إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن تصانيف أهل العلم في الأحاديث الضعيفة أو الواهيات أو الموضوعة، أو المشهورة على الألسنة - على عمومها - كثيرة ومتعددة
[ ١ / ٣ ]
المناهج، فمنها المطول والمختصر، ومنها ما يحرص صاحبه على سوق الأسانيد، ومن يحرص على حذفها. ومنها ما يتعرض صاحبه لأصل حديث ما لم يثبت، ويرده إلى قائله الَّذي ثبت عنه هذا الكلام موقوفًا عليه. أو آخر جعل جُلَّ همه أن يضعف نسبة الحديث المرفوع إلى النبي ﵌ دون اهتمام برده إلى أصله بل منها من ينسب صاحبه الحديث إلى صحابي أو تابعي دون كان مدى ثبوته عنه، وهو لا يثبت. أو يكون ثابتا عن صحابي أو تابعي آخر ولم يقع لى تصنيف يلتزم بالغرض المتقدم ذكره سوى كتاب واحد، وهو: [الوقوف على الموقوف] للإِمام أبى حفص عمر بن بدر الموصلى ﵀ (ت ٦٢٤). لكنه لم يستوعب فيه كل الأحاديث غير الثابتة التي لها أصل موقوف، ولاجُلها، إذ غاية ما فيه واحد وخمسون ومائة (١٥١) حديثًا فقط. ومع ذلك فقد سلك فيه مسلك الاختصار الشديد، إذ لم يُطِل ببيان الحديث الأصلى ولا أصله تخريجًا وجرحا وتعديلا، بل يكتفى بقوله - على سبيل المثال -: (قال ابن الجوزى: هذا حديث باطل عن النبي ﵌: إنما يروى هذا عن سفيان ) أو (قال الدارقطني: روى عن أبى الدرداء موقوفًا، وهو المحفوظ) (*). ولا شك أن هذا المنهج لا يقنع طالب الحديث المولع بالنظر في الطرق والأسانيد، ولا يشبع نهمته، ولا يروى غليله، ولا يعطيه الأمثلة العملية لفن التخرج والرجال والعلل. ولولا ما في حاشية الكتاب من الفوائد والتعليقات - جزى الله ساطرها - لكاد يكون عديم الجدوى
_________________
(١) (*) يعنى حديث "إنما العلم بالتعلم؛ وإنما الحلم بالتحلم" والرواية الموقوفة من طريق رجاء ابن حيوة عن أبي الدرداء. وهذا إسناد منقطع، وإنما ثبت عن ابن مسعود موقوفًا: "إن أحدًا لا يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم". وهذا المثال يثبت ما قدمت في أول الكلام.
[ ١ / ٤ ]
في معرفة مواطن الأحاديث والآثار الواردة فيه.
على أن فكرة (أصول الأحاديث الضعيفة) لم يكن منشؤها كتاب ابن بدر الموصلى قط، بل كنت قد هممت بإدراج بعضها في عمل آخر يشتمل على جملة من الفوائد الحديثية والأقوال المأثورة والأدعية والمواعظ والأحكام المتناثرة - حَسْب ما يفتح به الله ﷿ - لكننى تراجعت عن ذلك، وآثرت إفراد هذه الفكرة في تصنيف مستقل مع إصداره في أقسام لأنَّ استيعاب جميع هذه الأحاديث ذات الأصول أمر يشبه المحال مع ما يقتضيه من المشقة الشديدة والبحث الدؤوب المتواصل.
وجعلت شرطى في هذا الكتاب أن يصح السند إلى القائل الحقيقى للحديث غير الصحيح (سواء أكان ضعيفًا أو واهيًا أو موضوعًا أو لم يوقف له على أصل ألبتة)، وقد أتجاوز عن هذا الشرط في بعض المواطن لاعتبارات معينة كأن يحتمل وجود متابع أو شاهد للسند الَّذي أوردت الموقوف من طريقه، أو لجزم بعض أهل العلم بأنه الأشبه، أو لاكتشاف مطعن في إسناده بعد الفراغ من تخريج طرقه المرفوعة وبيان ما فيها، فلم أشأ حذفه بعد ذلك.
وكل هذا قليل بل نادر، وهو خلاف الأصل في هذا الكتاب والحقيقة أن هذه الفكرة مشابهة ومكملة - بل ومتداخلة - مع فكرة (البدائل المستحسنة) التي وفقنى الله ﷿ لإِصدار القسم الأول منها (١: ٢٥) إلا أننى لم يكن مقصدى هناك استقصاء صحة نسبة الحديث الضعيف إلى أحد من السلف، ولكن أحيانًا يكون بديله الصحيح ثابتًا بمعناه عن أحدهم كما في حديث: "الأذان سهل سمح " فمعناه ثابت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ - خامس الخلفاء الراشدين - مقطوعًا عليه.
[ ١ / ٥ ]
وحديث: "إن الله يحب الصمت عند ثلاث " ثبت موقوفًا على الصحابة ﵃ أنهم كانوا يحبون ذلك.
ولذلك يمكن للخطيب أو المحاضر أن يستفيد من الكتابين على النحو التالى: فإذا كان موضوع الخطبة عن مجاهدة النفس فبعد إيراد الآيات كنحو قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ والأحاديث كقوله ﵌: "المجاهد من جاهد نفسه في الله ﷿" و"أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله ﷿"، فله أن يدعم ذلك بالآثار كالذى ثبت عن إبراهيم بن أبى عبلة - التابعي الجليل - أنَّه قال لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل، وفي الجهاد الأكبر، قال: جهاد القلب، مع توجيه معناه الوجهة الصحيحة بما لا يتوهم منه الحط من شأن مجاهدة العدو من الكفار والمنافقين.
وإذا كان يحاضر في فضيلة التوبة فبعد إيراد الآيات والأحاديث الكثيرة الطيبة، له أن يستشهد بقول الشعبى ﵀:
(التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. فإن كتاب الله ﷿ يشهد لصحة هذا القول، بل على أفضل منه كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ]. ولا حرج على فضل الله ﷿.
هذا لمن أراد أن يستبرئ لدينه ويسلم من الكذب والغلط على النبي ﵌، فقد علمنا النبي ﵌ أن من حدث بكل حديث يسمعه أو يتناهى إلى علمه بوسيلة من الوسائل، فسيقع في الكذب عليه لا محالة، فقال: "كفى بالْمَرء كذبًا أن يحدث
[ ١ / ٦ ]
بكل ما سمع" ويبين قوله ﵌: "بئس مطية الرجل: زعموا" إن الَّذي يكثر من الحكايات والروايات التي لا يعلم أصلها ولا صحتها، والتى من شأنها أن يولع بها السامعون وتقع منهم موقع القبول، هو رجل مذموم.
وحذَّر ﵌ أصحابه وأمته أن ينسبوا إليه غير الحق فقال- وهو على المنبر - "يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عنى. من قال عَلىَّ فلا يقولن إلا حقًّا أو صدقًا، فمن قال عَلَيَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار (*) ".
ألا فليتق الله رجال ونساء - نحسبهم من أهل الخير والفضل - يستطيع الواحد منهم أن يسوق عشرة أحاديث في نفس واحد، لعل النبي ﵌ لم يقل منها حرفًا واحدًا! مع خوف الفتنة العظيمة عليه فإن عوام السامعين يولعون بالغرائب والعجائب والمبالغات التي لا يصح منها إلا القليل.
ولا يشفع لهؤلاء الكرام رغبتهم في الخير، وشدة تأثير كثير من الأحاديث الواهية والموضوعة على نفوس كثير من الناس، ولا الرغبة في كان محاسن هذه الشريعة وسماحتها ولا غير ذلك من الأغراض الشريفة الطيبة فإن الخبيث لا يمحو الخبيث و(إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) وما مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) إلا أحد مبادئ الغرب الكافر، والمفتونين به.
ولنا في كتاب الله ﷿ والأحاديث الصحيحة والحسنة وآثار الصحابة والتابعين والسلف الصالح بعامة، ما يشفى الصدور ويَسُدّ الخلة.
_________________
(١) (*) رواه أحمد (٥/ ٢٩٧) والحاكم (١/ ١١١) وصححه على شرط مسلم، وإسناده جيد.
[ ١ / ٧ ]
وإني مورد في هذا الكتاب الَّذي سميته: [تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة] خمسين حديثًا - بمثابة القسم الأول منه - انتخبتها من كتب شتى وتحققت من صحة غالبها عن أحد الصحابة أو التابعين وتابعيهم، وقد يصح بعضها عن غير واحد منهم كحديث: "الحكمة ضالة المؤمن" وحديث: "خير الأمور أوساطها". أما كان حجيتها ومدى صلاحيتها للاحتجاج أو الاستشهاد، فكثيرًا ما أتجاوزه، وأدعه لأهل الشأن والاختصاص وفقًا لما تمليه عليهم القواعد العلمية للاستدلال والاستنباط، وقد أنشط لذلك أحيانا لا سيما إذا كان الموقوف من الأمور التي لا مجال للرأى والاجتهاد فيها. وعسى أن يكون هذا الكتاب خطوة أولى في خدمة آثار السلف الصالح وتمييز صحيحها من سقيمها، حيث لم تلق الآثار من العناية والاهتمام ما لقيته أحاديث النبي ﵌. والله أسأل أن يبارك لى في وقتى وعمرى وعملى وأن يجعله كله صالحًا ولوجهه الكريم خالصا. وأن يرزقني وإخواني العلم النافع والعمل الصالح والحياة الطيبة.
وكتبه: محمد عمرو بن عبد اللطيف.
القاهرة في: الثامن عشر من شوال ١٤٠٨ هـ.
[ ١ / ٨ ]