عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: صلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال:
"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مُدِّنَا وصاعِنَا، اللهم بارك لنا في حَرَمِنَا، وبارك لنا في شَامِنَا".
فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت، ثم أعاد، قال الرجل: وفي عراقنا، فسكت، ثم قال:
"اللهم بارك لنا في مدينتا، وبارك لنا في مُدِّنَا وصاعِنَا، اللهم بارك لنا في شامِنَا، اللهم اجعل مع البركة بركةً، والذي نفسي بيده، ما من المدينة شِعْبٌ ولا نَقْبٌ، إلا وعليه ملكان يحرسانها تقدموا عليها " وذكر الحديث١.
قلت: حديث صحيح، وإن كنت لم أقف عليه بهذا
_________________
(١) ١ زاد ابن عساكر: "قال رجل: والعراق يا رسول الله؟ قال: من ثَمَّ يطلع قرن الشيطان، وتهيج الفتن".
[ ٢٣ ]
التمام فيما عندي من كتب السنة، وإنما وقفت عليه مفرَّقًا من حديث ابن عمر دون قوله في آخره: "اللهم اجعل مع البركة بركة "، فإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري في حديثٍ له أخرجه مسلم "٤/ ١١٧"، لكنه قال: " البركة بركتين".
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم "٦/ ١٣٣"، وابن عساكر إلى قوله: "وفي العراق"، وزاد: فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان".
وإسناده صحيح.
ورواه الطبراني في "الكبير" "٣/ ٢٠١/ ١" من طريق أخرى عن ابن عمر، وسنده صحيح.
وقد أورده في "المجمع" "٣/ ٣٠٥"، وقال: "رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله ثقات".
وأخرجه أحمد "٢/ ١٤٣" مختصرًا عنه بلفظ:
"قال: رأيت رَسُولِ اللَّهِ -﵌- يشير
[ ٢٤ ]
بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة ههنا -ثلاث مرات- من حيث يطلعُ قرن الشيطان".
وإسناده صحيح على شرط مُسلم، وقد أخرج في "صحيحه" "٨/ ١٨١" نحوه.
وفي رواية له من وجه آخر، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال:
"يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة؟! " سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: فذكره.
وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من وجه آخر عن سالم به مرفوعًا.
وأخرج البخاري "١٣/ ٣٨، بشرح العسقلاني"، وأحمد "٢/ ١١٨"، وابن عساكر من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعًا:
"اللهم بارك لنا في شَامِنَا، اللهم بارك لنا في يَمَنِنَا، قالوا: وفي نَجْدِنَا، قال: هناك الزلازل " الحديث.
وأخرجه الترمذي وصححه، وعزَّاه المنذري في "الترغيب" "٤/ ٦١" للترمذي وحده، فوهم.
[ ٢٥ ]
وله عند أحمد "٢/ ١٢٦" طريق أخرى عن ابن عمر.
ولحديثه الأول عند أبي نعيم شاهد من حديث ابن عباس، ساق لفظه الهيثمي، وقال:
"رواه الطبراني في "الكبير" "١٢/ ٨٤/ ١٢٥٥٢"، ورجاله ثقات.
وروى بعضه الخطيب في "تاريخه" "١/ ٢٤ و٢٥"، ومن طريقه ابن عساكر من حديث معاذ بن جبل.
فيُسْتَفَادُ من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري، ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما العراق، وبذلك فسَّره الإمام الخطَّابِيّ والحافظ بن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن" من "صحيح البخاري" للحافظ.
وقد تحقق ما أنبأ به -﵇، فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ؛ فالحديث من معجزاته -ﷺ- وأعلام نبوته.
ومن ذلك تعلم أن الأستاذ/ صلاح الدين المُنجد، أخطأ في حشر هذا الحديث في الأحاديث الموضوعة في المقدمة، والله المُستعان.
[ ٢٦ ]