" ارحموا عزيز قوم ذل، وغنى قوم افتقر، وعالمًا بين جهال".
منكر. رُوِى من حديث أَنس - من طريقين عنه - وابن عباس وابن مسعود - وبلفظ آخر - عن أبي هريرة.
١ - حديث أَنس:
من الطريق الأُولى: رواه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١١٨) وعنه ابن الجوزى في "الموضوعات" (١/ ٢٣٧) من طريق يوسف بن هاشم أبي الميمون قال: حدثنا يزيد بن أبي الزرقاء الموصلى قال: حدثنا عيسى بن طهمان عنه به، بلفظ: "ارحموا من الناس ثلاثة "الحديث.
ورواه العسكرى في "الأمثال" والسليماني في "الضعفاء" من حديث زيد (لا يزيد) بن أبي الزرقاء كما في "المقاصد" (ص ٤٩) ولعله الصواب. لقول الآجرى: "سألت أبا داود عن عيسى بن طهمان فقال: لا بأس به". قلت: بصرى؟ قال: قال لي ابن أبي الزرقاء سمع منه أبي بالكوفة، فقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة" كما في "تاريخ بغداد" (١١/ ١٤٣).
وابن أبي الزرقاء الَّذي يروى عنه أبو داود هو هارون بن زيد بن أبي الزرقاء كما في "التهذيب" (١١/ ٥).
وقال ابن حبان - في ترحمة عيسى بن طهمان الكوفي، أبي ليث - "ينفرد بالمناكير عن أَنس ويأتى عنه بما لا يشبه حديثه، كأنه كان يدلس عن أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وإن اعتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير. وهو الَّذي روى عن أَنس بن مالك .. "فذكر الحديث.
وقال السليماني: "الحمل فيه على عيسى بن طهمان".
وقال ابن طاهر في "معرفة التذكرة" (١٠٢): "فيه أبو البخترى وهب بن
[ ١ / ٢٠ ]
وهب - يعنى في حديث ابن عباس الآتى - وهو كذاب، وعيسى بن طهمان متروك".
وقال ابن الجوزى: "موضوع" حتَّى قال "وعيسى ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به".
وقال العراقى (٤/ ٢٨): "وعيسى ضعيف". كذا قالوا وعيسى بن طهمان ثقة وثقه جميع الأئمة - إلا ابن حبان - وهم: أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والفسوى وأبو داود والدارقطني والحاكم (١٠) نعم، أورده العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٨٥) ولكنه جعل الحمل في الأحاديث التي لم يتابع عليها على الراوى عنه- خالد بن عبد الرحمن الخراساني - فقال: "ولعله أُتى من قبل خالد لأنَّ أبا نعيم وخلادًا يحدثان عنه أحاديث مقاربة".
قال الحافظ في "هدى السارى" (ص ٤٣٤) (١١): "وهو كما ظن العقيلي. وأما ابن حبان فأفحش القول فيه في "كتاب الضعفاء" فقال: فذكر كلامه حتَّى قال: "ثم لم يسق له إلا حديثا واحدًا والآفة فيه ممن دونه" وقال (ص ٤٦٣) "ضعفه ابن حبان بلا مستند، والحمل على غيره".
وقال في "التقريب" (٥٣٠١) "صدوق أفرط فيه ابن حبان، والذنب فيما استنكره من حديثه لغيره".
قلت: الذنب في هذا الإِسناد، والبلاء فيه من يوسف بن هاشم أبى الميمون - شيخ شيخ ابن حبان - فإن تعبت عليه فلم أجده ولا حتَّى في "ثقات ابن حبان". والظاهر أن الحافظ يعنيه، فإن رجال الإِسناد كلهم ثقات غيره.
_________________
(١) الطريف أن الحاكم - وهو أقل هؤلاء تشددًا - قال "صدوق" كما في "التهذيب" (٨/ ١٩٣) كأنه تبع شيخه الإِمام الدارقطني في ذلك كما في "سؤالاته له" (٤٣٨) لكن في "التهذيب" أن الحاكم قال عن الدارقطني: ثقة.
(٢) أورده الحافظ باعتبار أن له حديثين في "صحيح البخاري" فانظر بيانهما عنده.
[ ١ / ٢١ ]
والحديث - من الطريق الثانية - رواه ابن الجوزى (١/ ٢٣٦) من جهة الخطيب البغدادى بسنده إلى محمد بن مقاتل الرازي عن أبي العباس جعفر بن هارون عن سمعان بن المهدى عن أَنس بلفظ: "وفقيهًا يتلاعب به الجهال".
وجعفر بن هارون قال الذهبى (١/ ٤٢٠): "أتى بخبر موضوع" وقال في ترجمة سمعان بن المهدى (٢/ ٢٣٤): "حيوان لا يعرف، أُلصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبَّح الله من وضعها" زاد الحافظ في "اللسان" (٣/ ١١٤): "وهي من رواية محمد بن مقاتل الرازي عن جعفر بن هارون الواسطي عن سمعان "فذكر النسخة، وهي أكثر من ثلاث مائة حديث أكثر متونها موضوعة".
٢ - حديث ابن عباس: رواه ابن حبان (٣/ ٧٤) وعنه ابن الجوزى من طريق وهب بن وهب أبي البخترى القاضي عن ابن جرج عن عطاء عنه به، بلفظ "وعالمًا يتلاعب به الصبيان". ووهب هذا أحد الوضَّاعين المشهورين.
٣ - حديث ابن مسعود: رواه القضاعى (٧٣٤) من طريق عبد الله بن الوليد العدنى، ثنا سفيان الثورى، عن منصور، عن مجاهد عنه به ولفظه: "ارحموا ثلاثة: غنى قوم افتقر، وعزيزًا ذل، وعالمًا يلعب به الحمقى والجهال". وفى هذا الإِسناد مجاهيل وانقطاع.
قال الشيخ السلفى حفظه الله - محقق "مسند الشهاب" - "قال في "فتح الوهاب" (٢/ ١١): وفيه جماعة لم أعرفهم، ورواية مجاهد عن ابن مسعود قال أبو زرعة: فيه إرسال ". وأعله السخاوى بالعلة الثانية وحدها ثم استدركت بأن شيخ القضاعي - محمد بن منصور التسترى - قال أبو إسحاق الحبال الحافظ: كذاب" فانظر "الميزان" (٤/ ٤٨) و"لسانه" (٥/ ٣٩٥، ٣٩٦).
٤ - وأما حديث أبى هريرة فرواه الديلمى. قاله الشيخ الغمارى في حاشية "المقاصد". ولم أجده في "فردوس الأخبار" بلفظ حديث الترجمة.
وقد تعقب الحافظ السيوطي ﵀ دعوى ابن الجوزى وضع الحديث بأمر
[ ١ / ٢٢ ]
عجيب فقال في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢١١): "قلت: قال الديلمى: أنبأنا أبو علي الحداد أنبأنا أبو نعيم حدثنا محمد بن عمر بن سليم حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سعيد القارى الرازي حدثنا أبى حدثنا أبو الأزهر الخطيب بن عفان حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا: "بكت السموات السبع ومن فيهن ومن عليهن، والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل، وغنى افتقر، وعالم تلعب به الجهال" (١٢) والله أعلم اهـ.
وهذا إسناد مظلم، كل من بَيْن أبي نعيم وابن علية لم أجد لهم ترجمة، والحسن مدلس وقد عنعنه، ولم يسمع من أبى هريرة إلا أحرفا يسيرة - على الأصحّ (١٣) - ومع ذلك فما أبعد الشاهد عن المشهود له، وبين الأمر برحمة هؤلاء الثلاثة، والإِخبار عن بكاء السموات والأرضين وأهلهن عليهم. والظاهر أن السخاوى والغمارى يعنيان هذا الحديث.
(وبَعْد) فإن حديث الترجمة إنما يعرف من قول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى كما قال ابن الجوزى ثم روى بسنده إلى الحاكم قال: سمعت إسماعيل بن محمد ابن الفضل يقول: سمعت جدى يقول: سمعت سعيد بن منصور يقول: قال الفضيل ابن عياض: "ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيا افتقر، وعالمًا بين الجهال". ورواه البيهقي في "المدخل" (٦٩٩) عن الحاكم به. وقال: "وَرُوِى هذا مرفوعًا عن النبي ﵌ من أوجه كلها ضعيفة".
قلت: ومع ذلك ففي شيخ الحاكم مقال، قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٤٧، ٢٤٨): "قال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ، ثم قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا جدى، حدثنا عبيد الله العيشى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أَنس، قال رسول الله ﵌: "طلب العلم فريضة
_________________
(١) الحديث في "الفردوس" (٢/ ١٥) وقال الحافظ: "أسنده عن أبى هريرة".
(٢) وهو الحق الَّذي يشهد له الدليل العملى، رغم تتابع كثيرين من معاصرى الحسن فمن بعدهم على نفى سماعه مطلقًا من أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٣ ]
على كل مسلم". غريب فرد" اهـ.
قلت: ورجاله كلهم ثقات سواه، فالحمل فيه عليه إذ أن هذا المتن لا يُحتمل صدوره بهذا الإِسناد الصحيح، أو إنه وهم، ودخل عليه حديث في حديث، فالله أعلم به، وهو حَسيبه.
ثم إننى أثناء تبييض الكتاب للمرة الثانية تذكرت حديثا عجيبًا مَرَّ عَلَيَّ أثناء تقليب "فردوس الأخبار" (١٤) للديلمى - الأب - وهو ما رواه الخطيب في "تاريخه" (١٣/ ٣٢٢، ٣٢٣) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: "ارحموا حاجة الغنى". قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وما حاجة الغنى؟ فقال: "الرجل الموسر يحتاج صدقة، الدرهم عليه عند الله بمنزلة سبعين ألفا". وقال: "هذا غريب جدًا من حديث الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله، ومن حديث الثورى عن الأعمش، لا أعلم رواه غير محمد بن يحيى الطوسى عن الفريابى" اهـ.
والطوسى هذا لم أقف له على ترجمة. وفيه أيضًا: نافع بن علي بن يحيى أبو عبد الله السروى الفقيه، أورده الخطب في ترجمته وقال: "حدثنا عنه العتيقى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وسماه أبو الفضل المقدسي "نافع بن علي بن بحر بن عمرو بن حازم" وقال: "روى عنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، والطبقة، وتوفى قبل الأربعمائة" كما في "الأنساب" (٧/ ٧٧).