" قنت في صلاة الصبح، قال (القائل: أنس): فسمعْتُه يدعو في قنوته على الكفرة. قال: وسمعته يقول: "واجعل قلوبهم كقلوب نساء كوافر".
منكر. رواه البزار (٥٥٨) وأبو يعلى (٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩) - واللفظ له- من طريق حماد بن زيد، والطحاوي في "شرح معانى الآثار" (١/ ٢٤٤) - مختصرًا- من طريق الحارث بن عبيد، حدثنا حنظلة بن عبد الله السدوسى عن أنس ﵁ أن النبي ﵌. فذكره.
وقال البزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ عن أنس إلا من حديث حنظلة". وقال الهيثمى في "كشف الأستار": "قلت: القنوت في "الصحيح" خلا الدعاء". وقال في "المجمع" (٢/ ١٣٩): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه حنظلة بن عبد الله (في الأصل: عبيد الله) السدوسى، ضعفه أحمد وابن المدينى وجماعة، ووثقه ابن حبان".
قلت: والصواب قول الجمهور. قال على بن المدينى: سمعت يحيى بن سعيد - وذُكِر حنظلة السدوسى-، فقال: قد رأيته وتركته على عمد. قلت ليحيى: كان قد اختلط؟ قال: نعم. وقال الميمونى عن الإِمام أحمد: ضعيف الحديث. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حنظلة السدوسى، فقال: حنظلة - ومد بها صوته - ثم قال: ذاك منكر الحديث، يحدث بأعاجيب، حدَّث عن أنس، قيل: يا رسول الله: أينحنى بعضنا لبعض، وعن أنس: أن النبي ﵌ كان يدعو في القنوت، وعن شهر عن
[ ٢ / ٩١ ]
ابن عباس، كان رسول الله ﵌ يقرأ في الفجر. وضعَّفه. وقال ابن معين: تغير في آخر عمره. وقال أيضًا: ضعيف. وفي رواية ابن الدورقي عنه: ليس حديثه بشئ. وقال أبو حاتم: ليس بقوى. وقال النسائى: ضعيف. وتناقض ابن حبان، فذكره أيضًا في "المجروحين" (١/ ٢٦٧)، وقال: "اختلط بأخرة حتى كان لا يدرى ما يحدث، فاختلط حديثه القديم بحديثه الأخير، تركه يحيى القطان".
(ثم) وجدت للحديث لفظا آخر عن حنظلة، فرواه الحارث بن أبي أسامة (زوائده: ١٧٥) حدثنا العباس بن الفضل ثنا عبد الوارث عنه عن أنس قال: صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة قنت بعد الركوع. فكان من دعائه: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يحادون رسلك، ويصدون عن سبيلك، وألقِ بينهم العداوة والبغضاء". والعباس بن الفضل- شيخ الحارث - هو البصرى العبدى الأزرق، وهو هالك. قال البخارى وأبو حاتم: ذهب حديثه. وقال ابن معين: كذاب خبيث. وضعَّفه ابن المدينى جدًا. وتساهل ابن حبان، فأدخله في "الثقات" (٨/ ٥١٠ - ٥١١)، وقال: "يخطئ ويخالف". ثم وجدته من حديث شعبة عن حنظلة عن أنس عند الخطيب (٨/ ١٧٣) بلفظ: "أن رسول الله ﵌ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على هؤلاء". والمتن ثابت، واستغربه الخطيب من حديث شعبة عنه، وفيه الكديمى وهو متهم.
(والصحيح) - في هذا الحديث - وقفه على يحيى بن وثاب التابعى الثقة الجليل﵀ - كما رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤٣) عن أبي معاوية عن الأعمش عنه، قال: سمعته يقول في قنوته: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب. اللهم اجعل قلوبهم على قلوب نساءٍ كوافر". وإسناده صحيح. ورواية الأعمش عن يحيى في "الأدب المفرد" و"جامع الترمذي" و"سنن ابن ماجه". كما في ترجمة سليمان بن مهران الأعمش من "تهذيب الكمال" (١٢/ ٨٠). (وقوله) - في رواية الحارث -: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب " إلخ.
[ ٢ / ٩٢ ]
ثابت أيضًا عن الفاروق عمر ﵁ في قنوته كما رواه عبد الرزاق (٣/ ١١٠ - ١١١) وابن أبي شيبة (٢/ ٣١٤ - ٣١٥) والطحاوى (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) والبيهقى (٢/ ٢١٠ - ٢١١) من طرق أكثرها صحيح - مطولة ومختصرة -، أسوق اثنتين منها:
الأولى: رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع عبيد ابن عمير يأثر عن عمر بن الخطاب في القنوت أنه كان يقول: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق (١٧) " اهـ.
الثانية: روايته أيضًا عن معمر عن على بن زيد بن جدعان عن أبي رافع قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقنت بعد الركوع، قال: فسمعته يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفارين (وفي النسخة ص: بالكفار) ملحق. اللهم عذب الكفرة، وألق في قلوبهم الرعب، وخالف بين كلمتهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك، اللهم عذب كفرة
_________________
(١) آثرت لفظ عبد الرزاق لأن ابن جريج صرح بالتحديث عن عطاء، فقد رواه ابن أبي شيبة - مختصرًا- والبيهقي من طريقه، ولم يصرح عندهما.
[ ٢ / ٩٣ ]
أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أوليائك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإِيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك، وأوزعهم أن يوفوا بالعهد الذى عاهدتهم عليه، وانصرهم على، عدوك وعدوهم إله الحق. واجعلنا منهم" وعلى بن زيد بن جدعان ضعيف، كما في "التقريب" (٤٧٣٤) لكنه ثابت من مجموع طرقه.
وقد قال الإِمام النووى ﵀ في "الأذكار" (ص ٤٩): "قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسنًا، وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: " فذكره بنحو الرواية الثانية. تم قال: "واعلم أن المنقول عن عمر ﵁: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب"، لأن قتالهم في ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول: "عذب الكفرة"، فإنه أعم. وقوله: نخلع: أى نترك، وقوله: يفجرك، أى: يلحد في صفاتك، وقوله: نحفد - بكسر الفاء -، أى: نسارع، وقوله: الجِدّ- بكسر الجيم-، أى: الحق، وقوله: ملحق بكسر الحاء على المشهور، ويقال: بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره وقوله: ذات بينهم أى: أمورهم ومواصلاتهم، وقوله: والحكمة، هى كل مانع من القبيح، وقوله: وأوزعهم: أى: ألهمهم، وقوله: واجعلنا منهم، أى: ممن هذه صفته " إلخ.
قلت: وكذلك قال البيهقي (٢/ ٢١١): "وروينا عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرأ في دعاء القنوت: إن عذابك بالكفار ملحق - يعنى بخفض الحاء". وكذلك قال ابن الأثير ﵀ في "النهاية" (٤/ ٢٣٨) - مادة (لحق) -: "في دعاء القنوت "إن عذابك بالكفار مُلحق" الرواية بكسر - الحاء: أى من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. وقيل: هو بمعنى لاحق، لُغة في لَحَق. يقال: لحقته وألحقته بمعنىً، كتبعته وأتبعته. ويروى بفتح الحاء
[ ٢ / ٩٤ ]
على المفعول: أى أن عذابك يُلْحَق بالكفَّار ويصابون به" اهـ. وفيه رَدٌّ على الذين لا تستسيغ أذواقهم وعقولهم رواية اللفظة بكسر الحاء، تعللًا بأن: "المُلحِق" هو الله ﷿! .
(وقد) ورد دعاء عمر مرفوعًا من طريق ضعيفة ومرسلة، ففى "مراسيل أبي داود" (٨٩) و"سنن البيهقي" (٢/ ٢١٠) من طريق معاوية بن صالح، عن عبد القاهر، عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله ﵌ يدعو على مضر إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال: ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنما نستعينك " الحديث، حتى قوله: "ملحق". وهذا إسناد ضعيف له علتان:
الأولى: جهالة عبد القاهر، وهو ابن عبد الله، ويقال: أبو عبد الله. قال الحافظ (٤١٤٣): "مجهول".
الثانية: الإِرسال، بل الإِعضال في غالب الأمر، فإن خالد بن أبي عمران- وهو أبو عمر التجيبى التونسى قاضى إفريقية-، لم يذكر له المزى في "التهذيب" (٨/ ١٤٢) رواية عن أحد من الصحابة سوى عبد الله بن الحارث ابن جزء، وسائر حديثه عن التابعين أمثال سالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان ابن يسار وعروة وعكرمة ونافع وغيرهم. نعم، ذكر روايته عن عبد الله بن عمر، لكن قال: "ولم يسمع منه" (١٨).
_________________
(١) وهى رواية ابن المبارك (٤٣١) وعنه الترمذى (٣٥٠٢) وغيره عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن خالد عن ابن عمر مرفوعًا بدعاء القيام من المجلس وهى رواية مرجوحة، فقد رواه بكر بن مضر- وهو ثقة ثبت - عن ابن زحر، ورواه ابن لهيعة عن خالد، وأبو صالح عن الليث عن خالد به - بإثبات نافع بين خالد وابن عمر، وهو الصحيح. ويحيى بن أيوب صدوق حسن الحديث، له بعض الأوهام =
[ ٢ / ٩٥ ]
والثابت في نزول هذه الآية: ما رواه البخارى (٤٥٥٩) من طريق سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه سمع رسول الله ﵌ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله ﴿ليس لك من الأمر شئ - إلى قوله - فإنهم ظالمون﴾. وروى أيضًا (٤٥٦٠) من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال، إذا قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد": "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسنى يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا - لأحياء من العرب- حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وقد أورد الحافظ ابن كثير ﵀ هذين الحديثين- بنحوهما- وغيرهما عند تفسير آل عمران (٩٩) من "تفسيره" (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وذكر عقب ذلك مناسبة أخرى لنزول الآية، فانظره إن شئت.