في بيان الراجح في محل الذكر وإنما يصار إلى الترجيح عند تعذر الجمع، والجمع في هذا ممكن بأن يقال: يشرع هذا الذكر في كل
[ ٦٠ ]
عينه فيه إمام من الأئمة، ويؤيد ذلك اختلاف الألفاظ الواردة فيه مع الاختلاف في العدد، وكذا اختلاف الصلاة التي يقال فيها هل يعم جميع الصلوات أو يخص كل صلاة بخصوص. والثاني أولى في طريق الجمع فيقول يشرع قول (الباقيات الصالحات عشرا عشرا) عند إرادة الصلاة في الليل، ويضاف إليها سؤال المغفرة ويشرع أيضا في دعاء الافتتاح، وقد تنزل على حالين فمن يذكرها قبل الدخول في الصلاة قالها خارجها، ومن أيها استدرجها بين دعاء الافتتاح والقراءة، وهذا ينطبق على قوله (إذا قمت إلى الصلاة) فإنه يفهم منه ما قبل الدخول على تقدير الإرادة ففهم منه ما بعد الدخول فيها، ويشرع أيضا عند الفراغ من التشهد والصلاة على النبي ﷺ فيذكره الذكر المذكور فإذا فرغ منه دعا بما ورد مأثورا، وما كان له من طلب ثم يسلم وغلى هذا جنح النسائي فإنه ترجم (باب الذكر بعد التشهد)، وأورد حديث أنس في سؤال أم سليم المذكور، ولعله أخذه من قوله في الحديث الآخر عن عبد الله بن عمرو وغيره (في دبر كل صلاة) فإن دبر الشيء حقيقة حيثية مؤخر، ويطلق أيضا على ما يلحقه ولا تخلل بينهما، فعلى الأول فأليق المواضع به ما بين التشهد والسلام فإنه الجزء الأخير من الصلاة اتفاقا إن كان المراد بدبر الصلاة الحقيقة، وعلى الثاني فهو موافق لما ورد به الحديث الآخر عن أبي ذر في الصحيحين في قصة فقراء المهاجرين، وقولهم: (ذهب أهل الدثور بالأجور) وفيه (يسبحون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين) فقد وقع الاتفاق على أن المراد بدبر الصلاة هنا ما بعد السلام بخلاف قوله ﷺ لمعاذ: (لا تدعن كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك،
[ ٦١ ]
وحسن عبادتك) فإنهم اختلفوا هل يقال في الجلوس الأخير قبل السلام، أو يقال بعد السلام كما في حديث أهل الدثور، فلعل النسائي ممن رجح: (اللهم أعني) قبل السلام، فهذا الذي قلناه طريق الجمع بين ما وقع فيه الاختلاف في المحل، وأما إذا احتجنا إلى الترجيح فإنا نقول: يمكن رد الجميع إلى ما بعد السلام من الصلاة ويكون قوله: إذا قمت إلى الصلاة أي إذا صليت وفرغت فقولي، ويحمل قوله أفتتح به صلاتي أي دعائي إذا فرغت من الصلاة المكتوبة أو غيرها، ويحمل قوله في الصلاة أي عقبها ويكون أطلق ذلك مجازا للمجاورة ولا يخفى تكلف ذلك كله فالأولى ما تقدم.