" إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه سِرُّ الجنة، يقول الرجل منكم لراعيه: عليك بسر الوادى، فإنه أمرعه وأعشبه".
ضعيف أو واهٍ. رُوِى من حديث العرباض بن سارية، وأبي أمامة ببعضه.
أولًا: حديث العرباض: رواه البخارى في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢/ ١٤٦)
[ ٢ / ٢٤ ]
والبزار (٣٥١٢) - كلاهما مختصرًا- والطبرانى (١٨/ ٢٥٤) والبيهقى في "البعث" (٢٢٨) من طرق عن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدى عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن سويد بن جبلة عنه به.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، وفيه الآتى:
١ - إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصى- وهو ابن زبريق-، مختلف فيه اختلافًا كثيرًا. قال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن معين: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه. وقال النسائى: ليس بثقة عن عمرو بن الحارث، كما في "تاريخ دمشق" (٢/ ٧١٠) وأطلق المزى في "تهذيبه" (٢/ ٣٧٠) والذهبى في "الميزان" (١/ ١٨١) أن النسائى قال: "ليس بثقة"، فنبه عليه، وعلى تداخل آخر في كلام أبي حاتم وابن معين، الدكتور بشار عواد جزاه الله خيرًا في حاشية "التهذيب". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو داود: ليس هو بشئ قال أبو داود: وقال لى ابن عوف (هو محمد الطائى الحمصى الحافظ): ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم ابن زبريق يكذب. وقال الذهبى- في ترجمة شيخه في "الميزان" (٣/ ٢٥١): "وابن زبريق ضعيف". وقال الحافظ في "التقريب" (٣٣٠): صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب".
٢ - شيخه عمرو بن الحارث، وهو الزبيدى الحمصى. قال ابن حبان في "الثقات": "روى عنه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق وأهل بلده. مستقيم الحديث"، كذا قال. وقال الذهبى في "الميزان": "عن عبد الله ابن سالم فقط. وله عنه نسخة. تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، ومولاة له اسمها علوة؛ فهو غير معروف العدالة، وابن زبريق ضعيف" وقال في "الكاشف" (٢/ ٢٨١): "وثق". وقال الحافظ في "التقريب" (٥٠٠١): "مقبول" يعنى لين الحديث حيث لم يتابع.
[ ٢ / ٢٥ ]
والحديث، قال الهيثمى ﵀ (١٠/ ١٧١): "رواه الطبراني، ورجاله وثقوا". وأورده في (١٠/ ٣٩٨) - برواية البزار: "إن سألتم الله فسلوه الفردوس"، وقال: "ورجاله ثقات". وقال المناوى (١/ ٣٦٩): "وبه- يعنى قولة الهيثمى: ورجاله وثقوا- يعلم أن رمز المؤلف لحسنة تقصير، وحق الرمز لصحته " ثم تعقب على السيوطى عدم إيراده لفظ الطبراني بتمامه. وذكر رواية البخارى: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" قلت: نعم، هذا هو الصحيح بدون زيادة "فإنه سر الجنة، يقول الرجل منكم لراعيه " إلخ.
وخالف الشيخ الألبانى- عفا الله عنه- منهجه الدقيق الذى عوَّدناه، فقال في "صحيح الجامع" (١/ ١٦٣): "صحيح" وأحال على "مجمع الزوائد" - في الموضعين- و"فيض القدير".
ثانيًا: حديت أبي أمامة:
رواه الطبراني (٨/ ٢٩٤) وعنه- وعن غيره- أبو نعيم في "صفة الجنة" (٤٣٨) والحاكم- مقتصرًا على أوله- (٢/ ٣٧١) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عنه مرفوعًا، ولفظه: "سلو الله الفردوس فإنها سُرَّة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش". وإسناده ضعيف جدًا. قال الحاكم: "هذا حديث لم نكتبه إلا من هذا الإسناد، ولم نجد بُدًا من إخراجه" فتعقبه الذهبى بقوله في "تلخيص المستدرك": "قلت: جعفر هالك" والحديث عزاه الحافظ السيوطى في "الدر" (٤/ ٢٥٤) إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وقال الهيثمى في "المجمع" (١٠/ ٣٩٨): "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه جعفر بن الزبير، وهو متروك".
(وصوابه) الوقف على أبي أمامة- بدون الزيادة المنكرة الأخيرة- وعلى الحارث الغامدىرضي الله عنهما- بنحو من حديث العرباض.
[ ٢ / ٢٦ ]
١ - فقد روى هناد (٤٩) وابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٨) عن وكيع، والطبرى (١٦/ ٢٩) عن الهيثم أبي بشر، وعبد الملك بن حبيب الأندلسى في "وصف الفردوس" (٥٦) عن أسد بن موسى، ثلاثتهم عن الفرج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عن أبي أمامة- في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ -، قال: "الفردوس سرة الجنة" زاد ابن أبي شيبة: "وسط الجنة".
وإسناده حسن رجاله كلهم موثقون، وفرج بن فضالة- وهو الحمصى- في أمره تفصيل يشبه ما في: "إسماعيل بن عياش الحمصى". وخلاصته أنه صدوق مستقيم الحديث في أهل بلده، له مناكير وبلايا عن غيرهم لاسيما يحيى ابن سعيد الأنصارى.
وقد أعل محققًا "زهد هناد" و"صفة الجنة" أثر أبي أمامة، بضعف الفرج هذا مطلقًا، ولهما سلف في ذلك عن بعض الأئمة، لكن الأوجه التفصيل الذى ذهب إليه غير واحد من الأئمة:
١ - فقال الإِمام أحمد في رواية: ثقة. وفي أخرى: إذا حدَّث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدَّث عن يحيى بن سعيد مناكير.
٢ - وقال أبو حاتم الرازى: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا".
٣ - وقال البخارى: فرج بن فضالة أبو فضالة الشامى، عن يحيى بن سعيد منكر الحديث. وقال في ترجمة شيخه عبد الخبير بن قيس بن ثابت- وليس شاميا-: روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، فرج عنده مناكير عن يحيى بن سعيد الأنصارى.
٤ - وقال مسلم في الكنى: أبو فضالة فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، منكر الحديث.
[ ٢ / ٢٧ ]
٥ - وقال ابن مهدى: حدث عن يحيى بن سعيد أحاديث مقلوبة منكرة. وفي رواية قال: عن أهل الحجاز.
٦ - وقال أبو زرعة الرازى في "أسامى الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين" (٢٧١): "فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد العطار" (كذا فيه، والصواب: عن يحيى بن سعيد الأنصارى، والعطار لا مدخل له ههنا).
٧ - وقال الساجى: الفرج بن فضالة الحمصى أبو فضالة، منكر الحديث، روى عن يحيى بن سعيد أحاديث مناكير.
٨ - وقال البرقانى: سألت الدارقطني عن الفرج بن فضالة. قال: ضعيف. قلت: فحديثه عن يحيى بن سعيد الأنصارى قال محمد بن على عن على عن النبي ﵌: "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة " قال: هذا باطل. قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم، قلت: يخرج هذا الحديث؟ قال: لا. قلت: فحديثه عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة؟ فقال: هذا كأنه قريب، يُخَرَّج.
قلت: فصنيع الأئمة المذكورين يدل على استنكارهم لحديثه عن يحيى بن سعيد خاصة - أو أهل الحجاز على قول ابن مهدى، أو غير الشاميين على قول الإِمام أحمد، وليس بإطلاق. وكلام الإِمام الدارقطني ﵀ نص في حالتنا هذه، لأنه مشى روايته عن لقمان عن أبي أمامة. وقد التقطت هذه الأقوال من بحث قام به أحد الإِخوة الأفاضل، بالقدر الذى يناسب هذا المقام، ولم أزد عليه سوى قول أبي زرعة ﵀. وبالله التوفيق، وهو أعلى وأعلم.
٢ - وروى القاضى عبد الجبار الخولاني في "تاريخ داريا" (ص ٨٤) من طريق سليم بن عامر الكلاعى عن الحارث الغامدى (وقد أدرك الحارث رسول الله ﵌) فقال سليم: سمعت الحارث يقول: "الفردوس سرة الجنة، كقولك: عليك ببطن الوادى، فإنه أسر ما هنالك
[ ٢ / ٢٨ ]
وأحسنه" وإسناده صالح. والله أعلم.