" حسن السؤال نصف العلم".
منكر، رُوِى من حديث ابن عمر، وأنس، وأبى أمامة.
أولًا: حديث ابن عمر:
رواه الطبراني في "مكارم الأخلاق" (١٤٠) والقضاعى في "مسند الشهاب" (٣٣) والبيهقى في "الشعب" وعنه ابن عساكر (١٧/ ٤٨٠) والعسكرى في "الأمثال" وابن السنى والديلمى من طريقه كما في "المقاصد" (١٤٠) من طرق عن هشام بن عمار عن مخيس بن تميم عن حفص بن عمر عن إبراهيم بن عبد الله بن الزبير عن نافع عنه مرفوعا، ولفظه: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم". وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٢٨٤): "سألت أبي عن حديث رواه عن (كذا) هشام بن عمار عن المخيس بن تميم عن حفص ابن عمر عن إبراهيم بن عبد الله بن الزبير عن نافع عن ابن عمر، .
قال أبي: هذا حديث باطل، ومخيس وحفص مجهولان". وقال الذهبى في ترجمة مخيس في "الميزان" (٤/ ٨٥): "روى عنه هشام بن عمار خبرًا منكرًا" فذكر هذا الحديث.
وقال البيهقي: عقب الرواية الموقوفة-: "وقد روى هذا مسندًا بإسناد ضعيف" ثم رواه ابن عساكر من طريقه.
[ ٢ / ٥٧ ]
وقال الهيثمى (١/ ١٦٠) - بعد عزوه للطبرانى في "الأوسط": - "وفيه مخيس ابن تميم عن حفص بن عمر. قال الذهبى: مجهولان".
وضعفه أيضًا الألبانى في "الضعيفة" (١٥٧) ولم يتعرض لطرقه الأخرى عن غير ابن عمر. وفي الإِسناد أيضًا هشام بن عمار، وفيه مقال معروف. نعم، تابعه أحمد بن سعيد الدمشقى -وكان صدوقا. قاله الخطيب- عند ابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (٣/ ٩٤ - ٩٥) لكن الإِسناد إليه ما بين رجل لم يذكر فيه جرح أو تعديل أو رجل لم أهتد إليه. وللإِسناد علة ثالثة سكتوا عزيا جميعا، فإن إبراهيم بن عبد الله بن الزبير -راويه عن نافع- قال الأزدى: منسوب إلى الكذب. وأورد له هذا الحديث. وقال -أيضًا- عنده مناكير ووهم كما في "اللسان" (١/ ٧٠). ولم أجده في غيره.
ثانيًا: حديث أنس: وله عنه طريقان:
الأولى: عند العسكرى من حديث أبي بلال الأشعرى -كما في "المقاصد" -والرامهرمزى في "المحدث الفاصل" (٣٠٠) -مختصرًا- من حديث يحيى بن سعيد العطار، كلاهما عن عبد الله بن حكيم المدنى عن شبيب ابن بشر عنه رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وأبو بلال والعطار ضعيفان لكن كل منهما متابع للآخر. وعبد الله بن حكيم هذا لم أظفر له بترجمة. وشبيب ضعيف، وثقه ابن معين وقال البخارى: منكر الحديث ولينه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطئ كثيرًا".
الثانية: عند العسكرى أيضًا من حديث يونس بن عبيد عن الحسن عنه رفعه: "رأس العقل بعد الإِيمان بالله التودد إلى الناس، وأهل التودد لهم درجة في الجنة، ونصف العلم حسن المسألة، والاقتصاد في المعيشة والرفق تكفى نصف المؤنة" قال السخاوى: "فذكر حديثا".
[ ٢ / ٥٨ ]
ولم يبين ﵀ إسناده إلى يونس، لكن رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٢١١ - ٢١٢) من طريق سمعان بن بحر العسكرى عن إسحاق بن محمد بن إسحاق عن أبيه عن يونس به نحوه. وتمامه: "وركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط، وما تم دين إنسان قط حتى يتم عقله". وسمعان هذا اسمه: إسماعيل -وهو الزعفرانى- أبو على، ترجم له أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٢١١ - ٢١٢)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٦٦ د. الكتب العلمية) وسكتا عنه. وقال الحافظ في "اللسان" (١/ ٣٩٦): "إسماعيل بن بحر العسكرى اتهمه البيهقي في "شعب الإِيمان" بحديث". وشيخه هو: إسحاق بن محمد الضبى كما جاء منسوبًا هكذا في حديث أورده له أبو الشيخ بنفس الإِسناد. وقال الحافظ أيضًا (١/ ٣٧٤): "إسحاق بن محمد العَمّى. (كذا ولعله متحرف من: الضبى، فإن طبعة "اللسان" هذه سيئة الحال كثيرة التحريف) اتهمه البيهقي في "شعب الإِيمان" اهـ. قلت: والظاهر أنهما هذان، وما أحراهما بالتهمة، فإن هذا المتن بالغ النكارة لا سيما القطعة الأخيرة منه في فضل العقل. وسوف أوردها بحول الله وقوته في القسم الثانى من "تكميل النفع"، يسر الله خروجه وإتمامه.
ثالثًا: حديث أبي أمامة: رواه الديلمى من جهة الحاكم ثم من حديث عمر ابن صبح عن يونس بن عبيد عن الحسن -أيضًا- عنه رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال من اقتصد" كما في "المقاصد". وعمر بن صبح هذا كذاب أقر بوضع الحديث، انظر ترجمته في "الميزان" (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وغيره.
وقال أبو حاتم: "الحسن عن أبي أمامة لا يجئ" كما في "علل الحديث" (١/ ١٩٨). ونحوه في (١/ ٢١٠)، لكنه قال: "لا يجئ هذا إلا من مسكين"- يعنى أبا فاطمة (في الأصل: أبي مسكين) قلت: وابن صبح شر منه والمقصود أن الحديث لا يثبت رفعه عن يونس بن عبيد ﵀، بل المحفوظ عنه روايته
[ ٢ / ٥٩ ]
عن ميمون بن مهران ﵀ من قوله مقطوعا كما رواه ابن عساكر من طريق البيهقي وغيره، وابن أبي الدنيا في "العقل وفضله" (٧١) -باختصار آخره- من طريق زيد بن الحباب، وابن حبان في "روضة العقلاء" (ص ٦٥) والرامهرمزى (٣٠٢) من طريق عبد الله بن محمد بن أسماء -واللفظ لروايته- كلاهما عن مهدى بن ميمون عن يونس بن عبيد (تصحف عند ابن حبان إلى: موسى) عنه قال: "التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف العلم، واقتصادك في معيشتك يلقى عنك نصف المؤونة". وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات أئمة. وميمون هو الجزرى الرقى، أبو أيوب تابعى جليل عابد فقيه.
(ورُوِى) أيضًا عن ثلاثة من التابعين الأجلة، هم: وهب بن منبه، وسليمان بن يسار، والحسن البصرى ﵏. قال ابن عبد البر ﵀ في "جامعه" (١/ ٩٠): "وروينا عن وهب بن منبه وسليمان بن يسار أنهما قالا: حسن المسألة نصف العلم، والرفق نصف العيش" اهـ. ولم أكن وقفت على أثريهما، ثم وجدت ابن أبي الدنيا روى في "إصلاح المال" (١٧٣) من طريق عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: "التعدد نصف الكسب، والتودد نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم". وإسناده ضعيف جدًا. عبد المنعم بن إدريس واه، وكذبه أحمد وابن معين، ورماه ابن حبان بالوضع. وأبوه ضعفه ابن عدى وغيره، وتركه الدارقطني، وتساهل ابن حبان فأورده في "الثقات".
(أما) عن سليمان بن يسار، فلم أقف عليه بلفظه، ولكن روى الخرائطى في "مكارم الأخلاق" (٤٨٦) -كما في "المنتقى منه"- من طريق يحيى ابن أيوب، نا يحيى بن بكير قال: قال سليمان بن يسار: "تودد الناس واستعطافهم نصف الحلم". فظنى أن له بقية فيها ما علقه ابن عبد البر، اختصرها الخرائطى أو بعض الرواة. ويحيى بن بكير -راويه عن سليمان-
[ ٢ / ٦٠ ]
لم أهتد إليه، فأخشى أن يكون في الإِسناد تحريف، فإن شيوخ الخرائطى لا يمكن لأحدهم إدراك يحيى بن أيوب الغافقى بحال. قلت ذلك -ولم أشأ حذفه- ثم تفطنت إلى أن يحيى بن أيوب- شيخ شيخ الخرائطى- هو العلاف فإنه يروى عن يحيى بن عبد الله بن بكير، ويروى عنه أحمد بن جعفر الخياش كما في "تهذيب الكمال" (ق ١٤٨٩). وعليه، فالإِسناد ضعيف لإِعضاله. وقد روى الخرائطى في هذا "المنتقى" عن أحمد بن جعفر ثلاث مرات - والعهدة على المفهرس-، في الأرقام (٦٤، ٣٠٨، ٤٨٦)، وقال في أولهما: "حدثنى أخى أحمد بن جعفر"، ولم يقل: "أخى" في الثالث، فأدرج صانع الفهرس المواضع الثلاثة عند اسم: "أحمد بن جعفر" في حرف الألف من فهرس أسماء شيوخ الخرائطى، فأساء. فإنهما أثنان: السامرى أخو الخرائطى، والخياش المصرى، وكلاهما ترجم لهما الخطيب. ولولا أن المزى ﵀ نسب الراوى عن يحيى بن أيوب العلاف: "خيَّاشا" لتعسر تعيينه والقطع به، لكثرة المسمين بـ: "أحمد بن جعفر"، فأنا لا أريد من المذكور -عفا الله عنه- أكثر من الرجوع إلى "تهذيب الكمال" لتعيين الراوى عن العلاف. وظنى أن أثر سليمان بن يسار هذا في ترجمته من "تاريخ دمشق"، وهى مثبتة في نسخة (أحمد الثالث) بتركيا كما في مراجع ترجمته من حاشية "السير" (٤/ ٤٤٤)، وساقطة من (الظاهرية).
(وأما) عن الحسن، فعلقه ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (٣/ ٢٢) عنه، وفيه: "ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة". ووصله ابن أبي الدنيا في "الإِصلاح" (١٧٤) من طريق يوسف بن الغرق عن شيخ له عنه. وإسناده ضعيف جدًا. يوسف كذبه الأزدى وقال أبو على النيسابورى: منكر الحديث. وتساهل ابن حبان فوثقه أيضًا. وشيخه مبهم لا يُدرى من هو.
[ ٢ / ٦١ ]