" ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها".
لا يعرف بهذا اللفظ. قال الحافظ العراقي (١/ ١٥٩): "لم أجده مرفوعًا وروى محمد بن نصر المروزى في كتاب "الصلاة" من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلًا: "لا يقبل الله من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه". ورواه أبو منصور الديلمى في "مسند الفردوس" من حديث أبى بن كعب.
[ ١ / ١٠٢ ]
ولابن المبارك فى "الزهد" موقوفًا على عمار: لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه. اهـ.
قلت: حديث عثمان بن أبى دهرش رواه ابن نصر فى "تعظيم قدر الصلاة" (١٥٧، ١٥٨) والحكيم الترمذي فى "الصلاة ومقاصدها" (ص ٥٤) - واللفظ له - من طريقين عنه أن رسول الله ﵌ صلى يومًا بأصحابه فترك آية، فخفى على القوم ذلك، فقال: "ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما ترك مما تلى؟ هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بنى إسرائيل فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم. لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يشهد قلبه منها ما شهد بدنه".
وهذا معضل، عثمان بن أبى دهرش يروى عن رجل من آل الحكم بن أبى العاص كما في "الجرح" (٦/ ١٤٩) و"التاريخ الكبير" (١/ ٢٢٠). وهو مع ذلك مستور، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان - وحده فيما أعلم - وهو فى أتباع التابعين من "الثقات" (٧/ ١٩٦). وله لفظة مطولة عند ابن نصر فى إسنادها يحيى بن سليم الطائفى أيضًا، وفيه مقال مشهور.
أما حديث أبى بن كعب الذى عزاه العراقي للديلمى، فلم أجده في مظانِّه من "فردوس الأخبار" فى المبدوء بـ: "ما بال أقوام" و"ليس" و"لا يقبل الله" و"لا يكتب" و"يكتب". فالله أعلم.
على أن تفرد الديلمى به قد كفانا مؤنته، فإن غالب ما ينفرد به لا يخلو من راوٍ ضعيف أو متروك أو وضاع أو مجاهيل كما يشهد بذلك الواقع، ولذلك يجتزئ الحافظ السيوطى ﵀ بعزو الحديث للديلمى عن الرمز لضعفه.
أما أثر عمار بن ياسر ففي "زهد ابن المبارك" (١٣٠٠) عن شريك عن جابر الجعفى عن أبى جعفر عنه. وإسناده واهٍ جدًا. شريك صدوق سيئ الحفظ، وجابر الجعفى واه متهم بالكذب والرجعة. وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين، وروايته عن عمار منقطعة.
[ ١ / ١٠٣ ]
والصحيح عن عمار ما رواه ابن المبارك عقب هذا (١٣٠١) وأحمد (٤/ ٣١٩) وأبو داود وابن حبان وغيرهم مرفوعًا بلفظ: "إن الرجل ليصلى ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها -حتى انتهى إلى آخر العدد". وله مناسبة في أوله، وسأبين كل ذلك إن شاء الله فى القسم الثانى من "البدائل" (٤٢).
(أما) حديث الترجمة فوقفت عليه ثابتًا من قول سفيان الثورى ﵀ - وهو أمير المؤمنين في الحديث- كما رواه أبو نعيم (٧/ ٦١) من طريق أحمد بن محمد البغدادى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال قاسم الجرمى: سمعت سفيان الثورى يقول: "يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها". وإسناده صحيح جليل، وأحمد بن محمد البغدادى أحسبه أبا العباس البراق المترجم في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣، ٤) فإن له رواية عن بشر بن الحارث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وبشر والقاسم الجرمى - وهو ابن يزيد الموصلي- ثقتان فاضلان من أهل الفضل والنُسُك. وهذا القول لا مجال للرأى فيه، فحكمه حكم الحديث المعضل. والله أعلى وأعلم.