" استعينوا على النساء بالعُرْى".
ضعيف جدًا. رواه ابن عدى (١/ ٣٠٧) - هكذا - وعزاه السيوطي في
_________________
(١) ١/ ١١٥ وقال الحافظ: "أسنده عن ابن مسعود" ودلنا على رواية الخطيب محققا "الفردوس" جزاهما الله خيرًا و"من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
[ ١ / ٢٤ ]
"الجامع" (٩٨٨) إليه بزيادة: "فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها، وأحسنت زينتها، أعجبها الخروج".
وهو عنده من طريق إسماعيل بن عباد المزني ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أَنس (١٥) به. قال: "وهذا الحديث - بهذا الإِسناد - منكر لا يرويه عن سعيد غير إسماعيل هذا، ولإِسماعيل عن سعيد غير ما ذكرت من الحديث، مما يتفرد به عنه، وإسماعيل ليس بذلك المعروف".
قلت: بل هو واهٍ، فقد قال الدارقطني في "الضعفاء" (٨٢): "متروك".
وقال ابن حبان (١/ ١٢٣): "يروى عن سعيد بن أبى عروبة ما لا يتابع عليه من الروايات، ويقلب الأخبار التي رواها الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال" ثم ذكر له بالإِسناد المتقدم عدة أحاديث وقال: "أخبرنا الحسن بن سفيان بهذه الأحاديث كلها ثنا زكريا بن يحيى الرقاشي المقري قال: ثنا إسماعيل بن عباد ثنا سعيد عن قتادة عن أَنس بن مالك في نسخة كتبناها عنه لا تخلو من المقلوب أو الموضوع". ولذلك ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٩) - في عداد الكذابين والوضاعين.
والحديث رواه الطبرانى في "الأوسط" كما أورده الهيثمي (٥/ ١٣٨) - باللفظة المختصرة - وقال: " عن شيخه موسى بن زكريا، وهو ضعيف".
قلت: قال الدارقطني: "متروك" كما في "سؤالات الحاكم للدارقطني" (٢٢٧). وله لفظ آخر عن أَنس أيضًا رواه ابن عدى (٤/ ١٦٣٩) عن شيخه محمد ابن داود بن دينار عن أحمد بن إسحاق بن يونس عن سعدان بن عبدة القداحى عن عبيد الله بن عبد الله العتكي البصري عنه وقال: "هذه الأحاديث - يعنى
_________________
(١) ووجدته في "فردوس الأخبار" (٥/ ١٦٨) عن أبى سعيد بلفظ "لا تعلموا النساء الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف، واستعينوا عليهن بالعرى". ولم أرى من تكلم عليه. ولا أدرى أسنده أبو منصور الديلمي أم لا والفقرة الأُولى والثانية منه وردت بأسانيد واهية جدًا.
[ ١ / ٢٥ ]
هذا وغيره - مناكير كلها، وسعدان بن عبدة القداحي غير معروف، وأحمد بن إسحاق بن يونس لا يعرف أيضًا، وشيخنا محمد بن داود بن دينار كان يكذب، وقد روى النضر بن شميل عن عبيد الله، عن أَنس أحاديث - إن شاء الله - مستقيمة".
وقال الذهبي (٣/ ١٠): "لعل هذه الأحاديث من وضع محمد بن داود، ولا يدرى من شيخه ولا من شيخ شيخه" فتعقبه الحافظ في "اللسان" (١٠٦/ ٤) بأن هذا من جملة كلام ابن عدى، ثم ساق كلامه.
وفى الباب أيضًا: ما رواه الطبراني (١٩/ ٤٣٨) وابن جميع في "معجم الشيوخ" (ص ١٠٥) والقضاعي (٦٨٩) عن مسلمة بن مخلد مرفوعًا: "أعروا النساء يلزمن الحجال" وهو ضعيف. قال الهيثمي (٥/ ١٣٨): "رواه الطبرانى في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه مجمع بن كعب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
قلت: ترجمه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٩٦) برواية جعفر بن ربيعة وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٤١٠): "مجمع بن كعب عن مسلمة ابن مخلد - فِعْله، قاله عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٣٨). ففي الإِسناد أيضًا انقطاع، فإن مداره على بكر بن سهل الدمياطى عن شعيب بن يحيى عن يحيى بن أيوب عن عمرو بن الحارث عن مجمع به. فإن عَمْرًا يروى عن جعفر بن ربيعة عنه.
وبكر بن سهل فيه كلام كثير، وقد استنكر عليه هذا الحديث خاصَّةً.
قال الحافظ في "اللسان" (٢/ ٥٢): "وقال مسلمة بن قاسم: تكلم الناس فيه ووضعوه من أجل الحديث الَّذي حَدَّث به عن شعيب بن يحيى (١٦) عن يحيى بن
_________________
(١) في "اللسان" "عن سعيد بن كثير" وهو تحريف ظاهر. والصواب أيضًا إثبات عمرو ابن الحارث بين يحيى ومجمع.
[ ١ / ٢٦ ]
أيوب عن مجمع بن كعب عن مسلمة بن مخلد رفعه: "أعروا النساء يلزمن الحجال" ووقع وهم عجيب لمحقق "مسند الشهاب" حفظه الله فقال: "وأورده ابن الجوزى في "الموضوعات" (٢/ ٢٨٢)، وقال (٢/ ٢٨٣): قال أبو حاتم: شعيب بن يحيى ليس بمعروف. وقال إبراهيم الحربي: ليس لهذا الحديث أصل".
قلت: شعيب صدوق كما قال الحافظ، وبكر بن سهل - وإن تكلم فيه - فلم ينفرد به كما قال الحافظ في ترجمته من "اللسان". والصواب ما أعله ابن الحافظ الهيثمي .. "الخ.
قلت: ليس هذا هو الحديث الَّذي يعنيه الحافظ، بل حديثه من طريق حفص ابن ميسرة عن زيد بن أسلم عن أَنس مرفوعًا: "ما من معمر عمر في الإِسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه الجنون والجذام والبرص " الحديث، فإن الحافظ قال: "قلت: والحديث الَّذي أورده المصنف (١٧) لم ينفرد به، بل رواه أبو بكر المقرى في "فوائده" عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني عن مخلد بن مالك الحرانى عن الصنعاني - وهو حفص بن ميسرة - به. أملاه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في المجلس التاسع والسبعين من أماليه وقال: إنه حديث حسن وأما حديث مسلمة فأخرجه الطبراني عنه" اهـ.
ولم يزد على ذلك بشأن حديث مسلمة. وقد وقع في نفس الوهم محقق "الكشف الإلهى عن شديد الضعف والوضوع والواهى. للعلامة السندروسى (١/ ١٠٢، ١٠٣)، ثم تبين لى أن سلفهما في ذلك هو الحافظ المناوى ﵀، قال ذلك في " فيض القدير" (١/ ٥٦٠) فأخذا كلامه ولم يرجعا إلى الأصل، فقارنه بما تقدم عن "اللسان" وانظر كذلك "القول المسدد" (ص ٢٧، ٢٦) توقن أن الحافظ لم يعنِ حديث مسلمة بن مخلد قَطّ.
وبعد، فإن (الصحيح) في حديث الترجمة أنَّه من كلام عمر بن الخطاب
_________________
(١) يعنى الحافظ الذهبي، وحديث "أعروا النساء" لم يورده الذهبي، بل زاده الحافظ فتأمل.
[ ١ / ٢٧ ]
﵁، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٤٢٠) من طريق أبى إسحاق السبيعى عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر فذكره بلفظه - بالزيادة - سواء.
ورواه أيضًا المخلص في "فوائده" عن عمر كما في "الجامع الكبير" (ج ١/ عدد ٨ ص ٩٦٣).
والمراد بقوله: "استعينوا على النساء بالعرى": عدم التوسعة عليهن في اللباس والاقتصار على ما يقيهن الحر والبرد على الوجه اللائق كما قال المناوى ﵀ (١/ ٤٩٤) وقال (١/ ٥٥٩) - في حديث "أعروا النساء يلزمن الحجال": "أي جردوهن من ثياب الزينة والخيلاء والتفاخر والتباهي، ومن الحلي كذلك، واقتصروا على ما يقيهن الحر والبرد " حتَّى قال: "يعنى إن فعلتم ذلك بهن لا تعجبهن أنفسهن فيطلبن البروز بل يخترن عليه المكث في داخل البيوت، وأما إن وجدن الثياب الفاخرة والحلى الحسن فيعجبهن أنفسهن ويطلبن الخروج متبرجات بزينة ليراهن الرجال في الطرقات والنساء، فيصفوهن لأزواجهن، ويترتب على ذلك من المفاسد ما هو محسوس بل كثيرا ما يجرّ إلى الزنا، وفيه حث على منع النساء من الخروج إلا لعذر وعلى عدم إكثار ثياب الزينة لهن والمبالغة في سترهن (١٨) ".
قلت: وبذلك فلا منافاة بينه وبين قول النبي ﵌ - بمعرض كان حق النساء على أزواجهن - "ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". وقوله - حين سأله معاوية بن حيدة بقوله -: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت".
وهما مخرجان في "جامع الأصول" - بتحقيق الأرنؤوط - (٦/ ٥٠٤، ٥٠٥).
_________________
(١) حرصت على إيراد معنى هذا الحديث الضعيف لموافقته لأثر عمر، ولبيان أن عمر ﵁ الغيور على المحارم، الشديد في أمر الله، لا يخالف بقوله هذا شرع النبي ﵌ وهديه.
[ ١ / ٢٨ ]
فعلى الزوج المسلم أن يأخذ بالحزم في غير عنف، واللين في غير ضعف، وأن يجتنب الإِفراط والتفريط، فخير الأمور أوساطها كما قال غير واحد من السلف ﵏. وبالله التوفيق.