى ما في هذا الإِطلاق من النظر. ثم أورده- بلفظ رواية مسلم بن إبراهيم، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" وأسقط زيد بن ثابت، وقد رواه أنس عن زيد بن ثابت- والله أعلم-، وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف" اهـ.
٢ - ورواه الطبراني من طريق أبي داود الطيالسي عن محمد بن ثابت البنانى عن أبيه عن أنس به نحوه. وإسناده ضعيف أيضًا، فيه محمد بن ثابت البنانى، لينه أبو زرعة والفسوى، وضعَّفه أبو داود والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث ووهاه ابن معين. وقال البخارى: فيه نظر. وفي الطريق إليه: محمد بن صالح بن الوليد النرسى- شيخ الطبراني-، ولم أقف له على ترجمة، فأخشى أن يكون الخلل في روايته بهذا الإِسناد من جهته، فإن الحديث معروف- مرفوعًا- بالضحاك لا نبراس كما رأيتَ.
(وقد) رأيتُ البارحة عجبًا! وهو قول محقق "فضائل الأعمال"- للحافظ ابن شاهين ﵀- في تحقيقه الذى نال به شهادة العالمية - بعد إيراد طرقه المرفوعة عن ابن نبراس عند الطبراني، وطريقه الموقوفة عنده: "والطريق الخامسة مرفوعة وفيها محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف ولكنها
[ ٢ / ٧ ]
متابعة جيدة يرتقى بها الحديث مع الطريق الموقوفة إلى درجة الحسن. والله أعلم" حتى قال: "وأورده المنذرى في "الترغيب" (١/ ٢٠٩)، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" مرفوعًا وموقوفًا على زيد، وهو الصحيح". وأقول: زيادة الثقة مقبولة. وهذا الموقوف له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأى، فهو من أخبار الغيب. والله أعلم". كذا قال - عفا الله عنا وعنه- بنحو لم أر له فيه سلفًا في تقوية هذا الحديث، ويؤخذ على كلامه أمور نوجزها باختصار:
الأول: أنه لم يحقق حال الضحاك بن نبراس، فاكتفى بقول الحافظ ﵀ في "التقريب" (٢٩٨٠): "لين الحديث".
الثانى: أنه قوى الطريقين الواهية والضعيفة- الواهية على رأى-، بالطريق الموقوفة بحيث يصير الحديث حسنًا. وهذا من أعجب التصرفات، فإن راوى الموقوف لو كان ثقة لأعلت روايته الطريقين المرفوعتين. ولو كان واهيًا- كما سنرى- لما صلح للاعتبار أصلًا. والظاهر أنه لم ينظر في إسناد الرواية الموقوفة اكتفاءً بكلام الهيثمى ﵀.
الثالث: قوله: "وزيادة الثقة مقبولة"، والحديث لم يرفعه ثقة أصلًا كما ترى! .
الرابع: أنه اكتفى بعزو الحديث- مرفوعًا وموقوفًا- إلى الطبراني وحده، فأتى بهذه النتيجة غير المرضية، وفاتته ثلاث روايات صحيحة موقوفة عن ثابت، ورابعة عن غيره. وسنبين كل ذلك في محله إن شاء الله (١)
_________________
(١) وأقر بأن هذا الحديث قد أتعبنى جدًا وعلمنى الكثير، فبعد أن كنت عزوته للطبرانى وابن عدى، تبين لى أنه في "مسند ابن أبي شيبة" ورواه عنه أبو يعلى- شيخ ابن عدى فيه- ثم تبين لى أنه في "ضعفاء العقيلي" - مرفوعًا وموقوفًا-، في كل ذلك أضرب على ما كتبت أو أقطع ورقة حتى أعدت تبييضه في كشكول آخر. ثم وجدته في =
[ ٢ / ٨ ]
الخامس: قوله: "وهذا الموقوف له حكم الرفع " يرد عليه احتمال أن يكون زيد ﵁ قد فهمه من عموم أحاديث أخرى، ولو قال: له شواهد مرفوعة، لكان أوجه.
الثانى: من رواية أبان بن أبي عياش عن أنس كما رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (بغية الباحث: ١٢٤) عن داود بن المحبر ثنا محمد بن سعيد عنه به، ولفظه: "خرجت وأنا أريد المسجد، فإذا أنا بزيد بن ثابت، فوضع يده على منكبى يتوكأ عَلَيَّ. قال: فذهبت أخطو خطو الشباب، فقال لى زيد: يعنى ابن ثابت-: قارب بين خطوك، فإن رسول الله ﷺ قال: "من مشى إلى المسجد، كان له بكل خطوة عشر حسنات" وفي إسناده- بهذا اللفظ- داود بن المحبر، وهو كذاب متهم بالوضع وسرقة الحديث. وشيخه محمد بن سعيد لم أدرِ من يكون، ولا ذكره الحافظ المزى ضمن شيوخه أو الرواة عن أبان، فالظاهر أنه من شيوخه المجاهيل لقول الإِمام ابن حبان ﵀ في "المجروحين" (١/ ٢٩١): "وكان يضع الحديث على الثقات، ويروى عن المجاهيل المقلوبات، كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول: هو كذاب". وأبان متروك الحديث، ورماه شعبة بالكذب. ومع ذلك اقتصر الحافظ ﵀ في "المطالب"- عقب عزوه للحارث- على قوله: "فيه ضعيف". وكذالك قال البوصيرى: "فيه داود بن المحبر، وهو ضعيف" كما في حاشية "المطالب" (١/ ١٣٣).
(وبعد) فالمحفوظ وقف الحديث على زيد بن ثابت ﵁ كما تقدم عن الحافظ، فقد صح عن ثابت وحميد الطويل عن أنس عنه، وله عن ثابت طرق:
_________________
(١) = "فضائل ابن شاهين"؛ فزدته في العزو واضطررت إلى حكاية كلام محققه للرد على كلامه ومحاولته تقوية الحديث بما لا يسبق إليه فيما أعلم.
[ ٢ / ٩ ]
١ - فرواه العقيلى من طريق حماد بن سلمة عنه قال: "مشيت مع أنس ابن مالك إلى الصلاة وقد أقيمت الصلاة وكان يقارب بين الخطا، فقال لى: أتدرى لِمَ أفعل هذا؟ فقلت: لم تفعله؟ قال: كذا فعل بى زيد بن ثابت، ليكون أكثر لخطونا". وقال: "حديث حماد أولى". قلت: وهو صحيح على شرط مسلم. سوى على بن عبد العزيز - وهو البغوى شيخ العقيلى-، وهو ثقة حافظ.
٢ - ورواه عبد الرزاق (١/ ٥١٧) عن جعفر بن سليمان الضُبَعى عنه عن أنس قال: "وضع زيد بن ثابت يده عَلَيَّ وهو يريد الصلاة، فجعل يقارب خطوه". وإسناده جيد. وهو على شرط مسلم أيضًا.
٣ - ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٩) من طريق جعفر بن حيان أبي الأشهب عنه عن أنس قال: "خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فأسرعت المشى، فحبسنى". وإسناده صحيح.
٤ - ورواه الطبراني من طريق السرى بن يحيى عنه عن أنس قال: "كنت أمشى مع زيد بن ثابت، فقارب في الخطى، فقال: أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ فقلت: لا. فقال: لتكثر خطانا في المشى إلى الصلاة ". قال الطبراني: "ولم يرفعه السرى بن يحيى". قلت: وهو ثبت لكن شيخ الطبراني - عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهَّاه ابن عدى، فقال (٤/ ١٥٦٨): "مصرى يحدث عن الفريابى وغيره بالبواطيل". وأورد له أحاديث استنكرها عليه، ثم ختم الترجمة بقوله: "وعبد الله بن محمد بن سعيد ابن أبي مريم هذا إما أن يكون مغفلًا لا يدرى ما يخرج من رأسه، أو متعمدًا، فإنى رأيت له غير حديث مما لم أذكره أيضًا ها هنا غير محفوظ".
٥ - وأما رواية حميد، فعند ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عنه قال: "أخذ بيدى أنس، فجعل يمشى رويدًا إلى الصلاة، ثم التفت إليَّ فقال: هكذا
[ ٢ / ١٠ ]
كان يصنع زيد بن ثابت ليكثر خطاه". وإسناده صحيح غاية، وهو على شرطهما. (ومن الآثار) أيضًا:
١ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أبي الأحوص قال: قال عبد الله: "لقد رأيتنا، وإنا لنقارب بين الخطا إلى الصلاة". وإسناده صحيح. وهو قطعة من حديث طويل مشهور لابن مسعود في فضل الجماعة وأصله عند مسلم وأبى داود بدونها وحكمه الرفع، لوصفه ﵁ ما كان عليه الصحابة على عهد النبوة.
٢ - وروى عن طريق أبي سنان عن محمد بن زيد بن خليدة اليشكرى قال: "كنت أمشى مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها". وإسناده حسن. ورواه ابن سعد (٤/ ١/ ١١٣) من طريق مندل عن أبي سنان حدثنى زيد بن عبد الله الشيبانى قال: رأيت ابن عمر، فذكره بنحوه. ومندل ضعيف، فلا اعتداد بتفرده فضلًا عن مخالفته.
(أما) أحاديث فضل إتيان المساجد وإتيانها بالسكينة، وفضل كثرة الخطا إليها، فهى أكثر من أن يسعها هذا المقام، وقد ذكرت بعضًا من ذلك في "البدائل" (٤). أما ههنا فإنما أردت أن أدندن حول هذا اللفظ بخصوصه، فالله المستعان. ثم وجدت ابن أبي حاتم يقول في "العلل" (١/ ١٩١): "سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسى عن محمد بن ثابت عن أبيه عن أنس عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان يقارب بين الخطا إلى المسجد، وقال: إنما فعلته لتكثير خطاى إلى المسجد. فسمعت أبي يقول: روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البنانى فلم يوصله أحد إلا الضحاك ابن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضًا ليس بقوى. والصحيح موقوف" اهـ. قلت: فثبتت هذه المتابعة للضحاك بن نبراس لكن لم يزل رفع الحديث منكرًا. والله أعلم.
[ ٢ / ١١ ]