عن واثلة بن الأسقع -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ:
"ستكون دمشقُ في آخر الزمان أكثرَ المدنِ أهلًا، وهي تكونُ لأهلها معقلًا، وأكثرَ أبدالًا، وأكثر مساجد، وأكثرَ زهّادًا، وأكثر مالًا، وأكثر رجالًا، وأقلَّ كفارًا، ألا وإن مصر أكثرُ المدن فراعنة، وأكثر كفورًا، وأكثرُ ظلمًا، وأكثرُ رياءً، وفجورًا، وسحرًا، وشرًّا، فإذا عمرت أكنافُها بعث الله عليهم الخليفة الزائد البينانِ، والأعور الشيطان، والأخرم الغضبانَ، فويلُ لأهلهِا من أتباعهِ وأشياعهِ، ثم قرأ رسولُ اللَّهِ -ﷺ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ١، فإذا قُتِلَ ذلك
[ ٤٢ ]
الخليفة بالعراقِ، خرجَ عليهم رجلُ مربوعُ القامة، أسودُ الشعر، كثُّ اللحية، برَّاقُ الثنايان، فويلٌ لأهلِ العراق من أشياعِه المراقِ، ثم يخرجُ المهديُّ منَّا أهل البيت، فيملأ الأرض عدلًا كما مُلِئَتْ جورًا " وذكر باقي الحديث.
قلت: حديث منكر، تفرد بروايته محمد بن إبراهيم، وهو محمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى أبوعبد الله الغساني، نُسِبَ في رواية المصنِّف إلى جده، ونُسِبَ إلى أبيه في رواية بن عساكر من طريق أخرى عنه، نقلها السيوطي في "الحاوي" "٢/ ٤٦٤"، وترجم له ابن عساكر، ولم يذكر له تعديلًا، فهو مجهول الحال، وسائر رواة الحديث ثقات غيره، فالحمل فيه عليه، ويظهر من أحاديثه التي يرويها عن الثقات أنه منكر الحديث، كهذا الحديث والحديث الآتي بعده.
غير أن حديثه هذا فيه جملة صحيحة ثابتة عَنِ النَّبِيِّ -﵌، وهي خروج المهديّ،
والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا:
[ ٤٣ ]
"لا تذهبُ الدنيا حتى يملكَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما مُلِئَت جَوْرًا وظلمًا".
رواه أبو داود ط٢/ ٢٠٧"، والترمذي "٢/ ٢٧"، وأحمد "١/ ٣٧٦و ٣٧٧و ٤٣٠و ٤٤٨"، والطبراني في "الكبير" و"الصغير" "ص ٢٤٥"، من طريق زر بن حبيش عنه.
وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه الذهبي في "التخليص" "٤/ ٤٤٢".
ورواه ابن ماجه "٢/ ٥١٧"، والحاكم "٤/ ٢٦٤"، من طريق أخرى عن ابن مسعود نحوه، وإسناده حسن.
ورواه أبو داود، وأحمد "٢/ ٧٧٣" من حديث علي، وإسناده صحيح.
ورواه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم "٤/ ٥٥٧"، وأحمد:٣/ ١٧و ٢٧و ٣٦" من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وهو
[ ٤٤ ]
كما قالَا.
وقد أخطأ ابن خلدون خطًأ واضحًا، حيث ضعَّفَ أحاديث المهديّ جُلّها، ولا غرابة في ذلك؛ فإن الحديث ليس من صناعته.
والحق أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلًا إلى على المتضلِّع في علم السنة ومصطلح الحديث، فلا تعبأ بكلام من يتكلم فيما لا علم له به.
[ ٤٥ ]