" إياكم وهاتين الكعبتين الموسومتين اللتين تزجران زجرًا، فإنهما من الميسر".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود وأبي موسى وسمرة بن جندب وابن عباس، ومن مرسل قتادة مختصرًا بلاغًا.
أولًا: حديث ابن مسعود:
رواه الإِمام أحمد (١/ ٤٤٦) عن على بن عاصم، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهى" وعنه البيهقي (١٠/ ٢١٥) من طريق زياد بن عبد الله البكائى، وابن عدى (١/ ٢٦١) من طريق سويد بن سعيد عن أبي معاوية ثلاثتهم عن إبراهيم
[ ٢ / ٣٩ ]
الهجرى عن أبي الأحوص به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، إبراهيم الهجرى هو ابن مسلم أبو إسحاق الكوفى. قال الحافظ (٢٥٢): "لين الحديث، رفع موقوفات". على أن الصحيح الثابت عنه وقفه أيضًا. قال الإِمام الدارقطني ﵀ في كتابه الجليل "العلل" (س ٩٠٦) - حين سئل عن هذا الحديث-: "يرويه إبراهيم الهجرى وعبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص، فرفعه على بن عاصم عن إبراهيم. ورُوِى عن شعبة عن إبراهيم الهجرى مرفوعًا. والصحيح موقوف. وكذلك رواه أصحاب الهجرى عن أبي الأحوص. وكذلك رواه عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص موقوفًا" وكذلك قال الإِمام البيهقي ﵀ عقب الحديث: "رفعه البكائى عن إبراهيم، وسويد عن أبي معاوية عن إبراهيم، والمحفوظ موقوف". ثم رواه من طريق جعفر بن عون - أحد الثقات الحفاظ- عنه به موقوفًا، وقال: "وكذلك رواه عبد الملك بن عمير وغيره (في الأصل: وغيرهم) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود موقوفًا".
"ثم وجدت في "تلخيص المتشابه" (ص ٢٩٨) للخطيب من طريق ابن عقدة نا محمد بن عمرو بن مجزأة الجعفى، نا أبي، نا عبد الله بن جناب الجهنى، قال: حدثنى مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قال: وحدثنى سفيان عن إبراهيم الهجرى، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -رفعه أحدهما-: فذكره. وهذا لا يثبت عن مسعر وسفيان، فإن ابن عقدة حافظ لكنه رافضى لا يوثق به، وشيخه وأبوه لم أجد لهما ترحمة، وليسا في "جامع الرواة" للأردبيلى، المختص برواة الشيعة. وابن جناب لم يذكر له الخطيب ولا ابن ماكولا (٢/ ١٣٥) راويا سوى عمرو بن مجزأة، ولم أقف عليه في كتب المتقدمين. وهذا غلط عليهما إن لم يكن متعمدًا، فقد صح عن سفيان عن عبد الملك عن أبي الأحوص به موقوفًا. وصح عن مسعر عن عبد الملك عن أبي الأحوص مقطوعًا عليه، وكلاهما سيأتى.
[ ٢ / ٤٠ ]
ثانيًا: حديث أبي موسى: رواه الآجرى في "تحريم النرد والشطرنج والملاهى" (١٣) وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "ابن كثير" (٤) (٢/ ٩١ ط. التراث الإِسلامي- حلب) من طريق هشام بن عمار عن صدقة ابن خالد عن عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عنه، بلفظ: "اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التى تزجر زجرًا، فإنها من الميسر". وإسناده ضعيف جدًا. على بن يزيد متروك، وهشام وعثمان فيهما مقال. وقال ابن أبي حاتم أيضًا في "العلل" (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨): "سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار " الخ قال أبي: هذا حديث باطل، وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".
ثالثًا: حديث سمرة: رواه الآجرى (١٦) من طريق عمران بن موسى ابن عبد الملك بن عمير عن عبد الملك عن حصين بن أبي الحر عنه به، ولفظه: "إياكم وهذه الكعاب الموسومة التى تزجر زجرًا، فإنهن من الميسر". وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات سوى عمران بن موسى هذا، لم أقف له على ترجمة، فهو علته. وقد رواه جمع من الثقات الأثبات وغيرهم عن عبد الملك موقوفًا بإسناد سوى هذا. وقال الدارقطني -عقب ما تقدم عنه-: "ورواه عمران ابن موسى بن عبد الملك بن عمير عن عبد الملك عن حصين بن أبي الحر عن سمرة رفعه، قال ذلك عثمان بن أبي شيبة، وهو وهم، والمحفوظ حديث أبي الأحوص عن عبد الله".
رابعًا: حديث ابن عباس: رواه الآجرى (١٧) والبيهقى من طريق نهشل ابن سعيد عن الضحاك عنه به. وإسناده ضعيف جدًا، نهشل هالك، والضحاك روايته عن الصحابة منقطعة.
خامسًا: مرسل قتادة: رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: "بلغنا أن رسول الله ﵌ سئل عن اللعب بالكعبين، فقال: إنها ميسر الأعاجم، قال: وكان قتادة يكره اللعب
_________________
(١) لأن الجزء الثانى من الطبعة المصرية فقد منى، ووجدت هذا بدلًا منه!
[ ٢ / ٤١ ]
بكل شئ حتى يكره اللعب بالحصى". قلت: وهذا -مع أنه شاهد قاصر- ضعيف مرسل أو معضل. وهو من شر المراسيل عندهم، وكذا مراسيل الزهرى والحسن وعطاء وغيرهم، فمنهم من كان يثق بكل أحد ويحمل عن كل ضرب، ومنهم من كان لا يرسل إلا ما أخذه عن مجروح مرغوب عنه.
قال ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح" (ص ٢٤٦): "نا أحمد بن سنان الواسطى قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهرى وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشئ عقلوه". وقد شبه الذهبي ﵀ في ترجمة الزهري من "السير" (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩) مرسل قتادة بمرسل الزهرى، فحكى قول القطان: "مرسا الزهرى شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمى سمى وإنما يترك من لا يحب أن يسميه"، فقال: "قلت: مراسيل الزهرى كالمعضل، لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوع أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﵌، ومن عد مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدرِ ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه" اهـ فتأمل.
(ثم) وقفت عليه بعد ذلك موصولًا مختصرًا عند الخرائطى في "مساوئ الأخلاق" (٧٤٨) من طريق معمر عن قتادة عن أنس قال: "نهى رسول الله ﵌ عن الكعبين". فهذا -على اختصاره- معمر في روايته عن قتادة مقال لابن معين، فلا تقبل مخالفته لسعيد بن أبي عروبة أثبت الناس -هو وهشام الدستوائى- في قتادة، على أن في الطريق إليه: سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرقى، قال الحافظ (٢٥٩١): "صدوق ليس بالقوى"، فلعل الخطأ منه.
[ ٢ / ٤٢ ]
(فالصحيح) -كما تقدم عن الدارقطني والبيهقى- وقف حديث الترجمة (٥) على ابن مسعود ﵁ حَسْبُ، وهنا نذكر وصل ما علقاه عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص عنه إن شاء الله، فقد رواه عنه:
١ - سفيان الثورى عند الطبرى (٢/ ٢٠٨) والآجرى (١٩) وكذا ابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٩) لكنه قرنه بمسعر الذى قَصَّر به، فأوقفه على أبي الأحوص.
٢ - شعبة عند الطبرى.
٣ - هشيم عنده أيضًا، وصرح بالتحديث.
٤ - معتمر بن سليمان عند البخارى في "الأدب" (١٢٧٠) والآجرى (١٨). وهؤلاء جميعًا ثقات حفاظ، والثلاثة الأول منهم بلغوا الغاية في الإِتقان. ٥ - يزيد بن أبي زياد الهاشمى الكوفى -وهو ضعيف حاشا ما رواه المتقدمون عنه- عند عبد الرزاق (١٠/ ٤٦٧) عن معمر في "جامعه"، والخرائطى في "المساوئ" (٧٤٩) عن ابن فضيل عنه، نحوه. ولفظ معمر: "إياكم وزجرًا بالكعبين، فإنهما من الميسر". وجاء في النسخة (ص): "ورحوا" -بالراء-، فأشكلت على الشيخ الأعظمى عفا الله عنه، فقال في حاشية "المصنف": "كذا في "ص" ولعله "دحوا" اهـ. قلت: وهذا منه عجيب، فإنه عزاه للبيهقى موقوفًا من طريق إبراهيم الهجرى به، بلفظ: "اتقوا هاتين الكعبتين الموسومتين اللتين تزجران زجرًا " فلا أدرى ما الذى منعه من أن يجعلها: "زجرًا"؟ ! مع أن ذلك في غاية الوضوح. ولو رجع إلى لفظ الطبرى لوجده: "إياكم وهذه الكعاب التى تزجرون زجرًا". وبعد ذلك فوجئت بالعلامة الألباني حفظه الله يقول في "حجاب المرأة المسلمة" (ص ١٠١) -بعد عزوه مرفوعًا لأحمد والبيهقى عن ابن مسعود-:
_________________
(١) ثم وجدت ابن عبد البر ذكره في "التمهيد" (١٣/ ١٧٦ - ١٧٧) عن ابن وهب قال: وحدثنا جرير بن حازم، عن الحسن بن عمارة (تصحفت إلى: الحسين)، عن على ابن الأقمر، عن مسروق بن الأجدع قال: قال ابن مسعود: فذكره بنحوه. وإسناده ضعيف جدًا، الحسن بن عمارة متروك كما في "التقريب" (١٢٦٤).
[ ٢ / ٤٣ ]
" والهجرى هذا ضعيف وقد ورد عنه موقوفًا على ابن مسعود وأخرجه البيهقي أيضًا وقال: "إنه المحفوظ". قلت: لكن الظاهر أنه ورد من غير طريق الهجرى، فقد أورده الهيثمى في "المجمع" (٨/ ١١٣) باللفظ المذكور أعلاه وقال: "رواه أحمد والطبرانى، ورجال الطبراني رجال الصحيح". والهجرى ليس من رجال الصحيح، فدل على أن الطبراني رواه من طريق غيره، فتقوى الحديث به لا سيما وأن له شاهدًا، فقد جاء الحديث في الكشاف وقال مخرجه الحافظ العسقلانى (٤/ ١٨ رقم ١٤٥): "رواه ابن مردويه من حديث سمرة بن جندب، ومن حديث أبي موسى الأشعرى نحوه، ورواه أحمد والبخارى في "الأدب الفرد" من وجهين عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود. قلت: هو عند البخارى (ص ١٨٤) من طريق عبد الملك عن أبي الأحوص موقوفًا، وهو عند أحمد من طريق الهجرى مرفوعًا كما تقدم، وصنيع الحافظ يوهم أنهما أخرجاه كلاهما موقوفًا أو مرفوعًا وليس كذلك. وبالجملة فالحديث حسن أو صحيح. والله أعلم" اهـ.
أقول: قلبت "مسند ابن مسعود" من "المعجم الكبير" من أوله إلى آخره، فلم أجد فيه الحديث، ولا أورده محققه حفظه الله في مظانه من الفهرس: "إياكم، اتقوا، اجتنبوا". ولم يعزه السيوطى في "الدر" (٢/ ٣١٩) إلى الطبراني في أيٍ من "معاجمه" مرفوعًا، وإنما عزاه إليه في "تفسيره" موقوفًا. أما حديث ابن مردويه عن سمرة، فقد رواه أيضًا البيهقي في "الشعب" كما في "الدر" فلعل مخطوطته لم تكن في متناول الشيِخ وقتئذ. وقد علمت أنه لا يصلح شاهدًا بحال، فإنه -على ما في إسناده من الجهالة- معلول بالمخالفة مع الوقف. وأما حديث أبي موسى، فإسناده متيسر النظر فيه في "ابن كثير" و"العلل" كما تقدم. وهو واه، حكم أبو حاتم ببطلانه والمقصود أن الشيخ عفا الله عنه قد خالف -في هذا الموضع- منهجه الدقيق الذى تعلمناه منه -جزاه الله عنا وعن سنة النبي ﵌ خيرًا-، فاعتمد على عزوٍ وإطلاقات ووسائط مما لا يحسن من مثله. وكان
[ ٢ / ٤٤ ]
في إمكانه ومن اليسير عليه -إن شاء الله- أن يتحقق من أكثر هذه الطرق بنفسه، ليجدها جميعًا ما بين ضعيف معلول، أو واهٍ لا يعتبر به.
هذا، وقد ثبت لَدَىَّ أن بعض الناقمين على الشيخ -متعنا الله بعمره وعلمه- قد فرح وشمت به لما وجد بعض تلاميذه (يقصدنى وأخى أبا إسحاق الحوينى حفظه الله) يخالفونه في بعض الأشياء، وذلك لما اطلع -فيما اطلع- على القسم الأول من هذا الكتاب -ولا سيما حديث تحريك الإصبع في الصلاة خاصة-، فأقول له: كلا وألف كلا، إياك أن تخلط بين الأمور، ولا يتداخلن عليك الفارق بين الحب والإِعظام، وبين الرغبة في تحرى الحق والصواب. وإن للشيخ -عافاه الله- في قلوبنا لمنزلةً يكل اللسان عن وصفها، ونرجو أن نزداد كل يوم حبًا له وإجلالًا لعظيم ما أجراه الله ﷿ على يديه من نعمة العلم والفهم والتدقيق. وحسبك أيضًا أيها الشامت أن تعلم أنه لولا أن الله ﷿ سخر لنا هذا الرجل وكتاباته، لظللنا حتى الساعة نعتمد على مثل رموز السيوطى -التى غشاها ما يغشى- وتصحيحات الحاكم وإطلاقات المنذرى والهيثمى بنحو: "رجاله ثقات" و"رجاله رجال الصحيح"، والعراقى بتضعيف الواهى والموضوع، ولظللنا نضفى على ما في "تقريب الحافظ" ﵀ قدسية لا يغتفر المساس بها. أقول هذا مع استبشاع ما رمى به بعض مخالفى الشيخ حفظه الله الحافظ ابن حجر روَّح الله روحه بأنه مجرد ناقل فقط لأقوال الأئمة! وليس من حقه الترجيح! ! بل هو إمام كبير أحاط بالسُّنَّةِ كما وصفه شيخنا المطيعى ﵀ غير مرة، ولكن العصبية تفعل بأهلها الأفاعيل. فمن الحافظ وأمثاله من منصفي الأئمة نتعلم الإنصاف ونبذ العصبية لمذهب أو رأىٍ تلوى من أجله أعناق النصوص، وُيغمض عما يدين رأى المخالف، على مذهب ﴿ولا تقربوا الصلاة﴾ أو: ﴿فويل للمصلين﴾ دون إتمام الآية. نعوذ بوجه ربنا الكريم من الخذلان وترك الإِنصاف والانتصاف عند اشتداد الحاجة إليهما.
[ ٢ / ٤٥ ]