قوله: ونسخ التوجه، والوصية للأقربين بالمواريث٢.
سيأتي الكلام على هذا في مسألتين من هذا الباب٣.
قوله: وأيضا فإنه وقع "كنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر"، "وتحريم ادخار لحوم الأضاحي"٤.
_________________
(١) ١ النسخ لغة: الإزالة، وهو الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي: أزالته ورفعته. وفي اصطلاح الأصوليين: نسخ حكم شرعي بدليل متراخٍ. انظر مادة "نسخ" في القاموس المحيط ١/ ٢٨١، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٥٢٥، ٥٢٦. وانظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٢٤. ٢ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٣ و١٦٤". ٣ انظر صفحة "٣٩٠-٣٩٥ و٣٩٨-٤٠١". ٤ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٥".
[ ٣٢٠ ]
هذان حديثان، الأول:
٢٦٤- روى أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ، عن حجاج بن محمد الأعور١، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء٢، عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني٣ عن ابن عباس في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤ قال: كان كتابه على أصحاب محمد -ﷺ- أن المرأة أو الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد. فإذا صلى العتمة أو رقد، منع ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسختها هذه الآية:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٥.
هذا الإسناد فيه شيئان:
_________________
(١) ١ هو: حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، الترمذي الأصل. نزل بغداد، ثم المصيصة. ثقة، ثبت، لكنه اختلط قبل موته. من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومائتين. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤٥، التقريب ١/ ١٥٤، التهذيب ٢/ ٢٠٥، الكواكب النيرات ص٤٥٦. ٢ هو: عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، أبو مسعود المقدسي. ضعيف من السابعة، مات سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين ومائة. التقريب ٢/ ١٢، التهذيب ٧/ ١٣٨، الميزان ٣/ ٤٨. ٣ هو: عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله. صدوق يهم كثيرا ويرسل ويدلس. من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، ولم يصح أن البخاري أخرج له. التقريب ٢/ ٢٣، التهذيب ٧/ ٢١٢، الميزان ٣/ ٧٣. ٤ من الآية "١٨٣" في سورة البقرة، وتتمتها: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . ٥ من الآية "١٨٧" في سورة البقرة. والحديث رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، باب ذكر الصيام وما نسخ منه "خ ل٢٠ ب و٢١".
[ ٣٢١ ]
أحدهما: أنه قد تكلم البخاري في عطاء الخراساني وقال: أحاديثه مقلوبة١. ووثقه أحمد بن حنبل٢، ويحيى بن معين٣، وأحمد بن عبد الله العجلي٤، وغيرهم٥.
الثاني: أن رواية عطاء هذا عن ابن عباس فيها انقطاع، فإنه لم يسمع منه٦.
٢٦٥- لكن يسدد هذا ما روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب -﵁- قال: "كان أصحاب رسول الله -ﷺ- إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري٧ كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال:
_________________
(١) ١ انظر الضعفاء الصغير ص٨٩. وقد ذكر الحافظ الذهبي في الميزان ٣/ ٧٤ عن الإمام الترمذي عنه ذلك. ٢ انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٧٤، وشرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٠. ٣ في تاريخ يحيى بن سعيد الدارمي عنه ص١٤٦. ٤ في ترتيب ثقات العجلي "خ ل٣٩ أ". ٥ قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٥: سألت أبي عن عطاء الخراساني فقال: لا بأس به، صدوق، قلت: يحتج به؟ قال: نعم. ٦ وفي الميزان عنه ٣/ ٧٤: ثقة، محتج به. وقال ابن سعد في الطبقات ٧/ ٣٦٠: ثقة. وقال الترمذي: " إن عطاء الخراساني ثقة عالم رباني، وثقه كل الأئمة ما خلا البخاري ولم يوافق على ما ذكره، وأكثر ما فيه أنه كان في حفظه سوء". انظر شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٠. قال أبو داود: لم يدرك ابن عباس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه، إلا أنه لم يلق ابن عباس. انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٧٤. "قلت": والحديث قد تقوى بمتابعة ابن جريج لعثمان بن عطاء، والله أعلم. ٧ اختلف رواة الأخبار في اسم هذا الصحابي وكنيته واسم أبيه؛ فقيل: هو صرمة بن قيس. وقيل: قيس بن صرمة. وقيل: قيس بن مالك. وقيل: قيس بن أنس. وقيل: أبو صرمة. وقيل: قيس بن عمرو. وقيل غير ذلك. وذكر في ترجمته أنه كان شيخا كبيرا. ترهّب في الجاهلية، واغتسل من الجنابة، ثم آمن بالنبي -ﷺ- وكان قوّالا بالحق، وله شعر حسن، وعمّر. الإصابة ٣/ ٤٢٣ و٥ ٤٧٨.
[ ٣٢٢ ]
أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل فغلبته عينه، فجاءت امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ١ ففرحوا بها فرحا شديدا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ "٢.
وأما الثاني:
وهو تحريم ادخار لحوم الأضاحي.
٢٦٦- فعن بريدة بن [الحصيب] ٣ الأسلمي -﵁- قال: "قال رسول الله ﷺ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم الحديث " ".
_________________
(١) ١ الآية: "١٨٧" من سورة البقرة وتمامها: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . ٢ رواه البخاري في كتاب الصوم، باب "١٥" قول الله، جل ذكره: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ إلخ ٢/ ٢٣٠ بمثله. وأخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب مبدأ فرض الصيام، حديث "٢٣١٤" ٢/ ٧٣٧. وأخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، حديث "٢٩٦٨" ٥/ ٢١٠ وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه النسائي في كتاب الصيام، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ إلخ ٤/ ١٤٧. وأخرجه الدارمي في كتاب الصوم، باب متى يمسك المتسحر من الطعام والشراب ٢/ ٥. ٣ في الأصل "الخصيب" بالمعجمة، وهو خطأ. وهو: بريدة بن الحصيب -بضم المهملة وفتح الصاد- بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، صحابي كريم، أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد خيبر والفتح، وكان معه اللواء واستعمله النبي -ﷺ- على صدقة قومه. توفي سنة ثلاث وستين، رضي الله تعالى عنه. الإصابة ١/ ٢٨٦، التهذيب ١/ ٤٣٢، السير ٢/ ٤٦٩.
[ ٣٢٣ ]
رواه مسلم١.
قوله:
لنا ما تقدم، وبأنه نسخ التخيير في الصوم والفدية، وصوم عاشوراء: برمضان، والحبس في البيوت: بالحد٢.
هذه ثلاثة أحكام:
الأول: هو نسخ التخيير بين الصوم والفدية برمضان.
٢٦٧- عن سلمة بن الأكوع٣ قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٤ كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت
_________________
(١) ١ مسلم في كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه -﷿- في زيارة قبر أمه. حديث "١٠٦" ٢/ ٦٧٢، وسيأتي في الحديث رقم "٢٧٩". وأخرجه أبو داود: في كتاب الأضاحي، باب ما كان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، حديث "٣٦٩٨" ٤/ ٩٧. وأخرجه الترمذي في أبواب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث "١٠٥٤" ٣/ ٣٦١. وفي أبواب الأضاحي، باب ما جاء في الرخصة في أكلها -أي الأضحية- بعد ثلاث، حديث "١٥١٠" ٤/ ٩٤، ٩٥. وقال أبو عيسى: حديث بريدة حسن صحيح. وسيأتي في الحديث رقم "٢٧٩". وأخرجه النسائي: في كتاب الجنائز، باب زيارة القبور ٤/ ٨٩. وفي كتاب الضحايا، باب الإذن في ذلك ٧/ ٢٣٤. وفي كتاب الأشربة، باب الإذن في شيء منها ٨/ ٣١٠ و٣١١. وأخرجه ابن ماجه: في كتاب الأشربة، باب ما رخص فيه من ذلك، حديث "٣٤٠٥" ٢/ ١١٢٦. وأخرجه الإمام أحمد ٥/ ٣٥٠ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٩. ٢ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٥٦". ٣ هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله أبو مسلم وأبو إياس، الأسلمي الحجازي المدني، صحابي شهد بيعة الرضوان. مات سنة أربع وسبعين، رضي الله تعالى عنه. الإصابة ٣/ ١٥١، التهذيب ٤/ ١٥٠، السير ٣/ ٣٢٦. ٤ من الآية "١٨٤" في سورة البقرة.
[ ٣٢٤ ]
الآية التي بعدها [فنسختها] ١".
وفي رواية، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢.
رواه البخاري ومسلم٣.
وأما الثاني: وهو نسخ صوم عاشوراء برمضان.
فسيأتي في هذا الباب٤.
وأما الثالث: وهو نسخ الحبس في البيوت بالحد.
٢٦٨- فقال أبو عبيد: ثنا عبد الله بن صالح٥ -هو كاتب الليث بن
_________________
(١) ١ ساقطة من النسختين، وما أثبته من الصحيحين. ٢ من الآية "١٨٥" في سورة البقرة. ٣ البخاري في كتاب تفسير القرآن "تفسير سورة البقرة" باب "٢٥" قوله: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ إلخ ٥/ ١٥٥. ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ حديث "١٤٩" ٢/ ٨٠٢" وفيه لفظه. وعند مسلم الرواية التي أشار إليها المصنف، أخرجها بنحو حديث الباب، حديث رقم "١٥٠" ٢/ ٨٠٢. وأخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ حديث "٢٣١٥" ٢/ ٧٣٧. وأخرجه الترمذي في أبواب الصوم، باب ما جاء: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ حديث "٧٩٨" ٣/ ١٥٣. وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وأخرجه النسائي في كتاب الصيام، باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٤/ ١٩٠. وأخرجه الدارمي في كتاب الصيام، باب تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢/ ١٥. ٤ انظر الحديث رقم "٢٨٨". ٥ هو: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابته وكان فيه غفلة. من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. التقريب ١/ ٤٢٣، التهذيب ٥/ ٢٥٦، الميزان ٢/ ٤٤٠.
[ ٣٢٥ ]
سعد- عن معاوية بن صالح الحضرمي١، عن علي بن أبي طلحة٢، عن ابن عباس في هذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ٣.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ ٤.
قال: كانت المرأة إذا زنت، حُبست في البيت حتى تموت. وكان الرجل إذا زنى، أُوذي بالتعيير والضرب بالنعل. قال: فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥.
قال: وإن [كانا] ٦ محصنين، رُجما بسنة رسول الله ﷺ.
قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما، يعني قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ هو: معاوية بن صالح بن حدير -بالمهملة مصغرا- الحضرمي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن، الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام. من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين. التقريب ٢/ ٢٥٩، التهذيب ١٠/ ٢٠٩، الميزان ٤/ ١٣٥. ٢ هو: علي بن أبي طلحة سالم بن المخارق الهاشمي مولاهم -مولى بني العباس- سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره. من السادسة، صدوق يخطئ. مات سنة ثلاث وأربعين. التقريب ٢/ ٣٩، التهذيب ٧/ ٣٣٩، الميزان ٣/ ١٣٤. ٣ الآية "١٥" من سورة النساء، وهي غير مذكورة في الناسخ والمنسوخ، النسخة الخطية التي اعتمدتها "انظر ل٨٩ ب". ٤ من الآية "١٦" في سورة النساء. ٥ من الآية "٢" في سورة النور. ٦ في الأصل "كان" وفي ف كما أثبته. ٧ من الآية "١٥" في سورة النساء. وهذا الأثر أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ "ل٨٩ ب و٩٠ أ".
[ ٣٢٦ ]
هذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس١.
٢٦٩- لكن روى مسلم في صحيحه ما يسدد هذا عن عبادة بن الصامت٢ قال: "كان نبي الله -ﷺ- إذا أُنزل عليه كرب لذلك وتربَّد وجهه، فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك. فلما سري عنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم" "٣.
_________________
(١) ١ قال ابن معين في رواية أبي خالد الدقاق ص٨٥: روى عنه بديل في التفسير، ولم يسمع من ابن عباس شيئا، فروى مرسلا. وقال دحيم: لم يسمع علي بن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس. وقال الذهبي في الميزان: روى معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس تفسيرا كبيرا ممتعا. انظر الميزان ٣/ ١٣٤. ٢ هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر الأنصاري الخزرجي صحابي جليل مشهور، كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. مات بالرملة، سنة أربع وثلاثين رضي الله تعالى عنه. الإصابة ٣/ ٦٢٤، التهذيب ٥/ ١١١، السير ٢/ ٥. ٣ مسلم: في كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث "١٢-١٤" ٣/ ١٣١٦، ١٣١٧. وأخرجه أبو داود: في كتاب الحدود، باب في الرجم، حديث "٤٤١٥، ٤٤١٦" ٤/ ٥٦٩-٥٧١. وأخرجه الترمذي: في أبواب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، حديث "٤٣٤" ٤/ ٤١. وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه ابن ماجه: في كتاب الحدود، باب حد الزنا، حديث "٢٥٥٠" ٢/ ٨٥٢. وأخرجه الإمام أحمد: ٥/ ٣١٧ و٣١٨ و٣٢١ و٣٢٧. وأخرجه أبو عبيد: في الناسخ والمنسوخ ل٩٠ ب. توضيح: قوله في الحديث: كرب لذلك وتربد وجهه. الكرب: الشدة، أي: اشتدّ عليه الوحي وثقل. وتربد وجههأي: تغير إلى الغبرة، وقيل: الربدة: لون بين السواد والغبرة. انظر مادة "ربد" في النهاية ٢/ ١٨٣. =
[ ٣٢٧ ]
قوله: وأيضا الوقوع. عن عمر -﵁- قال: "كان فيما أُنزل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة""١.
٢٧٠- عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل٢: لا نجد حدين في كتاب الله تعالى؛ فلقد رجم رسول الله -ﷺ-[ورجمنا] ٣. فوالذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" فإنا قد قرأناها".
رواه الشافعي وهذا لفظه، والترمذي بنحوه٤.
_________________
(١) = "قلت": فالوحي شاق وأمره عظيم، فليس هو بالأمر الهين أو السهل. قال تعالى: ﴿إِ نَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٧٣] ثقيل في وقت نزوله، وثقيل التبعات. فالرسالة لا يحملها أو يتحملها إلا من ثبّت الله فؤاده، وآتاه الله تعالى القوة، في الجسم والعقل والقلب وهيأه لحملها، وهم الأنبياء والرسل، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم. فما أسرع ما انكشف وينكشف الكذبة والأدعياء وفضح أمرهم، وذاع شين تقولهم وفعالهم؛ فوصموا بالكذب والزور إلى يوم الدين، وأنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقد بين رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث سبيل من زنى. قال النووي: وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة جلدة، ورجم المحصن -وهو الثيب- حتى الموت -والزانية كذلك- واختلف في التغريب والنفي. انظر شرح الحديث في شرح النووي على مسلم ١١/ ١٨٨-١٩٠. ١ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٦". ٢ في ف زيادة "أنا" بعدها، وهي غير موجودة في الأصل ولا في مسند الشافعي ولا في موطأ مالك. ٣ ساقطة من النسختين، وأثبتها من المسند ومن الموطأ. ٤ الشافعي في مسنده ص١٦٣، ١٦٤. والترمذي في أبواب الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم على الثيب ٤/ ٣٨، حديث "١٤٣١". وقال أبو عيسى: "حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن عمر". وأخرجه الإمام في الموطأ، في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم، حديث "١٠" ٢/ ٨٢٤ بلفظ حديث الباب وفي حديثه قصة. =
[ ٣٢٨ ]
٢٧١- وللبخاري ومسلم عن ابن عباس، عن عمر، قريب من هذا١.
٢٧٢- وروى النسائي في السنن بإسناد جيد، عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف٢، عن خالته٣، قالت: "لقد أقرأناها رسول الله -ﷺ- آية الرجم:
_________________
(١) = توضيح: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" أي: إذا زنيا وكانا محصنين، وهذه الآية منسوخة التلاوة ثابتة الحكم؛ ولذلك أكد سيدنا عمر -﵁- حكمها، لئلا يتوهم متوهم أن حكم الزاني الجلد وحده، محصنا كان أو غير محصن. وقد تقدم في التوضيح في الحديث قبله قول الإمام النووي: الإجماع على هذا. وسيأتي في الحديث بعده عن ابن عباس عن عمر -﵄- ما يزيد ذلك وضوحا، وانظر تفصيل هذا الموضوع في الفتح ١٢/ ١٣٧-١٥٩. ١ البخاري في كتاب المحاربين من أهل الكفارة والردة، باب "٣٠" الاعتراف بالزنا ٨/ ٢٥. ولفظه: "عن ابن عباس -﵄- قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا بعده". وفي باب "٣١" رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ٨/ ٢٥-٢٨ في حديث السقيفة الطويل. وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب "١٦" ما ذكر النبي -ﷺ- وحضّ على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة إلخ ٨/ ١٥٢ مختصرا جدا، وفيه قصة. ومسلم في كتاب الحدود، باب رجم الثيب من الزنا، حديث "١٥" ٣/ ١٣١٧. وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم على الثيب، حديث "١٤٣٢" ٤/ ٣٨. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، في الرجم. انظر تحفة الأشراف ٨/ ٤٩. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود، باب الرجم، حديث "٢٥٥٣" ٢/ ٨٥٣. ٢ هو: أسعد بن سهل بن حنيف -بضم المهملة- الأنصاري أبو أمامة، معروف بكنيته معدود في الصحابة، له رؤية، لم يسمع من النبي ﷺ. مات سنة مائة، رضي الله تعالى عنه. الإصابة ١/ ١٨١، التهذيب ١/ ٢٦٣. ٣ خالته هي: العجماء الأنصارية. وذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمتها الحديث المتقدم، وعزاه للطبراني وابن مندة. الإصابة ٨/ ٢٣.
[ ٣٢٩ ]
"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من لذتهما""١.
قوله: ونسخ الإعداد بالحول٢.
٢٧٣- عن عبد الله بن الزبير٣ قال: "قلت لعثمان٤: هذه الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ٥ إلى قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلِمَ تكتبها؟ قال: ندعها يابن أخي، لا نغير٦ شيئا٧ من مكانه".
رواه البخاري٨.
_________________
(١) ١ لم أقف عليه عند النسائي في السنن الصغرى، وقول المصنف: وروى النسائي في السن، لعله أراد سننه الكبرى حيث إن فيها كتاب الرجم والتفسير دو الصغرى. ونسبه الزركشي في المعتبر إلى الطبراني، انظر: ل "٧٧ ب". وقال الحافظ في الموافقة ل٢٠٣ ب: أخرجه الطبراني وابن مندة في المعرفة، من رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن خالته العجماء، قالت: "سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الشيخ والشيخة " " الحديث. وقال: وسنده حسن. ٢ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٦". ٣ هو: عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر وأبو خبيب -بالتصغير- صحابي جليل مشهور، وأمه أسماء بنت الصديق -﵄- وكان أول مولد للمهاجرين بالمدينة. توفي سنة ثلاث وسبعين، ﵁. الإصابة ٤/ ٨٩، التهذيب ٥/ ٢١٣، السير ٣/ ٣٦٣. ٤ أمير المؤمنين، ﵁. ٥ من الآية ٢٤٠ في سورة البقرة، وتتمتها: ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . ٦ كذا في النسختين "نغير"، والذي في الصحيح "أغير". ٧ الذي في الصحيح: "شيئا منه من مكانه". ٨ البخاري في كتاب تفسير القرآن "تفسير سورة البقرة" باب "٤٥": ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾ إلخ ٥/ ١٦٣. وفي باب "٤١": ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ إلخ ٥/ ١٦٠. توضيح: قوله: فلِمَ تكتبها؟ أي: لِمَ تكتبها وقد علمت أنها منسوخة. وفي جواب سيدنا عثمان =
[ ٣٣٠ ]
قوله: وعن عائشة ﵂: "كان فيما أنزل: عشر رضعات محرمات"١.
٢٧٤- روى مسلم عن عائشة -﵂- قالت: "كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات تحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله -ﷺ- وهن فيما يُقرأ من القرآن".
وقد تقدم هذا في الباب قبله٢.
قوله: قالوا: وقع، فإن أهل قباء سمعوا مناديه ﷺ: ألا إن القبلة قد حُولت، فاستداروا٣.
٢٧٥- عن ابن عمر -﵄- قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذا جاءهم آت فقال: إن النبي -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر
_________________
(١) = لابن الزبير ﵃، دليل على أن ترتيب آي القرآن توقيفي ولا يجوز تبديله إلا بوحي، وقد انقطع الوحي والترتيب كان على هذا. فقال له سيدنا عثمان: لا أغير شيئا من القرآن من مكانه. قال الحافظ: وكأن عبد الله بن الزبير -﵁- ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب. فأجابه عثمان بأن ذلك ليس بلازم، والمتبع فيه التوقيف. انظر فتح الباري ٨/ ١٩٣-١٩٥. وتجدر الإشارة إلى أن أقسام القرآن الكريم من حيث النسخ والإثبات، تنقسم إلى أربعة أقسام:
(٢) قسم ثبت لفظه وحكمه.
(٣) قسم ارتفع حكمه ولفظه.
(٤) قسم ارتفع لفظه وبقي حكمه.
(٥) قسم ارتفع حكمه وبقي لفظه. ويكون النسخ في القسم الثاني والثالث والرابع، أما القسم الأول فلا نسخ فيه. انظر مقدمة الاعتبار للحازمي ص٥، ٦. ١ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٦" وفيه زيادة: "فنسخن بخمس". ٢ في الحديث رقم "٢٦١". ٣ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٧".
[ ٣٣١ ]
أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة". رواه البخاري ومسلم١.
٢٧٦- ولهما عن البراء مثله٢.
٢٧٧- ولمسلم عن أنس مثله٣.
قوله: قالوا: كان يرسل الآحاد، بتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة٤.
_________________
(١) ١ البخاري: في كتاب الصلاة، باب "٣٢" ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها، فصلى إلى غير القبلة إلخ ١/ ١٠٥. وفي كتاب تفسير القرآن "تفسير سورة البقرة" باب ١٤": ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ إلخ. وفي باب "١٦": ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ إلخ. وفي باب "١٧": ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ إلخ. وفي باب "١٨": ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ إلخ. وفي باب "١٩": ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ إلخ. وفي باب "٢٠": ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٥/ ١٥١-١٥٣. وفي كتاب خبر الواحد، باب "١" ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق إلخ ٨/ ١٣٣. ومسلم: في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، حديث "١٣، ١٤" ١/ ٣٧٥. وأخرجه الترمذي: في أبواب الصلاة، باب ما جاء في ابتداء القبلة، حديث "٣٤١" ١/ ١٧٠. وقال أبو عيسى: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح". وأخرجه النسائي: في كتاب القبلة، باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد ٢/ ٦١. وأخرجه الإمام مالك: في كتاب القبلة، باب ما جاء في القبلة، حديث "٦" ١/ ١٩٥. وأخرجه الدارمي: في كتاب الصلاة، باب في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ١/ ٢٨١. ٢ سيأتي كاملا في الحديث رقم "٢٨٢" وتخريجه. ٣ سيأتي كاملا في الحديث رقم "٢٨٣" وتخريجه. ٤ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٨".
[ ٣٣٢ ]
تقدم بيان هذا في مسائل الإخبار١.
قوله: قالوا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ ٢ نسخ "بنهيه عن كل ذي ناب من السباع"٣.
٢٧٨- عن أبي ثعلبة الخشني٤ "أن رسول الله -ﷺ- نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع".
رواه الجماعة٥.
_________________
(١) ١ انظر ص"١٦٢-١٦٥". ٢ إشارة إلى الآية ١٤٥ من سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ٣ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٨". ٤ هو: أبو ثعلبة الخشني -بضم المعجمة- صحابي مشهور بكنيته. اختلف في اسمه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه جرثوم أو جرثومة، أو جرهم، أو لا شر، وقيل غير ذلك، وكذلك اختلف في اسم أبيه. مات سنة خمس وسبعين، وقيل: قبل ذلك بكثير، أو في خلافة معاوية بعد الأربعين، رضي الله تعالى عنه. الإصابة ٧/ ٥٨، التقريب ٢/ ٤٠٤، التهذيب ١٢/ ٤٩. ٥ البخاري: في كتاب الصيد، باب "٢٩" أكل كل ذي ناب من السباع ٦/ ٢٣٠. وفي كتاب الطب، باب "٥٧" ألبان الأتن ٧/ ٣٣. ومسلم: في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، حديث "١٢-١٤" ٣/ ١٥٣٣. وأبو داود: في كتاب الأطعمة، باب الأكل في آنية الكفار، حديث "٣٨٠٢/ ١٥٩". والترمذي: في أبواب الأطعمة، باب الأكل في آنية الكفار، حديث "١٧٩٦" ٤/ ٢٥٥ بنحوه، وفي أوله زيادة. والنسائي: في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل السباع. وفي باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية ٧/ ٢٠٠-٢٠٤. وابن ماجه: في كتاب الصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث "٣٢٣٢" ٢/ ١٠٧٧. وأخرجه الإمام مالك: في كتاب الصيد، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث "١٣" ٢/ ٤٩٦. بلفظ: "أكل ذي ناب من السباع حرام". وأخرجه الدارمي: في كتاب الأضاحي، باب ما لا يؤكل من السباع ٢/ ٨٥.
[ ٣٣٣ ]
٢٧٩- ولمسلم عن أبي هريرة -﵁- مثله١.
٢٨٠- وله مثله عن ابن عباس، وزيادة: "وكل ذي مخلب من الطير"٢.
قوله: ويتعين الناسخ بعلم تأخره، أو بقوله ﷺ: هذا ناسخ٣.
لم يرد المصنف أن هذا حديث، وإنما خرج ذلك مخرج المثال.
قوله: أو ما في معناه، مثل: "كنت نهيتكم" ٤.
٢٨٢- عن بريدة الأسلمي -﵁- قال: قال رسول الله، ﷺ:
_________________
(١) ١ مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع إلخ، حديث "١٥" ٣/ ١٥٣٤. ولفظه: $"كل ذي ناب من السباع فأكله حرام". وأخرجه النسائي: في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل السباع ٧/ ٢٠٠. وأخرجه ابن ماجه: في كتاب الصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث "٣٢٣٣" ٢/ ١٠٧٧. وأخرجه الإمام مالك: في كتاب الصيد، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث "١٤" ٢/ ٤٩٦. ٢ مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ناب إلخ، حديث "١٦" ٣/ ١٥٣٤. وأخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، حديث "٣٨٠٣ و٣٨٠٥" ٤/ ١٥٩، ١٦٠. وأخرجه النسائي: في كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة أكل لحوم الدجاج ٧/ ٢٠٦. وأخرجه ابن ماجه: في كتاب الصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث "٣٢٣٤" ٢/ ١٠٧٧. وأخرجه الدارمي: في كتاب الأضاحي، باب ما لا يؤكل من السباع ٢/ ٨٥. وأخرجه الإمام أحمد: ١/ ٢٤٤ و٢٨٩ و٣٠٢ و٣٢٧ و٣٣٢ و٣٣٩ و٣٧٣. ٣ أو يكون لفظ الصحابي ناطقا به، أو أن تجتمع الأمة في حكم على أنه منسوخ. انظر الحازمي في الاعتبار ص٢٦-٢٩. وانظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٨". ٤ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٨".
[ ٣٣٤ ]
"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوث ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا".
رواه مسلم وهذا لفظه١، والترمذي وصححه ولفظه:
"قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تذكر الآخرة" ٢.
قوله: وأيضا التوجه إلى المقدس بالسنة ونسخ القرآن، والمباشرة بالليل كذلك، ويوم عاشوراء٣.
هذه ثلاثة أحكام:
الأول: اختلف العلماء في أصل شرعية التوجه إلى المقدس في ابتداء الإسلام: هل كان بالسنة، أو بالقرآن؟ على قولين حكاهما الحافظ أبو بكر
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في الحديث رقم "٢٦٦". ٢ الترمذي في أبواب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث "١٠٥٤" ٣/ ٣٦١. وقال أبو عيسى: "حديث بريدة حديث حسن صحيح". وأخرجه، في أبواب الأضاحي، باب ما جاء في الرخصة في أكلها بعد ثلاث، حديث "١٥١٠" ٤/ ٩٤، ٩٥. وقال أبو عيسى: "حديث بريدة حديث حسن صحيح" ولفظه: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ليتسع ذو الطول على من لا طول له. فكلوا ما بدا لكم واطعموا وادخروا". وذو الطول في الحديث: صاحب القدرة والسعة، على من لا قدرة له. انظر تحفة الأحوذي ٥/ ٩٩. ٣ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٨" وفيه: "التوجه إلى بيت المقدس وصوم يوم عاشوراء".
[ ٣٣٥ ]
محمد بن موسى الحازمي١ في الناسخ والمنسوخ٢:
دليل من قال بالأول، وهو أن [أصله] ٣ السنة: ظواهر أحاديث٤، منها:
٢٨٢- عن البراء بن عازب "أن النبي -ﷺ- كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو٥ أخواله من الأنصار، وأنه -ﷺ- صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت".
وذكر الحديث إلى أن قال: "وكانت اليهود قد أعجبهم٦ إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس وأهل الكتاب. فلما وجه إلى البيت أنكروا ذلك الحديث".
رواه البخاري ومسلم٧.
_________________
(١) ١ هو: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن الحازمي الهمذاني. كان ثقة، حجة، نبيلا، زاهدا، عابدا، ورعا، مصنفا. مات سنة أربع وثمانين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٦٤. ٢ انظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص١٢٦. "قلت": ومنشأ الخلاف في المسألة: هو: هل السنة تنسخ بالكتاب والكتاب بالسنة، أم لا بد من التجانس بين الناسخ والمنسوخ؟ فيكون لا ينسخ القرآن إلا بالقرآن، وكذلك السنة، ويتفرع عليه نسخ التوجه إلى بيت المقدس. فمن ذهب إلى أن الكتاب ينسخ السنة، والسنة المتواترة تنسخ الكتاب، يرى أن التوجه إلى بيت المقدس في ابتداء الهجرة كان ثابتا بالسنة ثم نسخ بالقرآن. ومن يرى أن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، والسنة لا تنسخ إلا بالسنة، يرى أن التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة كان ثابتا بالقرآن ثم نسخ بالقرآن. وقد ذكر المصنف بعض ما استدل به كلا الفريقين على رأيه. وانظر الاعتبار ص١٢٥-١٢٨. ٣ في الأصل "أصل". ٤ في ف "الأحاديث". ٥ في صحيح البخاري: "أو قال". ٦ في نسخة ف: جاء زيادة لفظ "ذلك" بعدها، والذي في الأصل وفي صحيح البخاري كما أثبته. ٧ البخاري: في كتاب الإيمان، باب "٣٠" الصلاة من الإيمان إلخ ١/ ١٥ باختلاف يسير في بعض ألفاظه. وتمامه " وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر =
[ ٣٣٦ ]
٢٨٣- وعن أنس: "أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١ الحديث".
رواه مسلم٢.
_________________
(١) = وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله -ﷺ- قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك". وفي كتاب الصلاة، باب "٣١" التوجه نحو القبلة حيث كان إلخ ١/ ١٠٤. وفي كتاب تفسير القرآن "تفسير سورة البقرة"، باب "١٢": ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾ إلخ ٥/ ١٥٠. وفي باب "١٨": ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ إلخ ٥/ ١٥٢ مختصرا جدا. وفي كتاب أخبار الآحاد، باب "١" ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق ٨/ ١٣٤. ومسلم: في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، حديث "١١، ١٢" ١/ ٣٧٤. وأخرجه الترمذي: في أبواب الصلاة، باب ما جاء في ابتداء القبلة، حديث "٣٤٠" ٢/ ١٦٩. وقال أبو عيسى: "حديث البراء حديث حسن صحيح". وأخرجه النسائي: في كتاب القبلة، باب استقبال القبلة ٢/ ٦٠. وأخرجه ابن ماجه: في كتاب إقامة الصلاة، باب القبلة، حديث "١٠١٠" ١/ ٣٢٢. وأخرجه الإمام أحمد ٤/ ٢٨٣. ١ من الآية ١٤٤ في سورة البقرة. ٢ مسلم: في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة إلخ، حديث "١٥" ١/ ٣٧٥ وتتمته: " فمر رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت؛ فمالوا كما هم نحو القبلة". وأخرجه أبو داود: في كتاب الصلاة، باب من صلى لغير القبلة ثم علم، حديث "١٠٤٥" ١/ ٦٣٣. توضيح: تقدم في حديث البراء -﵁- أنه أول صلاة صلاها العصر، وهنا في حديث أنس: "وهم ركوع في صلاة الصبح" وقد أجاب الحافظ في الفتح ١/ ٥٠٦ على هذا فقال: والجواب: أن لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء.
[ ٣٣٧ ]
- وعن ابن عباس -﵄- قال: "كان رسول الله -ﷺ- وهو بمكة يصلي نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه. وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم انصرف١ إلى الكعبة" رواه أحمد٢.
دليل القول الثاني: وهو أن أصل٣ شرعيته بالقرآن:
٢٨٥- ما رواه أبو عبيد، عن٤ حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس -﵃- قال: "أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى٥: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٦ قال: فصلى رسول الله -ﷺ- نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق٧. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٨ يعنون: بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٩ فصرفه الله تعالى إلى البيت العتيق، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ
_________________
(١) ١ كذا في النسختين، وفي المسند "صُرِفَ". ٢ مسند الإمام أحمد ١/ ٣٢٥ وإسناده صحيح. ٣ في ف: "أصله بالقرآن". ٤ عند أبي عبيد: "قال: حدثنا" بدل عن". ٥ في ف: "جل ثناؤه". ٦ من الآية "١١٥" من سورة البقرة، وتتمتها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . ٧ وعند أبي عبيد بعد ذلك هذه الزيادة: "قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . قال: قال ابن عباس: يعني أهل اليقين من أهل الشك والريبة، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: يعني تحويلها عن أهل الشك، ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قال: يعني الصادقين بما أنزل الله ﷿". ٨ الآية "١٤٢" من سورة البقرة. ٩ الآية "١٤٢" من سورة البقرة.
[ ٣٣٨ ]
حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ "١.
٢٨٦- وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵃- قال: "أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة -وكان أكثر أهلها اليهود- أمره أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود بذلك، فاستقبله رسول الله -ﷺ- بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله -ﷺ- يحب قبلة إبراهيم [ﷺ] ٢ وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تعالى٣: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ "٤.
وأما الحكم الثاني: وهو المباشرة بالليل.
ومراد المصنف أن المباشرة في ليل رمضان كانت محرمة بالسنة، ثم نسخ ذلك وأبيحت بالقرآن.
٢٨٧- فعن البراء بن عازب قال: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله عز
_________________
(١) ١ من الآية ١٤٩ من سورة البقرة. والأثر في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، في باب ذكر الصلاة ومعرفة ما فيها من الناسخ والمنسوخ، كتاب الكتاب والسنة "خ ل٩ أ". "قلت": وفيه: عثمان بن عطاء وهو ضعيف، ومتابعة ابن جريج له تقوية والله أعلم. ٢ غير مسطورة في الأصل وفي ف. ٣ في ف: "﷿". ٤ من الآية ١٤٤ في سورة البقرة. "قلت": لم أقف على هذه الرواية في النسخة المخطوطة التي وقفت عليها. والإسناد المذكور منقطع؛ لأن علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره. وعبد الله بن صالح، ومعاوية صدوقان يخطئان. وقد تقدم الإسناد نفسه في الحديث "رقم "٢٦٨".
[ ٣٣٩ ]
وجل١: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية"٢. رواه البخاري٣.
وأما الحكم الثالث:
وهو يوم عاشوراء يعني: أن [صوم] ٤ يوم عاشوراء، كان واجبا في ابتداء الإسلام بالسنة، ثم نسخ وجوبه بما أوجبه القرآن من صوم رمضان، فأجود ما ههنا:
٢٨٨- ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة -﵂- قالت: "كانت عاشوراء يوما يصومه قريش في الجاهلية، [وكان رسول الله -ﷺ- يصومه] ٥ فلما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء من شاء صامه ومن شاء تركه"٦.
_________________
(١) ١ في ف: "الله تعالى". ٢ من الآية ١٨٧ في سورة البقرة. ٣ البخاري في كتاب تفسير القرآن "تفسير سورة البقرة" باب "٢٧" ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٥/ ١٥٦. وفيه لفظه، إلا أن حديثه ينتهي بـ "وعفا عنكم". ٤ ساقطة من الأصل. ٥ ساقطة من النسختين، وما أثبته من الصحيحين. ٦ البخاري في كتاب الصوم، باب "٦٩" صوم يوم عاشوراء ٢/ ٢٥٠ وفيه لفظه. وفي كتاب مناقب الأنصار، باب "٢٦" أيام الجاهلية ٤/ ٢٣٤. وفي كتاب التفسير "تفسير سورة البقرة" باب "٢٤" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٥/ ١٥٥. ومسلم: في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، حديث "١١٣-١١٦" ٢/ ٧٩٢. وأخرجه أبو داود: في كتاب الصوم، باب في صوم يوم عاشوراء، حديث "٢٤٤٢" ٢/ ٨١٧. وأخرجه الترمذي، في أبواب الصوم، باب ما جاء في الرخصة في ترك الصوم يوم عاشوراء، حديث "٧٥٣" ٣/ ١١٨. وقال أبو عيسى: "حديث صحيح". وأخرجه النسائي: في السنن الكبرى في الصوم، وفي التفسير. انظر تحفة الأشراف ١٢/ ٢٢٠. وأخرجه الإمام مالك: في كتاب الصيام، باب صيام يوم عاشوراء، حديث "٣٣" ١/ ٢٩٩. وأخرجه الدارمي: في كتاب الصوم، باب في صيام يوم عاشوراء ٢/ ٢٣. =
[ ٣٤٠ ]
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن يوم عاشوراء لم يكن واجبا أصلا.
٢٨٩- لحديث معاوية -﵁- قال: "سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام ومن شاء فليفطر" ".
رواه البخاري، ومسلم١.
_________________
(١) = وأخرجه الإمام أحمد ٦/ ١٦٢. توضيح: عاشوراء: هو اليوم العاشر من شهر محرم الحرام. قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشر؛ للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، والأكثرون على هذا وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع. فعلى الأول: فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني: هو مضاف لليلته الآتية. وقد سن رسول الله -ﷺ- صيام التاسع والعاشر من شهر محرم الحرام من كل سنة، أو يوما قبله ويوما بعده مخالفة لليهود. ورأى بعض أهل العلم: استحباب صيام التاسع والعاشر والحادي عشر من الشهر. انظر النهاية مادة "تسع وعشر" ١/ ١٨٩، ١٩٠ و٣/ ٢٤٠، وفتح الباري ٤/ ٢٤٥ وما بعدها. ١ البخاري في كتاب الصوم، باب "٦٩" صوم يوم عاشوراء ٢/ ٢٥٠ وفيه لفظه، وفيه قصة. ومسلم: في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، حديث "١٢٦" ٢/ ٧٩٥. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، في الصيام. انظر تحفة الأشراف ٨/ ٤٣٧. توضيح: قال الحافظ في الفتح ٤/ ٢٤٧: قوله: "ولم يكتب عليكم صيامه إلخ" هو كله من كلام النبي ﷺ، كما بينه النسائي في روايته، وقد استدل به على أنه لم يكن فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام، كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا ثم قال: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك. ثم يقول: وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: "لما فرض رمضان ترك عاشوراء" "٢/ ٧٩٤ بنحوه" مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باقٍ، فدل على أن المتروك وجوبه إلخ.
[ ٣٤١ ]
قوله: واستدل: "بأن لا وصية لوارث" نسخ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١.
أما الحديث:
٢٩٠- فعن عمرو بن خارجة٢ قال: "خطب رسول الله -ﷺ- فقال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ".
رواه النسائي وابن ماجه والترمذي وصححه٣.
٢٩١- وعن أبي أمامة مثله.
رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وحسنه٤.
_________________
(١) ١ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٩" والآية في سورة البقرة، ورقمها "١٨٠". ٢ هو: عمرو بن خارجة الأسدي، ويقال: الأشعري أو الأنصاري، وقيل: خارجة بن عمرو، والأول أصح. وكان حليف أبي سفيان، صحابي له أحاديث، رضي الله تعالى عنه وعن صحابة رسول الله أجمعين. الإصابة ٤/ ٦٢٧، التهذيب ٨/ ٢٥. ٣ النسائي: في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث ٦/ ٢٤٧ من طرق وفي لفظه: "ولا" بدل "فلا" وفي إحداها قصة. وابن ماجه: في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث "٢٧١٢" ٢/ ٩٠٥ وفيه قصة. والترمذي: في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، حديث "٢١٢١" ٤/ ٤٣٤. وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه الإمام أحمد: ٤/ ١٨٦ و١٨٧ و٢٣٨ و٢٣٩، وفيه قصة أيضا. وأخرجه البيهقي: في كتاب الوصايا، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ٦/ ٢٦٤، وفيه قصة أيضا. ٤ أبو داود: في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، حديث "٢٨٧٠" ٣/ ٢٩٠ بمثل حديث عمرو بن خارجة. وفي كتاب البيوع، باب في تضمين العارية، حديث "٣٤٦٥" ٣/ ٨٢٤ وفيه زيادة. وابن ماجه: في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث "٢٧١٣" ٢/ ٩٠٥. ولفظه عنه قال: "سمعت رسول الله -ﷺ- في خطبته عام حجة الوداع الحديث". والترمذي: في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، حديث "٢١٢٠" ٤/ ٤٣٣ بمثل حديث ابن ماجه وزاد عليه. =
[ ٣٤٢ ]
٢٩٢- ولابن ماجه أيضا عن أنس مثله١.
_________________
(١) = وقال أبو عيسى: "وفي الباب عن عمرو بن خارجة وأنس، وهو حديث حسن صحيح" كذا في المطبوع، تحقيق إبراهيم عطوة. وفي تحفة الأحوذي ٦/ ٣١٢ جاء قول الإمام الترمذي: "هذا حديث حسن". ونقل الحافظ المزي عنه قوله: "حسن" في تحفة الأشراف ٤/ ١٦٩. وكذلك الحافظ ابن حجر ذكر تحسين الترمذي للحديث، في الفتح ٥/ ٣٧٢ كما ذكر المصنف. وأخرجه الإمام أحمد: ٥/ ٢٥٧ بمثل حديث الترمذي. وأخرجه البيهقي: في كتاب الوصايا، باب نسخ الوصية للوالدين إلخ ٦/ ٢٦٤. ومدار حديثهم جميعا على إسماعيل بن عياش. وقد وقع كلام بين الأئمة في إسناد هذا الحديث، حيث جاء من طريقه. وإسماعيل متكلم فيه. قال الإمام الترمذي بعد حديث الباب ٤/ ٤٣٤: ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز، ليس بذاك فيما ينفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح ا. هـ. وقال الحافظ في التقريب ١/ ٧٣: صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم. ا. هـ. وروايته في حديث الباب، عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، كذا قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٦/ ٣٠٨ وابن حجر في الفتح ٥/ ٣٧٢. وفي الموافقة أيضا "ط ٢/ ٣١٧" إلا أنه قال في التقريب فيه ١/ ٣٤٩: صدوق فيه لين. وقال الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٤٠٣: قال في التنقيح، أي ابن عبد الهادي: قال أحمد والبخاري وجماعة من الحفاظ: ما رواه إسماعيل بن عياش عن الشاميين فصحيح، وما رواه عن الحجازيين فغير صحيح، وهذا رواه عن شامي ثقة. انتهى. وقد وثّق الشيخ أحمد محمد شاكر رواية إسماعيل بن عياش، عن الشاميين وغيرهم، وذلك في تعليقه على جامع الإمام الترمذي ٢/ ٢٣٧، ٢٣٨. وقد روى حديث أبي أمامة أيضا، ابن الجارود في المنتقى، في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصايا، حديث "٩٤٩" ص٣١٧ من طريق آخر. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الرسالة للإمام الشافعي المطلبي ص١٤١ في الحديث: وإسناده صحيح، تكلموا في بعض رجاله بما لا يُضعف حديثهم إلخ ا. هـ. "وأقول": وقد حسن إسناد حديث أبي أمامة هذا، الحافظ في التلخيص ٣/ ٩٢. ١ ابن ماجه في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث "٢٧١٤" ٢/ ٩٠٦، من طريق هشام بن عمار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جاء، عن سعيد بن أبي سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك، وذكر الحديث. قال الحافظ في الموافقة "ط٢/ ٣١٤": ورجاله رجال الصحيح إلا سعيد بن أبي سعيد، فاختلف فيه، فقيل: هو المقبري. فلو ثبت هذا؛ لكان الحديث على شرط الصحيح، لكن الأكثر على أنه شيخ مجهول من أهل بيروت. وقد وقع في بعض طرقه: عن ابن جابر، حدثني شيخ بالساحل يقال له: سعيد بن أبي سعيد. والمقبري لا يقال فيه مثل هذا لشهرته.
[ ٣٤٣ ]
وقول المستدل: إن١ هذا الحديث نسخ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٢ غير سديد لوجهين:
أحدهما: أن الناسخ لهذه الآية إنما هو آيات المواريث في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ الآية٣، والتي تليها٤. وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٥.
٢٩٣- كما روى ذلك الإمام أبو عبيد٦ عن [عبد الله] ٧ بن عباس، رضي الله عنهم٨.
_________________
(١) ١ وفي نسخة في: "على أن". ٢ من الآية "١٨٠" في سورة البقرة، وتتمتها: ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . ٣ من "١١" في سورة النساء. ٤ هي الآية "١٢" قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ . ٥ الآية "٧" في سورة النساء. ٦ في ف: "عبيد الله" وهو خطأ. ٧ زيادة من ف. ٨ قال أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، باب الوصية وناسخها ل١٦٦ أوب: حدثنا حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ . =
[ ٣٤٤ ]
الوجه الثاني:
بتقدير أن يكون هذا الحديث هو المعارض للآية، فإنما هو مخصص لها لا ناسخ.
لأن الناسخ في الإصلاح المتأخر: هو الرافع لجميع أفراد ما دل عليه الخطاب الأول.
وهذا ليس كذلك، فإنه إنما رفع حكم الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، ولم يرفع حكم الوصية في حق الأقربين غير الوارثين.
٢٩٤- ولهذا قال أبو عبيد: ثنا هشيم١، قال: أنا يونس٢، عن الحسن قال: "كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنُسخ ذلك٣ وصارت الوصية للأقربين الذين لا يرثون، ونسخ منها كل وارث"٤.
_________________
(١) = "قلت": هذا الإسناد منقطع؛ لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس كما تقدم، وابن جريج ثقة يدلس، وقد روى بالعنعنة، وعثمان بن عطاء متابعه ضعيف، وحجاج ثقة قد اختلط بأخرة. وهذا الأثر مروي عن مجاهد أيضا، أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ل١٦٦ ب: قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله -﷿- من ذلك ما أحب، فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوجة الثمن أو الربع، وللزوج الشطر أو الربع" ا. هـ. "قلت": وفيه عنعنة ابن جريج، وكان يدلس ويرسل. ١ هو هشيم -بالتصغير- بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطي. ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي. من السابعة، مات سنة ثلاث وثلاثين. التقريب ٢/ ٣٢٠، التهذيب ١١/ ٥٩. ٢ هو: يونس بن عبيد بن دينار العبدي، مولاهم البصري أبو عبيد، ثقة، ثبت، فاضل، ورع. من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين. التقريب ٢/ ٣٨٥، التهذيب ١١/ ٤٤٢. ٣ في الناسخ والمنسوخ زيادة "منها" بعدها. ٤ الناسخ والمنسوخ، باب الوصية وناسخها ومنسوخها. ل١٦٦ ب و١٦٧ أ.
[ ٣٤٥ ]
قال أبو عبيد: وإلى هذا القول صارت السنة القائمة عن رسول الله ﷺ، وإليه انتهى قول العلماء، وإجماعهم في قديم الدهر وحديثه، أن الوصية للوارث منسوخة لا تجوز. وكذلك أجمعوا على أنها جائزة للأقربين معا١، إذا لم يكونوا من أهل الميراث٢.
ثم حكى أبو عبيد قوله في أنه: هل تصح الوصية للأجانب٣؟
ثم قال: ثم اجتمع العلماء على القول بالصحة، وبه نقول؛ لقول رسول الله ﷺ: "لا وصية لوارث" ٤ فقد تبين بهذا٥ أن السلف -﵃- لم يجعلوا الآية -أعني قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٦- كلها منسوخة، وإنما المنسوخ عندهم بعضها.
وهم يطلقون النسخ على التخصيص كثيرا، بخلاف اصطلاحنا اليوم٧.
_________________
(١) ١ أي: الأقربين غير الوارثين أو المحجوبين من الميراث أو ذوي الأرحام غير الوارثين، فإن لهم الوصية مجتمعين أو متفرقين. وانظر المحلى ١٠/ ٤٢١. ٢ الناسخ والمنسوخ ل١٦٧ أ. ٣ قال أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ثم اختلفوا في الأجنبيين؛ فقالت طائفة من السلف: لا تجوز لهم الوصية، وخصوا بها الأقارب ثم ساق روايات عن السلف ممن يجيز وممن يمنع. انظر الناسخ والمنسوخ ل١٦٧ ب و١٦٨ أ، وانظر المحلى ١٠/ ٤٢١-٤٣٢. ٤ تقدم تخريجه في الحديث رقم "٢٩٠". ٥ في ف: "من هذا". ٦ إشارة إلى الآية "١٨٠" في سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . ٧ في الناسخ والمنسوخ ل١٦٨ ب و١٦٩ أ: قال: وعلى هذا اجتمعت العلماء من أهل الحجاز، وتهامة، والعراق، والشام، ومصر، وغيرهم، منهم: مالك وسفيان والأوزاعي والليث، وجمع أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به عندنا، أن الوصية جائزة للناس كلهم ما خلا الورثة خاصة، والأصل في هذا قول النبي ﷺ: "لا تجوز وصية لوارث " إلخ. انتهى.
[ ٣٤٦ ]
قوله: والرجم للمحصن١.
يعني: أن آية الجلد، وهي قوله ﷾: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢ دلت على جلد كل زانٍ، محصنا كان أو غيره، وجاءت السنة المتواترة أن رسول الله -ﷺ- رجم المحصن.
٢٩٥، ٢٩٦- كماعز٣ والغامدية٤.
_________________
(١) ١ انظر مختصر المنتهى ص"١٦٩". ٢ من الآية "٢" في سورة النور. ٣ تقدم تخريج حديث رجم ماعز في الحديث رقم "١٨١". ٤ وحديث رجم الغامدية أخرجه: الإمام مسلم: في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، حديث "٢٢" و"٢٣" ٣/ ١٣٢٢- ١٣٢٤. بعد قصة ماعز عن بريدة بن الحصيب الأسلمي، ﵃ جميعا. ولفظ حديثه الثاني المرقم "٢٣": " قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها. فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى، قال: "إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي". فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: "اذهبي فارضعيه حتى تفطميه" فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. "فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها". فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضّح الدم على وجه خالد فسبها. فسمع نبي الله -ﷺ- سبه إياها. فقال: "مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفِر له" ثم أمر بها فصُلي عليها ودُفنت". وأخرجه أبو داود: في كتاب الحدود، باب رحم ماعز بن مالك، حديث "٤٤٤٢" ٤/ ٥٨٨، ٥٨٩، وفيه قصتها وحدها. وأخرجه النسائي: في السنن الكبرى، في الرجم. انظر تحفة الأشراف ٢/ ٧٤. وقوله ﷺ: "إما لا، فاذهبي" وهو بالهمزة وتشديد الميم أي: إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي فترجعي بعد ذلك. وكلمة "إما لا" تأتي في المحاورات كثيرا. انظر تعليق المحقق على الحديث عند مسلم، وانظر مادة "أَمَّ" في النهاية "١/ ٧٢، وشرح النووي على مسلم ١١/ ٢٠٣.
[ ٣٤٧ ]
٢٩٧- وكما تقدم من حديث عبادة: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ١.
فكانت السنة المتواترة ناسخة للقرآن، وهو المطلوب.
والأولى أن يقال: لا نسلم أن هذا نسخ، وإنما هذا تخصيص؛ لأن الآية دلت على جلد كل زانٍ، والسنة قضت برجم بعض الزناة وهم المحصنون، وبقي الزناة غير٢ المحصنين، حكمهم٣ الجلد للآية.
وهذا معنى التخصيص قطعا في اصطلاحنا، والكلام فيه.
قوله: ولو سُلِّم، فالسنة بالوحي٤.
الدليل على أن السنة [بالوحي] ٥ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦.
٢٩٨- وما روى البخاري ومسلم، عن يعلى بن أمية "أن النبي -ﷺ- جاءه رجل متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه رسول الله -ﷺ- ساعة فجاءه الوحي، ثم سري عنه فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفا؟ " فالتمس الرجل فجيء به، فقال: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة [فانزعها] ٧، ثم اصنع في العمرة ٨ ما تصنع في حجك" "٩.
_________________
(١) ١ انظر الحديث رقم "٢٦٩". ٢ في ف: "الغير". ٣ في ف: "حكم". ٤ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٦٩". ٥ ساقطة من الأصل. ٦ الآيتان "٣ و٤" في سورة النجم. ٧ في الأصل: "فاغسلها" وكتب في حاشية الأصل: "لعله فانزعها" وقد سقطت العبارة من ف وما أثبته من الصحيحين. ٨ في الصحيحين: "عمرتك" والحديث في الصحيحين بنحوه. ٩ انظر البخاري: في كتاب فضائل القرآن، باب "٢" نزل القرآن بلسان قريش =
[ ٣٤٨ ]
٢٩٩- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن النبي -ﷺ- جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله " فذكر١ الحديث إلى أن قال: "فقال رجل: يا رسول الله أَوَيأتي الخير بالشر؟ فسكت رسول الله ﷺ، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم النبي -ﷺ- ولا يكلمك! فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرحضاء، وقال٢: "أين السائل؟ " وكأنه حمده، فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر الحديث " " رواه البخاري ومسلم٣.
_________________
(١) = والعرب إلخ ٦/ ٩٧، ٩٨ وفيه قصة يعلى في رؤية النبي -ﷺ- حين ينزل عليه الوحي. وفي كتاب الحج، باب "١٠" يفعل في العمرة ما يفعل في الحج ٢/ ٢٠٢. وفي باب "١٩" إذا أحرم جاهلا وعليه قميص إلخ ٢/ ٢١٧. وفي الحج أيضا، معلقا في باب "١٧" غسل الخلوق ٢/ ١٤٤. وفي كتاب المغازي، باب "٥٦" غزوة الطائف في شوال سنة ثمان ٥/ ١٠٣. ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح.. إلخ، حديث "٦-١٠" ٢/ ٨٣٦-٨٣٨. وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه، حديث "١٨١٩-١٨٢٢" ٢/ ٤٠٧-٤٠٩. وأخرجه الترمذي، في أبواب الحج، باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة، حديث "٨٣٥، ٨٣٦" مختصرا جدا. وأخرجه النسائي: في كتاب الحج، باب الجبة في الإحرام ٥/ ١٣٠. وفي باب الخلوق للمحرم ٥/ ١٤٢. وأخرجه: في السنن الكبرى في فضائل القرآن، وفي المناسك. انظر تحفة الأشراف ٩/ ١١٢. ١ في ف "وذكر". ٢ في ف "فقال". ٣ البخاري: في كتاب الزكاة، باب "٤٧" الصدقة على اليتامى ٢/ ١٢٧، والحديث بتمامه: عن عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري -﵁- يحدث "أن النبي -ﷺ- جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم رسول الله -ﷺ- ولا يكلمك! فرأينا أنه ينزل عليه قال: فمسح عنه الرحضاء فقال: "أين السائل؟ " وكأنه حمده فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يُلم إلا آكلة الخضراء، أكلت حتى إذا =
[ ٣٤٩ ]
_________________
(١) = امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم، ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" أو كما قال النبي ﷺ: "وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة" ". ورواه البخاري: في كتاب الجمعة، باب "٢٨" يستقبل الإمام القوم إلخ ١/ ٢٢١ مختصرا جدا. وفي كتاب الجهاد، باب "٣٧" فضل النفقة في سبيل الله ٣/ ٢١٣. وفي كتاب الرقاق، باب "٧" ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ٧/ ١٧٣. ومسلم في كتاب الزكاة، باب تخوف مما يخرج من زهرة الدنيا، حديث "١٢٢، ١٢٣" ٢/ ٧٢٧-٧٢٩. وأخرجه النسائي: في كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتيم ٥/ ٩٠. وأخرجه الإمام أحمد ٣/ ٢١ و٩١. توضيح: قوله في الحديث: "زهرة الدنيا" مأخوذة من زهرة الشجرة، والمراد ما فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزروع، مما يفتخر الناس بحسنه. و"الرحضاء" بضم الراء وفتح المهملة: هو العرق، وقيل: الكثير منه. وأصل الرحض: الغسل. وقد فسره الخطابي بأنه عرق يرحض الجلد لكثرته. وقوله: "إنه لا يأتي الخير بالشر" يؤخذ منه أن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له شر بعارض البخل به عمن يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع له. و"يقتل أو يلم" أي: يهلك، أو يقرب من الهلاك. والمعنى: أن الدابة إذا أصابت مرعى طيبا، فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتهلك، أو تقرب من الهلاك. و"آكلة الخضراء": هو ضرب من الكلأ يعجب الماشية. قال الطيبي: ويؤخذ من الحديث أربعة أصناف: فمن أكل منه أكل مستلذ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه ولا يقلع؛ فيسرع إليه الهلاك. ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم، فغلبه فأهلكه. ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضره وتحيل في دفعه حتى انهضم فيسلم. ومن أكل غير مفرط ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسد جوعته ويمسك رمقه. فالأول: مثال للكافر. والثاني: مثال للعاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة إلا عند فواتها. والثالث: مثال للمخلط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة. والرابع: مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة ا. هـ. وانظر شرح الحديث مفصلا في الفتح ١١/ ٢٤٥-٢٤٩.
[ ٣٥٠ ]
٣٠٠- وعن أبي قتادة١ قال: "جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إن قُتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، كَفَّر الله خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، كفر الله خطاياك إلا الدَّيْن، كذا قال جبريل" ".
رواه مسلم٢.
٣٠١- ولأحمد عن أبي هريرة -﵁- أبسط٣ من هذا، وفي آخره: "نعم إلا الدين، فإن جبريل -﵇- سارَّني بذلك" ٤.
_________________
(١) ١ أبو قتادة هو الحارث. ويقال: عمرو أو النعمان بن ربعي -بكسر الراء وسكون الموحدة- بن بلدمة -بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة- السلمي -بفتحتين- الأنصاري، المدني صحابي جليل، شهد أحدا وما بعدها. مات سنة أربع وخمسين، ﵁. الإصابة ٧/ ٣٢٧، التهذيب ١٢/ ٢٠٤، السير ٢/ ٤٤٩. ٢ مسلم: في كتاب الإمارة، باب من قُتل في سبيل الله كُفِّرت خطاياه إلا الدين، حديث "١١٧، ١١٨" ٣/ ١٥٠١، ١٥٠٢ بنحوه، وفيه زيادة وفي أخره: "فإن جبريل -﵇- قال لي ذلك". وأخرجه الترمذي: في أبواب الجهاد، باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين، حديث "١٧١٢" ٤/ ٢١٢. وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه النسائي: في كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله وعليه دين ٦/ ٣٤. وأخرجه الإمام أحمد ٥/ ٣٠٣، ٣٠٤. ٣ أي: أطول. ٤ مسند الإمام أحمد ٢/ ٣٠٨. وفي إسناده: محمد بن بكر البرساني، صدوق ربما أخطأ "انظر التقريب ٢/ ١٤٨" وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري، صدوق ربما وهم "انظر التقريب ١/ ٤٦٧". وأخرجه النسائي: في كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله وعليه دين ٦/ ٣٣، وفي إسناده: سعيد بن أبي سعيد بن كيسان المقبري، ثقة، تغير قبل موته بأربع سنوات. "انظر التقريب ١/ ٢٩٧". ومحمد بن عجلان المدني صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. انظر التقريب ١/ ١٩٠. "قلت": وحديث أبي هريرة "حسن" ويعضّده ما قبله.
[ ٣٥١ ]
٣٠٢- وقد تقدم عن عبادة بن الصامت قال: "كان رسول الله -ﷺ- إذا [أُنزل] ١ عليه كُرب لذلك وتربّد وجهه، فأُنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ".
رواه مسلم٢.
قوله: قالوا:
قال ابن عباس لعثمان: "كيف تحجب الأم بالأخوين، وقد٣ قال [الله] ٤ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ ٥ والأخوان ليسا إخوة؟ فقال: حجبها قومك يا غلام"٦.
٣٠٣- هكذا روى هذا الأثر أبو محمد بن حزم، في كتابه المحلى من حديث ابن أبي ذئب٧، عن شعبة -مولى ابن عباس- عن ابن عباس -﵄- أنه قال لعثمان، فذكره إلى أن قال: فقال عثمان: لا أستطيع
_________________
(١) ١ في الأصل: "نزل". ٢ تقدم في الحديث رقم "٢٦٩". ٣ في ف "قال" بدل "وقد" وهو وهم من الناسخ، والله أعلم. ٤ غير مذكورة في الأصل، وهي في ف والمختصر. ٥ من الآية "١١" في سورة النساء. ٦ انظر القولة في مختصر المنتهى ص"١٧٠". ٧ هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة، فقيه، فاضل. من السابعة، مات سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: تسع وخمسين ومائة. التقريب ٢/ ١٨٤، التهذيب ٩/ ٣٠٣.
[ ٣٥٢ ]
أن أنقض أمرا كان قبلي، وتوارثه١ الناس، ومضى في الأمصار٢.
شعبة هذا مولى ابن عباس، هو شعبة بن دينار.
قال النسائي: ليس بالقوي٣.
_________________
(١) ١ في ف: "وتواتره". ٢ الأثر حسن. وهو في المحلى ١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣ في كتاب المواريث، ولفظه: عن ابن عباس "أنه دخل على عثمان بن عفان، فقال له: إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان إلخ". وأخرجه الحاكم: في المستدرك، في كتاب الفرائض ٤/ ٣٣٥، من طريق ابن أبي ذئب به. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي: في كتاب الفرائض، باب فرض الأم ٦/ ٢٢٧ من طريق ابن أبي ذئب به، أيضا. توضيح: قال ابن حزم -عليه رحمة الله- في المحلى ١٠/ ٣٢٢: لا خلاف في أن الأم لا ترد من الثلث إلى السدس بأخ واحد، ولا بأخت واحدة، ولا في أنها ترد إلى السدس بثلاثة من الإخوة، إنما الخلاف في ردها إلى السدس باثنين من الإخوة. انظر المسألة في المحلى ١٠/ ٣٢٢-٣٢٥. ٣ في الضعفاء والمتروكين ص٥٦. "قلت": وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسا. وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، وهو أحب إليَّ من صالح، مولى التوءمة. قلت له: ما كان مالك يقول في شعبة؟ قال: كان يقول: ليس هو من القراء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكرا فأحكم عليه بالضعف، وأرجو أن لا بأس به. وقال الحافظ في التقريب ١/ ٣٥١: صدوق سيئ الحفظ، من الرابعة، مات في وسط خلافة هشام. وانظر فيما تقدم تاريخ ابن معين، رواية الدوري ٣/ ٢٣٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٤٧.
[ ٣٥٣ ]