" إن لكل شيء شرفًا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة". ضعيف. رُوِى من حديث ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة.
١ - حديث ابن عباس:
رواه الطبرانى في "الكبير" (١٠/ ٣٨٩) والقضاعى (١٠٢٠، ١٠٢١) والخطيب في "جامعه" (٢/ ٦١) وأبو سعد السمعاني في "أدب الإِملاء والاستملاء" (ص ٤٤) من طريق هشام بن زياد أبى المقدام عن محمد بن كعب القرظي عنه، وزاد الطبراني: "ومن نظر في كتاب أخيه من غير أمره، فكأنما ينظر في النار". وزاد القضاعى في الرواية الثانية: "وإنما تجالسون بالأمانة".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٥٩): "وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك".
ورواه الحاكم (٤/ ٢٦٩، ٢٧٠) من طريق مصادف بن زياد المديني، ثم من طريق أبي المقدام كلاهما عن محمد بن كعب به مطولًا.
وقال: "هذا حديث قد اتفق هشام بن رياد النصرى ومصادف بن زياد المدينى على روايته عن محمد بن كعب القرظى، والله أعلم. ولم أستجز إخلاء هذا الموضع منه، فقد جمع آدابا كثيرة".
فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه
[ ١ / ٤٦ ]
الدارقطني، فبطل الحديث".
قلت: ابن معاوية - وهو النيسابورى - هو الَّذي رواه عن مصادف بن زياد وأثنى عليه خيرًا! ومصادف قال أبو حاتم الرازي: "هو مجهول" كما في "الجرح" (٨/ ٤٤١).
ورواه الخطيب (٢/ ٦٢) من طريق صالح بن حسان عن القرظي به نحوه، لكن صالح قال الحافظ (٢٨٤٩): "متروك".
٢ - حديث ابن عمر:
رواه أبو يعلى والطبرانى في "الأوسط" كما في "المجمع" و"المقاصد" (ص ٧٦، ٧٧) وابن عدي (٢/ ٧٨٥) والسمعاني (ص ٤٥) من طريق حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عنه بلفظ: "أكرم المجالس ما استقبل به القبلة" وقال الهيثمي والسخاوى: "وفيه حمزة بن أبي حمزة، وهو متروك". وقال الحافظ (١٥١٩): "متروك، متهم بالوضع".
٣ - حديث أبي هريرة:
رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ١٨٢، ١٨٣) فقال: "حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة".
وقال الهيثمي والسخاوى، وكذلك المنذرى في "الترغيب" (٤/ ٩٨): "إسناده حسن" (٢٩). كذا قالوا، وكنت قد تابعتهم على هذا الأمر واعتمدت هذا التحسين في تخريج أحاديث "آداب حملة القرآن" للحافظ الآجرى ﵀ من باب إحسان
_________________
(١) واغتر المناوى (٢/ ٥١٢) بهذا التحسين فقال: "نعم، ورد في الباب حديث جيد حسن، وهو ما رواه الطبراني أيضًا عن أبى هريرة " فذكره قال: "فأعجب للمصنف حيث آثر ما جزموا بوضعه - يعنى حديث ابن عباس - على ما جزموا بحسنه".
[ ١ / ٤٧ ]
الظن، وتعذر النظر في سند "الأوسط" وقتئذ. فلما صدر المجلد الثالث من الكتاب، علمت ما في هذا التحسين من التساهل، وصح ما كان في قلبي من ريبة نحوه، إذ أن فوات حديث حسن الإِسناد في حكم كهذا على الأئمة الستة في مصنفاتهم، بل خلو "مسند أحمد" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" و"الأحاديث المختارة" - للضياء - ونحوها من الكتب المشهورة، مع أن عامة أحاديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبي هريرة - في اعتقادى - مسطورة في هذه الكتب، فكل هذا ليس بالأمر اليسير على من رزقه الله ﷿ بصيرة بأسانيد أحاديث النبي ﵌، ومظانّ الصحة والضغف منها. نعم، رجال هذا الحديث كلهم صدوقون على شرط الحسن سوى شيخ الطبراني واسمه: إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، فإنه آفته. قال الذهبي (١/ ٦٣): "شيخ للطبراني غير معتمد. قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر - مرفوعًا: "يخرج المهدى وعلى رأسه ملك ينادى: هذا المهدى فاتبعوه" فالمعروف بهذا الحديث هو عبد الوهاب بن الضحاك (٣٠) لا: ابن نجدة "اهـ.
وأقره الحافظ في "اللسان" (١/ ١٠٥).
قلت: والمعروف - أيضًا - بهذا الكلام - في فضل استقبال القبلة - بعض تابعي أهل الشام وتابعيهم، لا رواية الشاميين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا!
(وذلك) ثابت عن ثلاثة منهم:
١ - فروى ابن أبى شيبة (٨/ ٤٨٦، ٤٨٧) وعنه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٢١٥) عن عبد الأعلى عن برد بن سنان عن سليمان بن موسى
_________________
(١) وهو متروك، كذبه أبو حاتم كما في "التقريب" (٤٢٥٧)، أقول: ومن يشتبه عليه اسم شيخه، كيف يكون حاله وأنى لحديثه الحسن، وهو لا يعلم له موثق ولو متساهل؟
[ ١ / ٤٨ ]
الأشدق قال: "إن لكل شيء شرفًا، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة". قال: يعنى برد بن سنان كما في "الحلية" (٦/ ٨٧) "ما رأيت سليمان يجلس إلا مستقبل القبلة". (فى الأصل: سفيان، والتصويب من "الحلية").
وروى ابن أبي شيبة أيضًا (٨/ ٤٨٧) عن وكيع عن ثور بن يزيد عنه قال: "لكل شيء سيد، وسيد المجالس مستقبل القبلة". وإسناداهما صحيحان.
٢ - وروى أيضًا عن وكيع عن محمد بن عبد الله الشعيثى عن مكحول قال: "أفضل المجالس مستقبل القبلة". وإسناده صحيح.
٣ - وروى السمعاني والخطيب في "جامعه" من طريق هشام بن عمار: نا صدقة: نا ابن جابر قال: أقبل مغيث بن سمى إلى مكحول فأوسع إلى جنبه، فأبى وجلس مقابل القبلة، وقال: "هذا أشرف المجالس".
قلت: نعم، ولكن ما فعله مغيث ﵀ - مخالف لهدى النبي ﵌ في قوله: "إذا دخل أحدكم إلى القوم فأوسع له فليجلس، فإنما هي كرامة من الله أكرمه بها أخوه المسلم، فإن لم يوسع له فلينظر أوسعها مكانًا فليجلس فيه".
رواه الحارث بن أبى أسامة في "مسنده" عن أبي شيبة الخدرى ﵁، وقال الذهبي: "حديث جيد" كما في "الفيض" (١/ ٣٣٨) وانظر ألفاظه وشواهده في "الصحيحة" (١٣٢١). والله أعلم.