" أعز أمر الله يُعِزَّك الله".
موضوع. رواه الديلمى من حديث أبي أمامة. وحكم الشيخ الألبانى حفظه الله بوضعه استنادًا إلى "فيض القدير" (١/ ٥٦٠)، وفيه يقول الحافظ المناوى ﵀: "وفيه محمد بن الحسين السلمى الصوفى، سبق عن الخطيب أنه وضاع، والمأمون بن أحمد، قال الذهبى: كذاب".
قلت: الذى سبق في "الفيض" (١/ ٤٩٤)، قوله: "قال الذهبى عن الخطيب عن القطان: يضع الحديث". فهذا من نقل الخطيب عن القطان- واسمه: محمد بن يوسف النيسابورى-، وكلامه بتمامه- كما في ترجمة السلمى من "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٤٨): "كان أبو عبد الرحمن السلمى غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع، حدث عن الأصم بتاريخ ابن معين وبأشياء كثيرة سواه، قال: وكان يضع للصوفية الأحاديث". قلت: ولم يوافقه الخطيب على هذه الاتهامات، فقال عقب ذلك: "قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، ومحله في طائفته كبير، وقد كان مع ذلك صاحب حديث مجودًا، جمع شيوخًا وتراجم وأبوابا " إلخ. بل أفرط الحافظ الخليلى ﵀، فقال في "الإِرشاد" (٧٧٢): "ثقة، متفق عليه، له معرفة بدقائق علوم الصوفية، وله تصانيف في ذلك لم يسبق إليها. سمع محمد بن يعقوب الأصم، و، و، و وأقرانهم بنيسابور. وله معرفة بالحديث. جمع الأبواب، والمقلين وغير ذلك. كثير السماع ". قلت: ولعل حكايته الاتفاق على توثيق السلمى من الأوهام التى أشار إليها الحافظ الذهبى ﵀ بقوله في "السير" (١٣/ ٣٧٧):
[ ٢ / ٢٩ ]
"وللخليلى أوهام كثيرة في كتابه، كأنه أملاه من حفظه".
أما الحافظ الذهبى ﵀، فوصف السلمى في "السير" (١٧/ ٢٤٧) بـ: "الإِمام الحافظ المحدث". وفي "التذكرة" (٣/ ١٠٤٦) بـ: "الحافظ العالم الزاهد شيخ المشايخ " حتى قال: "إلا أنه ضعيف" وحكى كلام الخطيب وقال- عقبه-: "قلت: ألف حقائق التفسير، فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية، نسأل الله العافية" حتى قال: "قد سأل أبا الحسن الدارقطني عن خلق من الرجال سؤال عارف بهذا الشأن". وقال في "المغنى" (٢/ ٥٧١): "تكلم فيه، وما هو بالحجة". ومما زاده الحافظ في "اللسان" (٥/ ١٤٠ - ١٤١)، قول الحاكم: "كان كثير السماع والحديث متقنا فيه، من بيت الحديث والزهد والتصوف". وقول السراج: "مثله إن شاء الله لا يتعمد الكذب" قال: "ونسبه إلى الوهم".
قلت: فالرجل ضعيف لا يحتج بما يتفرد به، وفي تصانيفه بلايا الذنب فيها لغيره، كشيخه ابن شاذان فإنه متهم. أما المأمون بن أحمد- وهو الهروى- فهو الوضاع بحق. انظر "اللسان" (٥/ ٧ - ٨).
(والصحيح) في هذا الحديث، وقفه على الحسن البصرى ﵀، فقد وقفت له على ثلاث طرق عنه:
١ - فرواه ابن المبارك (٧٨) عن سفيان قال: قال رجل للحسن: أوصنى، قال: أعز أمر الله يعزك الله. وإسناده منقطع.
٢ - ورواه عبد الله بن أحمد في "زوائد زهد أبيه" (ص ٢٦٣) من طريق أبي كعب الأزدى قال: قال رجل للحسن ﵀: إنى أريد سفرًا فزودنى. قال: "ابن أخى، أعِزَّ أمر الله حيث ما كنت يعزك الله ﷿". وإسناده حسن.
٣ - ورواه أبو نعيم (٢/ ١٥٢) من طريق ابن عيينة قال ثنا أبو موسى
[ ٢ / ٣٠ ]
قال: سمعت الحسن يقول- وأتاه رجل، فقال: إنى أريد السِنْد فأوصنى- قال: "حيث ما كنت فأعز الله يُعِزَّك". قال: فحفظت وصيته، فما كان بها أحدٌ أعزُّ منى حتى رجعت. وإسناده صحيح، رجاله- فوق شيخ أبي نعيم وشيخه- على شرط البخارى. وأبو موسى اسمه إسرائيل بن موسى، من ثقات أصحاب الحسن. قال البخارى وغيره: وكان نزل الهند. وقال الذهبى في "الميزان" (١/ ٢٠٨): نزيل السند. فظني أنه يعنى نفسه بقوله: "سمعت الحسن يقول- وأتاه رجل، فقال " إلخ، ولهذا نظائر كثيرة في الأحاديث ذكرت بعضها في "تكميل النفع" (٢١). فالقوم حرصوا على الموت، فوهبت لهم الحياة. وحرصوا على إخفاء الأعمال وبغض الظهور، فخلَّد ذكراهم التاريخ في صحاف من نور! وهذه أصح طرق أثر الحسن هذا، وأشبعها لفظًا. فالحمد لله رب العالمين.