" ما أحدث عَبْدٌ أخا فى الله، إلا أحدث الله له درجة فى الجنة".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أنس وله طريقان:
الأول: عند ابن أبي الدنيا فى "كتاب الإِخوان" -كما فى "تخريج الإِحياء" (٢/ ١٥٨) و"الجامع الصغير" (٧٧٨٩) وعنه الديلمى فى "مسند الفردوس" (ق: ٢١٧) إذ قال: "أخبرناه الإِمام والدى، أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الميدانى كتابة، أخبرنا أبو طالب الحربى ببغداد، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى (٦٧)، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى فى "كتاب الإِخوان"، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنى بقية، عن الأحوص" كذا أورده محققا "فردوس الأخبار" (٤/ ٣٥٥) فى حاشيته. وكأنه سقط من إسناده: "عن أنس" فإن للأحوص هذا رواية عنه. وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، له ثلاث علل:
الأولى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ (٢٦٩٠): "صدوق فى نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
قلت: وفى أمره تفصيل، فانظره فى "البدائل" (١/ ٢٠، ٢١) إن شئت.
الثانية: عنعنة بقية بن الوليد، وهو صدوق حافظ، لكنه كثير التدليس. الثالثة: وهاء الأحوص وهو ابن حكيم بن عمير العَنْسى، فقد قال ابن معين: "ليس بشئ". وقال الإِمام أحمد -فى رواية الميمونى عنه-: "واه". وقال فى رواية إبراهيم بن هانئ-: "لا يسوى حديثه شيئًا" ووثقه ابن المدينى مرة لكنه قال فى أخرى: "لا يكتب حديثه". وقال النسائى -مرة-: "ليس بثقة". وقال أبو حاتم: "ليس بقوى، منكر الحديث". وقال ابن حبان (١/ ١٧٥):
_________________
(١) فى الأصل: "البردعى" والصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٠٧ ]
"يروى المناكير عن المشاهير، وكان ينتقص على بن أبي طالب، تركه يحيى القطان وغيره".
قلت: وبلغ من غفلته أن أبا بكر بن عياش قال: "حدَّث الأحوص بن حكيم بحديث. قال: فقلت: عن النبي ﵇! فقال: أو ليس الحديث كله عن النبى ﵇؟ ". رواها العقيلى فى "الضعفاء الكبير" (١/ ١٢٠) -واللفظ له- وابن عدى (١/ ٤٠٥) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن أبي بكر. وإسنادها صحيح جليل.
وهى تذكرنى يقول أبان بن أبي عياش -وهو أسوأ حالًا من الأحوص هذا-: "وهل يروى أنس إلا عن النبى ﵌؟ " والحديث أورده الغزالى فى "الإِحياء" بلفظ: "من آخى أخًا فى الله رفعه الله درجة فى الجنة لا ينالها بشئ من عمله" فذكره العراقى باللفظ المتقدم وقال: "وإسناده ضعيف" وتوهم المناوى أن ابن أبي الدنيا رواه باللفظين -من طريقين مختلفين- فقال (٥/ ٤١٢): "ويعضده خبر ابن أبي الدينا أيضًا " فذكر لفظ: "الإِحياء" فلو كان اللفظان عنده لتبين ذلك فى تخريج العراقى إن شاء الله، فإنه لم يعزه إليه إلا بلفظ الترجمة. وقال العلامة الألبانى حفظه الله فى "ضعيف الجامع" (٥/ ٧٨): "ضعيف جدًا".
الثانية: عند أبي الشيخ -كما فى "كنز العمال" (٩/ ١٨) -من طريق محمد ابن حميد الرازى عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائى عن أبي سلمة اللوذانى عن أنس ولفظه: "أن النبى ﵌ قال: "من أحدث أخًا فى الله ﷿ رفعه الله ﷿ بها درجة فى الجنة، وما تواد رجلان فى الله ﷿ إلا كان أفضلهما منزلة عند الله ﷿ أشدهما حبًا لأخيه حتى يحدث أحدهما، وأشرهما الذى يحدث". كما فى "الجرح والتعديل" (٩/ ٣٨٤) - فى ترجمة أبي سلمة هذا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا أيضًا فيه ثلاث علل:
الأولى: شدة ضعف محمد بن حميد الرازى فإنه متهم -مع اتصافه بالحفظ.
[ ١ / ١٠٨ ]
الثانية: جهالة أبي سلمة اللوذانى هذا، إذ لم أجد له ترجمة إلا في "الجرح" و"الاستغناء" للحافظ ابن عبد البر ﵀ (٢٣٨٦). وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه عمرو بن قيس الملائى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثالثة: الانقطاع -على تردد في ذلك- فقد ختم ابن أبي حاتم الترجمة بقوله: "قال أبو عبد الله: لم يسمع أبو سلمة من أنس". وأبو عبد الله هو محمد بن حميد كما قال ابن عبد البر والمعلمى في "حاشية الجرح". ولا أدرى ما حجته في ذلك، فإن عمرو بن قيس من السادسة، مات سنة بضع وأربعين كما في "التقريب" (٥١٠٠)، فإدراك شيخه لأنس محتمل جدًا. على أن ابن حميد متهم كما قدمنا.
أما سائر الحديث (٦٨) فمروى من طريق ثابت عن أنس - وفيه اختلاف على ثابت لا مجال لذكره الآن - ومن طريق أبي الدرداء مرفوعًا عند الطبراني في "الأوسط".
ورواه محمد بن البراء العبدى في "كتاب الروضة" كما في "كتاب المتحابين في الله" (٢٣) لابن قدامة المقدسى ﵀، ورجاله ثقات. ولعلى أتعرض له في موضع آخر إن شاء الله.
وختاما (فالصواب) أن حديث الترجمة من قول الحسن البصرى ﵀ (٦٩) كما رواه وكيع في "الزهد" (٣٣٠) عن المسعودى عن زياد الأصفر قال: أراه عن الحسن قال: "من أفاد أخًا في الله، رفعه الله بها درجة". وإسناده حسن كما قال محقق "الزهد".
وسماع وكيع من السعودى نص الإِمام أحمد على أنه كان قبل اختلاطه كما في "التهذيب" (٦/ ٢١٠) وغيره. والله أعلم.
_________________
(١) حاشا قوله: "حتى يحدث أحدهما " الخ.
(٢) فكم من حديث يرويه الضعفاء والمتروكون عن أنس مرفوعًا، ويكون صوابه عن الحسن من قوله أو من مرسله.
[ ١ / ١٠٩ ]
وهذا الأثر لا مجال للرأى فيه، فحكمه الرفع مع الإِرسال على أن هذا الثواب لا ينكر فقد ثبت عن النبي ﵌ أن المتحابين في الله ﷿ على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء، وأن محبة الله ﷿ وجبت لهم، في أحاديث كثيرة قد كفت وشفت. فالله المستعان.