" غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها، والمائد فيه كالمتشحط في دمه".
ضعيف، رُوى من حديث عبد الله بن عمرو، وأبى الدرداء، وأبى أمامة، وعائشة، ومن مرسل علقمة بن شهاب القشيرى.
أولًا: حديث ابن عمرو:
رواه الحاكم (٢/ ١٤٣) -واللفظ له- وابن شاهين في "الترغيب" (٤٣٦) والبيهقى في "السنن" (٤/ ٣٣٤ - ٣٤٥) و"الشعب" (٨/ ١٥١ - ١٥٢) وابن بشران في "الأمالى" (٢٧/ ١١٧/ ١) -كما في "الضعيفة" (١٢٣٠) -
[ ٢ / ٨٣ ]
من طرق عن عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن يسار (وعند البيهقي: سعيد بن يسار) عنه به. وزاد غير الحاكم - في أوله -: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة " الحديث.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه". وقال الذهبي (خ) يعنى: "على شرط البخارى". وقال المنذرى في "الترغيب" (٢/ ٥١٢): "وهو كما قال، ولا يضر ما قيل في عبد الله بن صالح؛ فإن البخارى احتج به". وقال المناوى في "الفيض" (٣/ ٣٧٤): "وسنده لا بأس به". وقال الشيخ الألباني حفظه الله في "صحيح الجامع" (٤/ ٦٧): "صحيح". وقال في تخريج "فقه السيرة" (ص ٢٢٨): "حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ١٤٣) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: "صحيح على شرط البخاري" ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وإعلال المناوى له تبعًا لابن الجوزى بأن فيه خالد بن يزيد، يروى الموضوعات عن الأثبات خطأ فاحش، لأن خالدًا هذا، لا ذكر له في سند الحديث عند الحاكم، فالظاهر أنه عند غيره ممن خرج الحديث. وبعد وروده من طريق آخر صحيح، لا يضره رواية أحد المتهمين له" اهـ.
قلت: يعنى ما رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٨) وعنه ابن الجوزى في "العلل" (٩٤٩) من طريق خالد بن يزيد العمرى قال: نا الثورى عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن (١٥) يسار عن عبد الله بن عمرو مرفوعا به. وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: خالد بن يزيد يروى الموضوعات عن الأثبات".
قلت: والعجب من المناوى عفا الله عنه، إذ حكى كلام ابن الجوزى-
_________________
(١) تصحفت عند ابن الجوزي إلى: "عطاء بن دينار".
[ ٢ / ٨٤ ]
عند رواية الحاكم - في "الفيض" (٤/ ٤٠١). وقال- في رواية الطبراني والبيهقي من نفس الوجه -: "وسنده لا بأس به" كما تقدم. نعم، العمرى كذاب (١٦)، والثابت عن الثورى وقفه كما يأتى، ولكن لم يتفرد برفعه وإن كان الرفع ضعيفًا مرجوحًا. وقد تفطن الألبانى لضعف الحديث، فقال في "الضعيفة" - بعد أن أورد تصحيح الحاكم فمن بعده -: "وفي كل ذلك نظر، فإن ابن صالح فيه كلام كثير، وقد قال الحافظ فيه: "صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة". قلت: وصفه بأنه: "ثبت في كتابه"، فيه نظر. انظر للحافظ نفسه، "هدى السارى" (ص ٤٣٤) و"التهذيب" (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
أما محقق "الشعب"، فقال: "إسناده: لا بأس به وفيه من لم نعرفه"! يقصد ما وقع له من تسمية الراوى عن عبد الله بن صالح: "محمد بن عمرو" قال الراوى عنه: "يعنى ابن نافع" ومحمد هذا ذكره المزى ضمن الرواة عن عبد الله بن صالح (١٥/ ١٠٠) ونسبه: "المَعَدَّل". وجاء في "السنن" بنفس الإِسناد: "محمد بن عمرو بن خالد" وهو الحرانى، من شيوخ الطبراني، ولم أقف فيه على جرح ولا تعديل بل لم أعرف عنه سوى أن الطبراني روى عنه في "الصغير" وسائر "معاجمه". فلعل قوله: "عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن يسار" وهم منه أو من غيره. فالله أعلم.
ثانيا: حديث أبي الدرداء:
رواه ابن ماجه (٢٧٧٧) وابن عدى (٦/ ٢٣٩٩) من طريق هشام بن عمار، ثنا بقية عن معاوية بن يحيى، عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعًا: "غزوة في البحر مثل عشر غزوات
_________________
(١) والراوى عنه - أحمد بن عبد المؤمن المروزى نزيل مصر مختلف فيه، فوثقه ابن حبان. وقال ابن يونس: رفع أحاديث موقوفة. وقال مسلمة: ضعيف جدًا. وسكت عنه ابن أبي حاتم، لكن إلصاق البلاء بالعمرى أولى.
[ ٢ / ٨٥ ]
في البر، والذى يسدر في البحر كالمتشحط في دمه في سبيل الله". قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٣٩٧): "هذا إسناد ضعيف لضعف معاوية بن يحيى وشيخه ليث بن أبي سليم".
وقال الشيخ الألباني: "وهذا إسناد واهٍ مسلسل بالعلل:
الأولى: ليث بن أبي سليم، وكان اختلط.
الثانية: معاوية بن يحيى، وهو الصدفى، ضعيف.
الثالثة: بقية، وهو ابن الوليد، وكان يدلس عن الضعفاء والمجهولين" اهـ. قلت: يؤخذ عليهما- رحمهما الله- معًا أمر اشتركا فيه، وهو الجزم بأن معاوية بن يحيى هو الصدفى، كما صرح به الألبانى، وهو مقتضى إطلاق البوصيرى أيضًا، وإنما هو أبو مطيع الأطرابلسى المُوَثَّق لأمور:
الأول: أن الإِمام ابن عدى إنما أورده في ترجمته من "الكامل".
الثانى: أن الحافظ المزى ﵀ ذكر في ترجمة ليث من "التهذيب" (ق ١١٥٥) رواية أبي مطيع عنه، وذكر في ترجمة أبي مطيع (ق ١٣٤٨) روايته عن ليث ولم يفعل ذلك في الصدفى.
الثالث: أن الصدفى ذكر له المزى خمسة شيوخ فقط - على سبيل الحصر- ليس الليث أحدهم.
وأخص الشيخ الألبانى عفا الله عنه بملاحظتين:
الأولى: سكوته عن هشام بن عمار- على خلاف عادته-، أما البوصيرى فلا تثريب عليه لأنه يمشيه.
الثانية: إعلال الإِسناد بعنعنة بقية، وقد صرح عند ابن عدى بالتحديث، وشيخه ثقة. وكان من اليسير على الشيخ حفظه الله- بوسائل شتى- أن يعلم أن ابن عدى قد روى الحديث أيضًا. نعم، احتمال تسوية بقية قائم، لكن الشيخ لا يقصد إلا تدليس الإِسناد.
[ ٢ / ٨٦ ]
ثالثًا: حديث أبي أمامة:
رواه أيضًا ابى ماجه (٢٧٧٨) والطبراني (٨/ ٢٠٠ - ٢٠١) من طريق قيس بن محمد الكندى ثنا عفير بن معدان الشامى عن سليم بن عامر عنه مرفوعًا، ولفظه: "شهيد البحر مثل شهيدى البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر. وما بين الموجبتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله ﷿ وكل ملك الموت لقبض الأرواح، إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم " الحديث.
قال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف: عفير بن معدان المؤذن ضعفه أحمد وابن معين ودحيم وأبو حاتم والبخارى والنسائى وغيرهم".
وقال الألبانى في "الإِرواء" (١١٩٥) - وقد ضعفه جدًا-: "وهذا إسناد فيه علتان:
الأولى: عفير بن معدان، قال ابن أبي حاتم (٣/ ٣٦/٢) عن أبيه: "ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﵌ بالمناكير، ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته". وأورده الذهبى في "الضعفاء" وقال: "مجمع على ضعفه، قال أبو حاتم: لا يشتغل به". قلت: وبه أعله البوصيرى في "الزوائد" (ق ١٧٣/ ١)، وخفيت عليه العلة التالية: والأخرى: قيس بن محمد الكندى لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، ومع ذلك فقد أشار إلى أنه لا يحتج به لا سيما في روايته عن عفير فقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن عفير بن معدان" اهـ.
رابعًا: حديث عائشة:
رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٤٠٠) عن أبي الحريش القصار قال: أنا ابن أبي ليلى عن رجل عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو كنت رجلًا لم أجاهد إلا في البحر، وذلك أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من أصابه ميد في البحر كالمتشحط في دمه في البر". وهذا إسناد ضعيف فيه:
[ ٢ / ٨٧ ]
أ- أبو الحريش القصار، لم أرَ أحدًا ذكره سوى السمعانى ﵀، فقال: عند نسبه "القصار" من "أنسابه" (٥/ ٥٠٧): "هذه النسبة إلى قصَارة، والمشهور بها: أبو حريش القصار". فلم يذكر عن اسمه ولا حَاله شيئًا. نعم، ترجم أبو أحمد الحاكم في "الكنى" (ق ١٢٦ ب - ١٢٧ أ) لأبى الحريش من روايته عن زيد بن محمد العمرى، ورواية محمد بن الحسن الأسدى عنه، فلا أدرى أهو القصار. أم لا؟ .
٢ - وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن القاضى الكوفى، صدوق سئ الحفظ جدًا كما في "التقريب" (٦٠٨١).
٣ - وشيخه- الراوى عن عائشة- مبهم لا يُدرى من هو.
خامسًا: مرسل علقمة بن شهاب القشيرى:
رواه عبد الرزاق (٥/ ٢٨٦) عن عبد القدوس عنه مرفوعًا: "من لم يدرك الغزو معى فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر شهر في البر، وإن القتل في البحر كالقتلين في البر، وإن المائد في السفينة كالمتشحط في دمه " الحديث.
وإسناده واه جدًا، عبد القدوس هو ابن حبيب الكلاعى، وهو متهم بالكذب، وعلقمة وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضًا ابنه محفوظ وسعيد بن عبد العزيز. وقد رواه ابن المبارك في "الجهاد" (١٩٦) وعنه ابن عساكر (١١/ ٧٩٨) وابن أبي شيبة (٥/ ٣١٤) عن وكيع كلاهما عن سعيد عن علقمة بغير هذا السياق، وليس فيه: "المائد في السفينة كالمتشحط في دمه" فهى منكرة من حديث علقمة مع ضعفه وإرساله.
(أما) الروايات الموقوفة، فقد ثبت الأثر- بنحوه - عن عبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار، ورُوِى أيضًا عن مجاهد.
أ- أثر ابن عمرو، وقد جاء من وجهين عن عطاء بن يسار عنه الأول:
[ ٢ / ٨٨ ]
علقه البيهقي عن الثورى، ووصله عبد الرزاق (٥/ ٢٨٥) وابن أبي شيبة (٥/ ٣١٥) عنه عن يحيى بن سعيد قال: أخبرنى مُخبر عن عطاء عنه قال: "غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية (زاد ابن أبي شيبة والبيهقى: كلها)، والمائد في السفينة، كالمتشحط في دمه". وهو عند ابن أبي شيبة بهذا الإِسناد مفرقًا على موضعين، فقال في الأول: "عن يحيى بن سعيد عمن سمع عطاء بن يسار" وفي الثانى: "أخبرنى محرز (كذا، والصواب: مخبر) عن عطاء بن يسار" ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى الراوى عن عطاء، فإنه مبهم. وذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٣٨) عن ابن وهب قال: أخبرونى عمرو بن الحارث عن يحيى ابن سعيد عن عطاء به، بإسقاط الواسطة - كالرواية المرفوعة. ورواية الثورى أصح بلا ريب. والله أعلم.
الثانى: رواه سعيد بن منصور (٢٣٩٥) عن ثقتين عن أبي حازم عن عطاء به. ولفظه: "غزوة في البحر تعدل عشرًا في البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر". وإسناده صحيح، فزيادة: "ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية كلها" تظل على ضعفها، لانتفاء شاهد لها في هذه الرواية الصحيحة.
٢ - أثر كعب: رواه سعيد (٢٣٩٩) عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر عن أبيه عن تبيع عنه قال: "إذا وضع الرجل رجله في السفينة خلَّف خطاياه خلف ظهره كيوم ولدته أمه، والمائد فيه كالمتشحط في دمه في سبيل الله، والصابر فيه كالملك على رأسه التاج". وإسناده حسن. والظاهر أنه - وسابقه - متلقى من صحف أهل الكتاب، فإن ابن عمرو ﵄ صح عنه أنه أصاب زاملتين من صحفهم يوم اليرموك، فكان يحدث بها.
٣ - أثر مجاهد: رواه عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قال مجاهد: "غزوة
[ ٢ / ٨٩ ]
في البحر تعدل عشرًا في البر، والمائد في البحر كالمتشحط بدمه في سبيل الله". وإسناده منقطع، ابن جرج قال البرديجى: "لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا" كما في "التهذيب" (٦/ ٤٠٥).
تنبيهان: الأول: قوله - في رواية غير الحاكم لحديث ابن عمرو -: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج". لم أستوف طرق هذه اللفظة، لأن المقصد الأصلى كان متعلقًا بلفظ الترجمة وحده.
الثانى: أن ما رواه الحميدى (٣٤٩) وأبو داود (٢/ ٧) وعنه البيهقي (٤/ ٣٣٥) وابن عبد البر وغيرهم من طريق مروان بن معاوية الفزارى ثنا هلال بن ميمون الرملى، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي ﵌ أنه قال: "المائد في البحر الذى يصيبه القئ له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين". ولفظ الحميدى: "ذكر رسول الله ﵌، غزاة البحر، للمائد أجر شهيد، وللغرق أجر شهيدين، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: اللهم اجعلها منهم. فغزت البحر فلما ركبت دابتها فسقطت فماتت". فرواته ثقات، لكن يغلب على الظن عدم اتصاله، فإن يعلى بن شداد بن أوس من الثالثة كما في "التقريب" (٧٨٤٣) - وهى طبقة أواسط التابعين. وأم حرام ﵂ استشهدت في خلافة عثمان سنة سبع وعشرين، فهى قديمة الوفاة، ثم إن لها حديثًا في الغزو في البحر- متفق عليه- بغير هذا اللفظ. وأظن أبا حاتم ﵀ تكلم في هلال بن ميمون من أجل روايته للحديث بهذا السياق، فقال ابنه عبد الرحمن: "سألت أبي عن هلال بن ميمون الفلسطيني، فقال: ليس بالقوى، يكتب حديثه" كما في "الجرح" (٩/ ٧٦).
بلى، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال النسائى: ليس به بأس. والرجل
[ ٢ / ٩٠ ]
مقل- فيما يظهر- فتفرده بهذه اللفظة المخالفة للثابت عن أم حرام ﵁، يوجب التوقف عن حديثه هذا، مع مراعاة ما في اتصاله من النظر. والله أعلم.