واستجاب الله لعبده الصالح، فلم يشمت به أعداءه بعد هذا، قال غالب بن جبريل -الذي نزل عنده البخاري في خرتنك-: "فلما وافى- أي الرسول الذي بعثوه لإِخراج البخاري -تهيأ- يعني البخاري- للركوب، فلبس خفيه، وتعمم، فلما مشي قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده. ورجل أخذ معي يقوده إِلى الدابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني، فقد ضعفت. فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضي ﵀. فسال منه (^٣) العرق شئ لا يوصف. فما سكن منه العرق إِلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا،
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٦٦).
(٢) المرجع السابق.
(٣) السير (١٢/ ٤٦٧).
[ ١ / ٧٤ ]
وأوصى إِلينا: أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك. فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أياما، ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون، ويتعجبون".
ثم قال: وأما ريح الطيب فإِنه تداوم أياما كثيرة، حتى تحدث أهل البلدة، وتعجبوا من ذلك، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه الى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب (^١).
قال محمد بن أبي حاتم: ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إِلا القليل، وأوصى أن يدفن الى جنبه (^٢).
وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزار البخاري يقول: توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. وعاش اثنتين وستين سنة إِلا ثلاثة عشر يوما (^٣).
فرحم اللِّه البخاري رحمة واسعة،
وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
* * *
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٦٧).
(٢) المرجع السابق.
(٣) السير (١٢/ ٤٦٨).
[ ١ / ٧٥ ]