" طوبى لمن مات في النأنأة".
لا يعرف مرفوعًا. ذكره الديلمى في "الفردوس" (٣٧٤١) عن أبي بكر الصديق بزيادة: "قيل: وما النأنأة؟ قال: جدة الإِسلام وبدؤها". وذكر محققاه عن الحافظ في "تسديد القوس" أنه قال: "ابن ماجه عن أبي بكر الصديق". وأن الديلمى -الابن- قال في "المسند": "هو من كلام أبي بكر الصديق ﵁". قلت: وكلامه بتمامه- كما حكاه عنه المتقى الهندى في "كنز العمال" (١١/ ٢٦٤): "رواه ابن ماجه -ثنا على بن محمد والحسين بن إسحاق قالا: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن طارق ابن شهاب عن أبي بكر- انتهى. قال: "وليس في النسخ الموجودة الآن من
[ ٢ / ٨١ ]
"سنن ابن ماجه" ولا ذكره أصحاب الأطراف، فلعله في بعض الروايات التى لم تصل إلى هذه البلاد أو في غير "السنن" من تصانيف ابن ماجه كالتفسير وغيره" اهـ.
قلت: المتضح أن أبا منصور الديلمى حكم على الحديث الذى أورده والده -مرفوعا-، بأنه من كلام الصديق ﵁موقوفًا عليه- ولم يذكر ذلك بإسناده هو، ولكن عزاه لابن ماجه بالإِسناد المذكور إلى أبي بكر. فإن ثبت عنه، فهو إسناد صحيح غاية. ثم إنه لا إشكال في خلو النسخ الموجودة من "سننه" منه، لأنه أثر موقوف ليس من شرط الكتاب أصلا، فالظاهر أنه في تصنيف آخر له. والله أعلم.
(ثم) إنه قد تابع وكيعا على هذا الإِسناد، ثلاثة آخرون من الثقات الحفاظ فيما وقفت عليه، هم:
١ - الإِمام ابن المبارك في "الزهد" (٢٨١) قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد به. وزاد: "فسألت طارقًا عن النأنأة؟ قال: أراه عنى في جدة الإِسلام أو قال: بدء الإِسلام".
٢ - مروان بن معاوية الفزارى كما رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٦) عنه به، إلا أنه عنعنه. وهو قد رمى بالتدليس.
٣ - عبدة بن سليمان الكلابى الكوفى عند أبي نعيم (١/ ٣٣) من طريقه عن إسماعيل به، ولفظه: "طوبى لمن مات في النانات، قيل: وما النانات؟ قال: جدة الإِسلام". وإسناده جيد.
فائدة: قال أبو عبيد: "أما المحدثون فلا يهمزونه؛ وقال الأصمعى: هى النأنأة -مهموزة، ومعناها: أول الإِسلام؛ قال: "إنما سمى بذلك لأنه كان قبل أن يقوى الإِسلام؛ ويكثر أهله وناصره، فهو عند الناس ضعيف، وأصل النأنأة: الضعف، ومنه قيل: رجل نأنأ - إذا كان ضعيفًا، وقال امرؤ القيس يمدح رجلًا:
[ ٢ / ٨٢ ]
لعمرك ما سعد بخُلَّه آثم ولا نأنأ عند الحفاظ ولا حصر
قال أبو عبيد: ومن ذلك قول على ﵁ لسليمان بن صرد - وكان تخلف عن يوم الجمل ثم أتاه بعد-، فقال له على: تنأنأت وتربصت وتراخيت، فكيف رأيت الله صنع. قوله: تنأنأت - يريد: ضعفت واسترخيت. قال الأموى عبد الله بن سعيد: يقال: نأنأت الرجل- إذا نهنهته عما يريد وكففته عنه، كأنه يعنى أنى حملته على أن ضعف عما أراد وتراخى. وقال غير هؤلاء من أهل العلم: إنما سمى أول الإِسلام النأنأة لأنه كان والناس ساكنون هادئون لم تهج بهم الفتن ولم تشتت كلمتهم، وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، يقول: لم يقو التشتت والاختلاف والفتن، فهو ضعيف لذلك" اهـ.
قلت: وأثر على المذكور، ذكر مُحشى "الغريب" إسناده، فقال: "قال: حدثنيه ابن مهدى عن أبي عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر [عن أبيه] عن عبيد بن نضلة عن سليمان بن صرد. الحديث في الفائق ٣/ ٦٠" اهـ قلت: وهذا إسناد صحيح جليل. والله أعلم.