" حببوا الله إلى عباده يُحِبَّكُم الله".
ضعيف. رواه الطبراني (٨/ ١٠٧) من طرق عن بقية عن صفوان بن عمرو عن (وفي رواية: حدثنى) عبد الله بن بسر عن أبي أمامة مرفوعًا به. وكذا الضياء المقدسى في "المختارة" كما في "الجامع" (٣٦٧٠). وإسناده ضعيف ليست له علة سوى عنعنة بقية. وعبد الله بن بسر هو اليحصبى -لا غيره-، ذكره الفسوى في "الطبقة العليا من تابعى أهل الشام" في "المعرفة" (٢/ ٣٣٥) وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٥/ ١٣) - باسم (عبد الله بن بشر) -: "روى عنه حريز بن عثمان". قلت: وقد قال الإِمام أبو داود: "جميع شيوخ حريز ثقات". والله أعلم.
وقال الحافظ المناوى ﵀ في "الفيض" (٣/ ٣٧٢): "وفيه عبد الوهاب بن الضحاك الحمصى في الأصل: الحميصى) قال في "الميزان": "كذبه أبو حاتم، وقال النسائى وغيره: متروك، والدارقطنى: منكر الحديث، والبخارى: عنده عجائب. ثم أورد له أوابد هذا منها" اهـ.
كذا قال، وعبد الوهاب بن الضحاك قد تايعه ثقتان عن بقية عند الطبراني، هما: عبد الوهاب بن نجدة الحوطى، والوليد بن عتبة -وهو أبو العباس
[ ٢ / ٥٣ ]
الأشجعى الدمشقى. وبنحو هذا تعقبه الشيخ الألبانى حفظه الله في "الضعيفة" (١٢١٨)، فقال -بعد أن ذكر روايتى عَبْدَى الوهاب عن بقية: "كذا وجدته في جزء فيه أحاديث منقولة عن "معجم الطبراني الكبير" مع أسانيدها في "المجموع" (٦). ثم رأيته هكذا "المعجم" نفسه (٧٤٦١). ثم ساقه عقبه (٧٤٦٢) بإسناد آخر له عن بقية به. وعبد الوهاب بن نجدة ثقة، فبرئت عهدة ابن الضحاك منه، وتبين أن العلة من بقية وهو ابن الوليد، فإنه مدلس وقد عنعنه، وأن تعصيب المناوى العلة بعبد الوهاب غفلة منه عمن تابعه".
وقال في أول تخرج الحديث: "ومن طريقه -يعنى ابن الضحاك- رواه الطبراني في "الكبير" والضياء المقدسى في "المختارة" كما في "فيض القدير" فقد قال متعقبا على السيوطى: إلخ.
قلت: وهنا أمران:
الأول: أنه كان على الشيخ -حفظه الله- أن ينفى جزمه بأن الضياء ﵀ روى الحديث أيضًا من طريق ابن الضحاك هذا، لأَنه -إن كان رواه من طريق الطبراني - وهو احتمال كبير- فقد تابعه عبد الوهاب بن نجدة في الموضع الأول، والوليد بن عتبة في الثانى، وإن كان رواه من غير طريقه، فمعرفة راويه عن بقية -عنده- متوقفه على النظر في إسناده، والشيخ لم يذكر وقوفه عليه، ولا المناوى بيَّن ذلك. ولا يظن بالحافظ الضياء ﵀- على تساهله أحيانا في "المختارة" -أن يروى عن هذا المتهم وحده، على الاحتمالات التى ذكرتها.
الثانى: أن قول الشيخ حفظه الله: "ثم ساقه عقبه -يعنى الطبراني- بإسناد آخر له عن بقية به: وعبد الوهاب بن نجدة ثقة" يشعر بأنه لم يتبين له رجل في هذا الإِسناد الآخر، بقرينة قوله: "وعبد الوهاب بن نجدة ثقة" دون تعرض للثقة الآخر الذى رواه عن بقية، فإن الطبراني ﵀ قال: "حدثنا
[ ٢ / ٥٤ ]
محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي ثنا الوليد بن عتبة ثنا بقية .. " إلخ. وسأجزم بأنه لم يعرف شيخ الطبراني عند الحديث الثالث والسبعين بإذن الله ﷿، وهو ثقة معروف ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦) (٩/ ١٥١) -وهو قريب من طبقة شيوخه- وفي موضع ترجمته من النسخة الظاهرية لـ: "تاريخ دمشق" بياض، وظنى أن له ترجمة جيدة -إن شاء الله- فيه. والمزى حريص على ذكره في ترجمة شيوخه الدماشقة والحمصيين، فذكره (١٢/ ٢٩) ضمن الرواة عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقى -وهو شيخه في الحديث الذى أشرت إليه آنفا، وذكره (ق ١٤٧٠) ضمن الرواة عن الوليد بن عتبة- شيخه ههنا. وذكره (٧/ ١٤٨) ضمن الرواة عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهرانى الحمصى. والمتتبع لذلك يجد الكثير مما يضيق عنه هذا المقام (٧).
(والذى) يعنينا أن الصحيح في هذا الحديث الوقف على أبي أمامة الباهلى ﵁، فقد رواه خالد بن مرداس في "حديثه" (٣٠/ ١) كما في "الضعيفة" وعنه ابن عساكر (٨/ ٣٠١): ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان ابن عمرو عن عبد الله بن بسر اليحصبى قال: سمعت أبا أمامة الباهلى يقول: "حببوا الله إلى الناس يحببكم الله".
قال الألبانى: "قلت: وهذا سند موقوف حسن بل صحيح، فإن ابن عياش صحيح الحديث إذا روى عن الشاميين، وهذا الحديث عنهم".
قلت: ولِإسماعيل فيه إسناد آخر مرفوع، وهو ما رواه ابن أبي الدنيا في
_________________
(١) باسم: "محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن هلال العاملى"، وبين المحقق أن زيادة: "ابن هلال" زيدت من النسخة (مد).
(٢) ومما تجدر الإِشارة إليه أننى لم أجد الحديث في "فهارس المجمع" ولا في مظانه منه، ولا ذكره المناوى أو الألبانى أو السلفى الهيثمى، فالظاهر أنه فاته. الكمال لله وحده.
[ ٢ / ٥٥ ]
"الأولياء" (٤٣): نا شجاع بن أشرس نا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر ابن عبد الله عن ضمرة بن حبيب مرفوعا: "حببوا الله ﷿ إلى الناس، وحببوا الناس إلى الله، يحببكم الله". وشجاع هذا ثقة، وثقة ابن معين وأبو زرعة، والإِسناد ضعيف له علتان:
الأولى: الإِرسال، فإن ضمرة بن حبيب تابعي شامي ثقة.
الثانية: ضعف أبي بكر بن عبد الله -وهو ابن أبي مريم الغسانى الشامى، قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٧٩٧٤): "ضعيف، وكان قد سُرِق بيته فاختلط".
قلت: فكان يرفع كثيرًا من آثار الصحابة والتابعين إلى النبي ﵌، وقد تجمع لَدَىَّ أمثلة عديدة لذلك، أذكر منها:
١ - هذا الأثر، فقد رواه عبد الله بن بسر عن أبي أمامة موقوفا، فرواه هو عن ضمرة بن حبيب مرسلا مرفوعا، وزاد في متنه.
٢ - وأثر يرويه جبير بن نفير عن شداد بن أوس ﵁ قال: "ألا أخبرك بأول ذلك يرفع (يعنى رفع العلم)؟ قلت: بلى، قال: الخشوع حتى لا ترى خاشعا". فرواه هو عن ضمرة أيضًا مرسلا مرفوعا، وقد خرجته ودفعت القول بثبوته عن النبي ﵌ في تخريج "الذل والانكسار للعزيز الجبار" المعروف بـ: "الخشوع في الصلاة" للحافظ الكبير ابن رجب الحنبلى ﵀.
٣ - وأثر يرويه حريز بن عثمان عن خالد بن معدان ﵀ قال: "إذا فتح لأحدكم باب خير فليسرع إليه، فإنه لا يدرى متى يغلق عنه". فروى هو عن حكيم بن عمير -مرسلا بنحوه- أن النبي ﵌ قاله! .
٤ - وأثر يرويه جماعة عن أبي الدرداء قال: "إن من فقه الرجل رفقه
[ ٢ / ٥٦ ]
في معيشته"، فرواه هو عن ضمرة عن أبي الدرداء مرفوعًا بنحوه.
٥ - وروى بلال بن أبي الدرداء عن أبيه قال: "حبك الشئ يعمى ويصم"، فرواه هو عن خالد بن محمد عن بلال به مرفوعًا. وسأخرج هذه الآثار -أو أكثرها- في حينها بإذن الله، وسيأتى أحدها في هذا القسم (٩١).