" ما أمعر حاج قط".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن المنكدر- من طرق عنه- عن جابر، ومن مرسل ابن المنكدر.
أولًا: حديث جابر:
رواه البزار (١٠٨٠) من طريق أبي عاصم - الضحاك بن مخلد النبيل- والبيهقى في "الشعب" (٨/ ٧٤) من طريق شريك كلاهما عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عنه به، وزاد البيهقي (٢٨): "فقيل لجابر: ما الإِمعار؟ قال: ما افتقر". وقال: "محمد بن أبي حميد ضعيف". وقال البزار: "تفرد به محمد بن أبي حميد، وعنده أحاديث لا يتابع عليها، لا أحسب ذلك من تعمده، ولكن من سوء حفظه، فقد روى عنه أهل العلم".
قلت: وقد اختلف فيه على شريك، فقد أورد الشيخ الألباني حفظه الله الحديث في "الضعيفة" (٢٠٠٠)، وقال: "ضعيف. رواه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١١٠ / ٢) عن شريك عن محمد بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعًا، وقال: "لم يروه عن ابن المنكدر إلا محمد ابن زيد". قلت: وهو محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ وهو ثقة، لكن الراوي عنه شريك هو ابن عبد الله القاضى ضعيف لسوء حفظه، ولذلك أخرج له مسلم متابعة، فلا تغتر بقول من أطلق فقال: "ورجاله رجال الصحيح"، كالمنذرى (٢/ ١١٤)، والهيثمى (٣/ ٣٠٨) (٢٩) ومن قلدهما كالمناوى والغمارى،
_________________
(١) والظاهر أنها أيضًا عند الطبراني في "الأوسط"، فقد ذكرها المنذرى والهيثمى بعد عزو الحديث له وللبزار.
(٢) لفظهما - رحمهما الله -: "رواه الطبراني في "الأوسط" والبزار، ورجاله رجال الصحيح" فإن كانا يقصدان رجال البزار، فهو أولى بالتعقيب، فإن ابن أبي حميد =
[ ٢ / ١٢٧ ]
فإنه ذكر الحديث في "كنزه" ولم يتفرد به محمد بن زيد، فقد أخرجه ابن عساكر (٥/ ٢/٣٢٧) من طريق محمد بن خالد بن عثمة: نا عبد الله بن محمد ابن المنكدر عن أبيه به. وعبد الله بن محمد بن المنكدر لم أجد له ترحمة، ولم يذكره الحافظ في الرواة عن أبيه، وإنما ذكر ابنيه يوسف والمنكدر فقط. وفي الطريق إليه جماعة لا يعرفون. وعلى بن أحمد بن زهير التميمي. قال الذهبي: "ليس يوثق به" اهـ.
قلت فهذه الطريق واهية، وما قبلها ضعيفة، ومحمد بن أبي حميد - في الأولى- ضعفه شديد كما بينته في القسم الأول من الكتاب (٢٣). وليت "الشيخ - حفظه الله - ذكر لنا راويه عن شريك عند الطبراني، فإن في أمر شريك شيئًا من التفصيل وليس هو ضعيفًا بإطلاق.
قال ابن حبان ﵀ في "الثقات" (٦/ ٤٤٤): "وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروى، تغير عليه حفظه، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط، مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق، وسماع المتأخرين عنه بالكوفة فيه أوهام كثيرة". وقال الحافظ في "التهذيب" (٤/ ٣٣٧): "وقال العجلى- بعد ما ذكر أنه ثقة - إلى آخره: وكان صحيح القضاء، ومن سمع منه قديمًا فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ما ولى القضاء، ففى سماعه بعض الاختلاط". ولم أجده بهذا السياق في "ثقات العجلى" ولا في "تاريخ بغداد" أو غيره، فالله أعلم.
وقال صالح جزرة: صدوق، ولما ولى القضاء اضطرب حفظه. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إسحاق- يعنى الأزرق- وعباد بن العوام ويزيد كتبوا عن شريك بواسط من كتابه، كان قدم عليهم في حفر نهر.
_________________
(١) = على وهائه - ليس من رجال الصحيح، بل روى له الترمذي وابن ماجه. وإن كانا يقصدان الطبراني، فمتعقب بكلام الشيخ.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قال: كان شريك رجلًا له عقل، فكان يحدث بعقله، فقال أحمد: سماع هؤلاء أصح عنه، قيل: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إى والله ثقة". كما في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٠ - ٣٢١).
وقال البغوى في "الجعديات" (٢٥٢٢): "حُدِّثت عن أبي نعيم، قال: ما كتبت عن شريك بعد ما ولى القضاء إلا حديثًا واحدًا".
قلت: وراوى الحديث عند البيهقي هو سعيد بن سليمان الواسطى، وهو - وإن لم ينص عليه الإِمام أحمد خاصةً - لكن لا شك أن رواية الواسطيين (٣٠) عن شريك أصح من رواية الكوفيين، فأخشى أن تكون رواية شريك عن محمد ابن زيد لا عن محمد بن أبي حميد من رواية من سمع منه بعد تغير حفظه وتوليه القضاء، أو يكون شيخ الطبرانى فيه من شيوخه - غير القليلين - الذين لا يُعرف فيهم جرح ولا تعديل. و"المعجم الأوسط" موجود كله الآن لكن البحث فيه متعذر جدًا لأننى لا أعرف عمن رواه، فنظرة إلى ميسرة. فلو صح أحد الاحتمالين المذكورين، تكون هذه الرواية معلولة لا يعتد بها في الاقتصار على تضعيف الحديث.
وهناك ملاحظة أخرى على كلام الألبانى حفظه الله، أعنى قوله: "وعبد الله بن محمد بن المنكدر لم أجد له ترجمة". وهو معذور في ذلك، فإن عبد الله هذا مقل جدًا، لذلك لم يذكره كبير أحد. قال الحافظ مسعود بن على السجزى في "سؤالاته للحاكم" (٣٢٦) - رحمهما الله -: "وسمعته يقول: قد حَدَّث من ولد محمد بن المنكدر ثلاثة، يوسف، وعبد الله، والمنكدر،
_________________
(١) إلا أن يزيد بن هارون- خاصةً - يتوقف في روايته عن شريك، فقد روى الخطيب في "الكفاية" (ص ٥١٥) عنه: قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدًا إلا وهو يدلس، إلا مسعر بن كدام وشريكا. وفي إسناده أبو الفتح الأزدي لكنه يمشى في مثل ذلك. والظاهر أن يزيدًا سمع منه أيضًا بالكوفة ولا ندرى أكان قد ولى القضاء أم لا، فالله أعلم.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وعبد الله أعزهم حديثا". وأحال محققه - جزاه الله خيرًا - على "طبقات ابن سعد" (القسم المتمم لتابعى أهل المدينة: ١٨٨)، وفي هذه الصفحة ترجمة محمد بن المنكدر (٧٢)، وفيها: "محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَيْر بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مُرَّة، وأمه أم ولد، ويكنى أبا عبد الله (٣١)، فولد محمد بن المنكدر: عمر، وعبد الملك، والمنكدر، وعبد الله، ويوسف، وإبراهيم، وداود لأم ولد " إلخ.
ثانيًا: مرسل محمد بن المنكدر: رواه الفاكهي في "أخبار مكة" (٨٧٣) من طريق ابن أبي عدى عن محمد بن أبي حميد- أيضًا- عنه مرفوعًا مرسلًا. فإن كان ابن أبي عدى - وهو ثقة حافظ وثقوه، وقال أبو حاتم - مرة -: "لا يحتج به". وهذه ذكرها الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٤٧)، فإن كان حفظه هكذا، فالاختلاف من ابن أبي حميد، ولم يصب في رفعه لا مرسلا ولا موصولا، (فالصحيح) إيقافه على محمد بن المنكدر نفسه - ﵀ - كما رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٩٦)، قال: "نا ابن عيينة عن ابن المنكدر قال: ما أمعر حاجٌّ قط. يعنى: ما افتقر". وهذا إسناد جليل صحيح على شرط الشيخين، وابن عيينة من أجل الرواة عن ابن المنكدر، وهو عالم به وبغيره من الحجازيين. قال ابن مهدى: "كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز". كما في "التهذيب" (٤/ ١٢١). وابن المنكدر تابعى فاضل ومن خيار التابعين. قال ابن عيينة عنه: "كان من معادن الصدق ويجتمع إليه الصالحون، ولم يدرك أحد أجدر أن يقبل الناس منه إذا قال: قال رسول الله ﵌ منه". وقال ابن حبان: "كان من سادات القراء، لا يتمالك البكاء إذا قرأ
_________________
(١) هذه الكنية تنبه المطلع عليها إلي أن له ولدًا اسمه: "عبد الله" ولكن ما شاء الله كان. وفي هذه المسألة من العبرة أنه "لا يصح الاكتفاء في إثبات الرواة أو نفيهم بما يورده الحافظ المزى ﵀ في شيوخ كل راوٍ والرواة عنه من "تهذيب الكمال"، فقد فاته الكثير الكثير.
[ ٢ / ١٣٠ ]
أحد حديث رسول الله ﵌". وقال الذهبي في "السير" (٥/ ٣٥٣): "الإِمام الحافظ القدوة، شيخ الإِسلام أبو عبد الله القرشى التيمى المدنى ".