الأولى: أن القنوت في النوازل من السنن المؤكدة عند أهل الحديث وجمهور الفقهاء.
الثانية: أنه لا يختص بصلاة الصبح وحدها، فقد ثبت ذلك -كما رأيت - وثبت أيضًا في الصبح والظهر والعشاء. فعله أبو هريرة ثم قال: "لأنا أشبهكم صلاةً برسول الله ﵌". وثبت أيضًا في الصبح والمغرب.
_________________
(١) = والمناكير. والله أعلم.
[ ٢ / ٩٦ ]
رواه مسلم وغيره عن البراء. وثبت في الصلوات الخمس جميعها. رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس، وإسناده جيد.
الثالثة: أن قنوت عمررضي الله عنه- يسمى الشطر الثانى منه: السورتين - سورتى الخَلع والحَفد- قال ميمون بن مهران ﵀: "في قراءة أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق". وكذلك قال حماد بن سلمة ﵀: قرأنا في مصحف أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك الأثر بنحوه. وأخرج ابن نصر عن ابن إسحاق قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق: بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد- إلى آخرها - بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق- إلى آخرها- بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس - إلى آخرها- بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك الأثر وبوب على ذلك وغيره كثير، الإِمام السيوطى ﵀ في "الدر": (ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد) (٦/ ٤٢٢: ٤٢٠) فانظره. وللقنوت بالسورتين شأن عظيم عند كثير من السلف كما تراه في مصنفى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق و"قيام الليل" لابن نصر مع ما أحلنا عليه القارئ من نقول السيوطى. وبالغ بعض أهل الحديث في شأنه، فقال عبد الله ابن داود الخريبى الكوفى﵀-: "من لم يقنت به بالسورتين، فلا يصلى خلفه" كما في "بداية المجتهد" لابن رشد ﵀ (١/ ٩٦).
الرابعة: أن الدعاء في قنوت النازلة لا يكون بالتشهى، ولا كيفما اتفق، يل باتباع الوارد الثابت - قدر الاستطاعة - ويتضمن لزاما الدعاء لقوم والدعاء على آخرين. لقول أبي هريرة في حديث البخارى المتقدم، وفي رواية ابن حبان: "كان رسول الله ﵌ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم". ولقول أنس ﵁: "أن النبي
[ ٢ / ٩٧ ]
﵌ كان لا يقنت إلا إذا دعى لقوم أو دعى على قوم". قال صاحب "التنقيح": "وسند هذين الحديثين صحيح، وهما نص في أن القنوت مختصٌ بالنازلة". وصححهما أيضًا الحافظ ﵀ في "الدراية". انظر "الضعيفة" (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
الخامسة: أن قنوت عمر ﵁، ورد عن غيره من الصحابة كعثمان وعلى بأسانيد لا تثبت.
(وبعد) فإن مما يؤسف له أن كثيرًا من الناس لا يفطنون - ومنهم من ينكر أن يكون المسلمون في نازلة الآن! والنوازل قد حاقت بالعالم الإِسلامى أجمع، فلم تكد بقعة منه تسلم. والمستمسكون بحبل الله ينالهم النصيب الأوفى من العذاب والتنكيل والتشريد والاعتقال والإِبادة كما لا يخفى على أحد.
فالدعاء لهؤلاء المستضعفين من المسلمين في السجود وقيام الليل والقنوت من أجلهم من أدنى الواجبات التى بمقدور الجميع أن يقدمها لهم فهى أخف على النفوس التى يضن أصحابها أن يشروها لبارئها ﵎ ظفرًا بجواره في جنة الخلد، فماذا بقى إذًا لم نبخل به؟ ! وقد قال المعصوم ﵌: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم". وقال: "ابغونى في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". والمشاهد أن المسلمين الاَن قد ألهتهم مطالب الحياة وتحصيل الدنيا والسعى من أجلها، واللهو واللعب فيها - بل قد أُلهوا عمدًا بناء على تخطيط خبيث كما يعلم الفطناء - عن التفكير في فك رقابهم - أولًا- واستنقاذ إخوانهم المنكوبين بالدعاء والدعوة والبذل، فمتى نفلح ونحن لا نعيش إلا من أجل أنفسنا؟ نسأل الحق تعالى أن يرزقنا الإيثار والكد لصالح هذا الدين والقنوت من أجل المعذبين المزلزلين في أرجاء الأَرض من أجل العقيدة وفي سبيل الحق العلى الكبير. آمين.
[ ٢ / ٩٨ ]