" ليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء".
ضعيف جدًا. رواه الطوسى الرافضي في "أماليه" (ص ٣١٦) من طريق أبي عبد الله محمد بن على بن خلف البلخى، والديلمى في "مسند الفردوس"- كما في حاشيه "الفردوس" (٣/ ٤٦٦) - واختصرت بعض إسناده - من طريق محمد بن على بن الحسين الجباخانى حدثنا الحسن بن علاء بن القاسم الدهان
[ ٢ / ١٢١ ]
حدثنا مكى بن إبراهيم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌ .. فذكره. وقد قال الديلمى - قبل ذلك-: "كان النبي ﵌ يتمثل أحيانًا بأبيات هذا أحدها، وربما قاله من غير تعمد للشعر فجاء موزونًا. أخبرناه أبو إسحاق المراغى ". فذكره. وهذا إسناد ضعيف جدًا، كأنه موضوع على مكى ابن إبراهيم ﵀، ففيه:
١ - الحسن بن العلاء بن القاسم الدهان، قال الحافظ ﵀ في "اللسان" (٢/ ٢٢١): "عن يزيد بن هارون. وعنه محمد بن على بن الحسين ابن الفرج البلخى. أشار أبو عثمان الصابونى في كتاب "المائتين" إلى كذبه (في الأصل: كتبه)، وقد ذكرت ذلك في ترجمة الراوى عنه".
٢ - محمد بن على بن خلف البلخى، والظاهر أنه: "الجباخاني" الذى في إسناده الديلمى، فإن اسمه: "محمد بن على بن الحسين (في اللسان: الحسن، والتصويب منه في الموضع الذى أشار إليه الحافظ) بن الفرج بن خلف ابن عبد الله بن البلخى كما في "اللسان" (٥/ ٣١٦) وكذا الأنساب (٢/ ١٤) - إلا أنه أسقط خلفًا من اسمه -، وقال: "الجباخانى البلخى الحافظ، من جباخان بلخ " حتى قال: "وكان يحفظ، غير أن الثقات تكلموا فيه، ولم يكن في الحديث بذاك ". ثم حكى كلاما للحاكم يقول في آخره: "والغالب على رواياته المناكير". وقال الحافظ " قال أبو عثمان الصابوني أول الجزء الثالث من كتاب "المائتين" بعد أن أورد عن كامل (يعنى الراوى عنه) بهذا السند حديثًا صحيحًا من يزيد فصاعدًا: إنما أخرجه شيخنا في "فوائده" عن شيخه هذا عن شيخه لأنه لم يجده عاليًا من طريق يزيد إلا من. هذا الوجه، وفي حالهما نظر" اهـ.
قلت: وهذا ما أومأ إليه الحافظ في ترجمة "الحسن بن العلاء"، لكنه
[ ٢ / ١٢٢ ]
أفرد: "محمد بن على بن الحسين البلخى بترجمة مستقلة في (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤) وذكر فيها كلام الحاكم وغيره، وأورد له حديثًا من مناكيره، قال عقبه: "قال الذهبي في "التجريد": هذا موضوع". قلت: فأيا كان الأمر، فكلاهما - إن كانا اثنين- مطعون فيه.
وهذا التردد منى في كون: "المحمدين" واحدًا أو اثنين كاد يلفتنى عن إيراد هذا الحديث أصلًا، لكن شاء الله ﷿ لى الإِقدام، والنتيجة في خاتمة الأمر واحدة، وبقيت علة.
٣ - وهى عنعنة ابن جريج - مع براءته من هذا الحديث في غالب الظن -، فإنه مدلس قبيح التدليس كما قال الحافظ الدارقطني ﵀، وقد ذكرنا شيئًا من هذا عند الحديث الستين. أما روايته عن عطاء بن أبي رباح بصيغة: "قال عطاء" - خاصة- فتدل على السماع كما صرح هو بذلك (٢٦).
(والحديث) أورده محقق "فوائد ابن الصواف" (ص ٦٣) - في الحاشية - وعزاه للطوسى، قال: "وإسناده فيه نظر، وهو بهذا اللفظ بيت شعر مشهور لعدى بن الرعلاء الغساق (الخزانة ٤/ ١٨٧ وحماسة ابن الشجرى ٥١ / كما قال صاحب حاشية الحيوان للجاحظ ٦/ ٥٠٧) اهـ.
(والصحيح) أن الذى كان يتمثل بهذا البيت هو الحسن بن أبي الحسن البصرى التابعى الجليل الزاهد شيخ الإِسلام ﵀، وقد تعددت إليه الأسانيد بذلك:
١ - فروى ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٧) عن ابن فضيل عن عاصم (وهو الأحول) قال: ما سمعنا الحسن يتمثل ببيت من شعر قط إلا هذا البيت:
_________________
(١) فقد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: "إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت". قاله أبو بكر بن أبي خيثمة حدثنا إبراهيم بن عرعرة عن يحيى به، كما في "التهذيب" (٦/ ٤٠٦). وإسناد هذا الأثر صحيح.
[ ٢ / ١٢٣ ]
فذكره، ثم قال: "وصدق والله، إنه ليكون حيا وهو ميت القلب". وإسناده صحيح. وهذا إخبار من عاصم- عفا الله عنه - بمبلغ علمه، وإلا فقد روى ابن أبي شيبة (٨/ ٥٢٤) عن ابن فضيل- أيضًا- عن ابن شبرمة قال: سمعت الحسن يتمثل بهذا البيت:
يسر الفتى ما كان قدم من تُقى إذا عرف الداء الذى هو قاتله
وإسناده صحيح أيضًا، والمتتبع قد يجد آثارًا عن الحسن سوى هذا.
٢ - وروى عبد الرزاق (٣/ ٢٢٠) عن معمر قال: أخبرني من سمع الحسن يقص، يقول في قصصه: "صدق الذى يقول: فذكره". وإسناده ضعيف لإِبهام شيخ معمر.
٣ - ورواه أبو نعيم (٢/ ١٤٣) - نفى آخر أثر طويل جدًا - من طريق أبي عبيدة سعيد بن زربى قال: سمعت الحسن يعظ أصحابه، يقول: إن الدنيا دار عمل، من صحبها بالبغض لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها " إلى أن قال: ثم قال: فذكره. وسعيد بن زربى واهٍ. والعمدة على الطريق الأول.
فائدة جليلة: روى أبو نعيم (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) من طريق عبد الرزاق ثنا بكار بن عبد الله حدثنى خلاد بن عبد الرحمن أن أبا الطفيل حَدَّثه أنه سمع حذيفة يقول: يا أيها الناس، ألا تسألوني؟ فإن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، ألا تسألون عن ميت الأحياء؟ فقال (٢٧) إن الله تعالى بعث محمدًا ﵌ فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإِيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيىَ بالحق من كان ميتا، ومات بالباطل من كان حيا. ثم ذهبت
_________________
(١) كذا في "الحلية" بدون جواب القوم.
[ ٢ / ١٢٤ ]
النبوة، فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكًا عضوضا؛ فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، والحقَّ استكمل. ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًا يده، وشعبةً من الحق ترك. ومنهم من ينكر بقلبه كافًا يده ولسانه، وشعبتين من الحق ترك. ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه، فذلك ميت الأحياء". وإسناده قوى متصل، وفيه - من اللطائف الإِسنادية - صحابيان يروى أحدهما عن الآخر. ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة (١٥/ ١٧٢ - ١٧٣) وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (٤١٥) وابن الصواف في "فوائده" (الجزء الثالث: ٢٢) والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٣ / ١٨٧) من طريق سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: "سئل حذيفة: ما ميت الأحياء؟ قال: الذى لا ينكر بيده ولا لسانه ولا قلبه". ورجاله ثقات لكن حبيبًا مدلس من المرتبة الثالثة عند الحافظ في "طبقات المدلسين" (٦٩)، ولكن تقبل عنعنته خاصة فيما رواه عمن أدركهم - بواسطة-، كروايته عن طاووس وسعيد ابن جبير عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر - على سبيل المثال -، فقد أدرك ابنا عباس وعمر ﵃، فلو أراد أن يدلس لأسقط الواسطة وقد قال شئ من ذلك الحافظ ﵀ في موضع لا أستحضره الآن وكذلك رواية شعبة عنه، وعن شيوخه المدلسين جُملةً، محمولة على السماع، فإنه - ﵀ - كان لا يقبل من شيوخه تدليسًا، بل كان - في غالب الأمر- يوقفهم على السماع كما هو مقرر في محاله من كتب الرجال. وبالله التوفيق، وهو - سبحانه - أعلى وأعلم.