" الصلاة خدمة الله في الأرض، فمن صلى ولم يرفع يديه فهى خداج. هكذا أخبرنى جبريل عن الله -﷿- بكل إشارة درجة وحسنة".
ضعيف جدًا. رواه الديلمى، قال الحافظ: "أسنده عن ابن عباس" كما في حاشية "الفردوس" (٢/ ٥٦٣). وقال المناوى في "الفيض" (٤/ ٢٤٧): "وفيه أحمد بن على بن حسنويه شيخ الحاكم، قال الذهبى: متهم بالوضع. وشبابة بن سوار أورده الذهبى في "الضعفاء" وقال أحمد: كان داعية إلى الإِرجاء. وورقاء اليشكرى لينه القطان" اهـ.
قلت: لا يُعَلُّ إلا بابن حسنويه هذا، قال الذهبى في "الميزان" (١/ ١٢١): "قال الخطيب: لم يكن بثقة. قلت: قيل: حدث عمن لم يدركه كمسلم والقدماء. قال الحاكم: لو اقتصر على سماعاته الصحيحة كان أولى به. حدَّث عن جماعة أشهد بالله أنه لم يسمع فهم، ولا أعلم له حديثًا وضعه، ولا إسنادًا ركبه". وزاد الحافظ في "اللسان" (١/ ٢٢٣) كلامًا للحاكم قال في آخره: "وهو في الجملة غير محتج بحديثه". ومما زاده قول الأصم: هذا الحسنوى يدعى أنه سمع معى من الربيع وابن عبد الحكم، والله ما رأيته عندهما قط ولا رأيته بمصر، وإنما رأيته بعد رجوعى من مصر. وقول حمزة السهمى: "وسألت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجانى الكشى عنه، فقال: هو
_________________
(١) أما حديث: "نوم الصائم عبادة" فضعيف. انظر "فيض القدير" (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١) و"تخريج الإِحياء" (٦٦٧) و"ضعيف الجامع" (٦/ ١٧).
[ ٢ / ٧٩ ]
كذاب" قلت: فالرجل ضعيف جدًا -على أحسن أحواله-، وياليتنى ظفرت بإسناد الديلمى كله، فقد يكون في الطريق إليه ما يوجب التوقف عن إلصاق البلاء به. أما الإِعلال بشبابة بن سوار، وورقاء بن عمر المدائنيين فغير جيد ولا صحيح، فإنهما ثقتان حافظان، قد يهمان في الشئ بعد الشئ كسائر البشر، وإنما تُكلم في رواية ورقاء عن منصور خاصةً، والمناوى -عفا الله عنه- لم يبين لنا عمن رواه. هذا، وقد اختصر الحافظ كلام الحاكم في شيخه ابن حسنويه، فلينظر بتمامه في "الأنساب" (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و"تاريخ دمشق" (٢/ ٢١ - ٢٢).
(أما) هذا المتن، ففيه صنعة ظاهرة، وقوله: "فمن صلى ولم يرفع يديه فهى خداج"، يذكرنى بحديث: "من رفع يديه في الصلاة، فلا صلاة له"! الذى وضعه أحد متعصبى الحنفية أخزاه الله. وقاتل الله العصبية والاحتراق اللذين صيَّرا كلام النبي ﵌ ألعوبة في أيدى وأرجل هؤلاء الحمقى، ومضغة في أفواههم. على أن الإِشارة في الصلاة عند الركوع والرفع منه والقيام من التشهد الأول سنة ثابتة عن النبي ﵌، من أنكرها فكأنما أنكر الشمس في رابعة النهار، ومن تركها فاته خير كثير، وحسبه مخالفته لقول النبي ﵌: "صلوا كما رأيتمونى أصلى". وقوله: "من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما قدَّم من عمل" صححه ابن حبان.
(أما) الشطر الأول من هذا الحديث، فإنما هو ثابت من قول ثابت بن أسلم البنانى التابعى الجليل الزاهد صاحب أنس ﵁، فقد روى ابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١٤) والبغوى في "الجعديات" (١٤٣٣، ١٤٣٤) - إلا أنه فرقه على الموضعين بتقديم وتأخير- وأبو نعيم (٢/ ٣٢٠) من طرق عن سيار عن جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتًا يقول: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم شيئًا أفضل من الصلاة، ما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. وإسناده حسن. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٥٥: آل عمران) من طريق عبد الله بن أبي بكر
[ ٢ / ٨٠ ]
المقدمى، ثنا جعفر به نحوه. والمقدمى واهٍ. ورواه أيضًا ابن المنذر - في "تفسيره".- كما في "الدر" (٢/ ٢١).
و(أما) القطعة الأخيرة من الحديث، فثبت معناها عن عقبة بن عامر الجهنى المصرى الصحابى الجليل ﵁، فقد روى الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٩٧) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة حدثنى ابن هبيرة أن أبا المصعب مشرح بن هاعان المعافرى حدَّثه أنه سمع عقبة بن عامر الجهنى يقول: "إنه يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل إصبع حسنة أو درجة". قال الهيثمى (٢/ ١٠٣): "وإسناده حسن" اهـ. وقد استدل به الإِمام أحمد ﵀. انظر "التمهيد" (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥) وهو كما قال ﵀، فإن أبا عبد الرحمن المقرئ -واسمه عبد الله بن يزيد - أحد العبادلة - وهم أشهر قدماء أصحاب ابن لهيعة الذين حدثوا عنه قبل أن يكثر الوهم في حديثه، وقبل احتراق كتبه على حد قول الحافظ الذهبى ﵀ في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٣٨). وقد صرح ابن لهيعة أيضًا بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه فيما ذهب إليه ابن حبان ﵀، وهو ما لم يتحرر لى بعد. فالله أعلى وأعلم.