" ليس من يوم إلا وهو ينادى: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، أنا فيما تعمل فِىَّ عليك شهيد، فاعمل فِىَّ خيرًا أشهد لك به، فإنى لو مضيت لم ترنى؛ ويقول الليل مثل ذلك".
واه جدًا. رواه أبو نعيم (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤) -واللفظ له- وحمزة بن يوسف السهمى فى "آداب الدين مما لا يستغنى المسلم عنه في يومه وليلته" كما ذكره عنه الرافعى فى "أخبار قزوين" (٢/ ٩٣) -وإليهما عزاه الهندى فى "كنز العمال" (١٥/ ٧٩٦) -من طريق الحكم بن مروان الكوفى ثنا سلام بن سليم المدائنى، عن زيد العمى، عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار مرفوعا به.
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد، ولا أعلمه مرفوعا عن النبى ﵌ إلا بهذا الإِسناد".
قلت: وإسناده واه جدًا، سلام بن سليم هالك، وقال ابن خراش: كذاب. وقال ابن حبان فى "المجروحين" (١/ ٣٣٩): "يروى عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال الحاكم: "روى أحاديث موضوعة".
وشيخه زيد العمى ضعيف ضعفه الجمهور، وقال بعضهم: صالح وللحديث لفظ آخر، فقد رواه البيهقي فى "الشعب" عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس مرفوعا معضلًا بلفظ: "ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِىَّ خيرًا فليعمله فإني غير مكر عليكم أبدًا".
كما فى "كنز العمال" (١٥/ ٧٩٦، ٧٩٧) -وجعله مرسلا- والأصوب أنه معضل، لأن عثمان هذا يروى عن التابعين، وهو أيضًا مختلف فيه.
ووصله الديلمى (ق: ٢٠٦) (٦٦) من طريق مطلب بن شعيب عن أبي صالح عن ليث عن عقيل عن الزهرى عنه عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس -إن شاء الله- (كذا فيه) مرفوعًا بلفظ: "ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِيَّ خيرًا فليعمل، فإنى غير مكرور عليكم أبدًا، وكذلك يقول الليل". وإسناده ضعيف لضعف أبي صالح -واسمه عبد الله بن صالح المصرى- وكانت فيه غفلة، وكان له جار يُدخل عليه. وفيه كلام كثير سوى هذا.
واستثنى الحافظ فى "هدى السارى" (ص ٤١٤) رواية أهل الحذق عنه كالبخارى وابن معين وأبى زرعة وأبى حاتم، فصححها. وليس هذا منها. ولعل الصحيح رواية البيهقي المعضلة، ولا يمكن الجزم بذلك الآن لعدم تيسر الاطلاع على سنده فى "الشُعب".
_________________
(١) ساق محققًا "الفردوس" (٤/ ٣٤٧) سنده كله.
[ ١ / ١٠٥ ]
(والصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول بعض السلف، فقد ورد معناه عن غير واحد من التابعين فمن بعدهم.
١ - فروى ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٤٩، ٥٥٠) عن حسين الجعفى عن موسى الجهنى عن بعض أصحابه قال: "ما أتت على عبد ليلة قط إلا قالت: ابن آدم. أحدث فِىَّ خيرًا، فإنى لن أعود إليك أبدًا". ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى قائله، فإنه لم يُسَمَّ. ولعلة تابعى فإن موسى يروى عن التابعين.
٢ - وروى أبو نعيم (٢/ ٣١٠) من طريق الإِمام أحمد عن عفان عن همام قال: سمعت أبا عمران الجونى يقول: "ما من ليلة تأتى إلا وتنادى: اعملوا فِىَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة". وإسناده صحيح، وأبو عمران الجونى تابعى ثقة، واسمه: عبد الملك بن حبيب.
٣ - وروى أبو نعيم أيضًا (٧/ ٣٣٠) من طريق أحمد بن يحيى الصوفى قال: سمعت أبا غسان يقول: سمعت الحسن بن صالح يقول: الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمنى فإنك لا تدرى لعله لا يوم لك بعدى، ويقول له الليل مثل ذلك". وإسناده صحيح.
والحسن ثقة من أتباع التابعين، ولعله تلقاه من موسى الجهنى -فى الطريق الأولى- فإن له رواية عنه كما فى "التهذيب" (١٠/ ٣٥٤).
وهذه الآثار -مع قصور ألفاظها عن لفظ حديث الترجمة المرفوع -إلا أنها لا مجال للرأى فيها إذ تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا يتلقى إلا بتوقيف، فحكمها حكم المراسيل المرفوعة، إلا أنه يخشى أن تكون مأخوذة من الإسرائيليات، فالله أعلم.
[ ١ / ١٠٦ ]