القسم الثاني: التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم ١
الحمد لله حق حمده، وصلواته وسلامه على محمد خير خلقه، وآله أجمعين وصحبه. وبعد:
فإن الله ﷾ يقول في كتابه العزيز:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢.
وكان مما مَنّ الله ﷾ عليّ، أني قرأت الكتاب "المختصر الصغير في أصول الفقه"٣ للشيخ الإمام [العالم] ٤ العلامة المتقن المحقق٥، وحيد عصره، جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المالكي، المعروف بابن
_________________
(١) ١ بعد البسملة زيادة في نسخة ف: "وصلى الله على محمد وآله" وفي نسخة الأصل زيادة: "قال الشيخ الإمام العالم جامع أشتات الفضائل عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي، ﵁". ٢ سورة المائدة: الآية ٢. ٣ هو الكتاب المعروف بمختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، وهو مختصر عن كتابه الموسوم بـ "منتهى السول والأمل، في علمي الأصول والجدل" والمختصر هذا طبع سنة ١٣٢٦هـ بمطبعة كردستان العلمية بالقاهرة، تحت عنوان "كتاب مختصر المنتهى الأصولي". ٤ زيادة من نسخة مكتبة فيض الله والتي رمزنا لها بالحرف "ف". ٥ في نسخة ف جاء "المحقق المتقن" والمتقن -بكسر القاف- وهو الحاذق، وأتقن الشيء: أحكمه، وإتقانه: إحكامه، ورجل تقن: هو الحاضر المنطق والجواب. انظر مادة "تقن" في لسان العرب ١٣/ ٢٧، والقاموس المحيط ٤/ ٢٠٧. والمحقق: هو المتيقن المتثبت من الشيء؛ يقال: تحققت الأمر أي: صرت منه على يقين. انظر مادة "حقق" في الصحاح ٤/ ١٤٦١.
[ ٧٩ ]
الحاجب١ -رحمه الله تعالى- وهو كتاب نفيس جدا في هذا الفن.
ووجدت فيه أحاديث جمة لا يستغني من قرأه عن معرفتها، ولا تتم٢ فائدة الكتاب إلا بمعرفة سَقَمها٣ من صحتها٤، فأحببت إذ٥ كان الأمر كذلك، أن أجمعها كلها والآثار٦ الواقعة [فيه] ٧ معها على حدة، وأن أعزو٨ ما يمكن عزوه منها إلى الكتب الستة:
البخاري٩ ومسلم ١٠
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته وافية في قسم الدراسة. ٢ في ف "يتم". ٣ السقام والسقم -بفتح السين المشددة والقاف- لغة: المرض، وكذلك السقم بضم السين وسكون القاف. والمراد هنا: ما يكون في الحديث من تمريض يحول دون صحة الحديث. انظر مادة "سقم" في لسان العرب ١٢/ ٢٨٨، والقاموس المحيط ٤/ ١٣٠، والصحاح ٥/ ١٩٤٩. ٤ الصحة لغة: خلاف السقم. وفي الاصطلاح: "هو الحديث الذي يتصل إسناده، بنقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، إلى منتهاه، ولا يكون شاذا، ولا معللا". انظر الصحاح، مادة "صحح" ١/ ٣٨١، والباعث الحثيث ص"١٩". ٥ في ف "إذا". ٦ الآثار: جمع أثر، وهو بفتح الهمزة والثاء في اللغة: بقية الشيء، والأثر: الخبر أيضا. وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوال وأفعال. وقد يريد المحدثون بالخبر والأثر مرادف الحديث. انظر لسان العرب ٤/ ٥ مادة "أثر" والقاموس المحيط "١/ ٣٧٥ ولمحات في أصول الحديث ص٤٢ وتيسير مصطلح الحديث ص١٥. ٧ في الأصل فيها، وأثبتها من "ف". ٨ العزو: النسبة، يقال: عزوته إلى أبيه، وعزيته لغة أي: نسبته إلى أبيه. الصحاح مادة "عزا" ٦/ ٢٤٢٥. ٩ هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة -بالزاي المعجمة- الجعفي، مولاهم أبو عبد الله البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب الصحيح والتصانيف. مات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين وله اثنتان وستون سنة، عليه رحمة الله تعالى. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥، تقريب التهذيب ٢/ ١٤٤، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧. ١٠ هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، أبو الحسين النيسابوري، صاحب الصحيح والتصانيف، مات سنة إحدى وستين ومائتين وله سبع وخمسون سنة، عليه رحمة الله تعالى. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨، تقريب التهذيب ٢/ ٢٤٥، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٦.
[ ٨٠ ]
وأبي داود١ والترمذي٢ والنسائي٣ وابن ماجه٤، أو إلى بعضها، أو إلى غيرها، إن٥ لم يكن في شيء منها، إن شاء الله تعالى.
فما كان في البخاري ومسلم معا، أو في أحدهما، اكتفيت بعزوه إليهما، أو إلى أحدهما وإن كان مع ذلك في كتب السنن٦. وإن لم يكن فيهما ولا في أحدهما وهو في السنن الأربعة٧ قلت: رواه الأربعة، وإلا بينت من رواه منهم. وما لم يكن في شيء من الكتب الستة المذكورة، ذكرت من رواه من غيرهم، وقد أذكر سند الحديث٨؛ ليعرف حال صحته من سقمه، وما لا
_________________
(١) ١ هو الإمام سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني، أبو داود، مصنف السنن وغيرها. مات سنة خمس وسبعين ومائتين، عليه رحمة الله. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١، تقريب التهذيب ١/ ٣٢١، تهذيب التهذيب ٤/ ١٦٩. ٢ هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة -بالراء المهملة- بن موسى ابن الضحاك السلمي، الترمذي، أبو عيسى صاحب الجامع، أو السنن. مات سنة تسع وسبعين ومائتين، عليه رحمة الله تعالى. ٣ هو الإمام أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي القاضي، صاحب السنن. مات بفلسطين سنة ثلاث وثلاثمائة، عليه رحمة الله. تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٨، تقريب التهذيب ١/ ١٦، تهذيب التهذيب ١/ ٣٦. ٤ هو الإمام محمد بن يزيد الربعي -بفتح الراء والباء- القزويني، أبو عبد الله بن ماجه، صاحب السنن. مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين، عليه رحمة الله. تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٦، تقريب التهذيب ٢/ ٢٢٠، تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٠. ٥ في ف "وإن". ٦ كتب السنن: هي الكتب التي رتبت أحاديثها على الأبواب الفقهية، وأحاديثها مرفوعة في الغالب. انظر أصول التخريج ودراسة الأسانيد ص١٣٤. ٧ السنن الأربعة: هي سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه. ٨ سند الحديث: السند لغة: المعتمد، وسمي كذلك لأن الحديث يستند إليه ويعتمد عليه. وفي الاصطلاح: هو سلسلة الرجال الموصلة للمتن. انظر مختار الصحاح ص٣١٦، وتيسير مصطلح الحديث ص١٥.
[ ٨١ ]
يُعرَف له سند بالكلية كقليل من أحاديث الكتاب سألت عنه مشايخي في الحديث ونبهت عليه، والكلام في الآثار كالأحاديث سواء، وجعلت ذلك كله مرتبا بحسب وقوعه في كتاب أولا فأولا. ومتى كرر المصنف حديثا أو أثرا في موضعين أو مواضع، تكلمت عليه أول مرة ونبهت على ما عداها، ثم إن ذكر المصنف حديثا ليس هو في شيء من هذه الكتب الستة بذلك اللفظ الذي أورده نبهت على ذلك، وذكرت أقرب الألفاظ إلى لفظه -إن شاء الله تعالى- ووسمته١ "بتحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب".
والله أسأل أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه قريب مجيب.
_________________
(١) ١ الوسم في اللغة: أثر الكيّ والوسامة: أثر الحسن، ودرع موسومة: مزينة، وفلان موسوم بالخير وقد توسمت فيه الخير، أي: تفرست، والوسمي: مطر الربيع الأول؛ لأنه يسم الأرض بالنبات، واتسم الرجل: جعل لنفسه سمة يعرف بها. انظر مادة "وسم" في القاموس المحيط "٤/ ١٨٨"، ومختار الصحاح ص٧٢١، ٧٢٢.
[ ٨٢ ]